عرض الإصدار الكامل : رمــــــــــــاد -- قصة قصيرة --


الزيزفون
14-08-2002, 03:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم ..

نظرت إلى المرآة ما بين جبينها ، ومررت أصابعها بين خصلات شعرها الرمادية ..

تنهدت بحسرة ،، وسألت نفسها : متى ظهرت هذه التجاعيد على وجهي ؟؟

أشاحت بوجهها بعيداً عن المرآة .. فوقع بصرها على ورقة صغيرة ,, ملقاة في خزانتها المفتوحة .. التي لم تعرف الترتيب منذ أعوام ..

التقطت الورقة ،، عدلت من وضع نظارتها ... وقرأت ما هو مكتوب فيها ..

لقد كانت بضع كلمات .. كتبتها قبل أكثر من عشرين عاماً ..

((( سأظل صامدة أبد الدهر .. سأتغلب على الصعاب بإذن الله .. وسأحيى .. سعيدة .. صابرة .. قوية ... )))

لكن تلك الكلمات التي خطتها أناملها .. لم تعرف الطريق إلى قلبها .. قلبها الذي لم يتسع لغير مشاعر الألم ..

لقد كانت متألمة .. وحزينة على شبابها الذى مضى .. وعمرها الذي انقضى ..

وأحلامها الذي تحولت إلى رماد ..

لم يكن سبب حزنها إلا أحب الأشخاص إليها .. أعزهم .. وقربهم إلى قلبها ..

== والدهــــــا ==

والدها الذي أحبها حباً لا يوصف .. وأغدق عليها عطفه وحنانه ..

لكنه منعها من سنة الكون .. منعها من الزواج ...

لم يكن موافقاً على أن يختطف غريب ابنته .. التي وهبها كل ما يملك ... ولم يشعرها بحاجة ولا نقص ..

لكنها بعد وفاته .. أصبحت بحاجة إلى أمور عدة ..

بحاجة إلى زوج .. يرعاها .. ويقف إلى جوارها . يساندها ..
بحاجة إلى أطفال .. تربيهم .. وتسهر على راحتهم ..
نعم ..
الأطفال نور الحياة .. وأحد أسباب السعادة .. بإذن الله ..

فكيف بمنزل خلا من صوت طفل يبكي ؟؟ وآخر يتشاجر مع أخيه ؟؟ وآخر ينادي على والدته بصوت طفولي .. يبعث في النفس راحة .. وسرور ..

(((( أمــــــــــــــــي ))))

كم تمنت أن تسمع هذا اللقب .. لكن أمنيتها لم تتحق ..

ووحدتها لم يشاركها فيها أنيس .. ولا جليس ..

منزلها الفسيح .. الواسع ضاق عن تحمل أحزانها .. أموالها ...
لم تشتر لها زوجا ولا أولاداً ولا حتى ابتسامة ..

سالت على خدها دمعة حارة . حملت كل ما في قلبها من الهموم ..

أمسكت الورقة بكلتا يديها .. أسرعت إلى المطبخ ..

أشعلت الموقد .. وألقت بتلك الورقة بين نيرانه ..

ووقفت تتأملها ,, وهي تتحول رماداً .. كأحلامها وآمالها ..

فجأة ..

شعرت بانقباض قلبها ..
وتسارع أنفاسها ..

أرادت أن تصرخ .. لكنها علمت أن أحداً لن يسمعها ..

وقعت على الأرض .. وقد توقف قلبها عن الحديث ..

ماتت .. وحيدة .. لا زوج يذكرها .. ولا أبناء يبكون لفقدها ..

ماتت وليس إلى جوارها .. إلا أجزاء من تلك الورقة التي أحرقتها ..

من بين الرماد واللهب .. ظهرت تلك الكلمة ..

كلمة واحدة ..

((( .... سعيدة .... )))

== قصة كتبتها عندما كنت في الصف الثاني ثانوي ==