إمرأتان ورجل.. الجزء ماقبل الأخير..

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


شموخ الآلام..

عضو نشط
10 أكتوبر 2001
34
0
0
بسم الله الرحمن الرحيم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
وصلت رسالة رحاب إلى مصطفى فأخذها بين يديه ثم خطر له أن يمزق الرسالة قبل أن يقرأ ما فيها. أفحقاً أن هذه هي شريكة حياته التي طالما نسج لها أحلامه ذهبية فضية ؟ أية محنة مريرة دفعته إليها زينب ؟ كيف يمكن له أن يعيش مع انسانة تشكك باقدس المثل والمفاهيم ؟ ولكنه عاد فتراجع عن قراره قائلاً : كلا أن عليّ أن أمضي في طريقي حتى النهاية ، سيما وقد بدأت أجني ثمار موقفي ... ثم فتح الرسالة وقرأها بامعان وهو يفتش بين كلماتها عن طبيعة الانسان التي كتبتها فوجد خلالها لمحات تبشر بالخير ، فحمد الله وردد قائلاً : أرجو أن لا يكون الشوط طويلاً . ثم كتب يجيبها قائلاً :
عزيزتي حسنات
ألف سلام وألف تحية
وصلتني رسالتك وأسعدني أن تكوني قد قرأتِ مهما كانت غايتك في القراءة فالمهم هي الفائدة التي حصلت عليها نتيجة ما وجدتيه بين صفحات الكتب ، ومن هذا ترين كم هي كبيرة وثمينة هذه الكنوز التي كانت ولا تزال قريبة منك دون أن تستشعري أنت ذلك القرب ، وبودي لو أعلم من أين حصلت على هذه الكتب ؟

اما عن الأسئلة الثلاث فأنت حينما اعترفتِ أن الحواس الخمس هي ليست كل شيء في طريق الادراك وإلا لتساوى الانسان والحيوان في مدى ذلك الادراك ، من هذا نعلم أن الحواس ما هي إلا وسيلة من وسائل تسهيل الادراك الذي يجرده العقل فيتوصل منه إلى الحقيقة ولهذا نجد أن هناك حقائق لا جدل في وجودها ولا نقاش ، مع عدم ادراكها بالحواس ، ومثال ذلك هو ما تؤمنين به من الوجود والعدم ، فمتى رأيت العدم بعينيك يا ترى ؟ أم متى تذوقتيه بلسانك أو لمستيه بيدك أو شممت له رائحة ؟ أو سمعت له صوتاً هل حدث هذا لك أو لسواك ؟ أو هل من الممكن أن يحدث ؟ أنه محال ، لأن المعدوم لا يحس ولا يرى ولا يسمع ولا يشم ولا يتذوق ، ومع هذا فانت وأنا وكل ذو عقل يؤمن بالوجود والعدم فكيف يحدث هذا ؟ والمستحيل عندما نقول أن رؤية العدم مستحيلة كيف عرفنا هذه الاستحالة وعن أي طريق ؟ أترانا عرفناها عن طريق الحواس ؟ هل رأيناها أو لمسناها
أو شممناها أو تذوقناها ؟ طبعاً لم يحدث شيء من هذا ومع ذلك فنحن نؤمن أن هناك شيء محال ونتمكن أن نحدد ذلك الشيء كما أعطيتِ أنت لذلك مثلاً وهو إدخال الجمل في سم الخياط ... فكيف حدث هذا وهل للحواس الخمس دخل في ذلك ؟ بطبيعة الحال يكون الجواب كلا إذ لا تتمكن الحواس الخمس أن تحس بغير الموجود ومع هذا فنحن نؤمن بوجود المحال نتيجة للتجريد الفكري الذي يتميز به الانسان عن الحيوان ... وهناك حقيقة أخرى لم نتوصل إليها عن طريق الحواس ايضاً ، فالماء سائل ، هذا شيء لا جدال فيه... والحقيقة التي لم نتوصل إليها عن طريق الحواس هي أن الماء يحتوي على ذرتين من الهيدروجين وذرة من الأوكسجين هذه هي الحقيقة التي أثبتها العلم بالاستدلال المنطقي فقط دون أن تتحسسها الحواس... ثم اسمعي معي البرفسور أ.ي. ماندير وهو يقول في كتابه : ( أن الحقائق التي نتعرفها مباشرة تسمى الحقائق المحسوسة بيد أن الحقائق
التي توصلنا إلى معرفتها لا تختص في الحقائق المحسوسة فهناك حقائق أخرى كثيرة لم نتعرف عليها مباشرة ولكننا عثرنا عليها على كل حال ووسيلتنا في هذا السبيل هي الاستنباط فهذا النوع من الحقائق هو ما نسميه ( بالحقائق المستنبطة ) والأهم هنا أن نفهم أنه لا فرق بين الحقيقتين وإنما الفرق هو في التسمية من حيث تعرفنا على الأولى مباشرة وعلى الثانية بالواسطة. والحقيقة دائماً هي الحقيقة سواء عرفناها بالملاحظة أو بالاستنباط ) ثم يقول البروفسور ماندير أيضاً ( إن حقائق الكون لا تدرك الحواس منها غير القليل فكيف يمكن أن نعرف شيئاً عن الكثير الآخر ؟ هناك وسيلة وهي الاستنباط أو التعليل وكلاهما طريق فكري نبتدي به بواسطة حقائق ، معلومة حتى ننتهي بنظرية أن الشيء الفلاني يوجد هنا ولم نشاهده مطلقاً هذا بالاضافة إلى قانون الجاذبية الذي لعلك تعرفين أنه لا ولن يشاهد بالحواس كما جاء في خطاب أرسله نيوتن مكتشف
قانو الجاذبية إلى بنتلي فيقول : ( أنه لأمر غير مفهوم أن نجد مادة لا حياة فيها ولا إحساس وهي تؤثر على مادة أخرى مع أنه لا توجد أية علاقة بينهما ).
فعن هذا الطريق يا حسنات طريق التجريد الفكري والدليل العقلي والنقلي نؤمن بوجود الخالق وبالتالي بوجود دين يجب أن ندين فيه.
لعلني قد أطلت عليك فيما كتبت ولكنني أتوخى صالحك في ذلك وأنا على استعداد للمزيد لو أردت.

مصطفى
* * *

ضاعفت حسنات من إظهار عواطفها واهتمامها بأختها وأخذت تتقرب إليها وتتحبب وكلها أمل بعودة أختها إلى الايمان ، ولكنها كانت تلاحظ أن رحاب لا تتمكن أن تكون معها طبيعية أبداً ، وطالما حاولت أن تحنو عليها وتفتح لها قلبها مخمنة أن هذه الردود السلبية هي نتيجة رواسب ماضيها ولكنها كانت تجد أن رحاب تزداد حيرة وقلقاً كلما زادتها هي
حباً وحدباً ، أما رحاب فقد أخذت تتفاعل مع مشاعر الندم وتأنيب الضمير ، وقد تغلب جانب الندم لديها على جانب الخوف من افتضاح أمرها ولولا خشيتها أن تخسر مصطفى فتخسر معه تعاليمه التي أصبحت في حاجة ماسة إليها ، لولا هذا لكتبت اليه تعترف أمامه بالحقيقة ، ثم لاعترفت بجريمتها أمام حسنات طالبة منها العفو والغفران ، ولكنها كانت لا تستشعر الضعف عن الانقطاع عما يكتب إليها مصطفى ، والضعف عن مواجهة أختها بالاعتراف ولهذا فقد قررت الاستمرار بمراسلة مصطفى فكتبت إليه قائلة :
عزيزي مصطفى
هل تعلم كم أنا شاكرة لك وخجلة منك ؟ لأنني قد استفدت منك بقدر ما أسئت اليك ! ولولا أنني أضمن أنك رجل نبيل لما كنت أغفر لنفسي أساءتي إليك أبداً .. رائع ما كتبت ومقنع ما وضحت ولكنني ما زلت أريد أن أسأل إن سمحت لي بالجواب ، فنحن ما دمنا قد صدقنا بوجود ما لا شك في وجوده دون أن ندركه بالحواس الخمس وإنما نتوصل إليه عن طريق الحقائق المستنبطة من الأدلة والبراهين ؟ فما هي طريقة الاستدلال على
وجود الخالق ؟ هذا وأنني لن أنسى فضلك عليّ ما حييت.

حسنات
إلى هنا أنهت رحاب رسالتها ولكن خطرت لها فكرة ، أن مصطفى كان قد طلب من حسنات صورة في رسالته الأولى ولم يعد إلى طلبه ثانية بعد أن زهد بها نتيجة استلامه للرسائل المزورة التي وصلت منها إليه ، ولكن أليس أن عليها أن تعمل شيئاً من أجل أختها المسكينة البريئة ؟ أنها تتمكن أن لا ترسل الصورة ولكنها في ذلك سوف تسيء إساءة جديدة إلى حسنات ، أنه سوف يشك بجمالها كما جعلته يشك بدينها ، فهي إذن جريمة جديدة وحسنات جميلة وجميلة جداً ، أنها جميلة كملاك فماذا عساها أن تصنع دون أن تجعله يشك بجمالها ؟ لو كانت قد أرسلت إليه صورة في البداية لأرسلت صورتها هي بدلاً عن حسنات تمشياً مع موقفها العدائي ذاك ولكنها الآن تختلف عما كانت عليه ، صحيح أنها جميلة أيضاً ولكنها لا تريد أن تتردى بخيانة جديدة ، كلا ان هذا ما لا يكون من جديد ، ولهذا فان عليها أن تحصل على صورة حسنات وترسلها له ، وهي ليس لديها صورة واضحة لها ولهذا فان عليها أن تطلب منها صورة...
وعند الظهر حيث كانت حسنات في غرفتها ذهبت إليها
رحاب وحاولت أن تبدو طبيعية وتمكنت من ذلك بعض الشيء فرحبت بها حسنات وأظهرت لها فرحتها بها فقالت رحاب : أن لي إليك حاجة يا حسنات !
فاستبشرت حسنات أن تطلب رحاب منها حاجة وقالت بلهفة واندفاع : أن أي حاجة لك مقضية يا أختاه قولي ماذا تريدين ؟
قالت رحاب وقد اصطبغ وجهها بحمرة الخجل : أريد صورة منك يا حسنات ، صورة من أجمل صورك يا عزيزتي.
فاستغربت حسنات هذا الطلب ولكنها لم تشأ أن تخدش مشاعر أختها فقالت سوف أعطيك البوم الصور واختاري منها ما تشائين ، قالت هذا ثم تناولت البوم الصور من فوق المكتبة وقدمته إلى رحاب ، فتناولته رحاب بيد ترتجف وأخذت تصفحه وهي لا تكاد تعي ما فيه لشديد اضطرابها ، ثم اختارت صورة كانت أوضح الصور وأبرزها ثم أعادت الألبوم إلى حسنات مع الشكر وذهبت إلى غرفتها وكأنها تهرب من خطر عظيم ، ووضعت الصورة داخل الرسالة ولم تكتب خلفها إهداءاً لكي لا تلوث صفاء الصورة بكلماتها الدخيلة ، ثم أبردت الرسالة عصر ذلك اليوم.


* * *

أما حسنات فقد كانت الأسابيع والأشهر التي تمر
تضاعف من آلامها وتزيد من احساسها بالضيعة ، ولكنها في كل ذلك هادئة المظهر ، وقورة المشاعر ، تملي على نفسها الثقة بالمستقبل والاطمئنان إلى حسن اختيارها وكان مما يفرحها أن تجد رحاب منكبة على مطالعة الكتب الدينية ، وقد لاحظتها في يوم وهي تصلي في غرفتها فدخلت عليها وقبلتها فرحة ثم قالت : هل تعلمين كم أنا فرحة بك ولك يا رحاب ؟ ها أنا أجدك أختاً حبيبة لي من جديد فهل تجدينني كذلك يا أختاه ؟ أنني أحبك جداً جداً يا رحاب ، يا الله ما أروعك وأحلاك في هذه الأبراد ؟ لكأنك حورية ، أنك جميلة وجميلة جداً ، ولم تتمكن رحاب أن تجيب فقد شعرت أن روحها تفور مع كل كلمة فاهت بها حسنات ، ولهذا فقد تهاوت إلى الأرض بعد خروج حسنات واندفعت تبكي في حشرجة مكتومة وهي تقول : الويل ما كان أقساني على هذا الملاك الطيب الوديع.
مرت الأيام بطيئة وثقيلة بالنسبة إلى رحاب وحسنات ثم استلمت رحاب جواب من مصطفى فقرأت فيه ما يلي :


بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزتي حسنات
سلام الله عليك ورحمة الله وبركاته
أرجو أن تكوني بخير وعافية وأن يرشدك الله لما فيه صلاح دينك ودنياك وبعد ،
لطيف منك أن تطلبي الدليل بعد الدليل فان هذا يبشر بالخير والحمد لله ، واليك بعض الأدلة على وجود الخالق كما طلبت :
أولاً : لقد اكتشف العلم = القانون الثاني للحرارة الديناميكية = وهذا القانون الذي يسمى حالياً = بقانون الطاقة المتاحة = يثبت لنا وجود الايمان بخلق الكون وعدم كونه أزلياً فهو يقول أن الحرارة الموجودة في الكون تنتقل من ( وجود حراري ) إلى ( عدم حراري ) أي أنها تنتقل من الجسم الأكثر حرارة إلى الجسم الأقل حرارة حتى يتساوى الجسمان في الحرارة ونحن نلاحظ أن مصادر الطاقة والحرارة من الكون تنبعث منها الحرارة باستمرار في أرجاء هذا الكون الرحيب ، ولكن على الرغم من ذلك لم تتساو حتى الآن الحرارة في كل جسم هذا الكون الكبير وهذا دليل علمي على أن مصادر الطاقة في الكون حادثة وليست أزلية لأنها
لو كانت أزلية وكانت عملية الانتقال تجري منذ ملايين السنين ومنذ الأزل لوصلت إلى حالة التساوي قبل الآن ... ونتيجة لهذا الاكتشاف يقول الاستاذ ( أدوارد لوثر كيسل ) وهو عالم أميركي من علماء الحيوان يقول = وهكذا أثبتت البحوث العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية فأثبتت تلقائياً وجود الاله لأن كل شيء ذي بداية لا يمكن أن يبتدىء بذاته ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأول الخالق الاله = ويقول ( السير جيمس ) في هذا المضمار أيضاً = تؤمن العلوم الحديثة بأن عملية تغير الحرارة سوف تستمر حتى تنتهي طاقاتها كلياً ولم تصل هذه العملية حتى الآن إلى آخر درجاتها لأنه لو حدث شيء مثل هذا لما كنا الآن موجودين على ظهر الأرض حتى نفكر فيها . ان هذه العملية تتقدم بسرعة مع الزمن ومن ثم لا بد لها من بداية ولا بد أنه قد حدثت عملية في الكون يمكن أن نسميها خلقاً في وقت ما حيث لا يمكن أن يكون هذا الكون أزلياً = ثم أن هناك أدلة علمية
كثيرة يا حسنات تدعونا للأيمان بوجود خالق للكون وتجعلنا نتعرف على الخالق من خلال معرفة الكون وما فيه ، والمجال هنا لا يتسع لسردها وإنما ذكرت لك واحداً منها وهاك مثالاً ثانياً وأرجو أن لا أطيل عليك به وهو الشواهد الطبيعية التي اكتشفها العلم والتي تثبت أن الكون لم يكن موجوداً من الأزل وأن له عمراً محدوداً فان علم الفلك يقرر أن الكون يتسع بالتسلسل الدائم ، وان مجاميع النجوم والأجرام والأجسام الفلكية تتباعد بسرعة مدهشة بعضها عن بعض ، وهذا يعني أن هذه الأجزاء التي تتباعد عن بعضها كانت في وقت ما كتلة واحد مجتمعة مع بعضها ثم بدأت الحرارة والحركة ونتيجة هذا الكشف العلمي هو الايمان أن للكون عمراً محدوداً وأنه في حركة مستمرة تنتهي به إلى الدمار يوماً ما ... ونعود لنقول أن كل ما له نهاية لا بد أن يكون له بداية وإلا وعلى فرض أزلية الكون لكانت النهاية قبل أن تكون بما لا يتصور.
والآن ، أرجو أن لا أكون قد أتعبتك وبالمناسبة أطلب منك قراءة كتاب الله يتجلى في عصر العلم وكتاب رحلتي من الشك إلى الايمان . وإلى المزيد من خطوات التكامل.

مصطفى
* * *

تسلمت رحاب رسالة مصطفى وذهبت بعد قراءتها إلى غرفة حسنات حيث أخذت من بين كتبها الكتب الثلاث مع أنها لم تكن موجودة وانهمكت في مطالعتها بجد واستيعاب وقدمت إجازة مرضية لمدة اسبوع تفرغت خلالها لسبر الكتب الثلاث وأحست بعد الفراغ منها أنها أصبحت تؤمن بالله إيماناً مركزاً لا شك فيه ولا مراء ولكنها كانت لا تزال بحاجة إلى مزيد من المعرفة وكانت هناك أسئلة كثيرة ما زالت تعشعش في فكرها فجلست تكتب إلى مصطفى لتقول :
عزيزي مصطفى
كيف تقول أنك قد أتعبتني فيما كتبت مع أنك بدأت تكشف عن عيني غشاوة طالما حالت بيني وبين معرفة الطريق ،
وأسلمتني إلى التيه والضلال ، وها أنا ذي أطلب منك المزيد بعد أن قرأت الكتب التي ذكرتها وشعرت بالكثير من الراحة النفسية ، فهل تراك على استعداد لأن تكتب إلي من جديد وأن تذكر لي مزيداً من الحقائق التي ذكرتها سابقاً ؟ ثم أرجو أن تعلم بأنني بدأت أولد من جديد وأن حاجتي إلى مزيد من المعرفة حاجة الطفل الرضيع إلى الحليب ، ولعل في هذا ما يدفعك أو يشجعك على تحمل ما أكلفك به من جهد لم أكن لأستحقه منك ولكنني أرجوك أن لا تخذلني وأنا في أمس الحاجة إليك ـ أقصد إلى علمك ودرايتك ـ

حسنات
* * *

وصلت رسالة رحاب إلى مصطفى فقرأها بامعان ثم بادر إلى الكتابة لها لأنه كان على أبواب الامتحان فكتب يقول :


بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزتي حسنات

السلام عليك ورحمة الله وبركاته
أكتب اليك متمنياً لك السعادة الكاملة في الدارين وقد ارتحت لرسالتك الأخيرة لما كانت تعبر به عن اجتيازك لمرحلة العبور ورحلتك الموفقة من الشك إلى اليقين ، فهنيئاً لك هذا الميلاد الجديد الذي أرجو أن يكون ميلاداً سعيداً وكل عام وأنتِ ومن معك بخير ، ولا تحسبي أنني متبرم بشيء مما تريدين بل على العكس من ذلك تماماً. فإن مما يسعدني أن يكون الله عز وجل قد اختارني لأقف إلى جوارك في محنتك بدينك وإيمانك فأكون سبباً لكشف الحقائق أمامك ، هذه الحقائق التي طمست معالمها الأفكار الهدامة فكنتِ أنت ضحية من ضحاياها وها أنت وقد استجبت لصوت الحق الذي يناديك ليأخذ بيدك من الظلمات إلى النور ولهذا فأنا راض ومقتنع بضرورة الكتابة اليك أكثر فأكثر وإن كنت أجد في الكتب التي ذكرتها لك رصيداً يغنيك عن كل سؤال ، أما وأنك ما زلت تريدين المزيد فهاك منه بعضاً وهذا البعض له ارتباط
بأجسامنا ، فهل سبق لك أن وقفتِ حائرة أمام النظام المعقد لأسلاك الهاتف ، وكيف أن مكالمة تنتقل عبر الأسلاك من مصر إلى لندن أو من العراق إلى واشنطن ؟ لا شك أنه أمر معقد جداً يبعث لمتأمله الحيرة ويدفعه إلى الاعجاب بالمصممين البارعين لهذا النظام ، ولكن لماذا لا يقف الانسان قليلاً أمام نظام أوسع من هذا النظام وأشد تعقيداً ، ألا وهو نظامنا العصبي ! ان ملايين الأخبار تجري على أسلاك نظامنا العصبي من جانب إلى آخر ، لا تتوقف ليلاً ولا نهاراً ، تقوم بمهمتها في توجيه القلب والتحكم في حركات الأعضاء ، وحينما كان لا بد لكل نظام من مركز فان مركز هذا النظام للمواصلات هو مخ الانسان وفيه يوجد ألف مليون خلية عصبية ، ومن هذه الخلايا تخرج أسلاك تنتشر في سائر جسم الانسان وهي ما يسمى بالأنسجة العصبية... وفيها في هذه الأنسجة يوجد نظام استقبال ، ونظام إرسال ، وبواسطتها نسمع ، ونتذوق ، ونرى ، ونقوم بشتى
أعمالنا ... هذا المخ هل تأملتِ كم يضم بين جوانبه من أسماء ، وأرقام ، وتصورات لأحداث طويلة ، وقصيرة ، وصور لوجوه لا تعد ولا تحصى ، يعرف بعضها ويجهل البعض الآخر ؟ فكيف وأين تختفي كل هذه الاسماء والارقام والأحداث والصور وحجم المخ كما تعلمين صغير ؟ أفتراها الطبيعة الغير ذات الشعور هي التي نظمت للمخ هذا النظام وجعلته مركزاً لانطلاق الأفكار والأعمال في جسم الانسان ؟ هل تعقلين هذا يا حسنات ؟ أو هل هناك عاقل يؤمن به حقاً دون رغبة منه في عناد أو مراء ؟ ثم هل تعلمين أن هناك الكثير من الآلات والمكائن هي في الواقع تقليد لما خلقه الله عز وجل فعدسة الكاميرا مثلاً ، هي كالشبكة الخارجية للعين ، والحجاب الحاجز هو يقوم مقام قزحية العين ، والفلم الذي يتأثر بالضوء في جهاز الكاميرا ما هو إلا تقليد شاشة العين ، التي توجد فيها خطوط وأشكال مخروطية ترى الأشكال وهي معكوسة ولكن ليس هناك من يجرؤ على القول أن
الكاميرا صنعت نفسها بنفسها ، وإن وجد يجرأ من يقول أن العين خلقت بدون خالق وان الصدفة وحدها هي التي نظمتها على هذا الشكل !! ثم هل تعلمين أن جامعة من جامعات موسكو قد ابتكرت آلة لقياس الذبذبات تحت الصوتية ومهمتها التقاط أخبار الفيضان والزلزال قبل حدوثها بساعات ، وقد استوحى العلماء فكرة هذه الآلة من سمكة قنديل البحر التي تسمى ( هلامي ) إذ أنها تستشعر بحدوث الفيضان والزلزال قبل حدوثها بساعات ، فقلد المهندسون أعضاءها التي هي من الحساسية بشكل يجعلها تتحسس حتى الذبذبات تحت الصوتية ؟ هذه أمثلة قصيرة ولك أن تراجعي كتاب مع الله في السماء وكتاب الطب محراب الايمان ، وكتاب طبائع الأحياء لتتعرفي على شيء مما خلق الله عز وجل ولك مني أصدق التمنيات والتحيات.

مصطفى
وصلت رسالة مصطفى إلى رحاب أسرع مما كانت تنتظر لأنه تعجل جوابها قبل بداية الامتحان ، فاستعارت من حسنات الكتب التي ذكرها فزادها ما قرأت إيماناً واطمئناناً ولكنها كانت لا تزال تحس أن هناك سؤالاً يلح عليها بين حين وحين ، فصممت أن تلقيه عليه كآخر سؤال فقد صممت أن تكشف له بعد ذلك الحقيقة وأن يكون اعترافها قبل نهاية السنة الدراسية وقبل عودته إلى الوطن ، ولهذا فقد بادرت إلى الكتابة فكتبت إليه تقول :


بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزي مصطفى
ألف سلام وألف تحية راجية من الله عز وجل أن يحرسك بعينه التي لا تنام ويجعلك منار هدى وهداية....
لا شك أنك مشغول بالاستعداد للامتحان ولهذا فأنا استميحك العذر إذا الححت عليك بالأسئلة ولكنها قضية حياتية بالنسبة إليّ وأنت الذي بعثت الحياة في وجودي فمن حقي أن أستمد منك مقوماتها... وسؤالي اليوم هو أننا ما دمنا قد سلمنا

وآمنا أن الله تبارك وتعالى هو خالق هذا الكون فمن خلق الله يا ترى ؟

حسنات

أبردت رحاب رسالتها إلى مصطفى وعادت إلى البيت فلم تجد حسنات فسألت عنها أمها فقالت أنها في غرفتها لم تبرحها منذ الظهر فخمنت رحاب أن حسنات غير مرتاحة نفسياً فعزّ عليها ذلك وذهبت تحوم حول غرفتها وهي مترددة بين الدخول وعدمه حتى صممت أن تدخل عليها مهما كلف الأمر فطرقت الباب بهدوء وأحست أنه مغلق من الداخل فنادت بهدوء أيضاً : حسنات ، حسنات . ففتحت حسنات الباب وهي تتصنع الابتسام. ولكن رحاب لاحظت آثار الدموع في عينيها فشعرت بطعنة دامية في فؤادها وهي تعرف أنها هي السبب في ذلك ، وكادت أن تنهار فتعترف لها بالحقيقة ، ولكنها جبنت فأوحت إلى نفسها أن حاجتها لمصطفى لم تنته بعد وأنها سوف تعترف بعد اقتناعها الكامل ، ولهذا فقد دخلت وجلست إلى جوارها ، ثم أخذت بيدها برفق وحنو بالعين وقالت : ما لي أراك حزينة يا حسنات ومن حقك أن تكوني أسعد الناس...
فسكتت حسنات ولم تجب ولكنها ارتاحت لحنو اختها وانعطافها نحوها وقد بدا ذلك عليها أيضاً إذ وضعت رأسها
على كتف رحاب وكأنها تريد أن تستند إليه ليحمل عنها ثقل الألم...
فعادت رحاب تقول وهي تبذل طاقة كبيرة في كبح جماح قلقها ، قالت : لا تحسبي أن هناك ما يستحق أن يقلقك يا حسنات فان الخير كل الخير هو الذي ينتظرك يا أختاه...
وهنا تنهدت حسنات ورفعت وجهها نحو أختها لتقول : كيف تقولين هذا يا رحاب ؟ ألا ترين أنني ومنذ سبعة أشهر مرتبطة شرعاً وعرفاً مع رجل لم أسمع منه كلمة ، ولم أعرف عنه خبراً ؟ الشيء الذي جعلني أتأكد أنه لم يكن راغباً بي وأنني فرضت عليه فرضاً ، ولم يبق على عودته إلا أسابيع فماذا سوف يحدث بعد أن يعود يا ترى ؟ أنني لا أريد أن أشكوه ولكنني أتألم وأفكر بمستقبل حياتي مع زوج حملت عليه تحميلاً...
كانت حسنات تتكلم وكل كلمة منها بمثابة شفرات حادة تقطع نياط قلب رحاب ، ولكنها تماسكت ورأت أن عليها أن تعمل شيئاً من أجل هذه الأخت المسكينة فقالت بنغمة حاولت أن تكون مشرقة : كلا ، كلا يا حسنات أنك غلطانة في طبيعة تفكيرك عن الموقف فان هذا الرجل الذي ارتبطت به شرعاً وعرفاً هو من أحسن الناس وأنبلهم وأليقهم بك يا عزيزتي...
قالت حسنات : أنني لا أنكر ذلك ولكن يبدو أنه لم يكن مقتنعاً باختياره لي...
قالت رحاب : أنه مقتنع تمام الاقتناع وليس لعدم اقتناعه أي دخل فيما تجدين كوني واثقة من هذا يا أختاه...
فتطلعت حسنات نحو اختها وسألتها بتعجب : من أين لك هذه الثقة يا رحاب ؟
فاحتارت رحاب بماذا تجيب ولكنها أجابت قائلة بإصرار : أنني أعرف وتأكدي مما اقول...
قالت : ومن أين عرفت ؟
وكادت رحاب أن تنهار فماذا عساها أن تقول ؟ من أين عرفت ؟ نعم من أين ؟ يا لدناءة الطريق الذي عرفت منه ذلك ، ولكنها تماسكت وقالت : يكفيك أن تعلمي بأنني متأكدة مما أقول وسوف أشرح لك ما أعرف بعد أيام قليلة أو أسابيع المهم أن تستعيدي ثقتك بزوجك المنتظر وتعودي إلى اشراقتك الباسمة للحياة ، أرجوك يا حسنات ... قالت هذا ونهضت لتطبع على جبين أختها قبلة أودعتها الكثير من الحب والحنان ، ثم قالت : أتعاهديني أن تعودي طبيعية يا حسنات عودي إلى عهدك بالرضا والسعادة وسوف ترين بأنني صادقة فيما أقول...
فابتسمت حسنات وقالت بوداعة : لقد وثقت بكلامك يا

اختي وإن كنت لا أعرف كيف أفسره ولكنني قد بدأت أطمئن من جديد...
فأخذت رحاب بيدها وأنهضتها قائلة : إذن هيا بنا إلى أمنا فهي تنتظر..

كانت رحاب خلال الأيام التي أعقبت هذا الموقف لا تكاد تفارق حسنات إلا خلال ساعات دوامها ، فهي دائماً معها تلاطفها وتتحدث معها عن المستقبل وتحاول أن تساعدها بالخياطة والتطريز وهي بين ذلك كله تقرأ من كتبها ما تشاء فتزداد إيماناً واطمئناناً ولكنها كانت تنتظر جواب مصطفى حتى وصلها الجواب وكان ما يلي :

بسم الله الرحمن الرحيم
عزيزتي حسنات
حرسك الله ورعاك وسدد في طريق الحق خطاك...
يؤسفني أن أكون قد تأخرت عنك في الجواب ولكنها مشاغلي واستعدادي للامتحان النهائي... فإليك الآن جواب ما أردت يا حسنات وسوف أورده لك باختصار وأطلب منك مطالعة أصول العقيدة لتجدي فيه التفصيل. والآن فنحن لو وجدنا ماءاً قد وصل إلى درجة الغليان نتمكن أن نتساءل
عن السبب الذي أوصله إلى درجة الغليان فيأتينا الجواب أن السبب هو قربه إلى النار فنقول لماذا كان القرب من النار يوجب الحرارة ؟ فيقال لأن النار حارة ، وعند ذلك فهل يصح لنا أن نتساءل لماذا كانت النار حارة ؟ بطبيعة الحال أن هذا السؤال غير معقول لأننا متى رأينا ناراً ليست بحارة لنتساءل متى أصبحت حارة ؟ ثم ألسنا ( جميعاً ) مؤمنين وماديين متفقين على أن لهذا الكون سبباً وخالقاً ينتهي لديه التعليل والتفسير لأن لكل شيء نهاية ولا يمكن أن يستمر التفسير والتعليل إلى غير نهاية ، وإنما نختلف في نوعية هذا السبب الأول فالماديون يزعمون انه الطبيعة أو المادة أو الدهر كما يقول القرآن الكريم والمؤمنون يعتقدون بأنه الله العليم القدير ، فنحن إذن بين افتراضين وحيدين وكل منهما يعترف بوجود سبب أعلى ليس له بدوره سبب فالمسألة إذن أن نعين نوعية هذا السبب الأعلى فهل يا ترى بالامكان أن يكون هذا السبب الأعلى للكون بكل ما فيه من حكمة واتقان وجمال وتدبير وضبط وإبداع وتمشياً مع مصلحة الانسان وحاجة الحياة ، أقول هل يمكن أن يكون السبب الأعلى لكل ذلك قوة عمياء لا تعي ولا تدرك ولا تفهم ما هي الحياة ولا تعرف من سننها ما يعرفه حتى طالب الاعدادية كما يفترض الماديون من الههم المزعوم الذي يسمونة الطبيعة تارة والمادة أخرى والدهر ثالثة. ان الجواب كلا لأن النظام بحاجة إلى منظم والحكمة دليل على الحكيم
والعلم والجمال لا يعطيه إلا العالم الجميل فتبارك الله احسن الخالقين.

مصطفى

عندما انتهت رحاب من قراءة رسالة مصطفى ذهبت إلى حسنات تطلب منها الكتاب وقد حسبت أنها لن تكتب إلى مصطفى بعد الآن وبدأت تقرأ وقد زادتها القراءة هدى واطمئناناً وصممت أن تكتب إلى مصطفى لتصارحه بالحقيقة إذ أنها لم تعد بحاجة إلى سؤال وجواب ، ولكن خاطر خطر لها أسلمها إلى الحيرة من جديد ، أنها ما دامت قد آمنت بالله فان عليها أن تؤمن بالقرآن ولكن كيف تعرف أو تطمئن إلى أن هذا القرآن هو من الله خالق الكون والحياة ؟ إذن فهي ما زالت مشدودة إلى مصطفى ... وصممت أن تكتب سيما وان حسنات قد تحسن وضعها النفسي بعد حديثها معها وأخذت تملي على نفسها التصديق بكلام أختها وإن كانت لا تعرف كيف تفسره... ولهذا فقد كتبت إليه من جديد قائلة :


بسم الله الرحمن الرحيم

عزيزي مصطفى ... يا من نورت فؤادي بنور الايمان واخذت بيدي إلى طريق الحق والرشاد... لقد أصبحت أشعر بتطفلي

شمخ الآلام..
هل أكمل أم ماذا؟؟؟