من أول الكتاب (السعادة في ثلاث)

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,757
7,780
113
ندى الياسمين
www.bafree.net
مقدمة
قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى:
(بسم الله الرحمن الرحيم، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم.
الله سبحانه وتعالى المسئول المرجُو الإجابة أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يَسبِغ عليكم نعمَه ظاهرةً وباطنةً، وأن يجعلكم ممن إذا أُنعم عليه شكر، وإذا ابتُلِيَ صبر، وإذا أذنب استغفر.
فإن هذه الأمور الثلاثة هي عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دُنياه وأُخراه، ولا ينفكُّ عبدٌ عنها أبدًا.
فإنَّ العبدَ دائم التَّقلُّب بين هذه الأطباق الثلاث:

الأول: نِعَمٌ من الله تعالى تترادف عليه، فقيدُها (الشُّكر)، وهو مبنيٌّ على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدُّث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة ولِيِّها ومُسْدِيها ومُعْطِيها. فإذا فعل ذلك فقد شكرها، مع تقصيره في شكرها.
الثاني: مِحَنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضه فيها (الصبر) والتَّسلِّي.
والصبر: حبس النفس عن التَّسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية: كاللَّطْم، وشقِّ الثياب، ونتف الشعر، ونحو ذلك.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها العبد كما ينبغي
انقلبت المحنةُ في حقِّه منحةً، واستحالت البليَّةُ عطيةً، وصار المكروه محبوبًا.
فإن الله لم يبتله ليُهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبرَه وعبوديته، فإنَّ لله تعالى على العبد عبوديةً في الضَّراء، كما له عليه عبوديَّة في السَّرَّاء، وله عليه عبوديَّة فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحب، وأكثر الخلق يُعطون العبودية فيما يُحبون.
والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوتت مراتب العباد، وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى.
فالوضوء بالماء البارد في شدَّة الحرِّ عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يُحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى عياله ونفسه عبوديَّة.
هذا، والوضوء بالماء البارد في شدَّة البرد عبودية، وتركه المعصية التي اشتدَّت دواعي نفسه إليها من غير خوفٍ من الناس عبوديَّة، ونفقته في الضَّراء عبودية، ولكن فرق عظيم بين العبوديتين.
فمَن كان عبدًا لله في الحالتين، قائمًا بحقِّه في المكروه والمحبوب؛ فذلك الذي تناوله قوله تعالى:
(( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ))[الزمر:36]، وفي القراءة الأخرى: عِبَادَهُ، وهما سواء؛ لأنَّ المفرد مضاف فيعمّ عموم الجمع.
فالكفاية التامَّة مع العبودية التامَّة، والناقصة مع الناقصة، فمَن وجد خيرًا فليحمد الله، ومَن وجد غير ذلك فلا
يلُومَنَّ إلا نفسه.
وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوه عليهم سلطان، قال الله تعالى:
"إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" [الحجر:42]).


الشيخ: الحمد لله، وصلَّى الله وسلَّم على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد: فهذه المقدمة التي ذكرها المؤلفُ العلامةُ ابنُ القيم رحمه الله في كتابه "الوابل الصيب" مقدمة عظيمة ومفيدة، وقد أخذ بعضَها الشيخُ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله، كما جاء في كتابه "آداب المشي إلى الصلاة".
فالإنسان في هذه الحالة بين نِعَمٍ وبين مصائبَ وبين ذنوبٍ، ولهذا قال رحمه الله:
(أسأل الله أن يتولاكم في الدنيا والآخرة، وأن يُسبغَ عليكم نعمَه ظاهرةً وباطنةً)، فالذين تولَّاهم وأسبغ عليهم نعمه استقاموا، إذا تولاهم سبحانه وفَّقهم لكل خيرٍ، وأسبغ عليهم النِّعَم: نعمة الدِّين، ونعمة الدنيا، ونعمة كفارة الذنوب، فهذا دعاءٌ عامٌّ.
ثم بيَّن دعاء أخص:
(أسأل الله أن يجعلكم ممن إذا أُعطي شكر)، يعني: إذا أنعم عليه شكر، (وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر)، فهؤلاء الثلاث تتضمن السعادة، والدليل: توفيق الله للعبد، كونه يُوفَّق للشكر عند النِّعم، والصبر عند المحن، والتوبة عند الذنوب.
هذه هي أسباب السعادة اجتمعت؛ لأنَّ كثيرًا من الناس عند النعم لا يشكر، بل يبطر ويتعدى الحدود، ويستعين بالنعم على المعاصي. وبعض الناس أيضًا عند البلية لا يصبر، إذا ابتُلي بمرضٍ أو فقرٍ أو غير هذا من المصائب أو موت قريبٍ جزع ولم يصبر. وكثير من الناس أيضًا يُصرُّ على الذنوب، ولا يتوب ولا يستغفر؛ فيكون ذلك من أسباب الهلاك.
لكن لو وفَّق الله العبدَ للشكر عند النعم، والصبر عند المصائب، والتوبة عند الذنوب؛ تمت له السعادة.
وهذه الأمور الثلاثة لا ينفكُّ عنها أحد، كل أحد يُبتلى بها، فالواجب على العبد عند هذه الأمور الثلاثة أن يفعل ما ينبغي له، فعند النعم -مثل: نعمة الصحة، نعمة المال، نعمة الزواج، نعمة العلم- يشكر الله على ما أعطاه من النعم بالاستقامة على طاعته وترك معصيته، وهذا الشكر مبنيٌّ على ثلاثة أشياء -ثلاثة أركان:
الاعتراف بها باطنًا: يعترف بأن الله أنعم عليه، ويوقن بقلبه، ويعلم الله من قلبه أنه معترفٌ بهذه النعمة، ويشكر الله عليها، ويحبه عليها سبحانه، وأنه المن
عم جل وعلا، فهو خاضعٌ له، منيبٌ إليه، مُصدِّقٌ بإنعامه.
ثم أمر ثانٍ وهو: التحدث بها باللسان، كما قال تعالى:
" وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ "[الضحى:11].
والثالث: العمل، أي: يصرفها في طاعة الله وترك معصيته، كما قال:
((اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ))[سبأ:13].
هذه الثلاث هي الأركان: الاعتراف بالنعمة لله وأنه المنعم، ومحبته على هذا، وخضوعه، وإذلاله، والتحدُّث بها بالقول، وتصريفها في طاعة المُنعم وترك معصيته.
أما المصائب: فهي تكون بموت قريبٍ، بالأمراض العارضة، بالفقر، بالحوادث التي تمر بالإنسان. فأنواع المصائب كثيرة، فكلَّما أصابه شيءٌ يكرهه يُقال له: مصيبة، والله يقول سبحانه:(( مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)) [التغابن:11]، ويقول سبحانه: ((وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)) [الشورى:30]، ويقول جل وعلا: ((مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)) [الحديد:22].
فالمصائب تقع بإذن الله الكوني القدري بمشيئته وقدره السابق؛ ابتلاءً وامتحانًا، فقد يُصاب بمرض عام، أو بمرضٍ في بعض أعضائه، قد يُصاب بالفقر، قد يُصاب بالإيذاء من الأعداء، قد يُصاب بأنواعٍ مما يكره.
فالواجب على المسلم عند هذه المصائب أن يستعمل الأمور الثلاثة، بحيث يكفُّ جوارحه عمَّا لا ينبغي، ويكفُّ لسانه عمَّا لا ينبغي، ويكفُّ قلبه عمَّا لا ينبغي، فلا يجزع بقلبه، ولا يتكلم بشيءٍ لا ينبغي بلسانه، ولا يفعل بجوارحه شيئًا: كخمش وجهٍ، أو شقِّ ثوبٍ، أو لطم خدٍّ، أو ما أشبه ذلك؛ بل يكون منيبًا لله، خاضعًا لله، حامدًا لله، صابرًا، محتسبًا، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يتكلم إلا بالخير، ولا يفعل إلا خيرًا، وقلبه مطمئن، صابر، محتسب، ليس بجزوع. هكذا يجب عند المصائب.

أما عند الذنوب: فالواجب عندها البدار بالتوبة والاستغفار، فيُقابل الذنوبَ بالتوبة، والمصائب بالصبر والاحتساب، والنِّعم بالشكر والقيام بحقِّها.
هذه أسباب السعادة وأسباب النَّجاة.
وفَّق الله الجميع.


الأسئلة:
س: هل الصبر له مراتب أم مرتبة واحدة؟
ج: ثلاث مراتب: الصبر على المصائب بقلبه ولسانه وجوارحه جميعًا، ثلاث؛ بقلبه لا يجزع ولا يتسخَّط، وبلسانه لا يتكلم بما لا ينبغي من: النِّياحة والسَّب والكلام السيئ، وبجوارحه لا يخمش وجهًا، ولا يشق ثوبًا، ولا يلطم خدًّا، ولا يحثو على نفسه التراب، وأشباه ذلك.
س: مَن شكر بلسانه وخالف ذلك بجوارحه؟
ج: يكون ما صبر.


شرح كتاب"الوابل الصيب" لابن القيم رحمه الله
الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله من موقعه

يتبع التكملة الكتاب العجيب

فيما بعد نتابع بإذن الله موضوع قيم جدا ولنعود من جديد لأسماء الله عز وجل الحسنى
اسم الله
المقدم المؤخر ...لنعرف التقديم والتأخير ,وفي الحياة قد تقدم لك أشياء
في وقتها المناسب وقد تأخر لك بحكمة من ربك اللطيف,لانو قد يكون في تقدمها شرا
لك ...مثلا الزواج العمل الشفاء !

انتظرونا محبي الحصن الحصين النفس المطمئنة
 
  • Like
التفاعلات: Admin