الدين الصحيح يحل جميع المشاكل!!!

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,757
7,780
113
ندى الياسمين
www.bafree.net

الدين الصحيح يحل جميع المشاكل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله , وأصلي وأسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد:


فهذه كلمات تتعلق بموضوع الدين الإسلامي , وأنه يهدي للتي هي أقوم وأصلح , ويرشد العباد في عقائده وأخلاقه ومعاملاته وتوجيهاته وتأسيساته إلى ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم . وبيان أنه لا سبيل إلى إصلاح شيء من أمور الخلق الإصلاح التام إلا به . وبيان أن جميع النظم المخالفة لدين الإسلام لا يستقيم بها دين ولا دنيا إلا إذا استمدت من تعاليم الدين . وهذا الذي قلناه قد برهنت المحسوسات والتجارب على صدقه وصحته كما دلت الشرائع والفطر والعقول السليمة على حقيقته . فإن الدين كله صلاح وإصلاح , وكله دفع للشرور والأضرار , وكله يدعو إلى الخير والهدى , ويحذر من الشر وأنواع الردى . وعند عرض بعض النماذج من تعليماته وتوجيهاته يظهر لكل عاقل منصف صحة هذا , وأن الخلق كلهم مضطرون إليه . وأنهم لا يستغنون عنه في حالة من أحوالهم . ذلك بأن الدنيا كلها قد جاشت بمشكلات الحياة , والبشر كلهم يتخبطون في دياجير الظلمات : فيهتدون من وجه واحد ويضلون من وجوه أخرى . وقد يستقيم لهم أمر من بعض وجوهه ويقع الانحراف في بقية أنحائه . وهذا ناتج من أحد أمرين : إما جهل بما دل عليه الدين وما أرشد إليه . وإما مكابرة وغي , ومقاصد سيئة وأغراض فاسدة , حالت بينهم وبين الصلاح الذي يعرفونه , كما هو الواقع كثيرا . لهذا ينبغي أن نذكر بعض مشاكل الحياة المهمة , مثل مشكلة الدين , ومشكلة العلم , والغنى والفقر , والصحة والمرض , والحرب والسلم , والاجتماع والافتراق , والمحاب والمكاره . وغير ذلك مما اختلفت فيها أنظار الناس وتوجيهاتهم , وما سلكه الدين الإسلامي فيها من المسالك الصالحة السديدة , وما أولاه نحوها من المنافع التي لا تعد ولا تحصى .
وهذه المشكلة أهم مشاكل الحياة وأعظمها , وعليها تنبني الأمور كلها . وبصلاح الدين أو فساده أو عدمه تتوقف جميع الأشياء . وقد تفرق فيها البشر وسلكوا في دينهم وعقائدهم طرقا شتى , كلها منحرفة معوجة ضارة , غير نافعة إلا من اهتدى إلى دين الإسلام الحقيقي , فإنه حصلت له الاستقامة والخير والراحة من جميع الوجوه .
فمن الناس من تلاعب بهم الشيطان فعبدوا غير الله من الأشجار والأحجار والصور والأنبياء والملائكة والصالحين والطالحين , مع اعترافهم بأن الله ربهم ومالكهم وخالقهم , وحده لا شريك له . فاعترفوا بتوحيد الربوبية وانحرفوا عن توحيد الإلهية الذي هو إفراد الله بالعبادة , وهؤلاء هم المشركون على اختلاف مذاهبهم وتباين طوائفهم . وقد دلت الكتب السماوية على شقائهم وهلاكهم , واتفق جميع الرسل على الأمر بتوحيد الله والنهي عن الشرك , وأن من أشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار . كما دلت العقول السليمة والفطر المستقيمة على فساد الشرك والتأله والتعبد للمخلوقات والمصنوعات , فالشرك باطل في الشرع , فاسد في العقل , عاقبة أهله الهلاك والشقاء . ومن الناس من آمن ببعض الرسل والكتب السماوية دون بعض , مع أن الرسل والكتب يصدق بعضها بعضا , ويوافق بعضها بعضا , وتتفق في الأصول الكلية . فصار هؤلاء ينقض تكذيبهم تصديقهم , ويبطل اعترافهم ببعض الأنبياء وبعض الكتب السماوية تكذيبهم للآخرين من الرسل , فبقوا في دينهم منحرفين , وفي إيمانهم متحيرين , وفي علمهم متناقضين . قال تعالى : { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا } [ سورة النساء : الآيتان 150 , 151 ] فحكم بالكفر الحقيقي لأنه عرف أن دعواهم للإيمان دعوى غير صحيحة , ولو كانت صحيحة لآمنوا بجميع الحقائق التي اتفقت عليها الرسل , ولكنهم قالوا : { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم } [ سورة البقرة : الآية 91 ] ولهذا دعواهم الإيمان دعوى كاذبة , فقال عنهم عز وجل : { فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين } [ سورة البقرة : الآية 91 ]
ومن الناس طائفة ادعت الفلسفة والعلم بالمعقولات , فجاءت بأكبر الضلالات وأعظم المحالات , فجحدت الرب العظيم وأنكرت وجوده , فضلا عن الإيمان بالرسل والكتب وأمور الغيب , وجحدوا آيات الله واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا واستكبارا : فكذبوا بعلوم الرسل وما دلت عليه الكتب المنزلة من عند الله , واستكبروا عنها بما عرفوا من العلوم الطبيعية وتوابعها , وأنكروا جميع الحقائق إلا ما أدركوه بحواسهم وتجاربهم القاصرة الضيقة بالنسبة إلى علوم الأنبياء . فعبدوا الطبيعة وجعلوها أكبر همهم ومبلغ علمهم , واندفعوا وراء ما تقتضيه طبائعهم , ولم يتقيدوا بشيء من الشرائع الدينية ولا الأخلاق الإنسانية . فصارت البهائم أحسن حالا منهم , فإنهم نضبت منهم الأخلاق , واندفعوا وراء الشهوات البهيمية . فلم يكن لهم غاية يرجونها , ولا نهاية يطلبونها : { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر } . [ سورة الجاثية : الآية 24 ] وصار المشركون على شركهم وكفرهم أحسن حالا منهم , وأقل شرا منهم بكثير . والعجب الكثير أن هذا المذهب الخبيث جرف بتياره في الأوقات الأخيرة جمهور البشر , لضعف الدين وقلة البصيرة , ولما وضعت له الأمم القوية الحبائل والمصايد التي هلك بها الخلق .
أما الدين الإسلامي فقد أخرج الخلق من ظلمات الجهل والكفر والظلم والعدوان وأصناف الشرور إلى نور العلم والإيمان واليقين والعدل والرحمة وجميع الخيرات . { لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين } . [ سورة آل عمران : الآية 164 ] { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون } . [ سورة النحل : الآية 90 ]{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } . [ سورة المائدة : الآية 3 ] { وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا } . [ سورة الأنعام : الآية 115 ] أي كلماته الدينية التي شرع بها الشرائع , وسن الأحكام . وقد جعلها الله تامة من جميع الوجوه , لا نقص فيها بوجه من الوجوه , صدقا في إخبارها عن الله وعن توحيده وجزائه وصدق رسله في أمور الغيب , عدلا في أحكامها , أوامرها كلها عدل وإحسان وخيرات وصلاح وإصلاح , ونواهيها كلها في غاية الحكمة , تنهى عن الظلم والعدوان والأضرار المتنوعة : { ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون } . [ سورة المائدة : الآية 50 ] وهذا استفهام بمعنى النفي المتقرر الذي تقرر حدوثه في العقول والفطر . فما أمر بشيء فقال العقل : ليته نهى عنه . ولا نهى عن شيء فقال العقل : ليته أمر به . لقد أباح هذا الدين كل طيب نافع , وحرم كل خبيث ضار . { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } [ سورة الأعراف : الآية 157 ] فهو الدين الذي يوجه العباد إلى كل أمر نافع لهم في دينهم ودنياهم , ويحذرهم عن كل أمر ضار في دينهم ومعاشهم , ويأمرهم عند اشتباه المصالح والمفاسد والمنافع والمضار بالمشاورة في استخراج ما ترجح مصلحته , ودفع ما ترجح مفسدته . وهو الدين العظيم الشامل , الذي أمر بالإيمان بكل كتاب أنزله الله , وبكل رسول أرسله الله . { فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير } [ سورة الشورى : الآية 15 ] وهو الدين العظيم الذي شهد الرب العظيم بصحته وكماله , وشهد بذلك الكمل من الخلق وخلاصتهم . { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام } [ سورة آل عمران : الآيتان 18 , 19 ] وهو الدين الذي من اتصف به جمع الله له جمال الظاهر والباطن , وكمال الأخلاق والأعمال : { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } [ سورة النساء : الآية 125 ] فلا أحسن ممن هو مخلص لله , محسن إلى عباد الله , مخلص لله متبع لشريعة الله التي هي أحسن الشرائع وأعدل المناهج , فانصبغ قلبه بالإخلاص والتوحيد , واستقامت أخلاقه وأعماله على الهداية والتسديد : { صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون } [ سورة البقرة : الآية 138 ] وهو الدين الذي فتح أهله , القائمون به , المتصفون بإرشاداته وتعاليمه , القلوب بالعلم والإيمان , والأقطار بالعدل والرحمة والنصح لنوع الإنسان . وهو الدين الذي أصلح الله به العقائد والأخلاق , وأصلح به الحياة الدنيا والآخرة , وألف به القلوب المتشتتة , والأهواء المتفرقة . وهو الدين العظيم المحكم غاية الإحكام في أخباره كلها , وفي أحكامه , فما أخبر إلا بالصدق والحق , ولا حكم إلا بالحق والعدل , فلم يأت علم صحيح ينقض شيئا من أخباره , ولا حكم أحسن من أحكامه . أصوله وقواعده وأسسه تساير الزمان السابق واللاحق , فحيثما طبقت المعاملات المتنوعة بين الأفراد والجماعات في كل زمان ومكان على أصوله تم بها القسط والعدل , والرحمة والخير والإحسان , لأنها تنزيل من حكيم حميد : { كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير } [ سورة هود : الآية 1 ] { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } [ سورة فصلت : الآية 42 ] { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ سورة الحجر : الآية 9 ] حافظون لألفاظه عن الزيادة والنقص والتغيير , وحافظون لأحكامه عن الانحراف والنقص , بل هي في أعلى ما يكون من العدل والاستقامة والتيسير . وهو الدين العظيم الذي يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم , الصدق شعاره , والعدل مداره , والحق قوامه , والرحمة روحه وغايته , والخير قرينه , والصلاح والإصلاح جماله وأعماله , والهدى والرشد زاده . وهو الدين الذي جمع بين مطالب الروح والقلب والجسد , أمر الله به المؤمنين بما أمر المرسلين , بعبادته والعمل الصالح الذي يرضيه , وبالأكل من الطيبات , واستخراج ما سخر الله لعباده في هذه الحياة , فدفع القائمين به حقيقة إلى كل علو ورقي وتقدم صحيح , من عرف شيئا من أوصاف هذا الدين عرف عظيم منة الله به على الخلق , وأن من نبذه وقع في الباطل والضلال والخيبة والخسران , لأن الأديان التي تخالفه ما بين خرافات ووثنيات , وما بين إلحاد وماديات , تجعل قلوب أهلها وأعمالهم كالبهائم بل هم أضل سبيلا , لأن الدين إذا ترحل من القلوب ترخلت الأخلاق الجميلة , وحل محلها الأخلاق الرذيلة . فهبطت بأهلها إلى أسفل الدركات , وصار أكبر همهم ومبلغ علمهم التمتع بعاجل الحياة . والحمد لله رب العالمين .

يتبع التكملة بإذن الله
ومن مشاركة سابقة

فوائد من كتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي
 
التعديل الأخير:

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,757
7,780
113
ندى الياسمين
www.bafree.net
فوائد من كتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين؛ أما بعد:
فإن الهوى ميلُ النفس إلى ما تحبه وتهواه، فإن كان موافقًا للشرع فهو هوًى محمود، وإن كان مخالفًا له فهو هوًى مذموم؛ قال الله سبحانه وتعالى:
" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ "[الجاثية: 23]؛ قال العلامة السعدي رحمه الله: "فما هواه سلكه، سواء كان يرضي الله أم يسخطه".

والهوى المذموم ينبغي التنبه له والوقاية منه قبل الوقوع فيه، ومن ثَمَّ المبادرة بالعلاج إذا استزلَّ الشيطانُ الإنسانَ فوقع في مرض من أمراضه، وأمراض الهوى المذموم قد تكون في الشبهات، وقد تكون في الشهوات.

وقد وقع رجلٌ في عصر الإمام ابن الجوزي رحمه الله في مرض من أمراض هذا الهوى المذموم، فطلب النصيحة من ابن الجوزي، فصنف رحمه الله كتابًا في ذلك، سماه "ذم الهوى".


وقد جاء الكتاب في خمسين بابًا، وقد يسر الله الكريم لي فانتقيتُ منه بعض الفوائد، التي أسأل أن ينفع بها ويبارك فيها.



العقل والهوى:
اعلم أن مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكرٍ في عاقبة، ويحث على نيل الشهوات عاجلًا، وإن كنت سببًا للألم والأذى في العاجل، ومنع لذات في الآجل، فأما العقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تُعقِب ألمًا، وشهوة تُورِث ندمًا، وكفى بهذا القدر مدحًا للعقل، وذمًّا للهوى.

مدمن الشهوات شقيَ من حيث قدَّر السعادة واغتمَّ من حيث ظن الفرح:
ليعلم العاقل أن مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها؛ لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراري؛ ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذ بذلك عُشْرَ التذاذ من لم يدمن، غير أن العادة تقتضيه ذلك، فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما يقتضيه تعوُّده، ولو زال رَينُ الهوى عن بصر بصيرته، لرأى أنه قد شقيَ من حيث قدر السعادة، واغتم من حيث ظن الفرح، وألِم من حيث أراد اللذة، فهو كالحيوان المخدوع بحب الفخ؛ لا هو نال ما خُدع به، ولا أطاق التخلص مما وقع فيه.


مجاهدة النفس في مخالفة الهوى:
فإن قال قائل: فكيف يتخلص من هذا من قد نشب فيه؟ قيل له: بالعزم القوي في هِجران ما يؤذي، والتدرج في ترك ما لا يؤمَن أذاه، وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة.... فالنفس مجبولة على حب الهوى، وقد سبق بيان أذاه، فافتقرت لذلك إلى المجاهدة والمخالفة، ومتى لم تُزجَر عن الهوى، هجم عليها الفكر في طلب ما شغفت به، فاستأنست بالآراء الفاسدة، والأطماع الكاذبة، والأمانيِّ العجيبة، خصوصًا إن ساعد الشباب الذي هو شعبة من الجنون، وامتد ساعد القدرة إلى نيل المطلوب.


ما يصدأ به القلب:
قال يحيي بن معاذ: "سقم الجسد بالأوجاع، وسقم القلوب بالذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، فكذلك القلب لا يجد حلاوة العبادة مع الذنوب".

ما ينقي عن القلوب صدأها:
قال رجل للحسن: "يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أَذِبْهُ من الذكر".وسُئل ابن المبارك: "ما دواء قسوة القلب؟ قال: قلة الملاقاة".

وشكا ذلك رجل إلى مالك بن دينار، فقال: "أَدِمَنَّ الصيام، فإن وجدتَ قسوة فأطِلِ القيام، فإن وجدت قسوة فأقلَّ الطعام".

وقال إبراهيم الخواص: "دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين".

الواعظ من القلب:
عن خالد بن معدان قال: "ما من عبد إلا وله عينان في وجهه يبصر بهما أمر الدنيا، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر الآخرة، فإذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عينيه اللتين في قلبه، فأبصر بهما ما وعد الله بالغيب، وإذا أراد الله به غير ذلك تركه على ما فيه، ثم قرأ: (( أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ))[محمد: 24]


الأمر بغض البصر:
لما كان إطلاق البصر سببًا لوقوع الهوى في القلب، أمر الشارع بغض البصر عما يخاف عواقبه، فإذا تعرضتَ بالتخليط وقد أُمرتَ بالحمية فوقعت إذًا في أذًى فلم تضجَّ من أليم الألم؛ قال الله عز وجل: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ " [النور: 30]، " وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ"[النور: 31]


معالجة الهمِّ والفكر المتولد عن النظر:
فتفهَّم يا أخي ما أوصيك به، إنما بصرك نعمة من الله عليك، فلا تعصِهِ بنعمه، وعامله بغضه عن الحرام تربح، واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة، وكل زمن الجهاد في الغض لحظة، فإن فعلت ذلك نِلْتَ الخير الجزيل، وسلِمتَ من الشر الطويل... واعلم وفقك الله، أنك إذا امتثلت المأمور به من غض البصر عند أول نظرة، سلمت من آفات لا تُحصى، فإذا كررتَ النظر لم تأمن أن تزرع في قلبك زرعًا يصعب قَلْعه، فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحمية بالغض فيما بعد، وقطع مراد الفكر بسد باب النظر، فحينئذٍ يسهُل علاج الحاصل في القلب؛ لأنه إذا اجتمع سيل فسُدَّ مجراه، سهل نزف الحاصل، ولا علاج للحاصل في القلب أقوى من قطع أسبابه، ثم زجر الاهتمام به خوفًا من عقوبة الله عز وجل، فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء، رُجيَ لك قرب السلامة، وإن ساكنت الهم ترقى إلى درجة العزم، ثم حرك الجوارح.


التحذير من المعاصي وقبح أثرها:
قال محارب بن دثار: "إن الرجل ليذنب الذنب فيجد له في قلبه وهنًا".قال بشر:
"إن العبد ليذنب الذنب فيُحرم به قيام الليل".قيل لوهب بن الورد: "أيجد طعم العبادة من يعصي؟ قال: لا، ولا من يهُمُّ".

اعلم وفقك الله، أن المعاصي قبيحة العواقب سيئة المنتهى، وهي وإن سرَّ عاجلها ضرَّ آجلُها، ولربما تعجل ضرها، فمن أراد أن يطيب عيشه فليلزمِ التقوى.

فمتى رأيتَ وفقك الله تكديرًا في حال، فتذكر ذنبًا قد وقع؛ قال الفضيل بن عياض: "إني لأعصي الله، فأعرف ذلك في خُلُقِ دابتي وجاريتي".


فتفكر وفقك الله في أن الذنوب تنقضي لذتها وتبقى تبِعَتُها:
تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ...من الحرام ويبقى الإثم والعار
تبقى عواقب سوء في مغبتها .. لا خير في لذة من بعدها النار


التحذير من العقوبات:

اعلم أن العقوبة تختلف؛ فتارة تتعجل وتارة تتأخر، وتارة يظهر أثرها وتارة يخفى.

وأطرف العقوبات ما لا يُحِسُّ بها المعاقب، وأشدها العقوبة بسلب الإيمان... ودون ذلك موت القلوب، ومحو لذة المناجاة منه، وقوة الحرص على الذنب، ونسيان القرآن، وإهمال الاستغفار، ونحوه مما ضرره في الدين.

وربما دبَّتِ العقوبة في الباطن دبيبَ الظلمة، إلى أن يمتلئَ أفق القلب فتعمى البصيرة.وأهون العقوبة ما كان واقعًا بالبدن في الدنيا.


قال أبو علي الروذباري: "من الاغترار أن تسيء فيحسن إليك، فتترك الإنابة والتوبة توهمًا أنك تُسامَح في الهفوات".