عرض الإصدار الكامل : مقال متميز لا يفوتك


لجينا
15-08-2002, 04:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجدون شر الناس عند الله يوم القيامة ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه متقق عليه·
الانسان العاقل المتزن هو الذي يكون صاحب مبدأ يتمسك به ولا يحيد عنه، وهو الذي يتعامل مع الآخرين بما يفرضه عليه هذا المبدأ من القيم الاجتماعية الراقية المتمثلة بالصدق والأمانة قبل كل شيء، بيد ان هنالك شريحة من الناس لا هم لها في هذه الحياة الا الدرهم والدينار، وفي سبيل المادة تضحي بكل المبادئ والأخلاق، وتعزف على كل وتر، وترتكب كل محظور، وهي تفعل هذا كله بدعوى ضغط الواقع، ومتطلبات العيش، ومقتضيات المصلحة، فتجدها شريحة متذبذبة لها ألف وجه ولسان كل يوم· وهذا السلوك الخاطئ قد يقتضي من الانسان الغيبة والنميمة والمنافسة، وان يتلون مع كل جماعة بوجه، ويقوم بالفتن والنميمة والدسائس بين الناس، والأسوأ من ذلك اذا تحول هذا السلوك المتذبذب الى حالة نفسية دائمة، ودفع صاحبه في شتى المزالق، ولا سيما في قضايا الكفر والايمان، فاذا جلس الى المؤمنين لبس ثياب النساك، واذا انقلب الى أهل الزيغ بدا كأنه افعى تلدغ المؤمنين، وهو في الحالتين ليس مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، وانما هو متذبذب مع مصلحته المتأرجحة· انه ليس ثمة شيء من الصفات أسوأ في الانسان من انحلال الشخصية أو ضعفها، وهذا لا يكون إلا بسبب الخواء الروحي، والضعف الخلقي، مما يُفقد شخصية الانسان أهم خصائصها الانسانية، وهو الشعور بالاستقلال والتميز الى الشعور بالضياع والتبعية، مما يؤدي الى فقدان الهوية وازدواج الشخصية وضعف الثقة بالذات· ان التوحد مع الذات لا يكون الا بالتمسك بالمبدأ الذي اختاره الانسان لنفسه، واما التلون والتذبذب والنفاق فهو ناتج اساسا من عدم الالتزام بمبدأ ثابت أو دين قويم، وقد راج الفساد في عصرنا لانسلاخ الاديان عن قيادة البشر، ولرواج القيم والفلسفات المادية التي تنطلق من ان هذه الحياة هي كل شيء، ولذلك فهي تروج للمصالح المادية والحرية المطلقة، حتى غدت المصالح فوق المبادئ، وعليها تدور عجلة الحياة، فانقلبت تصورات الناس وافكارهم في هذا العالم حتى صرنا على اعتاب عالم جديد يختلف تماما عما تعارفت عليه الانسانية منذ عهد آدم حتى القرن التاسع عشر، مما ينذر بهلاك الانسانية، وضياع القيم والمبادئ والأخلاق التي كان بقاؤها سببا في تواصل الاجيال واستمرار الحياة· والانسان السوي لا يرضى لنفسه ان يكون متلونا مع الآخرين تلون الحرباء، فلابد له من عهد يلتزم به، وشعور بالصدق يلازمه، فلا يظهر الاخلاص للآخرين وهو يمقتهم ويكيد لهم، ولا يجعل نفسه في موضع الثقة وهو غادر خائن، لأنه اذا لم ينكشف لهم في الدنيا، فلابد ان يفتضح في الآخرة، فرحم الله إمرأ عرف قدر نفسه، وجنبها مزالق الشبهات حين تزل الأقدام·

د· محمد رفعت زنجير
جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا