" الإخلاص لله طريق السعادة "

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,754
7,780
113
ندى الياسمين
www.bafree.net
" الإخلاص لله طريق السعادة "

غنى العبد بطاعة ربه والإقبال عليه، وإخلاص الأعمال لله أصل الدين وتاج العمل، وهو عنوان الوقار، وسمو الهمة، ورجحان العقل، وطريق السعادة، ولا يتم أمر ولا تحصل بركة إلا بصلاح القصد والنية، وقد أمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالإخلاص في أكثر من آية، فقال له : " فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ " [الزمر: 2] وقال له : " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ " [الزمر: 11] وقال : "قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي " [الزمر: 14] فصلاح العمل من صلاح النية، وصلاح النية من صلاح القلب .

وأصل قبول الأعمال عند الله الإخلاص مع المتابعة يقول ابن مسعود رضى الله عنه : " لا ينفع قول وعمل إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية إلا بما وافق السنة " .

والإخلاص عزيز في جانب العبادات يقول ابن الجوزي (صيد الخاطر): " ما أقل من يعمل لله تعالى خالصاً؛ لأن أكثر الناس يحبون ظهور عباداتهم " .
ويقول ابن رجب (جامع العلوم والحكم) : " الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة " .


وقد افتتح بعض العلماء كالإمام البخاري في صحيحه، والمقدسي في " عمدة الأحكام " والبغوي في "شرح السنة " و" مصابيح السنة"والنووي في " الأربعين النووية " ـ مصنفاتهم بحديث : « إنما الأعمال بالنيات » إشارة منهم إلى أهمية الإخلاص في الأعمال، وسفيان الثوري يقول : " ما عالجت شيئاً أشد علي من نيتي، لأنها تتقلب علي " والعمل من غير نية خالصة لوجه الله طاقة مهدرة، وجهد مبعثر، وهو مردود على صاحبه، والله تعالى غني حميد لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً له سبحانه، يقول أبو أمامة الباهلي رضى الله عنه : " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شيء له، فأعادها عليه ثلاث مرات ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له : لا شيء له، ثم قال : إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً وابتغي به وجه الله " (رواه أبو داود والنسائي) .

ويقول عليه الصلاة والسلام قال الله عز وجل : « أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه »(رواه مسلم) .

* الواجب في الإسلام الإخلاص مع كثرة العمل :
العبرة في الإسلام ليست بكثرة العمل فحسب، إنما الواجب صحة الإخلاص لله وكثرة العمل الموافق لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد جمع ربنا ذلك في قوله تعالى :
" وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ "[البينة: 5] فجمعت هذه الآية الإخلاص وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.

والعمل ـ وإن كان كثيراً ـ مع فقد صحة المعتقد يورد صاحبه النار قال سبحانه :
" وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا "[الفرقان: 23] .

وقال الفضيل بن عياض في قوله تعالى :
" الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ " [الملك: 2] قال : "أخلصه وأصوبه قالوا : يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه ؟ فقال : إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة " .

* ما هي الأعمال التي أخلص فيها الله ؟


بعض الناس يظن أن الإخلاص إنما هو فقط في الصلاة وقراءة القرآن وأعمال العبادات الظاهرة كالدعوة إلى الله والإنفاق، وهذا غير صحيح، فالإخلاص واجب في جميع العبادات حتى زيارة الجار وصلة الرحم وبر الوالدين، فهذه مطلوب فيها الإخلاص، وهي من أجل العبادات، وكل فعل يحبه الله ويرضاه واجب فيه إخلاص النية مهما كان العمل، حتى في جانب المعاملات كالصدق في البيع والشراء وحسن معاملة الزوجة والاحتساب في إصلاح الأولاد وغيرها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ولَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ. » (متفق عليه) .

فكل أمر يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة فهو عبادة، وواجب فيها الإخلاص وإن دق العمل .


* ما هو الإخلاص ؟

ضابط الإخلاص : أن تكون نيتك في هذا العمل لله لا تريد بها غير الله لا رياء ولا سمعة ولا رفعة ولا تزلُّفاً عند أحد ولا تترقب من الناس مدحاً ولا تخشى منهم قدحاً فإذا كانت نيتك لله وحده ولم تزين عملك من أجل البشر فأنت مخلص يقول الفضيل بن عياض : " العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء والإخلاص أن يعافيك الله منهما " .

فأخلص جميع أعمالك له سبحانه ولا تتطلع لأحد، وأدخل نفسك في قوله تعالى :
" قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ " [الأنعام: 162-163] .

*أثر الإخلاص :

إذا قوي الإخلاص لله وحده في الأعمال ارتفع صاحبه إلى أعالي الدرجات، يقول أبو بكر بن عياش : " ما سبقنا أبو بكر بكثير صلاة ولا صيام، ولكنه الإيمان وقر في قلبه والنصح لخلقه " .
وفي هذا يقول عبد الله بن المبارك :
" رب عمل صغير تعظمه النية، ورب عمل كبير تصغره النية " وبالعمل القليل مع الإخلاص يتضاعف الثواب، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: « من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه (الفلو: المهر: وهو ولد الفرس) حتى تكون مثل الجبل » (متفق عليه) .

قال ابن كثير (تفسير ابن كثير) : في قوله تعالى :
" وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ " [البقرة: 261] قال أي بحسب إخلاصه في عمله .

وإذا قوي الإخلاص وعظمت النية وأخفي العمل الصالح مما يشرع فيه الإخفاء، قَرُب العبد من ربه، وأظله تحت ظل عرشه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
« سبعة يظلهم الله في ظله... وذكر منهم : ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه » (متفق عليه) .

* بركة العمل في الإخلاص وإن قل العمل :

إذا أخلص العبد النية وعمل عملاً صالحاً ولو يسيراً فإن الله يتقبله ويضاعفه .

يقول النبي صلى الله عليه وسلم :
« لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين» (رواه مسلم)وفي رواية : « مر رجل بغصن شجرة على ظهر طريق، فقال: والله لأنحين هذا عن المسلمين لا يؤذيهم، فأدخل الجنة» .

فبإخلاصه مع يسر العمل أدخله الله الجنة برحمته .

وتأمل في المرأة البَغيَّ التي عملت أعمالاً قبيحة، ثم عملت عملاً يسيراً في أعين البشر، وهو سقاية كلب، وليس إنساناً، فغفر الله لها بذلك العمل اليسير مع سوء عملها من البغي، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « بينما كلب يطيف (يطيف: يدور) بركية (الركية: البئر) قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل، فنزعت موقها (الموق: الخف) فاستقت له به فسقته، فغفر لها بذلك » (متفق عليه) .

* بالنية الصادقة تنال ثواب العمل وإن لم تعمل :

الكرم من صفات رب العالمين، والعبد إذا أحسن القصد ولم تتهيأ له أسباب عمل الصالحات، فإنه يؤجر على ذلك الفعل وإن لم يعمله كرماً من الله وفضلاً، يقول جابر بن عبد الله رضى الله عنه : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فقال : « إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حسبهم المرض » وفي رواية : « إلا شركوكم في الأجر » رواه مسلم، ورواه البخاري عن أنس قال : رجعنا من غزوة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال : « إن أقواماً خلفنا بالمدينة ما سلكنا شعباً ولا وادياً إلا وهم معنا حبسهم العذر » .

ويقول النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل الذي لا مال عنده وينوي الصدقة ويقول : لو أن لي مالاً لعملت بعمل فلان، قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : « فهو بنيته فأجرهما سواء » (رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح).
 

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,754
7,780
113
ندى الياسمين
www.bafree.net
وفي صحيح البخاري ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى قال : « إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، فإن هم بها فعملها كتبها الله عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة » .

فالمسلم يجعل نيته في كل خير قائمة، يقول عمر بن الخطاب رضى الله عنه : " أفضل الأعمال صدق النية فيما عند الله " ومن سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا حسنت نيته حتى باللقمة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم : « ولَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بهَا وجْهَ اللَّهِ إلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا، حتَّى ما تَجْعَلُ في فِي امْرَأَتِكَ. » (متفق عليه) .

يقول زبيد اليامي : " انو في كل شيء تريد الخير حتى خروجك إلى الكناسة " ويقول داود الطائي : " رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية " وكان السلف الصالح يحثون على حسن النية في كل أمر صالح، يقول يحيى بن كثير : " تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل " .
* ثمرات الإخلاص :

يتبع التكملة بإذن الله