من هواجس الذات

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


إنسان

مشرف عام سابق
27 يوليو 2001
2,844
41
0
www.bafree.net
نظر نظرة في الصحف فألقاها.. فنفسه مشبعة بهذه الحسرات والمآسي اليومية التي يتجرعها كالعلقم.. تمنى أن يرى أو أن يقرأ خبراً يفرحه أو يسره.. راح يتذكر منذ متى قرأ خبراً مفرحاً.. فتش في تلافيف عقله ودماغه وانحدر إلى سني الطفولة المتأخرة فلم يجد شيئا إلا تلك الظلال التي تلقيها مقالات أو خطب حماسية تمجد ماضيه وواقعه وتمنيه بمستقبل يشعر فيه بأنه عزيز في أمة عزيزة. غير أنه كبر وكبرت مع أمته النكسات والتراجعات والخيبات.. وكأنه خلق في عالم قدره النكبات والهزائم..
تمنى أن يتحرر من واقعه وأن يتحرر من همه هذا الذي يلازمه كعاهة لا يمكن إخفاؤها أو الفرار منها.. تمنى أن ينسل بعقله وجسده.. وأن يفصل ذاته عن واقعه فيعيش تلك "البوهيمية" التي يعيشها بعض اصدقائه والذين يقابلون أشجانه وهمومه وهموم أمته، بالسخرية والهزء، بل هم يرمونه بالسوداوية والقنوط. هو يعرف في قرارة نفسه ان انساناً سوياً لن يرقص في مذبحة.
أقسم مع نفسه صادقاً أنه لو يمتلك حرية التخلص من وجعه هذا لنسفه وانجرد منه.. ولكن أين أو أنى له هذا؟. كم هم سعداء ومحظوظون أولئك الذين يغيرون مشاعرهم وأحاسيسهم كما يغيرون ملابسهم أو أحذيتهم..!! أين له ذلك المزاج الطفولي الذي يحول اللحظات القاتمة إلى ومضات من الإشراق والسعادة؟.
عذاباته تتنامى في صدره كما تتنامى مخالب صقر جارح أو أشواك شجرة سامة..
سأل نفسه بجدية هل يستطيع الإنسان أن يقلب حياته؟.. السؤال ليس من تلك الأسئلة الطارئة التي قد يتسلى بها الإنسان في لحظة ما لسبب ما ثم ينساها.
بل ألغى السؤال في ذهنه مشروعاً حقيقياً للتغيير.
ـ لنبدأ صفحة جديدة ـ كم سمع هذه الكلمة والتي تعبر ذهنه كملايين الكلمات التي تأتي وتذهب، فلا ينظر إليها إلا كعبارة سردية في قاموس حضارته أو ثقافته التي تتردد بمناسبة وبدون مناسبة.. بمعنى ان ليس لها جدة أو وقوف على بوابة الذهن.. وإنما هي تأتي وتذهب كحبات الغبار التي تمور بها رياح الصحراء كجزء من موجوداتها ونظامها الأزلي.
لكنه وقف أمام هذه الكلمة ونهجها وحاول نحتها في عقله: لنبدأ صفحة جديدة.
لأقم بعملية نقد جذرية.. لأزحزح حجر الزاوية كي تتهاوى بقية الأحجار.. وأبدأ أصنع لنفسي نهجاً آخر.. طريقا آخر.. بناء آخر.. إحساسا آخر.. لأحاول أن أعيش بتلك الحيادية حيادية من لا يعنيه شيء في هذا الوجود إلا ذاته. لأفكر في ذاتي.. لأطل مرة واحدة على أعماقي.. أمضيت جل عمري بعيداً عن قلبي، أثقله بهذه الصخور، وبهذه المواجع.. لقد طارت فراخ الحب عن قلبي وجثمت عليه أغربة الخوف البشعة.. وكان ذلك بإرادتي واختياري. كان بمقدوري أن أكون بوهيمياً يشع قلبي بالبهجة والحبور والفرح بلا مواجع هذا الكون، وهل يشاكس في مشاكل الكون إلا مكابر؟!.
صدر الكون أوسع من أن يضيق فلماذا لا أتعامل معه بتوافق ورضا وقبول..؟.
الحرية الحقيقية ان تعيش أنت لا أن يعيش الكون في داخلك.. أو لا يعيش الآخرون في داخلك ما دامت رأسك سليمة، ونفسك ذات شهية للفرح فلماذا لا تشبعها فرحا ومرحا.. فليذبح من ينذبح.. وليمت من يمت.. وليحفر نفق.. ولتبنى مستعمرة.. ولتقطع أرض.. ولتصنع مكائد.. وليزيف التاريخ.. ولتظهر القطط المرباة على أعمدة الصحافة فتموء بما تشاء.. ماذا يهمني..؟ لماذا أحترق..؟.
لننس ولنترك الريح تدفع السفائن كما تشاء..
استلقى على فراشه واسترخى في هدوء ونعومة بال.. طاب خاطره لهذه المحاورة الأولى أو المصارحة الأولى مع الذات.
وراح يكرر: الواقع هو الواقع.. لو كان بوسعي تغييره لغيرته.. كيف لي ان أغير واقعا لا يتغير؟!. هذا عبث.. وهذه مكابرة.. وهذه سباحة ضد التيار.. لابد أن أسبح مع التيار ككل أولئك السابحين.
لكنه فجأة شعر بوخزة كالطعنة فقفز خوفا من أن يكون قد صدق وهمه.


(عبدالله الناصر)