آه ياولدي..............................!!

  • نعتذر عن الأخطاء التقنية في الموقع ، جاري العمل على إصلاحها

    هذا المنتدى وقف لله تعالى


ابو امل

عُضْو شَرَفٍ
6 نوفمبر 2001
8,074
23
0
آه يـــا ولــــــــــدي
لفضيلة الشيخ د/خالد الحليبي

اللهم لك الحمد أنت وليُّ الحمد وأهلُه ، وأنت ولينا في الدنيا والآخرة ، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا أن تغفر لنا هذه الساعة ، وأن تجيرنا من النار برحمتك ، ونسألك الرضا بعد القضا ، وبرد العيش بعد الموت ، ولذة النظر إلى وجهك ، وشوقا إلى لقائك ، في غير ضراء مضرة ، ولا فتنة مضلة ، ونعوذ بك أن نَظْلِم أو نُظْلَم ، أو نعتدي أو يُعتدى علينا ، أو نكتسب خطيئة أو ذنبا لا تغفره ، اللهم فاطر السماوات والأرض ، عالم الغيب والشهادة ، ذا الجلال والإكرام ، فإننا نعهد إليك في هذه الحياة الدنيا ، ونشهدك وكفى بالله شهيدا ، ألا إله إلا أنت ؛ وحدك لا شريك لك ، لك الملك ، ولك الحمد ، وأنت على كل شيء قدير ، و أن محمدا عبدك ورسولك ، ونشهد أن وعدك حق ، ولقاءك حق ، والجنة حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأنك تبعث من في القبور ، وأنك إن تكلنا إلى أنفسنا تكلنا إلى ضعف وعورة وذنب وخطيئة ، وإنا لا نثق إلا برحمتك ، فاغفر لنا ذنوبنا كلها ، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم .
عباد الله : اتقوا الله ، يقول تعالى { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا(70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا(71)} الاحزاب.

أيها المسلمون : إن أعظم الحقوق الواجب على المسلم أداؤها بعد توحيد الله تعالى وعبادته ، حق جعل الله جزاء من أداه في الدنيا ، مدا في الرزق والأجل ، ولم يرض له جزاء في الآخرة إلا الجنة ، ورتب على نقضه عاجل عقوبته في الدنيا ، وأليم عذابه في الآخرة ، إنه حق الوالدين .
يقول الله سبحانه { وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا(23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا(24)} .
قال الإمام الشوكاني رحمه الله : ( وفي جعل الإحسان إلى الأبوين قرينا لتوحيد الله وعبادته من الإعلان بتأكيد حقهما والعناية بشأنهما ما لا يخفى ) فبر الوالدين فريضة شرعية ، وواجب محتم ، وعقوقهما جريمة من أشنع الجرائم ، وكبيرة من أكبر الكبائر بعد الإشراك بالله تعالى .
وكيفما تخيلت عظم حقهما فهو أعظم ، و مهما قدمت لهما من بر ، فهو دون ما قدماه لك لا محالة ، جاء رجل إلى عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال : إن لي أما بلغ بها الكبر ، وإنها لا تقضي حاجتها إلا وظهري لها مطية ، وأوضئها وأصرف وجهي عنها ، فهل أديت حقها ؟ قال : لا ، قال : أليس قد حملتها على ظهري ، وحبست نفسي عليها ؟ قال : إنها كانت تصنع ذلك بك وهي تتمنى بقاءك ، وأنت .. تتمنى فراقها !!
أخي الكريم .. هل بلغ برك بوالديك بر هذا الرجل بأمه ؟ بل هل بلغت ببرك ما قاله حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم ( وأطع والديك وإن أمراك أن تخرج من الدنيا فافعل ) رواه البخاري

وهل طبقت شروط البر كلَّها ؟ وما أدراك ما شروط البر!! ؟ إنها ثلاثة فاعرض معاملتك مع والديك عليها وحاسب نفسك قبل أن تحاسب
الأول : أن يؤثر الولد رضا والديه على رضا نفسه وزوجته وأولاده والناس أجمعين .
والثاني : أن يطيعهما في كل ما يأمرانه به ، وينهيانه عنه ؛ سواء وافق رغباته أم لم يوافقها ، مالم يأمراه بمعصية الله تعالى .
وأما الثالث : فأن يقدم لهما كلَّ ما يلحظُ أنهما يرغبان فيه من غير أن يطلباه منه ، عن طيب نفس وسرور ، مع شعوره بتقصيره في حقهما ولو بذل لهما دمه وماله .
أقرأ لكم هذه الشروط الإنسانيةَ الإسلاميةَ العظيمةَ في بر الوالدين ، وأنا لا أزال أعاني من صدمة الخبر ، ذاك الخبر الذي نشرته إحدى الصحف ، من أن طفلين شاهدا شابا يقف بسيارته فجأة ، ويضع صندوقا ورقيا على قارعة الطريق ، وينصرف مسرعا ، فاقترب الطفلان من الصندوق ، ولكنهما هرعا خوفا مما في داخله ، وهربا إلى والديهما ، ليبلغاهما قصة الصندوق الغريب ، وأن فيه كائنا حيا مخيفا ، أراد الشاب أن يتخلص منه ، وحين اقترب والد الطفلين من المكان ، سمع أنينا متقطعا ينبعث من الصندوق كالمستغيث ، فنظر .. فإذا به يجد امرأة مسنة لا تزال على قيد الحياة ، قد بلغ منها الجهد والتعب حتى لم تستطع أن تنطق بكلمة واحدة . وتبين له أن ذلك الشاب هو ولدها الجاحد العاق ، رماها كما ترمى النفايات .

فلا تلمني يا أخي إذا رحتُ أوقدُ مشاعرك ، وأحركُ مدامعك ، فلقد أثرت فيني ـ والله ـ رعشات أيادي الآباء ، وهي تتضرع يدي ، وأحرقتني مدامعهم وهي تسيل على لحاهم البيضاء ، يشتكون من فلذات أكبادهم بما يفتت الفؤاد ، ويكوي الأكباد ، ولسان حال أحدهم يقول :
آهٍ يا ولدي ، يا من أبكيتني صغيرا إشفاقا عليك ورحمة ، و أبكيتني كبيرا خوفا منك وحزنا ، هل نسيت سهر الليل في تمريضك ، أم نسيت عرق الهواجر وأنا أجمع لك قوت بطنك ، أم تناسيت معاناتي معك همَّ تربيتك وتعليمك .أم تجاهلت حال أمك وهي تدافع أصابع الغثيان ، وثقل الحمل ، و آلام الولادة ، آهٍ يا ولدي .. لو رأيتها وهي تقلب جنبيها على جمر الآلام ، تتمزق أحشاؤها ، وتتفجر الدماء من جسدها مؤذنة بقرب مولدك ، وأنت في قلبها قبل أن تكون في بطنها ، تخاف أن تؤذيك وهي تلدك ، تنسى كل شيء حولها إلا أن تدعو الله في ساعة الكرب تلك أن تخرج إلى الدنيا وأنت تام الخلق صحيح البدن ، فلو خُيرت بين حياتها وحياتك لاختارت حياتك ، حتى إذا خرجتَ إلى الحياة ، التفتت إليك وابتسامة السرور تفترُّ على ثغرها ، متناسية كل الآلامِ الهائلة والدماءِ النازفة ... فهل تلوم مَنْ حضرَ ولادة زوجته مرة ، فرأى كيف تجلدها الآلام ، وتعتصر فؤادها الأسقام ، و يأتيها الموت من كل مكان ، فإذا به ينطلق كالهائم على وجهه فيلقي بنفسه عند قدمي أمه يقبلهما ويبكي ، ويقول : أماه سامحيني ، أماه استغفري لي ، فما مر علي يوم عرفت فيه تقصيري نحوك كهذا اليوم ، اليوم عرفت قدرك ، والله ما تصورت أنك عانيت كل هذا في ولادتي .
ثم انظر ـ يا ولدي ـ كيف حنونا عليك وأنت أسير ضعيف بين أيدينا ، نغذوك من خالص صحتنا ، ونقدم شهيتك على شهيتنا ، ونميط عنك الأقذار ونحن نتبسم ونضحك ، نجد في ذلك الأنس والسرور .
يا ولدي ..وهل انتهى إحساننا إليك عند طفولتك وإن كانت ـ والله ـ تكفيك أن تعرف لنا الفضل حتى تموت ؟! لا والله .. بل إنك حين كبرت وترعرعت في أكنافنا زاد حبك بين أحشائنا ، وتعلقت بك آمالنا ، إذا أقبلت علينا تملينا وجهك ، عسى ألا يكون قد تكدر خاطرك بشيء يسوؤك ، فَنُسَرُّ لسرورك ، ونغتمُّ لغمك وإن لم نعلم ما السبب ، وإن غاب خيالك عن عيوننا لم يغب خيالك عن قلوبنا ، ولم يسقط ذكرك عن ألسنتنا ، كم أخطأت معنا فصفحنا ، وكم رأينا منك ما يسوؤنا فتغاضينا ، ولو اضطر أحدنا إلى تأديبك يوما ما أشار إلى الآخر أن يشفع لك ، فإذا أبكيناك بكت قلوبنا لبكائك ، ولو نطق اللسان في ساعة الغضب بالدعاء عليك ، لانبسط القلب بالرجاء وارتفعت اليدان بالضراعة إلى الله ألا يقبل منا ذلك. فلما تزوجت أحببنا زوجتك وأولادك من أجلك ، وحملنا همومهم وهمومك.
فما بالك حين أحوجنا الدهر إليك ، وصيرنا السن والمرض عالة عليك ، وجاء اليوم الذي ترقبنا فيه الوفاء منك ، قلبت لنا ظهر المجن فصرت تخدمنا وأنت كاره ، تُسمعنا تأففك ، وتُحرقنا بنار تذمرك ، وتُعْرِضُ كلما حادثناك ، وتُماطل كلما طلبناك ، وتضمر في قلبك أملا في ساعة الفراق التي تريحك منا ، آهٍ يـاولدي ..


غـــذوتـك مــولودا وعلتك يافعا
---- تعـل بمـا أحــــنو عليك وتنهل

إذا ليلة ضاقت بك السقم لم أبت
---- لـســقمـك إلا ســــاهــرا أتــملــمل

كأني أنا المطروق دونك بالذي
---- طرقت به دوني فعيناي تهمل

تخاف الردى نفسي عليك وإنني
---- لأعــلـم أن الــمـوت وقــت مــؤجــل

فلما بلغت السن والــغايــة الــتي
---- إليها مدى ما كنت فــيك أؤمــل

جــعلــت جـــزائي غــلظــة وفظاظة
---- كأنك أنت الـمــنعم المـتـفضل

فليتك إذ لم تــرع حـــق أبــوتــي
---- فعلت كم الجار المجاور يفـــعل



يـا ولدي .. لقد كاد صوابنا أن يطير حين سمعنا بأنك قررت أن تُحْضِرَ لنا خادما يتكشف عوراتنا ، و يتحكم في رغباتنا ، ويزجرنا كلما تضايق منا ، كل ذلك بحجة أنك مهتم بنا وبرعايتنا ، والواقع أنك تريد الهروب من وجوهنا لتفرغ لدنياك ، يا ولدي إننا حين ربيناك صغيرا كنا ننظر إلى يومنا هذا فاتق الله فينا ، ولا تسلم ضعفنا إلى قوة من يهيننا .
وإني أعيذك يا ولدي أن يخالجك خاطر شيطاني فتلقي بي أو بأمك في إحدى دور العجزة والمسنين ، فتكون كذاك الذي أودع أمه إحدى تلك الدور ، وترك زيارتها ، حتى تردت حالتُها ، وعندما طلبت من مسئول الدار الاتصال بابنها لتكحل عينيها برؤياه ، وتقبله قبل أن تموت ، خنقتها العبرة ، وسبقتها الدمعة ، وهي تنادي باسمه أن يحضر ، ولكن العاق العاصي رفض ذلك ، وادعى ضيق الوقت ، فلما توفيت الأم ، واتصل به المسئولون ، كان جوابَه : أكملوا الإجراءات الرسمية ، وادفنوها في قبرها ، تبا لذلك الجَحُود .. وبعداً .
أو كتلك الفتاة التي أقامت حفل زواجها الراقص ، ودعت إليه فرق الغناء والموسيقى ، في الليلة التي كانت أمها على سرير الموت في غرفة الإنعاش ، تجود بأنفاسها الأخيرة ، ترفرف روحها وليس حولها واحد من بنيها يودعها الوداع الأخير .

ولسان حالها يقول :


طاب الغناء وطاب الرقص والسمر
---- والسعد من حولكم يشدو به القمر

تمتعوا بنعيم زائل وأنا
---- في قبضة الموت والأنفاس تعتصر

أحبتي أين أنتم حين داهمني
---- موتي ورفرف في أعصابي الكدر

أما سمعتم ندائي حين أرسلَه
---- قلبٌ على جمرة الآهات ينصهر

يا ويحكم شغلتكم عن مرافقتي
---- في لحظة الموت عينُ اللحن والوتر

تلفت القلب لم يبصر لكم أثرا
---- وعاد يبكي ونار الحزن تستعر

أكان لابد أن أقضي وفي كبدي
---- سهام نكرانكم كالشهب تنهمر

لو اشتكى بعضكم إذ كنت بينكم
---- من شوكة كاد قلبي عنه ينفطر

وها أنا مت وحدي لم تمد يد
---- إلى يدي إذ دنا من نبضها الخصر

أظنكم قد مللتم من مرافقتي
---- وبعضكم لرحيلي كان ينتظر

فها أنا مت فاشدوا وارقصوا طربا
---- كأنما لم يكن لي بينكم أثر



الله أكبر .. حوادث تقطع نياط القلوب ، وتضج من هولها الفضيلة ، وتئن منها الإنسانية الكريمة .
آه يــا ولدي .. أين هؤلاء من وعيد الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ( لا يدخل الجنة قاطع ) ، بل أما قرءوا يوما قول الله جل وعلا { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ(14) لقمان} .
أيها الشباب : يا من تعيشون عنفوان صحتهم اليوم ، أدعوكم أن تمدوا النظر إلى غد ، إذا أطال الله العمر ، وضعف البصر ، واحدودب الظهر ، ورجفت الأطراف ، وجاء زمن الوفاء ، وتقاضي الدين ، فهناك هنيء البارين بالبر ، وذكر العاقين بالعقوق ، أيها الشباب : من قلوب الآباء .. ومدامع الأمهات .. أكمل إليكم مقاطع الشكوى ، ومجامر الآلام ، علنا نتعظ قبل أن يفوت الأوان ، نعم إن حال بعض الآباء يقول : ( آه يــا ولدي .. يا فلذة من كبدي ، لقد سمعت أن الحسين بن علي قال : ( لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من( أف ) لحرمه !! ) ، فلماذا أُسْمِعُكَ أحسن الكلام وتسمعني أسوأه ، أراعي مشاعرك ، وأنت لا ترعى شيخوختي وأبوتي لك ، ينهاك الله تعالى عن قول { أف } و أنت لا تبقي كلمة سخرية واحتقار إلا أسمعتني وأمك إياها ، ولا تكاد تسمع منا نصيحة أو توجيها إلا رددت علينا من كلامك القاسي ما نكره معه الحياة و نتمنى أن لا ولد لنا ، أتدل علينا بوظيفتك الراقية ؟ أم تتكبر بجاهك ومالك ومركزك ؟ أنسيت أن الفضل لنا عليك بعد الله في ذلك كله ؟ أم أتريد أن تكون ممن يُصَبِّحُ والده ويمسيه بقوله : ( أراحنا الله منك وأخذ عمرك ) ، ولسان حال الوالد يقول : أريد حياته ويريد موتي .
يا ولدي ..لقد أحرقت قلبي بتفضيل زوجتك على أمك ، بتفضيل من نعمت بشبابك دون أن تبذل من أجله قطرة عرق ، على من صنعت شبابك من شبابها ، نعم .. إني لا أرغب أن تُهين امرأتك وهي صالحة ، فإن سعادتها سعادتُك ، وإن سعادتك من أغلى أمنياتي في هذه الحياة ، ولكني أستكثر عليك أن تضعها في ميزان يرجح في نفسك على أمك ، فتقدمَ كلمتها على كلمة أمك ، وتبدأَ بحاجتها قبل حاجة أمك ، و أعيذك أن تَسمح لها أن تغتاب أمك عندك ؛ لتغير عليها قلبك .
ولا تستكثر حبك لوالديك وشفقتك عليهما ، فإنه مهما بلغ ذلك منك فلن يصل إلى حد حبهما لك ، وإني لحاكٍ لك حادثة روتها كتب الأخبار فاستمع برهافة حسك وشغاف قلبك : كان أمية الكناني من سادات قومه ، وكان له ابن اسمه ( كلاب ) قدم المدينة في زمن عمر رضي الله عنه ، فسأل أي الأعمال أفضل ؟ فأجيب بأنه الجهادُ في سبيل الله ، فسأل عمر فسيره في غزو فارس ، فقال أبوه أمية : يا أمير المؤمنين هذا اليوم من أيامي لولا كبر سني ، فقام إليه ابنه كلاب - وكان عابدا زاهدا - فقال : لكني يا أمير المؤمنين أبيع الله نفسي وأبيع دنياي بآخرتي ، فتعلق به أبوه ، وقال : لا تدع أباك وأمك شيخين ضعيفين ، ربياك صغيرا ، حتى إذا احتاجا إليك تركتهما . فقال : نعم تركتهما لما هو خير لي . فخرج غازيا بعد أن أرضى أباه ، وكان أبوه في ظل نخل له ، وإذا حمامة تدعو فرخها ، فرآها الشيخ فتذكر ولده فبكى ، فرأته العجوز فبكت .

وأنشأ يقول :


لمن شيخان قد نشدا كلابا
---- كتاب الله لو قبل الكتابا

إذا هتفت حمامة بطن وجٍ
---- على بيضاتها ، ذكرا كلابا

تركت أباك مرعشة يداه
---- وأمك ما تسيغ لها شرابا

فإنك والتماسَ الأجر بعدي
---- كباغي الغيث يتبع السرابا



ثم ضعف بصره بعد ذلك ، فدخل على الفاروق يشتكي له حزنه على ولده ، وشدة اشتياقه إليه ، فكتب عمر برد كلاب إلى المدينة ، فلما قدم عليه ، قال له عمر : ما بلغ من برك بأبيك ، قال كنت أوثره ، و أكفيه أمره ، وكنت إذا أردت أن أحلب له لبنا أجيء إلى أغزر ناقة في إبله فأريحها ، وأتركها حتى تستقر ، ثم أغسل أخلافها ( يعني ضروعها ) حتى تبرد ، ثم أحلب له فأسقيه .
فبعث عمر إلى أبيه فجاءه فدخل عليه وهو يتهادى ، و قد انحنى ، فقال له : كيف أنت يا أبا كلاب ؟ فقال له : كما ترى يا أمير المؤمنين .
فقال : يا أبا كلاب ما أحب الأشياء إليك اليوم ؟
قال : ما أحب اليوم شيئا ! ما أفرح بخير ، ولا يسوؤني شر .
فقال عمر : بلى على ذلك .
قال : بلى ، كلاب أُحب أنه عندي ، فأشمه شمة ، وأضمه ضمةً قبل أن أموت ، فبكى عمر وقال : ستبلغ ما تحب إن شاء الله تعالى .
ثم أمر كلابا أن يحلب لأبيه ناقة ، كما كان يفعل ويبعث بلبنها إليه ، ففعل وناول عمرَ الإناء ، فناوله عمرُ الوالد وقال له : اشرب يا أبا كلاب ، فأخذه ، فلما أدناه من فيه ، قال : والله يا أمير المؤمنين إني لأشم رائحة يدي كلاب ، فبكى عمر ، وقال له هذا كلاب عندك ، وقد جئناك به ، فوثب إلى ابنه ، وضمه ، وجعل عمر والحاضرون يبكون ، وقالوا لكلاب :الزم أبويك ، فجاهد فيهما ما بقيا ، ثم شأنك بنفسك بعدهما ، فلم يزل مقيما عندهما حتى ماتا .
ولدي الحبيب.. إن الحديث ذو شجون ، وإن ما في خاطري نحوك لم ينفد ، وإني لأرجو الله أن يهديك للبر والخير ، واعلم أن أحب شيء إلي أود أن يقع منك عاجلا أن تقلع عن المعاصي فهي أعظم ما يسوؤني منك ، وأن تشرح صدري بإقبالك على طاعة الله ، فهي أعظم ما يسرني منك ، وإن الطاعة لكفيلة أن تدلك على البر بي وبأمك ، و أسأل الله تعالى أن يحقق لك موعود رسوله صلى الله عليه وسلم حين قال :( من سره أن يمد له في عمره ، ويزاد في رزقه فليبر والديه ، وليصل رحمه ) رواه أحمد . وأن يقر عينك ببر أولادك لك .
ولا تنسني يا ولدي إذا وسدتني التراب ، فزر قبري ما استطعت ، وادع الله لي واستغفر ما حييت ، وأكرم أمك وإخوتك من بعدي ، وصل رحمي ، وزر صديقي . وفقك الله في دنياك ، وأحسن عاقبتك في أخراك ، ورضي الله عنك وأرضاك ..
ثم صلوا وسلموا على معلم الناس الخير سيدنا ونبينا محمد كما أمركم الله جل وعلا بذلك فقال سبحانه : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(56)الاحزاب } اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ، وارض اللهم عن خلفائه الراشدين والصحابة والتابعين ، وعنا معهم برحمتك وفضلك ومنك يا أكرم الأكرمين .
اللهم يا عزيز يا حكيم أعز الإسلام والمسلمين وانصر إخواننا المجاهدين وارفع البأس والظلم والجوع عن إخواننا المستضعفين ، اللهم آمنا في أوطاننا ، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا ، ووفقهم لإصلاح رعاياهم ، اللهم أيدهم بالحق وأيد الحق بهم ، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين ، سلما لأوليائك حربا على أعدائك .
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، وأغننا برحمتك يا حي يا قيوم ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين واجعلنا من أهل جنة النعيم برحمتك يا أرحم الراحمين .وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .