التربية بالقدوة ........

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


القوة المبدعة

مستشار تطوير الذات / خبير تعليم وتحفيظ القرآن الكر
10 مايو 2002
2,806
29
0
58
montada.gawthany.com
التربية بالقدوة ........
اخي المسلم الكريم

ما أجمل ان تعيش مع الرجال الأوائل من عصر الدعوة الاسلامية التي نتحدث عنه في هذه السطور هو احد علماء التابعين والتابعي اخي المسلم هو الذي رأى الصحابي الذي رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن به.

ماذا تعرف عن عطاء بن أبي رباح ؟ انه صاحب الفتيا في المسجد الحرام نشأ عطاء بن أبي رباح في صغره عبدا مملوكا لأمرأة من اهل مكة ومع انه كان عبدا حبشيا الا انه منذ نعومة اظفاره وضع قدمه في طريق العلم.

وقسم وقته الى ثلاثة اقسام:

قسم جعله لسيدته يخدمها فيه احسن ما تكون الخدمة ويؤدي لها حقوتها عليه أكمل ما تؤدي الحقوق

وقسم جعله لربه يعبده فيه ويخلص العبادة لله عز وجل

وقسم جعله لطلب العلم فأقبل على البقية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين ما زالوا على قيد الحياة حتى امتلأ صدره علما وفقها ورواية عن رسول الله عليه وسلم

ولما رآت السيدة المكية ان غلاما قد باع نفسه لله تعالى ووقف حياته على طلب العلم ـ اعتقت رقبته ابتغاء وجه الله تعالى ـ وكان هدفها ان ينفع الله المسلمين بعلمه الغزير ـ


ومن هذا اليوم اخذ عطاء بن أبي رباح البيت الحرام مقاما له فجعله داره التي يأوى اليها ومدرسته التي يتعلم فيها ـ ومصلاه الذي يتقرب فيه الى الله بالتقوى والطاعة ويعتبر هذا التابعي الجليل هو وارث عبدالله بن عباس في العلم والتقوى وقد بلغ عطاء بن أبي رباح منزلة في العلم فاقت كل تقدير والدليل على ذلك ان عبدالله بن عمر رضي الله عنه لما ذهب الى المسجد الحرام معتمرا اخذ الناس يقبلون عليه ويسألونه في امر دينهم فقال لهم عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عجبا لكم يا أهل مكة جئتم تسألوني وعندكم عطاء بين أبي رباح ؟ فهذا يدل على مدى علو المنزلة التي وصل اليه هذا العالم الجليل التابعي الكريم.

وقد وصل عطاء بن أبي رباح الى هذه المنزلة في العلم باتباعه شيئين الاول ـ انه استطاع ان يحكم على سلطان نفسه ـ فلم يدع لها سبيلا لتتنعم فيما لا يفيد ـ الثاني احكم سلطانه على وقته فلم يضيعه في الكلام الذي لا فائدة منه ـ

والدليل على ذلك قول محمد بن سوقه وهو من علماء الكوفة قال لجماعة من زواره الا اسمعكم حديثا لعله ينفعكم كما نفعني ؟ قالوا : بلى ـ قال : نصحني عطاء بن أبي رباح ذات يوم فقال يا ابن اخي : ان الذين من قبلنا كانوا يكرهون فضول الكلام فقلت وما فضول الكلام عندهم؟ فقال : كانوا يعدون كل كلام فضولا ما عدا كتاب الله عز وجل ان يقرأ ويفهم ، وحديث رسول الله عليه وسلم أن يروى ويدرى ، أو امرا بمعروف ونهيا عن منكر ، او علما يتقرب به الى الله تعالى ، او ان تتكلم بحاجتك ومعيشتك التي لا بد لك منها ثم حدق الى وجهي وقال : اتنكرون : ان عليكم لحافظين ـ كراما كاتبين) وان مع كل منكم ملكين عن اليمين وعن الشمال قعيد ، ما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) ثم قال : اما يستحى احدنا لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدرتها نهاره فوجد اكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا أمر دنياه ،

فهذه أخي المسلم موعظة من رجل عالم عامل عابد الى اخوانه في الله ينصحهم فيها باغتنام اللسان بالبعد عن فضول الكلام ويبين فيها ان اعظم شيء ان يسخر العبد كل جوارحه لطاعة ربه سبحانه وتعالى ولقد نفع الله عز وجل بعلم عطاء بن أبي رباح طوائف كثيرة من الناس من هم اهل العلم المتخصصين ، وغيرهم..مثال على ذلك ـ

يحدث الامام أبو حنيفة النعمان عن نفسه فيقول: أخطأت في خمسة ابواب من المناسك بمكة فعلمنيها حجام ـ يعني : حلاق) وذلك انى اردت ان احلق لأخرج من الاحرام فأتيت حلاقا وقلت بكم تحلق لي رأسي؟ فقال : هداك الله النسك لا يشارط فيه اجلس واعط ما تيسر لك فخجلت وجلست غير اني جلست منحرفا عن القبلة فأدما الى بأن استقبل القبلة ففعلت ، وازددت خجلا على خجلي ثم اعطيته رأسي من الجانب الايسر ليحلقه فقال : ادر شقك الأيمن فأدرته ، وجعل يحلق راسي وانا ساكت انظر اليه واعجب منه فقال لي :مالي آراك ساكتا؟ كبر فجعلت اكبر حتى قمت لأذهب فقال أين تريد؟ فقلت اريد ان امضي الى رحلي ـ فقال صلى ركعتين ثم امضى الى حيث تشاء فصليت ركعتين وقلت في نفسي ، ما ينبغي ان يقع مثل هذا من حجام الا اذا كان ذا علم ـ فقلت له من اين لك ما أمرتني به من المناسك؟ فقال : لقد رأيت عطاء بن أبي رباح يفعله فأخذته عنه ـ ووجهت اليه الناس.

فمن هذا الموقف نرى ان العالم اذا اخلص في عمله ينفع الله به على مر العصور وقد عرف عن عطاء بن أبي رباح انه سيد فقهاء الحجاز ولقد اقبلت الدنيا على عطاء بن أبي رباح فأعرض عنها اشد الاعراض ولم تغره الدنيا بل استغلها في العبادة وتحصيل العلم وتعليم الناس ونتيجة ذلك ان له منزلة عظيمة في قلوب الناس العامة منهم وعليه القوم حتى الخلفاء في عصره ـ وقد نصح عطاء بن أبي رباح هشام بن عبدالملك يوما ـ فقال : اتق الله في نفسك يا أمير المؤمنين ، واعمل انك خلقت وحدك وتموت وحدك ، وتحشر وحدك وتحاسب وحدك ولا والله ما معك ممن ترى احد فلما سمع هشام هذه الموعظة بكى ـ .

وبعد أخى المسلم

فلقد عاش عطاء بن أبي رباح وعمر حتى بلغ مائة عام ملأها بالعلم والعمل ، وملأها بالبر والتقوى ـ وزكاها بالزهد مما في أيدي الناس ـ وكان دائما يرغب فيما عند الله وحده فلما جاء الأجل واتاه اليقين ـ كان حمله خفيفا من اثقال الدنيا وكان زاده كثيرا من عمل الآخرة ويقال انه حج سبعين حجة وقف فيها على عرفات سبعين مرة.

وكان كل أمله رضاء الله عز وجل والجنة وهؤلاء الناس كانوا في زهد الدنيا وكلهم رغبة في الاخرة وعملوا ان ما عند الله باق فيعملوا وهم موقنون ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا هؤلاء الناس ملكوا الدنيا بأيديهم فلم تتغلغل الى قلوبهم فنجحوا وكانوا في نعيم مقيم واغتنموا وقتهم في العمل الصالح النافع ، فندعوا الله لكل مسلم ان يغتنم وقته في عمل الصالحات ولا يضيعه هباء لأن العمر مهما طال فلا بد من دخول القبر ـ وان الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر.

رضي الله عن عطاء بن أبي رباح وجعلنا ممن يسير على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة اصحابه والتابعين وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين