مذكرات المعلمة .. مها عبدالرحمن

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


إنسان

مشرف عام سابق
27 يوليو 2001
2,844
41
0
www.bafree.net
الموضوع منقول من موقع إسلامي.

منذ نعومة أظفاري وأنا أحلم أن أكون معلمة قديرة ، وكثيراً ما كنت أتقمص ذلك الدور حينما كنت ألعب مع أترابي الصغيرات ، ومرت الأيام وشاء الله تعالى أن يتحقق ذلك الحلم الجميل بعد أن تخرجت - بحمد الله - في كلية شرعية زودتني – بفضل الله – بحصيلة علمية جديدة ورغبة قوية تدفعني من الأعماق لنشر ذلك العلم والدعوة إلى الله – تعالى- ، وكدت أطير من الفرح ، ولم أصدق أن قدمي تحملاني لأول مرة لأكون معلمة حقيقية تغذي العقول وتغرس القيم ، وبدأت رحلتي الجميلة مع التعليم ، وفي تلك الثانوية التقيت بطالباتي الحبيبات بسطت لهن وجهي ، وتودّدت لهن في نصحي وقولي ، منحت لهن وقتي وراحتي ، بل وبذلت لمن أراها تحتاج منهن بعضاً من مالي ، كنت قريبة إلى نفوسهن فانجذبن نحوي ، وفتحت قلوبهن لي ، فتعلمت من خلال ذلك كيف أبذر بذرة الخير فأراها تنمو لتصبح شجرة طيبة تؤتي ثمارها في كل حين رأيت بعضاً منهن يتسابقن إلى مصلى المدرسة وقت الفسحة، ليركعن ركعتي الضحى بعد أن كانت ضحكاتهن وقت الفراغ تملأ الممرات والساحات .
كانت تلك الثمار تمسح عن جبيني آثار التعب والإرهاق من جراء الجهد الذي كنت أبذله في مدرستي مع واجبات بيتي ، فأنا زوجة وأم لأطفال .
كابدت المصاعب وأعانني زوجي فهو - بحمد الله - رجل صالح ، وكان كثيراً ما يردد : أخلصي في عملك ، ودعوتك ليقيض الله لأولادك من يمنح لهم ذلك ، فإن الجزاء من جنس العمل .
لم تكن المادة تعني لنا شيئاً ولا دافعاً – بحمد الله – للعمل ، ولم نتخذ تلك الوظيفة مطية لتحقيق شهوات دنيوية ، ولا أنسى يوم فاتحته برغبتي بمساعدته بجزء من مالي لبناء بيت لنا ، ولأطفالنا فقال لي : لن نبني بيتاً في الدنيا فبل أن نبني بيتاً في الجنة ، وقمنا بتخصيص مبلغ من كل شهر للمساهمة في بناء بيت من بيوت الله ، وواصلت مسيرتي وأنا بحمد الله أقطف كل يوم ثمرة ، وأرقب تفتح زهرة حقاً ، كم في قلوب بناتنا من خير ! ولكن أين المعلمات الداعيات ؟!
ومع مرور الأيام زاد عدد أطفالي ، وتضاعفت مسؤولياتي ، وبلغ بعضهم مرحلة من العمر يحتاجون فيها إليّّ أكثر من ذي قبل ، ولأنني لن أحضر خادمة تسرق مني أطفالي ، وتهدم فيهم ما بنيت من مبادئ، وتجتث ما زرعت من أخلاق كان أمامي قرار صعب جداً وهو التخلي عن مدرستي ، والتفرغ لبيتي وأطفالي ، ترددت كثيراً واستخرت الله تعالى ، ثم استشرت زوجي فأخبرني أن تركي للعمل لحاجة بيتي وأطفالي هو جزء من دعوتي لطالباتي للفهم الصحيح لدور المرأة في المجتمع ، وترتيب الأولويات في حياتها ، وأن عليها أن تعطي مادامت قادرة على العطاء ، وأن تفسح المجال لغيرها حينما يتراجع ذلك العطاء ويؤثر على واجباتها ، وأولوياتها .
فمضيت في عزمي ، وقررت إنهاء عملي خارج مملكتي الصغيرة ؛ لأن هناك مهامَّ كبرى تنتظرني ، فقدمت استقالتي ، وأنا استشعر حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ( المؤمن كالغيث أينما حل نفع ) فإن كانت الدعوة في صفوف الطالبات بالنسبة لي أصبحت متعذرة فمجالات الدعوة الأخرى تنادي العاملين ليبذلوا لها شيئاً من وقتهم وطالب الخير سيجده إن شاء الله – تعالى- إذا صدق في العزم وأخلص النية .
كان القرار قاسياً على قلوب زهراتي المتفتحة ، وقاسياً أيضاً على قلبي ، ولكنه قبل كل شيء استجابة لنداء الفطرة ، وعودة إلى عرش الأمومة داخل مملكتي الصغيرة .
وحان وقت الفراق فودعت طالباتي ودعوت الله لهن بالتوفيق ، وتمنيت أن تأتي إلى مدرستي من ترفع رايتي ، وتحمل شمعتي لتضيء للأجيال الدروب ، وتغرس فيهن القيم .
هذه تجربتي وما أجملها من أيام ! تعلمت فيها دروساً في البذل والدعوة ودروساً في فن التعامل مع الآخرين ، ولكنها - على حلاوتها - كشفت لي واقعاً مراً ، وهو أن الكثيرات من العامملات في مجال التدريس لم يدركن المعني الحقيقي للمعلمة ، ولا الهدف الصحيح لمهنة التعليم النبيلة ، فالتعليم لديهن ميدان لحصد المال فقط ، فمنذ بداية الشهر وهن يرقبن آخره للحصول على المال ، ومنهن – وهذا أدهى وأمَّر– من استغلت مهنتها للدعوة إلى باطلها وسفورها ، وفكرها المنحرف ، وعدد ليس بالقليل جعلن من هذه المهنة مجالاً للغرور ، والتعالي ، والتكبر على طالباتها ، وكل هؤلاء أخطأن ، وخبن وخسرن ؛ فالتعليم قبل كل شيء أمانة أمام خالقهن أولاً ، ثم مجتمعهن ثانياً ، وهو ميدان خصب للتربية والتوجيه فهلا أدركن ؟
إن هناك فتناً كثيرة تعصف بقلوب فتياتنا المراهقات في المرحلة المتوسطة والثانوية ، فالأغنية الماجنة ، والفلم الرخيص ، وما تعرضه شاشات الأطباق الفضائية سيل عارم لا بد أنْ يوقف بسد منيع من الإيمان والخلق ، فهلاّ ساهمت معلمة في بنائه في نفوس طالباتنا ؟
إنني لا أدعي السبق إلى هذه التجربة فأنا أعلم أن الكثيرات سبقنني إليها ، بل لا أبالغ إذا قلت إنني ثمرة من ثمرات هذه التجربة ولكنني أسبق إلى نشرها ، لعل هناك من ينتفع بها ، ولأن ذلك جزء من دعوتي بعد أن فارقت مدرستي .