أيها القادم من قلب الصمت ... !!

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


30 سبتمبر 2011
34
19
0
( مسار هذه المقالة يغذي فلسفة الحياة والثقافة النفسية حسب رؤيتي واجتهادي ... آمل القراءة بتأمل واعي ) سعد.


ـــ إليك أيها القادم من قلب الصمت الكبير ــ
كان في قلب مدينة ساحلية وفي بناية عالية من تلك الأبراج التي أنتجتها حضارتنا المتمركز حول رفاهية الجسد ..!! فنظر من النافذة المطلة على ميدان الحياة الزاخر بديناميكية الحركة المعاصرة للبشر وفق نظام التكنولوجيا القهري ..! نظر فإذا رجل عجوز ضعيف البنية يحمل على كاهله أثقال السنين الماضية يشق طريقة نحو مركب على وشك أن يغادر مرفأ المدينة ... كان الوقت قصيرا ومشية الرجل العجوز تنبئي عن ضعف بدني يعتري كيانه البشري وخطاه تشير إلى حبسها بحبال الزمن ..!! ويرى المتابع له في خطواته انحرافا مفاجئا بين الخطوة والأخرى لوجود ألم بل آلام في المفاصل ... شعره الأبيض ومعطفه البال يشيران إلى السأم من تكاليف الحياة ..!! السماء تمطر بلا انقطاع .. والرياح تحرك هذا الشاخص المتمايل يمنة ويسرة كشجرة وحيدة لازالت صامدة في حقل فسيح ..! بعد جهد ومكابدة يصل هذا القادم من الزمن الماضي إلى المركب ، ويصعد السلم بصعوبة وهي درجة طويلة تحتاج إلى عزم وخطى متواصلة لازمة للوصول إلى المعبر ثم يبدأ نزوله إلى متن المركب وهو خائف من أثر السرعة التي سيفرضها قانون الانحدار على جسده المتهالك ...!! فيجاهد من خلال الاعتماد على حواجز الممر راجيا أن يخفف من اكتساب الكثير من القوة الدافعة على المنحدر ... ورأسه يتحرك بسرعة إلى اليسار تارة وإلى اليمين تارة أخرى متحققا من المحيط وناشدا الطمأنينة ... !! في تشبث عجيب ببقايا الحياة التي قال عنها الفيلسوف أبو العلاء المعري : تعب كلها الحياة فما عجب إلا من راغب في ازدياد !! ؟
بدا للمشاهد من النافذة العليا لجسد هذا الرجل الذي يشير سلوكه البدني إلى احساس كامن في داخل نفسه يحدثه قائلا : أنني لست مندهشا من أنني قد بلغت الثمانين ولكنني مندهش من أنني قد بلغت هذه السن بهذه السرعة ..!!
وبدا للمشاهد أيضا أن هذا الراحل في درب الحياة الذي لم يلقي عصا الترحال ولم يستقر به النوى بعد ..!!! بدا وكأن جسمه يقول :
آه .. هل أنا في المكان الصحيح ؟
هل هذا هو المركب ؟
أين محطتي القادمة ؟
وفي هذه الأثناء يهب رجلان من داخل المركب لازالا ينعمان بوقود ثائر لمواجهة حركة الحياة وساعداه على تثبيت خطوته الأخيرة .. ليوصلانه إلى المكان المناسب لمثله وهما يشعرانه بالاهتمام والعطف ..!!
كان المشاهد والراصد من النافذة لهذا المشهد الدراماتيكي ــ المثير ــ بكل شخوصه وأحداثه كان يتأمل من نافذته وهو يشعر بمشاعر القلق والخوف تجاه هذا العجوز في محطة من محطات الحياة وفي وجدانه أثناء الملاحظة كوامن أخرى أنتجت عنده هذا الشعور الحزين ..!!!



استفهامات :



ـ لماذا كان الرجل العجوز منزعجا وخائفا وكيف كان ؟
ـ مالذي جعل الراصد للمشهد من النافذة في حالة توتر وقلق
وخوف ؟

ـ ولماذا استجاب الرجلان بتعاطف مع الرجل العجوز وهما بمساندته ؟
ـ وأنا لماذا كنت مند مجا في المشهد وأنا أكتبه وأحاول أن أخرج
هذا الرجل مما هو فيه ؟

ولماذا كنت في الاتجاه الآخر أحاول أن أجعل المشهد مأساويا للقارئ ؟
ـ وأنتم إخواني وأخواتي ماهو السر في اتحادكم مشاعريا مع حالة
الرجل والتحفز خوفا من أن يقع له مكروه .. ؟

الفلسفة الواقعية تشير إلى تفردنا نحن البشر بالوعي والإدراك لمثل هذه الأحداث الذاتية والعيش بتركيز أكثر بوعينا داخل إنسانيتنا ...إن شعوري بالحالة وشعور الملاحظ من النافذة وشعورك أيها القارئ الكريم وشعور الرجلين عبارة عن وعي بواقع نؤمن به داخل أنفسنا وإن كنا لانشاهده فليست القضية مرتبطة بالرجل العجوز وإنما القضية مرتبطة بأشخاصنا وذواتنا نحن حينما نراها متمثلة في الآخر ونعبر عنها بالسلوك الفعلي ــ المساعدة ــ من قبل الرجلين أو بالسلوك النفسي العاطفي ـ القلق , والخوف , والحزن ,... ـ نعم نحن نرى العالم بمنظار مختلف .
نحن نرى أن سيكون كل واحد منا يوما ما في حالة عجز وفي مركز ضعف فنشفق على أنفسنا ونعيش الواقع بمشاعرنا وأحاسيسنا !! وهذا ما يفسر وقوعنا في اليأس بسهولة ..!!
وهذا ما يدفعنا أيضا إلى استخدام مهاراتنا وأدواتنا المعطاة لنا والتي نستطيع استخدامها كوقود مضاد ومعاكس للشواهد الباعثة على الاكتئاب والعبث وإيقاظ مفهوم أن لحياتنا قيمة ومعنى .. !!
فمن خصائص الذهن البشري قدرته على توليد أفكار وتجارب لايمكن تفسيرها تفسيرا منطقيا ..!! بل من خصائص الكائن البشري وجود الخيال والقدرات الذهنية التي تمكنه من التفكير في أشياء بعيدة عن مدى إدراك جهازه البصري والسمعي للبيئة المحيطة به ..فنحن كائنات تبحث عن المعنى .. بينما الكائنات الأخرى مثل الحيوانات بحسب علمنا لاتتألم لحال أفراد فصيلتها , ولا تقلق لمصير الفصائل الأخرى في الجزء الآخر من العالم ...
ملاحظات داعمة :
الوعي يضخم وقع المشاعر في عقولنا ...
الوعي في مستواه البسيط يدعنا نميز دافعا لايقاوم للبقاء أحياء .. ويحفزنا لتطوير القلق من أجل الذات ..
الوعي في مستواه الأعلى يساعدنا على تطوير قلقنا للنفوس الأخرى ويدفعنا لتحسين فن الحياة ..
تعرف القواميس المتخصصة الوعي بأنه : إدراك الكائن الحي لذاته ومحيطة ..
لو لم يكن لدينا وعي لما ارتقينا نحن البشر إلى هذه المدركات المشهودة مثل الدين ونظام الحياة الاجتماعي المنظم ، واستعمال التكنلوجيا واكتشافها من قبل .. بل لو لم يكن لدينا وعي لما عرفنا الحزن والمعاناة أو الفرح والسرور , أو لما شعرنا بالإحراج , أو الفخر ...
الوعي يعتبر نقطة تحول في تاريخ الحياة الطويل ..
مالذي يمكن أن يكون أصعب للمعرفة من معرفة كيف نعرف ..؟ ـ أنطونيو داماسو ..


وبعد : أيها الإنسان القادم من قلب الصمت العظيم ..هذا تكريم الله سبحانه وتعالى لنا .. ولقد كرمنا بني آدم ..
( ألم يأن للذين آمنو أن تخشع قلوبهم لذكر الله ومانزل من الحق )
تذكر أن:
دوائك منك وما تبصرُ ودائك فيك وما تشعر !
وتحسب أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبرُ !


آمل أن أكون قد قدمت لكم إخواني وأخواتي ثراء معرفيا بطريقة مغايرة وغير تقليدية تدعم ثقافة فهم الحياة لديكم .. وكم أسعد بمداخلاتكم سلبا أو إيجابا سيان المهم نتكامل معرفيا ونرتقي ...
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ..
سعد بن عبدالله الصماني الحارثي ..
 
  • Like
التفاعلات: طائر الخرطوم

شموخ 1

عُضْو شَرَفٍ
12 فبراير 2009
2,490
585
0
سلام

رؤية جيده جدا.. وقيمه/ من الناحية الإسلوبية ومواكبتها للحال المعاصر.
و إستفهامات مؤثره أيضا.
لكن//

قال الله في محكم التنزيل// ( لتركبن طبقا عن طبق.. )
وقال تعالى// ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياه الدنيا .. )

يبدوا لي:- أن قيام الرجلان بمساعدة الرجل العجوز، نابع من صفاء دواخلهم وإحساسهم بمعاناته.
وكسب الأجر و الإحسان للأخرين ( فما بالك عندما يكون مسنناً ) !!

وأعتقد أنه وفي بعض المجتمعات تكاد تكون الطبقة الوسطى مختفية أو في طريق لإختفاءها.
وأن الغني يزداد غني و الفقير على حاله أو أشد.

لي عوده // شكرآآ لكم ،،
 

طائر الخرطوم

مشرف بوابة النفس المطمئنة
29 سبتمبر 2010
11,956
7,888
113
ندى الياسمين
www.bafree.net
اختيار جميل رائع أخ سعد
تشكر كثير

جزاك الله خيرا
 
30 سبتمبر 2011
34
19
0
رؤية جيده جدا.. وقيمه/ من الناحية الإسلوبية ومواكبتها للحال المعاصر.
و إستفهامات مؤثره أيضا.
لكن//

قال الله في محكم التنزيل// ( لتركبن طبقا عن طبق.. )
وقال تعالى// ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياه الدنيا .. )

يبدوا لي:- أن قيام الرجلان بمساعدة الرجل العجوز، نابع من صفاء دواخلهم وإحساسهم بمعاناته.
وكسب الأجر و الإحسان للأخرين ( فما بالك عندما يكون مسنناً ) !!

وأعتقد أنه وفي بعض المجتمعات تكاد تكون الطبقة الوسطى مختفية أو في طريق لإختفاءها.
وأن الغني يزداد غني و الفقير على حاله أو أشد.

لي عوده // شكرآآ لكم ،،



شموخ 1 ..
أشكرك على التفضل بمطالعة المقال والمداخلة القيمة ....