كتاب " التنوع والتعايش" بحث في تاصيل الوحدة الاجتم

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


المتفأل

عضو متميز
3 أغسطس 2001
392
3
0
www.alaml.net

المادة الاتية منقولة من موقع ارتباطات ثقافية.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المؤلف:............. حسن الصفار
الكتاب: ..........التنوع والتعايش: بحث في تأصيل الوحدة الاجتماعية والوطنية.

الطبعة: ........الأولى. بيروت: دار الساقي، 1999م. 100صفحة. من القطع الوسط.

عرض:.................... حسن آل حمادة


من ضمن إصدارات دار الساقي ببيروت صدر هذا الكتاب المهم المعنون بـ (التنوع والتعايش) للأستاذ الشيخ حسن الصفار، وقد حاول المؤلف في كتابه هذا أن يؤسس للتعايش كخيار لواقع التنوع والتعدد لأن أول خطوة تضعنا على طريق التنمية والتقدم هي امتلاك إرادة التعايش والقدرة على تحقيقه.

فإذا ما اعترفنا ببعضنا بعضاً، واحترم كل واحد منا الآخر، واقر بشراكته ودوره، حينئذ يمكننا العمل معاً لتجاوز حالة التخلف العميق والانطلاق نحو أفق الحضارة الواسع.

وللأسف فإن"واقع التنافر والإحتراب الداخلي يعوق أي محاولة للنهوض والإقلاع فشعوبنا كسائر المجتمعات البشرية تتنوع ضمنها الاتجاهات وتتعدد الانتماءات، دينياً وقومياً وسياسياً، لكن مشكلتنا أن كل اتجاه أو انتماء يعيش القلق من الآخرين في محيطه، حيث تسود أجواءنا حالة الشك والارتياب تجاه بعضنا البعض، مما يدفع كل طرف للحذر من الآخر، والاستعداد لمواجهته، والعمل، على إضعافه، مما يحول بيننا وبين التعاون الجاد المخلص، بل ويوجه طاقاتنا نحو الهدم بدل البناء.

إن أذهاننا وأفكارنا مشغولة بمعاركنا الداخلية، وإن الجزء الأكبر من إمكانياتنا تستنزفه تلك المعارك.

ومن الطبيعي أن يستفيد أعداؤنا من هذا الواقع السيئ، وأن يشجعوا حال التمزق والتشردم في مجتمعاتنا، لنستمر في الخضوع لهيمنتهم، وليأمنوا خروج المارد الإسلامي من قمقمه.

إن القوى المسيطرة في العالم لا تريد لنا السير على طريق التنمية والتقدم، لتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي، بل تريدنا محتاجين إليها دائرين في عجلة اقتصادها.

فمتى سنتجه إلى معركتنا الحقيقية في ميدان التنمية، ما دمنا منشغلين بمعارك خلافاتنا المزمنة والزائفة؟ متى سنتصدى لأعدائنا الواقعيين، ما دمنا مستغرقين في العدوات الداخلية الوهمية؟" ص 16.

"تقول الحقائق والأرقام[كما يتحدث الدكتور (غازي القصيبي)، في حديثه عن الكتاب] إننا قتلنا أنفسنا قتلاً ذريعاً لم يبلغ عشر معشاره فعل أعدائنا.. وسقط في حروبنا الأهلية أضعاف من سقط في حروبنا مع الآخرين.. وقتل المسلمون من المسلمين ما لم يقتله غير المسلمين..وفي هذا عبرة بالغة.."(1).

حري بالذكر أن الدكتور الشيخ (محمد عبده يماني) قد كتب تقديماً رائعاً للكتاب، ومما جاء في مقدمته ما يلي:" الكتاب عن قضية التنوع والتعايش، وهو موضوع مهم، خصوصاً أنه يعني بالدعوة إلى الحوار والتفكير والتعايش، ويطرحها في إطار موضوعي ومنطقي، يجعلك تشعر، وأنت تقرأ الكتاب، بأن المؤلف بذل جهداً موفقاً، ووضع فيه عصارة فكره، وزبدة من تجاربه وجمع فيه ألواناً من المعرفة، ثم صاغ ذلك بأسلوب راق، وتسلسل بديع.

وهو كتاب في موضوعه جِدة، وفي عرضه سلاسة، يشعرك كأنك كنت تفكر بنفس طريقة المؤلف، ويأخذك في عرض جميل، يستعرض خلاله نماذج من القضايا المهمة التي يطرحها الكتاب، ويجعلك كأنك تقرأ أفكارك فيه.

...وهناك نقطة مهمة، وهي أن الكتاب مركّز مكثّف، لدرجة أن كل فصل يصلح كتاباً مستقلاً بذاته [ويتفق الدكتور القصيبي مع الدكتور يماني بهذا الخصوص، قائلاً: وهذا صحيح..](2)، مثل ظاهرة التنوع اللغوي، والعرقي والقومي، والتمايز الفردي، كلها موضوعات تستحق الإفراد بالاهتمام والدراسة".ص 7-8.



قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول وخاتمة.

الفصل الأول: التنوع ظاهرة كونية واجتماعية.

الفصل الثاني: التنوع والاختلاف.. رؤية إسلامية.

الفصل الثالث: التعايش.. منهج وتطبيق.

الخاتمة: الانتقال من زمن التعصب إلى زمن التعايش... مسؤولية من؟



التنوع ظاهرة كونية واجتماعية


بعد المدخل جاء هذا الفصل في ثلاثة محاور وهي، كالتالي:

1- التنوع العرقي والقومي.

2- التنوع اللساني واللغوي.

3- التنوع الديني.



أشار الكاتب إلى أن هناك آيات عديدة في القرآن الكريم تتحدث عن التنوع والتعدد في حياة البشر، رغماً من أنهم يتساوون في إنسانيتهم العامة، وفي خصائصهم الأولية المشتركة، فإنهم، في حقيقة الأمر، يتمايزون داخل المحيط البشري. وهذا التنوع إنما هو جزء من ظاهرة كونية، تشمل أصناف المخلوقات والكائنات؛ فمجرات الفضاء وكواكبه متنوعة، وعالم النبات يحتوي على ألوان وأشكال مختلفة، رغم وحدة التربة التي ينبت منها، والماء الذي يسقى به. يقول تعالى:(وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ) الأنفال/141.

فالتنوع ظاهرة في جميع المخلوقات من ملائكة، وبشر، وحيوانات، و...الخ.

ففي حياة البشر هناك تمايز فردي: في الصورة والصوت، وحتى إن وجد بعض التشابه فيمكن تجاوزه بالتأمل الدقيق؛ لكن هل يكن تشابه بصمات الإنسان؟ كلا، ولعل في قوله تعالى: (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) القيامة/4. إشارة لهذه الحقيقة العلمية، ففي كل يوم تقارن 80 ألف بصمة على مستوى العالم ولم تحدث حالة تشابه واحدة حتى بين التوائم.

وهناك تفاوت على مستوى العلم والمعرفة، يقول تعالى: (نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) يوسف/76.

كما يوجد تفاوت في الحالة الاقتصادية للبشر. يقول تعالى: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا) الزخرف/32.

عن (التنوع اللساني واللغوي) أشار إلى تنوع اللغات وتعددها إلى 3000 لغة منطوقة في العالم اليوم عدا اللهجات ، فهي لا تدخل ضمن هذا العدد (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) الروم/22.

عن (التنوع الديني) تحدث المؤلف قائلاً: "لا ينبغي للاختلاف الديني بين الناس أن يؤدي إلى الصراع والنزاع فالأصل في العلاقة بين أبناء البشر هو الانسجام والاحترام المتبادل" ص 36.

فكما حصل التنوع والاختلاف في سائر جوانب حياة البشر، فقد شمل هذا الجانب أيضاً، فحالة التعدد الديني لا يمكن إلغاءها بالقوة والفرض، إذ (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) النحل/256. و (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) الكافرون/6.

كل ما ينبغي علينا فعله أن نعمل وفق قوله تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) النحل/125.

ومن الأمور الجديرة بالتأمل أن الإسلام ينهى عن جرح مشاعر أتباع الديانات الأخرى البعيدة عن الديانة الإسلامية؛ لأن ردة الفعل الطبيعية ستكون سب مقدسات المسلمين: (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ) الأنعام/108.

وهذه ملاحظة ورؤية قرآنية دقيقة– أحسن المؤلف في التنبيه إليها- تُشخص حالة الإنسان والجماعات الظالة عندما يتعرضون لسبٍ أو تجريحٍ لما يظنون أنها الآلهة؛ فإذا كان القرآن ينهانا عن سب من يدعون من دون الله فهل يقبل منا نحن أتباع الديانة الإسلامية أن نشتم ونسب بعضنا بعضاً؛ نتيجة قصورٍ أو جهلٍ أو عدم إطلاعٍ على أفكار الآخر الذي قد نختلف معه في الساحة الإسلامية .

كلا، القرآن لا يأمر بذلك بل يوجه الإنسان إلى أن يستمع إلى الرسالة الموجهة إليه (شفوية كانت أو كتابية)، ومن ثم يقوم بنقدها فإن وجد ما استمع إليه صحيحاً أخذ به وتبناه، وإن رآه خاطئاً رفضه وما ابتغاه.

وهناك دعوات قرآنية كثيرة بهذا الخصوص تدعم هذه الفكرة، منها قوله تعالى: (فَبَشِّرْ عِبَادِي
(17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمْ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ) الزمر/17-18.

فالقرآن يوجه لنا دعوة مفتوحة للاستماع والقراءة؛ فالقول قد يكون ملفوظاً وقد يكون مكتوباً؛ فالأمر هنا ليس بخصوص السبب إنما بعموم الحال-كما يقال-والذي أفهمه من هذه الآية الكريمة أنها توجهنا إلى الاستماع والقراءة إلى كل من هو صاحب (فكرة) بمعنى أن نكون منفتحين على الثقافات، وعالم الأفكار من حولنا، ولكن بقيدٍ ضروري حتى نحافظ على توازننا فلا نقع في حفرٍ عميقة!

والقيد الذي أقصده هو تحليل الفكرة ومحاولة نقدها لا أخذها على عواهنها، كما يحلو ذلك
للبعض! خصوصاً عندما يفتقدون للبوصلة؛ أو يتناسون كفّي الميزان(3).



التنوع والاختلاف.. رؤية إسلامية


تطرق المؤلف في هذا الفصل لأربع نقاط ، أشار في الأولى منها: إلى كون الاختلاف (مظهر للقدرة والحكمة الإلهيتين): فمن خلال تدبرنا في آيات القرآن الكريم، وقراءتنا الواعية لنصوص السنة النبوية، وسيرة أئمة المسلمين، نكتشف رؤية واضحة للتعاطي مع موضوع الاختلاف؛ ففي التنوع والتغاير في المخلوقات أجلى الآيات على قدرة الخالق وعظمته، وإبداعه. حيث يضفي هذا التنوع على الكون والحياة جمالاً وروعة.

ثانياً: (مشروعية التنوع): واضح أن التنوع بين الناس على نوعين: 1- تنوع طبيعي تكويني، وجد الناس أنفسهم ضمنه. 2- تنوع اختياري كسبي يرتبط بقنا عات الإنسان وأفكاره ونمط سلوكه واتجاهه. وهذا التنوع ناشئ من تقدير الله وحكمته لوجود الإنسان في هذه الحياة. يقول تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ) المائدة / 13.

فالله ترك الحرية للإنسان لكي يختار إمّا طريق الجنة وإمّا طريق السعير، لذا لا يحق للبشر أن يفكر في إلغاء هذا التنوع بالقهر والقوة، حيث أثبتت التجارب وقصص التاريخ أن ذلك لا يجدي نفعاً؛ لأن العقيدة محلها القلب، وإن نطق اللسان بغير ذلك، وما قصة عمار بن ياسر عنّا ببعيد! إذاً علينا أن نسلك طريق (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) الغاشية / 21-22.

ثالثاً: (التنوع الإيجابي): التنوع يجب أن يكون دافعاً نحو التعارف والتواصل بين المجاميع البشرية المختلفة، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات / 13.

رابعاً: (التنافس الإيجابي): "القرآن يوجّه البشرية إلى أن تستفيد من واقع التنوع في إذكاء رو ح المنافسة الإيجابية، بأن تسعى كل جهة لبناء ذاتها، وأن تثبت تفوقها عبر ما تنجزه من أعمال الخير والصلاح، وما تحققه من عمارة للأرض وخدمة الحياة" ص 47.

فالمطلوب التركيز على تقوية الذات، لا العمل عل إضعاف الآخر كما ير الكاتب.



التعايش.. منهج وتطبيق


في هذا الفصل الذي جاء في 37 صفحة، تحدث الكاتب عن (التعايش.. منهج وتطبيق) عارضاً فيه نماذج عن واقع التنوع الديني في المجتمع الإسلامي وفي ظل الحضارة الإسلامية.

وأشار إلى أن هناك شرطين أساسيين يمكن بهما تجاوز ما تفرزه حالة التنوع غالباً من إشكاليات في التعاطي والتعايش، هما: 1- ضمان الحقوق والمصالح للأطراف المختلفة. 2- الاحترام المتبادل.

مواطنون وأديان مختلفة: تحت هذا العنوان تحدث المؤلف في البدء عن السنة الأولى لتأسيس المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، وكيف أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم ) وضع" دستوراً أساسياً تنظيمياً لإدارة المجتمع والدولة الإسلامية الناشئة، عرف بصحيفة المدينة. وقد تضمنت هذه الصحيفة الاعتراف بمواطنة غير المسلمين، وعضويتهم في تكوين المجتمع الجديد، وحدد الواجبات التي عليهم، والحقوق التيلهم، شأنهم في ذلك شأن باقي المواطنين المسلمين" ص 60.

كما أشار المؤلف إلى حقيقة في المجتمع الإسلامي حيث كانت الفرصة متاحة لغير المسلم لتولي الوظائف والأعمال الإدارية الحكومية.

وتحت عنوان: أمة واحدة وقوميات متعددة: ألمح إلى أن الإسلام لم ينحصر في العرب بالرغم من كون اللغة العربية لسان هذه الرسالة.

فمن فارس: كان لـ (سلمان الفارسي/المحمدي) دوراً مهماً في التخطيط لحماية المدينة المنورة، من الهجوم الكاسح الذي كان تحالف المشركين واليهود ينوي شنه للقضاء على الدولة الإسلامية الناشئة، وذلك باقتراحه حفر الخندق.

ومن الحبشة: وجد (بلال بن رباح الحبشي) الذي أخذ موقعاً في ذاكرة التاريخ الإسلامي، بصموده على الإسلام، رغم تعرضه للتعذيب والتنكيل، فَمن من أطفالنا لا يعرف بلال مؤذن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

ومن الروم: (صهيب الرومي) الذي ضحى بماله عندما اعترضه المشركون ولم يفسحوا له بالهجرة إلاّ بالتنازل لهم عن ماله وثروته، وتنازل والتحق برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي استقبله بقوله:
" ربح البيع أبا يحيى".

فالإسلام يحتضن الشعوب والقوميات، ولا يتحفظ على اللغات الأخرى بالرغم من أن القرآن أنزله الله (بلسان عربي مبين)، وترك الحرية للشعوب الإسلامية بالاحتفاظ بعاداتها وتقاليدها، التي لا تتنافى مع تعاليم الإسلام، ولا تخالف مفاهيمه. كما وجدت شخصيات من مختلف القوميات لعبت أدواراً قيادية سياسية في الأمة، ولا يخفى على أحدٍ أن الإسلام أقر تنوع المذاهب الإسلامية ما دامت تستقي من مصدرين أساسيين، هما: القرآن الكريم، والسنة المطهرة.

وفي خاتمة حديث المؤلف حول الومضات المشرقة في تاريخنا الإسلامي لم يغفل الحديث عن الوجه الآخر لتاريخ الأمة، الذي يثير الألم والحسرة لما يعكس من حالات تعصب وعداء، أزهقت فيها نفوس وهتكت حرمات، وضيّعت حقوق، بسبب رفض حالة التنوع، ومحاولة فرض هيمنة معينة.

وأكد المؤلف على أن "مهمتنا الآن استجلاء قيم الإسلام الحقيقية، والاستفادة من الجانب التطبيقي الإيجابي في تراثنا وتاريخنا، حتى نتمكن من إصلاح واقعنا، ومواجهة التحديات الخطيرة التي تواجه مجتمعنا" ص 89 .

الانتقال من زمن التعصب إلى زمن التعايش...

مسؤولية من؟



للوصول إلى زمن التعايش علينا نبذ التعصب. وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):
"من كان في قلبه حبة من خردل من عصبية، بعثه الله يوم القيامة مع أعراب الجاهلية"، وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ليس منّا من دعا إلى عصبية، وليس منّا من قاتل على عصبية، وليس منّا من مات على عصبية" .فالتعايش هو الخيار الذي ينبغي أن نسعى جميعاً لصناعته ومعايشته؛ لأن محاولة الفرض والإلزام، لن تجدي نفعاً، كما أن حالة العداء والصراع، تدخل المجتمع في نفق الصراع الداخلي، والذي قد ينتهي إلى حرب أهلية، كما حصل في بعض البلدان، بالتالي لم يبقَ إلاّ خيار التعايش" بأن يعترف كل طرف للآخر بحقه في التمسك بقناعاته ومعتقداته، وممارسة شعائره الدينية، والعمل وفق اجتهاداته المذهبية، ويتعامل الجميع كمواطنين متساويين في الحقوق والواجبات، متعاونين لتحقيق المصلحة العامة ومواجهة الأخطار المشتركة" ص 94.

ومسؤولية تحقيق هذا التعايش تقع على عاتق الجميع، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، كما جاء في الحديث الشريف. وبالدرجة الأولى خص المؤلف الحاكمين في البلاد الإسلامية، وعلماء الدين، ورجال الفكر والإعلام، وأخيراً، المواطنين الواعين؛ لأن الصراع والتناحر يهددان مستقبل الوطن، ويضران بمصلحة الشعب.

كانت صفحات هذا الكتاب إسهاماً من فضيلة العلامة الجليل الشيخ حسن الصفار(4) في التبشير بمبدأ التعايش الذي دعا إليه في الكثير من كتاباته ومحاضراته التي تتلمذ عليها جيل كبير من أبناء مجتمعنا.



------------------------------------

الهوامش:

1- د. غازي القصيبي. حسن الصفار والدعوة إلى لحوار. المجلة العربية (السعودية) شوال 1420هـ. ص 20-21.

2- نفس المصدر. ص 21.

3- حسن آل حماده. كونوا نُقّاد الكلام. جريدة البلاد. ع 15525، الأربعاء 19/9/
1419هـ، ص 5.

4- استعرت هذا اللفظ من تقديم سماحة العلامة الشيخ محمد مهدي شمس الدين لكتاب (الحرية والتعدية في الإسلام) للشيخ الصفار، في طبعته الثانية، الصادرة عن دار الصفوة، ببيروت: لعام 1416هـ ومما جاء في التقديم قوله:" وهذا الكتاب (التعددية والحرية في الإسلام) الذي كتبه فضيلة العلامة الجليل الشيخ حسن الصفار أيده الله سبحانه وتعالى، يعالج ويبحث هذه النقطة. وقد قرأت هذا الكتاب وأهنئ فضيلـة الشيخ الجليل على توفيق الله له في إنجـاز هذا العمل، الذي يشق طريقاً غير مسبوق في الأبحاث الفقهية والفكرية الإسلامية".

نشر هذا العرض في مجلة (قرطاس) الكويتية، ع(53)، يونيو2000،ص 18-20. وقد خُرّجت هوامشه للتوثيق.