التعصّب

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


إنسان

مشرف عام سابق
27 يوليو 2001
2,844
41
0
www.bafree.net
يمثل التعصب أحد العوائق الرئيسية لعملية الإتصال الإجتماعي العقلاني القائم على مبادئ الحوار المثمر، والذي يدفع بالقوى الإجتماعية الى طريق مسدود، وذلك بسبب عجزها عن الوصول الى صياغة محددة لنقاط الخلاف لأجل بلورة مفاهيم محورية يمكن بواسطتها تجميد حالات الصراع، بحيث يسمح بتبادل الآراء في المواقف المختلفة.

فالتعصب بكل اشكاله وصوره العنصر أو الديني أو الإيديولوجي أو السياسي، يشكل انحرافاً في العمليات العقلية التي تفسر بواسطتها المثيرات الحسية الخارجية، فهو يفقد الإنسان وسيلته الموضوعية للإستجابة النشطة في تفسير وتحليل الأحداث والمواقف والقضايا، فتلعب العوامل الذاتية في تصوير وتقدير المواقف الإدراكية مما يؤدي الى تشويه الحقائق وتحريف المعلومات وتفسيرها على نحو يشبع حاجة المتعصب النفسية، بغض النظر عن مدى صحة وموضوعية تلك التغيرات وتطابقها مع الواقع.. الأمر الذي يثير بذور العداوة والبغضاء والصراع والتنافر بين أفراد المجتمع والجنس الإنساني بشكل مجمل.

ويعزو عدم الإستقرار الإجتماعي والسياسي في كثير من المجتمعات الى الأعراض المرضية التي يفرزها التعصب وما يترتب عليه من تفكيك الأواصر والروابط الإجتماعية، فليست الحرب العالمية الأولى والثانية والحروب الأهلية والتناحر القبلي والإشتباكات الطائفية إلا نموذجاً حياً للتعصب العرقي والديني والأيديولوجي.

إن التعصب بكل صوره ظاهرة اجتماعية لها بواعثها النفسية ومنشؤها الإجتماعي، وهي تنم عن اضطراب في نمو الصحة العقلية والنفسية للفرد بحيث يندفع الى الى التنفيس عن دوافع ومشاعر مكبوته تعبر عن ما يعتمل في النفس من تكبر واستعلاء وغرور وعدوان وحقد وضغينة وكراهية للطرف الآخر.


معنى التعصب

التعصب هو اتجاه نفسي جامد مشحون انفعالياً ببعض المعتقدات والأفكار والإتجاهات الخاصة بالمساوئ والعيوب التي يراها فرد أو جماعة أقلية عنصرية أو أية جماعة أخرى. وهو اتجاه مكتسب مأخوذ من الوالدين أثناء عملية التنشئة الإجتماعية أو من الأشخاص المحيطين بالفرد. فالتعصب يشير الى مشاعر ودوافع عدوانية مكبوتة لا توجد إلا في النفوس المليئة بالإنفعال ومشاعر العدوان والإحباط والتي تبحث عن كبش فداء تلقي عليه كل أخطائها وعيوبها حيث تجد في ذلك تنفيساً لأحاسيسها ومشاعرها المكبوتة الأمر الذي يعوق الإدراك الحسن، ويحرف الفهم ويضعف الفكر، حين تتدخل المعايير الثقافية والقيم الإجتماعية وخبرات الماضي وما يرافقها من مشاعر وانفعالات في تحديد الموقف الإدراكي لدرجة يتبلور فيها السياق العام للنسق الإدراكي مشوهاً تحت تأثير النزعات الشخصية والحالة المزاجية.

الإدراك يبدأ بالمثيرات والمنبهات حيث يستقبلها عضو الإحساس ثم ينقله الى مراكز الإحساس بالمخ بواسطة الجهاز العصبي فتتحول فيها المؤثرات والمنبهات من أمور مادية الى معلومات ومعارف وبعدها تحدث الإستجابة السلوكية الظاهرية أو الباطنية.

إذن، فالإدراك عملية عقلية وانفعالية وحسية معقدة نستطيع من خلالها تفسير المعلومات موضوعيا، أي دون تدخل العناصر الذاتية والعوامل السطحية أو عن طريق تدخل العوامل الذاتية التي تؤدي الى تشويه المثيرات وتحريف الحقائق.


نمط المتعصبين

التعصب يؤدي وظيفة نفسية خاصة تتلخص في تنفيس كل ما يعتلج في النفس من كراهية وعدوانية مكبوتة، الأمر الذي يشعر المتعصب براحة مباشرة ونشوة كاذبة بالإنتصار، ترفع عن كاهله شحنات الحقد والضغينة. غير أن هذا الإرتياح هو حيث تكون الأنشطة العقلية للمتعصب متحيزة ولا تشمل كافة نطاق الحدث، الأمر الذي يضعف معه الإتصال باركان الموقف الإدراكي فيؤدي الى اختبار معلومات يزداد معها احتمالات الخطأ والبعد عن الصواب فتصبح معها نصف الحقيقة كذبة كاملة.

ويميل المتعصبون الى الإدراك الإجمالي ويعرضون عن إدراك التغير في الجزئيات فذلك يترك لهم مجالا وافياً في إضفاء الإشاعات والتغيرات والتصورات الذاتية التي هي بعيدة عن المجال الإدراكي نفسه.

وتأتي عملية الإسقاط في مقدمة المساوئ التي يعتمد عليها المتعصبون حينما يسقطون ما في أنفسهم على الآخرين. فالإسقاط كعملية تتم بعناء ومجهود كبيرين مما يؤدي الى الخطأ في الحكم وسوء الظن والتقدير، في عملية الإتصال الإجتماعي. من جهة أخرى ، تأخذ العوامل الشخصية والذاتية حيزاً كبيراً في تشويه الإدراك الحسّي وفي قصور الموقف الإدراكي للحدث، بحيث تبدو متباينة في الموقف الواحد وفقاً للحالة النفسية بين الحب والبغض والحزن والفرح. فالمحب لا يرى عيوب المحبوب، بينما الحاقد يرى مساوئ غريمه شاخصة أمام عينه على الدوام ويميل المتعصبون عادة الى إطلاق المقولبات على سلوك الآخرين وعاداتهم حيث يطلقون على الفرد صفات تتصف بها الجماعة التي يصنفون ضمنها، بناء على عضويتهم في الجماعة رغم ما قد يوجد بينهم من اختلافات وفروق في نوعية الصفات. فلو رأى المتعصب العنصري بين الزنوج بعض الصفات الحسنة لا يدركها ولا يبصر سوى الخصائص والسمات السيئة، فالتعصب المصحوب بنوع من الجمود في الشخصية يؤدي الى تثبيت الموقف بشكل أعمى فيعزز ذلك التفكير الجامد والتسلط وعدم التسامح نظراً لفقدان الطمأنينة والشعور بالأمن.

ويكمن التعصب في الميراث الأسري والإجتماعي الذي يتم توريثه الى الأجيال، إذ لا سبيل للقضاء على التمييز والتعصب إلا بتحسين جوانب الصحة العقلية للأفراد طوال فترة نموهم بحيث لا يجدون من أحفادهم تبريراً للتقاعس تنفيساً لرغباتهم.

إن الرقي بعمليات الإدراك والتعمق في فهم العلاقات القائمة بين أفراد المجتمع الإنساني مرهونة بالطريقة العلمية للتفكير وتحرير العقل بعيداً عن ربقة التقليد والتبعية الفكرية اللذين ينبثقان من الجهل والتعصب، الأمر الذي لا يتحقق إلا بإشاعة روح المحبة والسلام والتسامح والتفاهم والتقليل من تعليم الأفراد الحقد والضغينة في كافة وسائل الإعلام المختلفة، مما يجنبنا تبعية عدم التثبت في الأمور والإسراع في الحكم. قال تعالى: "ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا".


 

الـفاهم

المشرف العام سابقا
12 سبتمبر 2001
50,657
6,077
113
46
GOOLD%2044.jpg
 

شموع لاتنطفئ

عضو متميز
4 مارس 2005
946
4
0
بارك الله فيك اخي انسان على هذا الموضوع القيم


لا تحرمنا من ابداع قلمك ..