دور الاستعمار في إحلال القوانين الوضعية(4)ترك الحكم بالشريعة

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


11 يوليو 2001
176
6
0
bafree.com
الفصل الثالث :-
ترك الحكم بالشريعة؟
لقد انعقد الإجماع المستند إلى نص محكم أن تحكيم الشريعة الإسلامية واجب،ولم يخالف في ذلك أحد يعتد بخلافه،وذلك لما سبق من الأدلة،ولم يأت من خالف هذا بطائل يذكر،أو مستند يقبل.
بقي هل ترك الحكم بالشريعة،مُخرج عن الملة،أو لا ؟
ثم ما الذي يترتب على ذلك من أحكام تخص المُشَرِّع، أو من يتبع ذلك التشريع .
وبداية لابد من بيان قاعدة مهمة تقرر أن المسلم لا يجوز له أن يطلق حكم الكفر على أحد من المسلمين دون برهان واضح؛وذلك لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء به أحدهما ) (أخرجه البخاري(5-2263)،وغيره).
وإسلام المرء يثبت بنطق الشهادة،ويوكل أمر سريرته إلى الله تعالى؛وعندما قتل أسامة بن زيد رجلاً بعد نطقه بالشهادة قال له الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( أقتلته بعد أن قالها؟!
كيف لك بلا إله إلا الله؟ ).
فقال أسامة: ( إنما قالها تقية يا رسول الله ).
فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ( هلاّ شققت عن قلبه)(أخرجه مسلم(1-96)،وغيره).
وجمهور علماء المسلمين لا يكفرون من ثبت إسلامه بيقين مهما أتى من أعمال،وإن أطلقوا الكفر على ما يفعله دون تناول حقيقة باطنه بالحكم،بل من يُحْكَم بقتله في أمر كفري يطلق ذلك الحكم باعتباره فتوى تصلح ليؤخذ منها حكم قضائي؛لا أنه حكم يستحقه ذلك الشخص باطناً،وهم يقررون كذلك أن أحدا لا يكفر بذنب ما لم يستحله(انظر العقيدة الطحاوية صـ 355 – ابن أبي العز الحنفي – المكتب الإسلامي – بيروت – تحقيق محمد ناصر الدين الألباني ط6)،وقد فهمت هذه العبارة فهما خاطئا فظن بعضهم أن مجرد الفعل للمحرم أو إيجاد التشريعات التي تنظمه يعد استحلالا!
أقول:لا يتصور وجود الاستحلال بمجرد العمل؛فليس من يشرب الخمر يعد مستحلا لها بمجرد ذلك،ولو أوجد من التشريعات ما ينظم تعاطيها؛(تصور رجلا يتعاطاها مع أبنائه نسأل الله العافية،ويطلب منهم ألا يشربوها إلا ليلا،هل يعد هذا كفرا؟)إذ لا بد من تصريحه بعدم تحريمها؛حتى يتسنى التعرف على استحلاله لها،وكذا القول في كل قول،أو فعل كفري.
وهذا ما يحملني على اشتراط صدور حكم قضائي في هذا الخصوص قبل الحكم بتكفير أحد،فلعل تأويلا لديه،أو شبهة عنده،أو جهلا قام به يحول دون القول بتكفيره،(قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله،ولا بخطأ فيه؛كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة؛فإن الله تعالى قال:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون،كل آمن بالله، وملائكته،وكتبه،ورسله،لا نفرق بين أحد من رسله،وقالوا سمعنا،وأطعنا،غفرانك ربنا وإليك المصير"،وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء،وغفر للمؤمنين خطأهم،والخوارج المارقون الذين أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقتالهم،وقاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أحد الخلفاء الراشدين، واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة،والتابعين ومن بعدهم؛لم يكفرهم علي ابن أبي طالب،وسعد بن أبي وقاص،وغيرهما من الصحابة؛بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم،ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام،وأغاروا على أموال المسلمين؛فقاتلهم لدفع ظلمهم،وبغيهم،لا لأنهم كفار؛ولهذا لم يسب حريمهم،ولم يغنم أموالهم،وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص،والإجماع،لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم؛فكيف بالطوائف المختلفين الذين أشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم"انظر الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية ( 3- 282 ، 284 )وانظر مسألة تأثير الجهل في مثل هذا كتاب دعاة لا قضاة صـ 125 – حسن الهضيبي – دار السلام – بيروت ط2 حيث قرر أن الجاهل في شيء من أمور الدين لا يكون كافراً حتى يرتفع عنه عذر الجهل،بيد أن علماءنا لم يعتبروا الجهل عذراً إلا عندما توجد قرينة تجعل مثله معذوراً مثل حديث الإسلام وخصوصاً في أمر مما يعلم بالضرورة).
وهذا كله لأن المقرر لدى عامة علماء المسلمين أن الدليل لا يرفع موجبه إلا دليل أقــوى منه،وفي هذه المسألة يثبت الإسلام للشخص بدليل نطقه بالشـــهادة،أو الولادة من أبوين مسلمين (انظر فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ( 10 - 431 ))،ودليل ذلك قول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وســلم:"أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصاً مخلصا من قلبه"(أخرجه البخاري ( 8 - 210) ،وفي صحيح مسلم(1-177) قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم:" يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة،ويجعل أهل الجنة يرشون عليهم الماء،حتى ينبتوا نبات الحبة في السيل،ويذهبوا حراقة،ثم يسأل حتى تجعل له الدنيا وعشرة أمثالها معه")ومن أراد إطلاق حكم الكفر على من هذا حاله فعليه إثبات ذلك بدليل أقوى من دليل إسلامه الذي اعتبره الشرع.
ثم لو قدر أن أحدا جاء بدليل يرفع به موجب إسلام امرئ؛فأثبت كفره؛فهذا لا يكفي ليتسلط الحكم على الباطن،إذ لا يصح اعتبار ذلك المرء كافرا في الباطن،{وهذا يعني افتقار إصدار مثل هذا الحكم إلى حكم شرعي قضائي ليصح إطلاق الكفر على أي شخص،أو اعتباره مرتدا،وهو ما سبق التنبيه إليه،فلا يجوز قط الاعتماد على مجرد الفتاوى في هذا الصدد،ودليل ذلك أن الشرع لم يجز قذف أحد من الناس،بأي نوع من أنواع القذف(كقول الشخص لآخر يا زاني)،كما لم يُجِز شتمه(كقول الشخص لآخر يا سفيه)، أو ذكره بسوء(كقول شخص عن آخر هذا سيء الأخلاق)،ولم يصحح الشرع قط قذف أحد أو شتمه،وجعل من حق المعتدى عليه الرجوع إلى القضاء،لدفع التهمة عنه،وحين يكون القذف أو الشتم مما يمكن التثبت منه(كالقذف بالزنى)،يكلف المعتدي بإثبات ما يدعيه،فإن لم يستطع صار من حق القضاء إيقاع الحد فيما يجب فيه الحد،أو العقوبة الرادعة فيما سوى ذلك(كمن قذف آخر بالسفه ولم يثبته)،وعندما يكون القذف أو الشتم مما لا يتصور وقوعه(كقول الشخص لآخر يا حمار)؛وجبت العقوبة من غير تكلف إثبات صدق المعتدي ليدفع عن نفسه العقوبة؛لظهور كذبه،كما لم يجز الشرع تصديق القاذف،بل أوجب رد قوله والذب عن أعراض المسلمين،والأخذ بهذه الأحكام الشرعية متعين في باب تكفير من ثبت إسلامه بيقين،وهو أولى من الأخذ بها في باب القذف،ولذا يفتقر إصدار حكم التكفير إلى حكم قضائي لأننا نجزم بعدم جواز تصحيح قذف أي مسلم ما لم يثبته القضاء،فالقول بذلك في أمر التكفير أولى}.
والسؤال الآن هل يصح أن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى يعد كفراً مخرجا عن الملة ؟
وهل من يطبق تلك الأحكام يعد كذلك؟
وقبل دراسة ذلك لا بد من تذكير القارئ اللبيب أن الحكم الشرعي شيء وتنـزيله على الواقع (الأعيان)شيء آخر،خذ مثلا سب الله تعالى؟!
كفر أكبر لا تقع الريبة في ذلك عند أحد من أهل العلم،وهذا حكم شرعي.
ثم إذا برجل يأتي به اثنان عدلان قد شهدا أنه سب الله تعالى،على مسمع منهما ومرءا،هل يحكم بكفره؟
الجواب:نعم،وهذا حكم عام لا ينطبق على تلك العين حتى يتم البحث القضائي في شروط تنـزيل الحكم على العين وموانع ذلك؛أي تحقيق مناط الحكم،بعد الجزم بصحته.
لأن من نطق بتلك الكلمة قد يكون ممن تعرض لإكراه حتى قالها،أو لعله لم يكن مدركا لما يقول لأي سبب كمن يتحدث نائما!
المهم أن العلماء الذين اشترطوا استتابة من يتهم بردة؛لم يشترطوا ذلك إلا لهذه الأسباب.
وبحثنا هنا في أمر الحاكم حين يحكم بغير ما أنزل الله؛وفي هذا الصدد أقول:
إذا كان الحكم بما أنزل الله تعالى واجباً إجماعا،وكان من خالف الإجماع كافراً كفراً أكبر كما قد تقرر لدى العلماء جميعاً (انظر مراتب الإجماع لابن حزم صــ 7 ، 178 – وقال صـ 175:"إن العلماء اتفقوا على أنه مذْ مات النبي صلى الله عليه وسلم فقد انقطع الوحي - وكل الدين استقر - وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئا من رأيه بغير استدلال منه ولا أن ينقص شيئا،ولا أن يبدل شيئا مكان شيء،ولا أن يحدث شريعة،وأن من فعل ذلك كافر".
وكذا حكى الإجماع على كفر تارك الحكم بالشريعة ابن كثير في البداية والنهاية ( 7 - 128 ) - أبو الفداء إسماعيل بن كثير الدمشقي - دار الكتب العلمية - بيروت - تدقيق وتــحقيق أحمد أبو ملحم وآخرون – ط1،ومثله صنع صاحب كتاب دعاة لا قضاه صـ 88) ، وحين يتم التسليم بالمقدمتين ينشأ عنهما أن الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى يكون كافراً كفراً أكبر مخرجاً عن الملة،وذلك ضمن القيود التي ذكرتها آنفاً في صدد الحديث عن القاعدة الأساسية في مسألة الحكم بالكفر وتحقيق مناطه؛مما لا حاجة لإعادته.
ولكنني رغم التسليم النظري بصحة المقدمتين إلا أنني لم أجد أكثر العلماء في الكتب الفقهية تعرضوا للحديث عن كفر من حكم بغير ما أنزل الله تعالى،وذلك في بيان أحكام الردة والمرتدين(انظر لدراسة أحكام الردة مثلا فتح القدير ( 6 – 68 ) – محمد بــن عبد الواحد بن الهمام الحنفي - نشر وطباعة البابي الحلبي ،وتحفة الفقــهاء ( 3- 530 ) - علاء الدين السمرقندي - مطبعة جامعة دمشق - تحقيق زكي عبد البر،وانظر الكافي في فقه أهل المدينة ( 2- 367 ) - يوسف بن عبد البر المالكي - نشر المحقق ،وفتح الجليل ( 4- 461 ) - محمد عليش - نشر مكتبة النجاح،وانظر إلام ( 6 - 156 ) - محمد بن إدريس الشافعي - دار المعرفة ،وروضة الطالبين ( 4- 132 ) - البكري بن محمد شطا - دار الفكر،وانظر المغني مع الشرح الكبير( 10- 74 ) - عبد الله بن أحمد بن قدامة المقد سي - دار الكتاب العربي،وكشـــاف القناع ( 6 – 174 ) – المنصور بن يونس – مطبعة الحكومة – مكة المكرمة عام 1394 هـ،والفروع ( 6- 164 ) – ابن مفلح – وانــظر فتاوى شــيخ الإسلام ابـن تيمية ( 3- 151 ، 284 )،( 4- 307 )،( 7- 677 ، 679 )،(10- 372 )،(20- 329 )،( 20 – 87 ، 88 )،( 23- 345 ، 349 ، 346 ، 347 ) وانظر التكفير – نعمان السامرائي – المنارة للطباعة – الزرقاء ، حيث كان الكتاب كاملاً موضوعاً لبحث هذه المسألة وبالأخص موضوع الكفر المتعلق بالحاكمية،وانظر الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية – عمر سليمان الأشقر – دار الدعوة – الكويت،حيث وضع الكتاب كاملاً لدراسة هذه المسألة، وانظر كتاب دعاة لا قضاة صـ 83،ومن المفيد جداً لطالب العلم الرجوع إلى كلام الشوكاني في السبيل الجرار ( 4- 577 ) – محمد بن علي الشوكاني)،حاشا ما تراه في كتب الخوارج،ومن نحى نحوهم،بل تجد نصوصا ثابتة عن بعض الصحابة والتابعين تخالف هذا السياق -و سيأتي بيان ذلك -،فهل هي كافية لنقض حكاية ذلك الإجماع؟.
أقول:
أولا:هل هناك مستند لهذا الإجماع؛إذ لا صحة لإجماع عري عن نص يستند إليه؟
وثانيا:هل ثبت أنه مسبوق بخلافه؟
وسأتناول الأمرين بشيء من التفصيل:
أولا:مستنده.
مستند ذلك الإجماع قول الله تعالى:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"،وليس من دليل صريح في إطلاق الكفر على من لم يحكم بما أنزل الله سوى هذه الآية الكريمة.
بيد أن لفظ الكفر من المشكك،والمراد به كما في التعريفات للجرجاني(ص276) :"المشكك:هو الكلي الذي لم يتساو صدقه على أفراده،بل كان حصوله في بعضها أولى أو أقدم أو أشد من البعض الآخر،كالوجود فإنه في الواجب أولى وأقدم وأشد مما في الممكن"،انتهى.
وإذا كان كذلك أي كان لفظ الكفر هنا مما يرد عليه احتمال إرادة الكفر الأصغر لا الكفر الأكبر،كان الاستدلال بهذه الآية على ردة الحاكم بغير ما أنزل الله غير سائغ،فهي على هذا ليست مما يستقيم اعتباره مستندا لذلك الإجماع؛مما يعكر على صحة القول به،فهل يرد شيء ينفي ثبوت نقله،(وهنا أنبه:أن كل إجماع تجده مما لا مستند له هو مظنة لعدم صحته من حيث النقل كما لم يصح من حيث ما يستند إليه،وكن مرتاحا للقول ببطلان حكاية أي إجماع لا مستند له،وكلف نفسك قليلا من الجهد في البحث وستجد أن الخلاف في موضوع ذلك الإجماع وارد،ولا بد) فلا يبقى سوى النظر في ثبوته،وهو ما حان وقت الحديث عنه.
ثانيا:ثبوت ذلك الإجماع.
يقصد العلماء بثبوت الإجماع،صحة نقله عن جميع العلماء،أو على الأقل صحة العلم بعدم الخلاف،في المسألة موضوع ذلك الإجماع.
وفي خصوص هذه المسألة،ولدى النظر في تفسير قول الله تعالى :"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"،وجدنا ابن عباس رضي الله عنه،وغيره من التابعين،يرون أن الكفر في هذه الآية يقصد به الكفر الأصغر.
أخرج ذلك عنه الحاكم في المستدرك ( 2- 342 ) (محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري - دار الكتب العلمية - بيروت تحقيق مصطفي عبد القادر عطا)،قال ابن عباس:" إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه؛إنه ليس كفرا ينقل عن الملة،(ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)،كفر دون كفر"،وقال الحاكم عقبه صحيح على شرط الشيخين،ولم يخرجاه.
هذا كما ذكر الرواية ابن كثير في تفسيره ( 2- 62) عن ابن عباس وساق إسنادها من طريق بن أبي حاتم وهو إسناد حسن،وانظر لبسط المسألة فتح القدير للشوكاني ( 2- 45).
وأما القرطبي في تفسيره ( 3- 136 )فقال بعد ذكر الآية:"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون "،نزلت كلها في الكفار،……وعلى هذا المعظم،فأما المسلم فلا يكفر،وإن ارتكب كبيرة"انتهى كلامه.
فهنا يحيل القول إلى المعظم – أي جمهور أهل العلم _،وينص أن ذلك من الكبائر فقط،بل قال بعدها:"من فعل ذلك وهو معتقد أنه مرتكب محرما فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله أن شاء عذبه،وإن شاء غفر له ".
أما ابن جرير رحمه الله تعالى فرجح أنها خاصة بأهل الكتاب،وهي تأكيد لكفرهم حيث ترافعوا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم،ولم يقروا بحكم التوراة،وكذبوا على الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم،(انظر تفسير ابن جرير الطبري (6-252) – محمد بن جرير بن يزيد الطبري – دار الفكر – بيروت).
وبهذا يتضح أن هذا الإجماع مسبوق بخلاف بدأ في عصر الصحابة،فقول ابن عباس:إنه كفر دون كفر،كما سبق بيانه،يخالفه قول ابن مسعود رضي الله عنه:إنه كفر أكبر إذا كان عن رشوة،وهو ما أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح (6-257) قال:" عن علقمة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال من السحت.
قال:
فقالا:أفي الحكم؟
قال ذاك الكفر،ثم تلا هذه الآية ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"،انتهى .
وقد ذكر ابن جرير رحمه الله تعالى قول ابن مسعود رضي الله عنه في معرض سرد أقوال من عد ذلك الكفر في الآية الكريمة كفرا أكبر،وهذا عن ابن مسعود وإن كان في خصوص آخذ الرشوة حين يبدل حكم الشرع،إلا أنه يعد لازما من لوازم قوله من باب الأولى،لأنه إن كفر مع أخذه الرشوة فلأن يكفر بدون ذلك أولى،كمن يتبرع بنفاقه!
وهو الأمر الذي جعل ابن جرير يذكر قوله ضمن من يرى المقصود بالكفر في الآية الكريمة الكفر الأكبر،وعلى كل لست مطمئنا لهذا الاستنباط،لأمرين،الأول:أن لازم المذهب ليس مذهبا،وهي مسألة بين أهل العلم نزاع فيها،والثاني:أنه ساق قوله في خصوص آخذ الرشوة،وليس من المسلَّم اعتبار الحكم بغير ما أنزل الله تعالى بدون رشوة أشد،فهو محل نظر.
أقول:وعلى كل المهم هنا ثبوت وجود الخلاف في المسألة بين الصحابة الكرام،وهو كذلك ثابت في التابعين بعدهم فكيف يصح انعقاد ذلك الإجماع في العصور التالية؟!
وهنا يتضح عدم ثبوت نقل ذلك الإجماع،كما لم يصح الاعتبار بقول الله تعالى :"ومن لم يحكم بما أزل الله فأولئك هم الكافرون" كمستند لذلك الإجماع.
ولعل ظانا يتصور أن الأمر انتهى عند هذا الحد.
كلا.
فرغم وجود الخلاف في تفسير الكفر الوارد في تلك الآية،مما لا يجعلها كافية كمستند يصلح لنقل الإجماع على كفر الحاكم بغير ما أنزل الله،ورغم أن الحكم بغير ما أنزل الله ليس دليلا بمجرده على استحلال الحرام،أقول رغم كل ذلك فعلينا ملاحظة السياق الذي جاء ضمنه نقل ذلك الإجماع.
والملاحظ هنا أن العصور المتقدمة التي نقل الخلاف فيها لم يكن الحكم بغير ما أنزل الله قانونا عاما ملزما للكافة،يعكس تجاهلا تاما للقرآن والسنة،إعراضا عنهما،خلافا لما كان عليه الأمر حين صدرت تلك الأقوال التي تجعل الحاكم بغير ما أنزل الله مرتدا،بل ويحكون الإجماع على ذلك،وهو حال شبيه بما نراه اليوم،فهل لهذا الاعتبار أثر في فقه المسألة؟.
أخي المطلع الحصيف.
إن نظرة فاحصة إلى ذلك نلحظ منها أن أكثر من ساق الإجماع على كفر تارك تحكيم الشريعة أورد ذلك حيال حالة يعاصرها ويراها أمام عينيه،ناقلاً أقوال العلماء في خصوصها،وهي حالة تشبه إلى حد بعيد ما نراه اليوم في بلادنا الإسلامية،فليس الحكم اليوم بغير ما أنزل الله حالة استثنائية،وفي بعض الحالات،بل هو قانون عام يلزم ويلتزم به الناس،مع تجاهل تام للقرآن والسنة وإعراض عنهما وعن العمل بهما.
فابن كثير رحمه الله،وهو من أئمة الاستقراء،قد نقل ذلك الإجماع في صدد ما رآه،وسمعه من علماء عصره عمن أعلن إسلامه من التتار حيث دخلوا في الإسلام ولم يلتزموا شرائعه المتعلقة بالحكم بين الناس،فكانوا أول من جاء بالقانون الوضعي إلى البلاد التي يحكمها الإسلام، وأول من أدخل العمل بها،وكان ذلك القانون يسمى بالياسق (أو الياسا كما سماه ابن كثير في البداية والنهاية،( 7- 127)قال المحقق:الياسا / مركب من سي بمعنى ثلاثة ،ويسا بمعنى الترتيب ثم حرفها العرب فقالوا سياسة،وهذا أصل استعمال عبارة السياسة فهي منغولية المصدر) وكان يتضمن قواعد،وأسساً تحكم حياتهم،وضعها لهم كبيرهم جنكيز خان مما رآه أو استفاده من شرائع الصين،والهند،والجرمان،بل والمسلمين،وغيرهم - والمهم في الأمر أنه كان يحكم به بين أتباعه ويلزمهم تطبيقه عليهم جميعا لا يسع واحدا منهم الخروج عنه،واستمر الأمر على ذلك حتى بعد وفاته،وحين جاء التتار إلى البلاد الإسلامية،وأعلن كثير منهم الدخول في الإسلام،استمروا في التزامهم أحكام الياسق فهو الشريعة المتبعة عندهم،ولم يعن لهم دخول الإسلام الدخول في كل ما هو من دين الإسلام بل اختاروا أشياء وتركوا غيرها،ولم يقبلوا العمل بالشريعة الإسلامية،مما حمل الأئمة رحمهم الله تعالى الذين عاشوا تلك الفترة إلى إنكار صنيع التتار،لأنهم لم يلتزموا شرائع الدين كلها،بل لسان حالهم يقول:نؤمن ببعض ونكفر ببعض،ولذا وجدنا ابن كثير ينقل الإجماع على ردة من يصنع صنيعهم،ولا بد من فهم نقله ضمن سياقه الذي جاء معبرا عنه،فلا نتعدى بكلامه محل وروده،قال ابن كثير في البداية والنهاية فقال:"فمن ترك الشرع المحكم ... وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه ؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين"(البداية والنهاية(7- 128)،ولاحظ أخي القارئ أنه قيد الأمر بما إذا قدمها على الشريعة أي القوانين وهذا فيه تفضيل لها،وهو بمنـزلة الجحود لفضل الشريعة الإسلامية).
فكانت هذه الصورة غير مسبوقة من قبل،والأمر كما لو كان نازلة جديدة لم يعهد المتقدمون مثيلا لها؛حتى يصح نقل الخلاف بينهم فيها.
والسؤال الآن:
ماذا لو رأى المتقدمون هذا الوضع الذي كان سائداً أيام التتار،ورأوا أنهم يحكمون بشريعة يضاهون بها حكم الله تعالى في كل صغير وكبير،لا يتحاشون التنصيص على الأحكام الملزمة للكافة دون الرجوع لمعرفة حكم الشرع الحنيف،وهم مع ذلك لا يرون أنفسهم قد أتوا جرماً بل فعلوا ما هو من حقهم لا أكثر ولا أقل،هكذا يقولون!!.
أقول:لعل المتقدمين حين يرون ذلك لا يترددوا في جعل هذا الصنيع من قبيل الكفر الأكبر،الأمر الذي حمل المتأخرين أو أكثرهم قبل هذا العصر إلى القول بكفر تارك تحكيم الشريعة،ناقلاً الإجماع في ذلك،ولكنه كما قررت آنفاً قِبل حالة يراها ناقل ذلك الإجماع تنطبق على حالة التتار في ذلك العصر قال شيخ الإسلام ابن تيمية:" والإنسان متى حلل الحرام المجمع عليه،أو حرم الحلال المجمع عليه،أو بدل الشرع المجمع عليه،كان كافراً مرتداً باتفاق الفقهاء "،(انظر مجموع الفتاوى ( 3- 267 )).
بهذا يمكننا أن نلُمَّ شعث جميع الأقوال في المسألة،ولا نجد فيها تعارضاً،فالإجماع على القول بكفره وردته لا يقال به إلا في مثل تلك الحالة التي كانت عند التتار،وهو كحالة كثير من البلاد الإسلامية اليوم،ولذا وجدنا بعض كبار المحققين في عصرنا يحكمون بردة من ترك الحكم بالشريعة الإسلامية.
قال أحمد شاكر " إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس،هي كفر بواح لا خفاء فيه،ولا مداراة ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائناً من كان في العمل بها،أو الخضوع لها،أو إقرارها،فليحذر امرؤ على نفسه،وكل أمريء حسيب نفسه "(انظر الشريعة الإلهية لا القوانين الجاهلية صـ 201) .
وفي أضواء البيان قال محمد الأمين الشنقيطي:"إن متبعي أحكام المشرعين غير ما شرعه الله تعالى لهم،إنهم مشركون بالله،وهذا مفهوم جاء مبيناً في آيات أخرى،كقوله فيمن اتبع الشيطان في إباحة الميتة بدعوى أنها ذبيحة الله"وذلك عند تفسـيره لقوله تعالى"ولا يشرك في حكمه أحداً "[ الكهف – 26 ]،وقال الشنقيطي عند تفسيره لقوله تعالى:"إن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم،وإن أطعتموهم إنكم مشــركون"[الأنعام-121]،:"هذا في معرض الحكم بأن الميتة ليست حراماً،فما بالك عندما يكون الأمر أكبر من ذلك مثل الحدود والأعراض".
وهو قول الشيخ عبد العزيز بن باز(في رسالة خاصة عن القوانين الوضعية)،وغيره من المحققين.
تنبيه: على اللبيب ألا ينسى ما سبق توضيحه حيال تحقيق مناط الحكم،لأن القول بأن هذا الأمر من الردة شيء،وإطلاق ذلك على شخص معين شيء آخر يفتقر إلى حكم قضائي،كما لابد من التنبيه على وجود خلاف في المسألة اليوم (أي في القول بردة من يحكم بالقوانين الوضعية)رغم ذكرنا للإجماع من قبل،وهذا الخلاف يراه بعض أهل العلم غير معتبر،إلا أنني أعتبر به وأحمله محملا جادا؛نظرا لوجود خلاف سابق على ذلك الإجماع،ونظرا لعدم سلامة المستند عن قادح من حيث الاستدلال،كما نعلم أن سياق الإجماع هنا ليس أكثر من سياق لعدم العلم بالخلاف،وهو من الأمور الظنية،فلا يسعنا الجزم بكفر من حكم بالقوانين الوضعية من أبناء المسلمين أو من علمنا إسلامه بيقين،وإن جاز القول بذلك لغلبة الظن بصحته.
وللفائدة أقف وقفة يسيرة مع بعض نصوص الحاكمية كما يسميها بعض كتابنا لنرى هل نجد فيها ما يصرح بردة من يحكم بغير ما أنزل الله؟
وذلك لعلمي بأن كثيرين ممن سيطلع على هذه المقالة سيجد غريبا قولي بأنه لا توجد آية صريحة في إطلاق الكفر على من يحكم بغير ما أنزل الله،وقد أسلفت أن الإطلاق في تلك الآية ليس هو من المحكم بل من المشكك،حتى لم نر مسوغا للقول بردته إلا أخذا من اعتبارات أخر غير هذا النص ونحوه مما هو داخل تحت كليات اعتقادية تجعل المرء كافرا مرتدا حتى لو حكم بالشرع الحنيف،مثل أن يزعم امرئ أن ما في القوانين الوضعية خير من التشريعات الإلهية فهذا كفر أكبر حتى مع عدم الحكم بغير ما أنزل الله لأنه تنقيص لأمر الله وحكمه تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا،وهو فوق مجرد الاستهزاء بالدين؛وقد علمنا ما يقول جل وعلا عن المستهزئين.
ونحن هنا نجد أكثر من ستين آية في كتاب الله تعالى تتحدث كلها عن الحكم بما أنزل الله تعالى،وتبين وجوبه،وتحكم بنفاق من أعرض عنه،أو ليست هذه كلها كافية في بيان كفر من خالف حكم الله تعالى أو شرَّع وحكم بغير ما أنزل الله تعالى؟‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ !
إجابةً على هذا أتناول أكثر تلك الآيات بالحديث تاركاً بعضها اكتفاء بما قلته عن مثلها.
أقول لقد جاء الأمر بالعدل في مواضع عدة من كتاب الله تعالى فمثلاً جاء في سورة النساء" وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "[النساء -58]،وفي المائدة آية رقم 42،ويونس آية رقم 58،وفي ص آية رقم 26،فهنا أمر الله تعالى بالعدل،فهل أمره هنا بالعدل يقضي بكفر من خالفه ؟
لا نستطيع قول ذلك،إلا إذا حكمنا بأن فاعل الزنى،أو شارب الخمر،كافر كفراً أكبر،لأنهما قد فعلا ما أمرا بتركه،ونحن لا نقول ذلك تبعاً للجمهور،فليس من خالف أمر الله تعالى أوجب ذلك الحكم بردته كلا؛لأن ترك العدل معصية كباقي المعاصي،وعلى القائل بالفرق إثباته.
وكذا ورد الأمر بإقامة حكم كتب الله تعالى المنـزلة،قال تـعالى:"وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه "[ البقرة - 213]،وكذا في سورة آل عمران آية رقم 23،والمائدة آية رقم 44،وآية 48،وآية رقم 49،والأنعام آية 114،كلها تكرر الأمر ذاته،وليس في ذلك كله ما يجيز إطلاق حكم الكفر على من خالف تلك الأوامر للسبب المذكور في سياق الحديث عن الأمر بالعدل.
وكذا عندما قال الله تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون،ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون "[المائدة -50]،فهذا لا يكفي للقول بردة من مارس هذه الجاهلية بعد ثبوت الإسلام له،وإن تعدى قبح فعله كل قبيح.
بيد أن الآيات التي نفت الإيمان تعد أقوى في الدلالة على ردة من لا يقبل حكم الشرع أو لا يتحاكم إليه،مثل قول الله تعالى:"فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلمــوا تسليماَ "[ النساء – 65]،وكذا مثل قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"،قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري(13-289):"أخرجه الحسن بن سفيان،وغيره،ورجاله ثقات،وقد صححه النووي في آخر الأربعين".
فهذه النصوص وإن نفت الإيمان عن الذي يتحاكم إلى شرع آخر إلا أنها لا تكفي للقول بردته؛لأننا حين نرى مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم:" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه "(أخرجه البخاري (1-14)وغيره) نجد أئمتنا يؤولون هذا النفي،قال الحافظ ابن حجر:" المراد بالنفي كمال الإيمان ونفى اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم كقولهم فلان ليس بإنسان"(انظر فتح الباري (1-57))فهنا لم يجعل علماؤنا النفي يتناول الإيمان بل كماله،والسؤال ما الذي حملهم على ذلك؟
أقول لدى التأمل نجد الحامل على ذلك نصوص الوعد كقوله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"،وكقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صحيح البخاري (6-2696):"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله؛وكان في قلبه من الخير ما يزن شعيرة،ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله؛وكان في قلبه من الخير ما يزن برة،ثم يخرج من النار من قال لا إله إلا الله؛وكان في قلبه ما يزن من الخير ذرة"،وغيره من الأحاديث التي تعد من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه بالجنة وقد أسلفت ذكر شيء من ذلك،نعم هذه النصوص عدها علماؤنا قرائن من أجلها تم حمل نفي الإيمان الوارد في نصوص الوعيد على نفي الكمال وليس نفي الحقيقة،والذي فعله أئمتنا هنا هو بعينه ما يجعلنا نحمل نفي إيمان الحاكم بغير ما أنزل الله في النصوص السابقة على نفي الكمال وليس نفي الحقيقة.
وأما ما جاء في قول الله تعالى "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يــأذن به الله "[ الشورى - 21 ]،فهذا تساؤل وإن خرج مخرج الإنكار إلا أنه لا يعد كافياً في بيان كفر من فعل ذلك بعد ثبوت حكم الإيمان له.
وكذا في قوله تعالى" ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا عـلى الله الكذب " [ النحل – 116 ] ، فهذا نهي عن القول على الله بلا علم، لأنه أعظم الكذب والافتراء،فهذا نهي،كباقي ما نهي عنه ولا فرق من هذه الحيثية،وليس يكفر فاعل لذنب ما لم يستحله كما دلت عليه النصوص،كما هو قول الجلة من علمائنا الكرام.
وعندما قال الله تعالى"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم "[التوبة -31] فهنا الآية تحكي حال اليهود والنصارى وتنكر صنيعهم،وليس فيها أنه فعل يقضي بردة فاعله،نعم بالنسبة لهم يمكننا قول ذلك وه من قبيل تحصيل الحاصل،أو تأكيد واقع مشاهد،ولكن بالنسبة لمن ثبت إسلامه؛فلا،لوجود نصوص الوعد التي دفعت الصريح من نصوص الوعيد،وجعلت من المتعين تأويلها بما ينفي عنها ما ظاهره التعارض،ولذا ليس كافياً ما تراه هنا للقول بردة من حكم بغير ما أنزل الله تعالى.
كل الآيات السابقة،وغيرها مما لا يخرج عن منطوقها أو مفهومها لا تكفي للقول بكفر الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى،وهذا لأن دليل إثبات الإسلام أقوى،وليس ثمة دليل ينفي أو ينقض حتى يصار إليه.
ولهذا يجد المتأمل أن الحكم بردته يأتي من أمر ليس مما تتناوله تلك النصوص،بل من أمر خارج عنها،يتعلق بالاعتقاد،حيث لا يكفر سوى باعتقاده أن حكما غير حكم الشرع أفضل وهو ما يمكن ملاحظته من المسلك العام بحيث يجوز القول بكفر نظام معين يقوم على هذا الأساس،إلا أن هذا لا يكفي للقول بكفر الأعيان حيث يفتقر حكم كهذا إلى محاكمة شرعية يصدر بعدها حكم قضائي بردته،وإلا فلا،والمعضلة هنا تكمن في الضيق الذي يصيب كل مسلم لتمادي الشر وانتشار الفساد بسبب تلك القوانين التي تتجاهل حكم الشرع،ولا تأبه بدين أو حتى عرف سليم،مما يلجأ معه المؤمن للتغيير بالكلمة الطيبة ونحوها،وهو حين لا يجد صدى لدعوته بل توضع أمامه العقبة تلو أخرى،يضيق ذرعا بما يرى ويلجأ إلى التغيير بالقوة،ويحدث الصدام،فيجد نفسه أمام تحد واضح وقوي،سبحان الله من أجل ماذا هذه المنافحة عن القوانين الوضعية؟
فيتمادى الصراع وتشتد الخصومة حتى يصل الأمر إلى طريق مسدود يصبح القول بكفر ذلك النظام سائغا مقبولا،حتى قبل تصحيح ذلك شرعا،ويتم اعتماد سلسلة من الأحكام الشرعية التي إنما تفرع القول بها بناء على كفر النظام،وتمت المغالطة الكبرى حيث أصبح حكمهم على النظام هو حكمهم على من يمثل ذلك النظام بل تعدى ليتناول كل من انتمى إليه بأي صلة،ولم يتم التفريق بين النظام وبين من يحكم به،وتم الحكم بكفر بعض الأعيان بل وغيرهم.
وأصبحنا في حال لا يكاد مؤمن يتحملها،في إعراض عن شرع الله وتحكيمه نسأل الله اللطف والتجاوز،وأن يردنا إليه ردا جميلا،آمين.
أخي القارئ وبعد هذه الجولة في تحكيم الشريعة،وأهميته،آتي إلى ذكر ثمار التحاكم إليها وهو موضوع الفصل الآتي،بإذنه تعالى .