Prof. Dr. Sir Karim
04-03-2008, 07:43 PM
علاقة المعالج بالمريض:علاقة الطبيب بالمريض هي علاقة إنسانية من الدرجة الأولى وهي علاقة مهنية وكذلك يحكمها الكثير من العوامل الإنسانية. وكان يطلق في الماضي على الطبيب لفظ (الحكيم) لما يمثل ذلك من معاني الاحترام والتبجيل والإجلال لعمل الطبيب حيث، إن الطب مهنة إنسانية تستدعي إن يتخلق الطبيب بالأخلاق الرفيعة السامية وأن ينظر إلى وظيفته نظرة إنسانية قبل أن تكون نظرة مهنية محترفة، لذلك فإن من ينجح في هذه المهنة نجد أنه يتمتع دائما بالأخلاق الرفيعة أولاً قبل أن يكون نابغا من الناحية العلمية.
وفي الطب النفسي فإن هذه النظرة من المجتمع إلى الطبيب النفسي تكون أوضح ويكون الطبيب دائما تحت المجهر وإذا نجح في عمله فإنه قد يصل إلى أن يكون أحد نجوم المجتمع، دائما يطالب بإعطاء رأيه في الكثير من أمور المجتمع ويكون لهذا الرأي وزن عند اتخاذ أي قرار في الموضوعات الخاصة بالأمور الإنسانية الاجتماعية التي تمس الأطفال والشباب والمرأة. وعند حضور الأسرة لعيادة الأخصائي النفساني فإنهم ينظرون إليه نظرة خاصة قد تصل إلى درجة الإكبار وقد يأخذ المرضى وأسرهم الرأي من الطبيب النفسي في الكثير من شؤون الحياة الخاصة بهم، فمثلا قد يستشيرونه في مواضيع الزواج والطلاق أو في مواضيع اختيار الرغبات في دخول الجامعة أو المدارس وكذلك قد يتم استشارة الطبيب في نوع العمل الذي يختاره الإنسان وهل يصلح هذا العمل أم يكون صعب على الإنسان؟ وأحيانا أخرى يقوم المريض بالأستفسار عن بعض الأمور الدينية من المعالج النفسي، وبمعنى أشمل فإن المرضى وأسرهم ينظرون إلى الطبيب على أنه ملم، بجميع أمور الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية ولذلك فإن صورة الاستشاري النفسي في ذهن الكثير من المرضى وأسرهم يكون مبالغ فيها خصوصا وأن المعالج يتعامل مع المرضى وأسرهم من موقع قوة حيث أن الأسرة تحضر إلى الطبيب وهي في حالة ضعف بسبب وجود مشاكل إنسانية تؤثر على كيان الأسرة وتعصف به، وبذلك يوضع الطبيب النفسي في مرتبة الحكماء، أحيانا يأخذ صورة الأخ الأكبر أو حتى الوالد الذي يعطف ويساعد الصغار، والصغار المرضى هم في حالات الضعف الإنساني. وكثيرا ما يواجه الطبيب النفسي بعض الأزمات الإنسانية بسبب هذه النظرة من المرضى للمعالج وأحيانا يتعلق بعض المرضى بالطبيب لدرجة أنهم يعتقدون أن هذا الطبيب هو المنقذ أو حتى يأخذ صورة فارس الأحلام الذي تفكر به بعض المريضات بأن خلاصها في الزواج منه. ويحدث هذا الموقف في أثناء العلاج النفسي الفردي ويسمى هذا الموقف في التحليل النفسي "التحويل"، ويجب أن يحذر المعالج حدوث هذا التحويل وهو أن يحول المريض الموقف الوجداني إلى المعالج نفسه فيعتبره كأحد المقربين واليه ويصبح موضوعا للمناقشات الوجدانية من الحب والبغض فإذا كانت المريضة أنثى فقد تحب المعالج وتتعلق به وإذا كان المريض ذكرا فقد ينفر من المعالج ويستشعر له الكراهية ويميل إلى معاداته وعند هذه النقطة من العلاقة يجب على الطبيب أن يدرك ويصحح الموقف بطريقة علمية، إن يستخدم مع المرضى من هذا النوع بعض العلاجات النفسية المعرفية التحليلية حيث يشرح للمرضى الديناميات النفسية التي تحدث بالعلاقة المهنية ما بين طبيب ومريض إلى علاقة عاطفية أما إذا فشل الطبيب في الرجوع بالعلاقة بينه وبين المريض إلى العلاقة المهنية الطبيعية فإن عليه عند تلك النقطة أن يطلب من المريض وأهله إنهاء هذه العلاقة ويطلب منهم مواصلة العلاج النفسي عند معالج آخر يتولى مواصلة البرنامج العلاجي، على أن يكتب تقرير مفصل عن حالة المريض وأبعاد المشكلة وتسلسل العلاج الذي تم استخدامه حتى يستطيع المعالج الآخر أن يواصل البرنامج العلاجي، من النقطة التي وصل إليها وليس من بداية العلاج أو وضع خطة علاج جديدة. ومن بعض صفات المعالج النفسي:
- لابد وأن يتوفر في المعالج النفسي تكوينا نفسيا قويا ورؤية صحيحة رغبة في الإصلاح وقدرة على حل المشاكل وروح قيادية مع قوة تأثير وفطنة عالية لأختيار احسن الطرق للتغيير الايجابي.
- المعالج النفسي هو العامل الأول في العملية العلاجية وعليه يقع عبء العلاج والمسؤولية.
- العلاج النفسي موهبة وقدرة تنمي بالدراسة والممارسة والأخلاق.
- يستحسن أن يكون المعالج ملما بقدر كاف بروح الإسلام وتعاليمه وتصوراته وأهدافه لتكون هذه هي مقاييس الصحة والمرض.
- أن يكون في هيئته وطريقة تفكيره ومشاعره وسلوكه قدوة حسنة للمحيطين به لأنه صورة يقتدى بها المريض وأن يكون دائم النشاط والنمو والتطور والعطاء.
-أن يؤمن بأن عمله رسالة إنسانية هي استمرار لرسالة الأنبياء والصالحين في إصلاح النفوس وهداية القلوب.
-أن يكون واسع الصدر له القدرة على احتمال المتناقضات وعلى سماع الرأي الآخر ومناقشته دون تعصب أو تذمر.
- أن يكون قادرا على مصاحبة المريض والاهتمام به وكأنه أحد أخوانه أو أبنائه أو أقاربه الأعزاء عليه.
تعامل الأخصائي النفساني/ الاجتماعي مهنيا مع أصحاب الأمراض المستعصية:هناك صعوبة بالغة التعقيد في كيفية التعامل مع المصابين بالأمراض الخطيرة من حيث الارشاد الاجتماعي والنفسي أو تقديم التوجيه والأرشاد أو التثقيف والتوعية تقديم برنامج علاجي اجتماعي تأهيلي من قبل الاخصائيين النفسانيين والاجتماعيين ومن خلال الحديث عن معاناتهم في التدخل المهني وتقديم المساعدة وهذا يرجع لعدة أسباب مختلفة منها كثرة ظهور الأمراض وعدم التطرق لها بالأبحاث وطرق التدخل المهني والميداني. وافتقار المهارة في التغلب على الخوف من العدوى أو الإصابة بالمرض، وهذا السبب الآخر هو ما يدفعنا للبحث الجاد لكيفية عمل الاخصائي النفساني أوالاجتماعي مع ذوي الأمراض المستعصية والوبائية والمزمنة. والاخصائي الاجتماعي لا يستطيع أن يحقق نجاح التدخل المهني في الوقاية والدعم إلا إذا كانت وسائله ملائمة لاحتياجات المريض وحالته العاطفية خاصة مع مرضى الإيدز والسرطان والأمراض السارية. فبعض المرضى يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي ومادي بعيدا عن كلمات التهدئة ، والمريض يحتاج إلى طرق إرشادية واقعية عملية لحل المشاكل واتخاذ القرارات بين الأخصائي النفساني أو الأخصائي الاجتماعي والعميل.وهي عملية مستمرة فالمريض عادة ما يشعر بالحاجة للمساعدة والاخصائي هو الشخص المحايد الذي لا تربطه صلة بالعميل والذي يتميز بالقدرة على الاستماع والمساندة والإرشاد والتحليل.
وقد يكون الأخصائي النفساني هو الذي سعى إلى العميل بناء على طلب من أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة أو العاملين الصحيين لتقديم المساعدة لهذا العميل. وعلى الأخصائي الاجتماعي أن يستكشف مع العميل ما إذا كانت هناك مشكلة أم لا، وفي بعض الأحيان لا يكون العميل واعيا بأحد مجالات احتياجه ولذلك فإنه قبل أن تبدأ عملية تقديم الخدمة سواء كانت وقائية أوعلاجيه أو إنمائية لابد من تحديد الاحتياجات ومن خلال الحوار والتفاعل هذا يساعد على تحديد وحل المشاكل أو معالجتها كما يساعد على التصرف إزاء المشكلات والاحتياجات النفسية بأكبر قدر ممكن من التعقل والتفهم. ويجب أن يكون الأخصائي تدخله المهني مكثفا ومركزا ونوعيا في تسلسل خطوات مدروسة مسبقا حتى يساعد الناس، المريض أو الأسرة على تحمل أقصى قدر من المسئولية في اتخاذ القرارات الهامة والمتعلقة بصحتهم وعافيتهم. ويهتم الأخصائي الاجتماعي بالأفراد والأزواج والعائلات والجماعات لتحقيق عدة أغراض فهو يشجع على التغيير الإيجابي إذا ما أحتاج الأمر إلى ذلك للوقاية من مرض معد أو لمكافحته ويقدم الدعم في أوقات الأزمات ويقترح إجراءات واقعية يمكن ملائمتها لعملاء مختلفين ولظروف مختلفة ويساعد المرضى على تفهم المعلومات الخاصة بالحفاظ على الصحة والعافية والحيوية والعمل وفقا لها.
إن الغرض الأساسي لجميع عمليات وخطوات التدخل المهني للإخصائي الاجتماعي أو الاخصائية الاجتماعية بشأن مرض العدوى بفيروس العوز المناعي البشري الأيدز هو الوقاية من العدوى وانتشارها وتقديم الدعم النفسي بوعي ديني وثقافي وأنساني ومساندة المصابين بها والقائمين برعايتهم وتقتضي الضرورة أن يكون الإرشاد والتوعية بالصحة العامة جزءا رئيسيا ودائما في أي برنامج علاجي أو وقائي لمكافحة عدوى فيروس العـوز المناعي البشري أو المتابعة العلاجية أو وقف انتشاره وتقديم الدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي مع أهمية التثقيف جنبا إلى جنب هذا يساعد الناس على الوعي بطبيعة وخطورة الإيدز ويعينهم على فهمها. بينما لا يستطيع الاخصائي النفساني أو الاجتماعي أن يحقق أغراضه في الوقاية والدعم إلا إذا كانت وسائله ملائمة لاحتياجات المريض وحالته العاطفية وظروفه الاجتماعية ملائمة ومدروسة بالإضافة إلى أن تكون متوافقة مع السلوكيات والعقائد السائدة والنظم والقيم والعادات.
الاخصائي النفساني:إن يكون متفتحا واسع الصدر في تعامله مع أناس من بيئات متباينة ومن ثقافات مختلفة وعلى الأخصائيين أن يكونوا على استعداد لتعديل اساليبهم في الاتصال لتتلاءم مع احتياجات ومستوى فهم هؤلاء الذين يتعاملون معهم ويجب أن يتعلم الاخصائي كذلك كيف يتناول موضوعات حساسة للغاية لا تناقش في العادة بين الأصدقاء المقربين أو حتى الأزواج وبالنظر إلى طبيعة التوجيه أو الإرشاد ذاتها وهنا ينظر إلى الإخصائي النفساني أوالاجتماعي في هذه اللحظة على أنه يتمتع بقوة لا يستهان بها للتأثير على حياة الآخرين إيجابياً. كما يجب عدم نصح المرضى بتغيير سلوكياتهم بما يتعارض مع معتقداتهم أو من خلال محاولة إجبارهم على التغيير باستخدام اللوم أو السخرية . وبناء على ذلك فإنه يتعين على الأخصائي أن يقوم بمهمة التعرف على كيفية توفير الدعم العاطفي للآخرين وكيفية مواجهة الرفض و الإصرار على السلوك المحفوف بالمخاطر دون أن يدفع العميل إلى ترك الإرشاد أو طلب المساعدة والعلاج. إن أساسيات ووسائل التدخل المهني للأخصائي الاجتماعي متشابهة بطريقة أو بأخرى ولكن في مجال العدوى بفيروس العوز المناعي البشري توجد لعمل الأخصائي سمات خاصة كالخوف لأنه لا يوجد علاج شاف حتى الآن وخوف الآخرين من حامل العدوى أو المريض أو من الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة والمعدل العالي لانتشار العدوى بين جماعات مرفوضة من المجتمع وسوء الفهم والخرافات الشائعة حول طرق العدوى بفيروس العوز المناعي البشري وعلى الأخص الاعتقاد بإمكانية انتقال العدوى عن طريق المخالطة العادية والاعتقاد بأن عدوى فيروس العوز المناعي البشري والإيدز أقل انتشارا أو أخف ضررا من أمراض أخرى.
إن الأخصائي الاجتماعي معنى بأناس ربما تهتز النظرة إليهم بسبب الوصمة المرتبطة بمرض الإيدز وفي العادة يتم الإرشاد في ظروف عدائية أو غير مواتية اجتماعيا وفي مناخ يسوده الخوف والشك من المرض ومن المصابين به واهتزاز وخلل في التفكير والسلوك. إن الأشخاص المصابين بالعدوى أو بالإيدز أو بالحالات المرتبطة بالإيدز قد يكونون في جماعات موصومة اجتماعيا وقد يكونون منفصلين عن أسرهم وظلوا يعيشون في الخفاء وهؤلاء قد تصبح دوافعهم لطلب الإرشاد أو الاختبار أو العلاج ضعيفة إذا ما شعروا بإحتمال تعرضهم للعدوان أو لتقيد سلوكهم أو حتى الاحتمال السجن أنهم يحسون عادة بأنهم منبوذون اجتماعيا ويخافون من اتضاح أمرهم بل قديرون في الأخصائي الاجتماعي مجرد موظف رسمي كغيره من الموظفين ولا يثقون فيه وبالتالي لا يكون للتدخل المهني أية فائدة. وبالتالي يجب أن يحرص الأخصائي الاجتماعي أن هؤلاء المرضى أشخاص في غاية القلق من أن يكونوا أو يصبحوا إيجابيين عند فحص الأجسام المضادة للفيروس في دمائهم أو أشخاصا يواجهون التشخيص الإيجابي ومرض الموت والحفاظ على استمرار الدافع. إن ممارسة الحياة الطبيعية لدى الأشخاص الذين تتوفر لديهم أسباب وجيهة للشعور باليأس هو أحد المهام الكبرى للأخصائي الاجتماعي للتعامل مع مرضى الإيدز. وإن كثيرين من العاملين الصحيين وغيرهم ممن يتصلون بالمصابين بالعدوى أو بالإيدز يشعرون بالإحباط بسببدوام العدوى بالفيروس ولكن الإيدز بطبيعته لا يرجى له شفاء. وهذا يجب أن يأخذه الأخصائي المعالج في الحسبان وتخطيطه للتدخل المهني .
إن العاملين من فنيين وممرضين وصحيين يحتاجون إلى تزويدهم بدورات تدريب إضافي على أنواع الارشاد والتوجيه والتعامل وذلك لأن بعض كلمات الطمأنة والأمان غير كافية لأن الأشخاص المصابين بالعدوى أو المصابين بالرعب من احتمال العدوى يحتاجون إلى تثقيف شامل ومتكرر كما يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي ومادي.
المرشد النفسي:المرشد النفسي إنسان ديناميكي، مبدع خلاق؛ يتوقف نجاحه إلى حد كبير على قوة شخصيته ومرونتها وعلى أسلوب تعامله مع عميله؛ ومن التقنيات التي يجب توفرها في شخص المرشد النفسي: طريقة السؤال تلعب دوراً هاماً في عملية الإرشاد النفسي، ونوعية السؤال وطريقة طرحه متوقفة على بداهة وبراعة المرشد؛ فبعض الأسئلة تكون مبهمة أو غامضة، وبعضها يحتمل أكثر من إجابة؛ ثم إن بعضها يجب أن يؤجل إلى مرحلة لاحقة، كما يجب توفر التسلسل المنطقي في طرح الأسئلة. ؟ فبعض الأسئلة التي تأتي في غير محلها تعكس شعوراً سلبياً من قبل المسترشد نحو المرشد، حيث أن فنية التساؤل تعتبر الوسيلة الأساسية لاكتشاف المجهول فيما يختص بحالة المسترشد من جميع جوانبها. والسؤال هو الصلة أو العلاقة التي من خلالها يتصل المرشد بالمسترشد ويتصل هذا المسترشد بنفسه وبالآخرين؛ والسؤال هو الشبكة التي تربط كامل جوانب القضية التي يعتبر المسترشد محورها.
ومن المخاطر التي يتعرض لها المرشد المبتدئ:
ـ أن تتحول الجلسة الإرشادية إلى ثرثرة خارجة عن جوهر الموضوع أو أن يحظى موضوع المقابل بأقل قسط مطلوب من الوقت، حيث يستنزف الوقت والجهد في الموضوعات الخارجة عن جوهر المقابلة الإرشادية.
ـ عدم الاستماع بطريقة جيدة للإجابة على أسئلته أو أن يشرد في موضوع آخر، دون استكمال ما كان قد ابتدأ به.
ـ إطلاق الأسئلة بطريقة عشوائية، غير منظمة.
ـ ترك الكلام بشكل كلي للمسترشد، الذي قد يتحول إلى موجه للأسئلة فتنقلب الأدوار، ويفلت الزمام من يد المرشد النفسي، حيث يتولى المسترشد نفسه إدارة الجلسة.
ليس المرشد وحده هو الذي يسأل، فعلى المرشد أن يساعد ويحث المسترشد على الاستفسار والاستيضاح والسؤال وأن يصغي له ويجيبه بمحبة وعطف وبأسلوب واضح ودافئ، وعلى المرشد أن يتجنب الأسئلة الموحية بإجابة معينة، وتلك التي يجاب عليها بنعم أو لا، ثم عليه أن ينتقي الأسئلة اللازمة والضرورية ويبتعد عن الأسئلة الخاصة الشخصية، إلا إذا كان لها علاقة ضرورية بموضوع مشكلة المسترشد.
وخلال العملية الاسترشادية تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الصمت والإنصات، واللفظتان ليستا بمعنى واحد. فالإنصات أو الإصغاء فن له أهميته التي لا تقل عن أهمية الكلام نفسه. فالإنصات هو الإصغاء باهتمام، وتركيز النظر والسمع والذهن للمتحدث ومتابعته خطوة خطوة، لفظة لفظة، في كل موقف والاستفسار والتعليق والاستهجان، وتغيير ملامح الوجه تبعاً لموقف ولحديث المتحدث، كلها دلائل للإنصات الجيد. ومن مأثور الكلام في هذا المجال (مَن لم ينصت لحديثك فأكفه مؤونة الاستماع إليك) والمعنى في هذه الحكمة واضح، فكل منا يتعرض بين الحين والآخر لمثل هذا الموقف، حيث يتحدث ولا يجد مَن يُنصت جيداً فكيف عن الحديث. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالجلسة الإرشادية؟، فيحسن بالمرشد أن يترك مجالاً لتجميع أفكار المسترشد الذي قد يكون بحاجة لفترة من التفكير والصمت لتنظيم المعلومات واستعادتها أو تذكرها لصياغتها في قوالب لفظية ليدلي بها على مسمع المرشد وهذا حق من حقوقه يجب أن يعطاه.
فالصمت لإعطاء فرصة للتفكير والتأمل أمر ضروري، لكنه يكون أحياناً بسبب استنزاف الحديث الذي تكرر وفقدت معه قابلية الرد، أو يكون أحياناً أخرى لارتباط السؤال بحادث مؤلم لا يريد المسترشد تذكره، أو يكون نتيجة لعدم فهم السؤال المطروح من قبل المرشد. وما إلى ذلك من الأسباب على المرشد أن يكتشفها بحدسه المبدع. وهناك صمت من نوع آخر، تفرضه طبيعة الحديث، بين المقاطع، أو أثناء التوقف الطوعي لترك المجال لتعليق أو استفسار أو طلب رأي أو نيل موافقة، فهي أساليب متروكة لحنكة وبراعة المرشد في إدارة المقابلة الإرشادية. والصمت يعتبر وسيلة هامة وإيجابية يستخدمها المرشد النفسي، بغية الدخول في مرحلة الإقفال، عندما يريد أن يُنهي المقابلة الإرشادية، وذلك بطريقة لبقة وذكية.
تعتبر المقابلة الإرشادية، جوهر ولب عملية الإرشاد النفسي وهي وسيلة الاتصال الفعالة بين المرشد والمسترشد، وهي مواجهة دينامية تتم بين اثنين (المرشد والعميل) وجهاً لوجه بغية الوصول إلى هدف معين يعود لمصلحة العميل، ومن مواصفات المقابلة:
ـ أنها ظاهرة إنسانية، تستلزم الحضور الشخصي ولا يمكن أن تتم بواسطة المكالمة الهاتفية أو المراسلة، فوجود المسترشد إلى جانب المرشد وفي مواجهته يعطي للمقابلة وجهاً إنسانياً، وحتى الابتسامة التي يستقبل المرشد عميله بها أو يودعه لها أثرها الفعال في نفسه، فضلاً عن العلاقات الودية التي تخلقها المقابلة، فهذه المقابلة تخلق نوعاً من الألفة المتبادلة والشعور بالاطمئنان.
ـ أن تكون محددة بمكان معين، أعد خصيصاً للإرشاد النفسي فمن غير المستحب أن تتم حيثما اتفق، فللمكان هيبته فضلاً عن كونه مخزناً لأسرار المسترشد، يقصده حينما يشعر بالتوتر والقلق، ويترك في نفسه أثراً، وللمكان تأثيره على مزاج المسترشد.
ـ لا يجب أن تحدث المقابلة بالصدفة، وإلا فقدت قيمتها، لذلك يجب أن تحدد بموعد يتفق عليه من قبل الطرفين، ويفضل أن يكون هذا الزمان مناسباً للطرفين (المرشد والعميل) بحيث لا يشعر أي من الفريقين بأنه محرج تجاه الفريق الآخر، أو أنه في وضع لا يسمح به الإصغاء أو الكلام، وفي هذه الحالة تفقد المقابلة أيضاً الغاية التي وجدت من أجلها.
ـ ليس هناك مقابلة من دون هدف، وهي ليست لمجرد الثرثرة، أو التداول في أمور خارجة عن نطاق الإرشاد. بعضهم يطلب المقابلة لحل مشكلة، والبعض الآخر يطلبها للتخطيط لمستقبل تربوي، أو لإجراء اختبارات الشخصية أو تحليل الاختبارات وما إلى ذلك. ولما كان وقت المرشد على درجة من الدقة والتنظيم، فعليه أن يستطرد إلى موضوعات ليست من ضمن اهتماماته أو صلاحياته، فهناك مسترشدون كُثُر يحتاجون إلى وقته وجهده. ومن تقنيات المقابلة الإرشادية أن تكون قائمة على الثقة والمحبة والاحترام، وأبرز ما يجب أن يتوافر فيها أن يتسم المرشد فيها بالمحبة والتقبل لعميله، والإنصات له باحترام بالإضافة إلى طول النفس، وهدوء الأعصاب.
أما لناحية تسجيل المقابلة كتابة، أو على أشرطة (كاسيت) فهذه المسألة ما تزال موضع جدل بين المعنيين بالإرشاد النفسي، حيث يرى فريق منهم أن هذه الطريقة تساعد العميل على الكف عن قول كل ما يريده بالإضافة إلى شك هذا العميل بأن تبقى هذه المعلومات سرية أم لا؟ حتى لو شعر العميل أن مقابلته تسجل بشكل سري، فإن الموقف في المقابلة يصبح مصطنعاً.
وعندما تبدأ المقابلة يجب أن تكون واضحة وصريحة وجريئة خالية من المجاملات والاختباء وراء الألفاظ، أو استعمال التعابير المبهمة، وألا يتحرج المرشد من الخوض في أية مسألة يراها ضرورية لمسترشده؛ ثم إن تبادل الكلام والتناوب عليه، وتبادل الإصغاء أو الإنصات شروط ضرورية لنجاح المقابلة، فلو تحدث الاثنان في وقت واحد لضاعت قيمة الجلسة الاسترشادية وتشوشت الأفكار، وخرج الموضوع عن الدائرة التي رسمت له.
ويسير الإرشاد هنا في خطين متوازيين:
أ ـ الخط المباشر: وهو لجوء المرشد إلى القيام بعملية تعليمية تقضي بأن يطلب من العميل إعادة النظر في طريقة تنظيم شخصيته وطرق تفكيره، ووسيلة حل مشكلته، ولكن يؤخذ على هذه الطريقة أنها تحرم المسترشد من حرية الحركة ومرونة التفكير والتفاعل.
أما الخط غير المباشر، فهو يقوم على التفاعل المشترك بين المرشد والعميل، وغالباً ما يكون ذلك بناء على طلب المسترشد نفسه، الذي يحاور المرشد حول حالته ومن خلال هذا التفاعل التأثيري يستطيع المرشد أن يحقق غرضه في الوصول إلى هدفه في تغيير سلوكيات المسترشد ومساعدته على إيجاد الحلول اللازمة لحالته وتحقيق استقراره النفسي. نشتاق إليها، كشوق الطيور إلى أوكارها والنحلة إلى قفيرها، ونحنُّ إلى أماكن وجود الأحبة.
كتمان السر وعدم إفشائه: من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة كتم السر وعدم إفشائه، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه، وقيل صدور الأحرار قبور الأسرار. أما أولئك المفشون للأسرار الناشرون لما استودعوا من الأخبار فليس لهم مثل إلا المنخل أو الغربال، فالحذر كل الحذر أن تفشي سرك وتبوح بما يهمك، خاصة لمن لو عهد إليه بأمر يخفيه أو سر يكتمه لضاق به صدره وبالغ في إفشائه ونشره، ولهذا جاء في الأثر: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود".
روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من أسرَّ إلى أخيه سراً فلا يحل له أن يفشيه عليه"، فمن كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به. فالقلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره. واحفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم. وأسرَّ رجلٌ إلى رجلٍ سراً، فلما فرغ قال له: حفظتَ؟ قال: بل نسيتُ.
كتمان السر واجب وإفشاؤه حرام، ويزداد الأمر حرمة والإفشاء خطورة إذا ترتبت عليه أضرار ونتجت منه أشرار، سواء كانت على صاحب السر أو غيره، ولهذا يتعين ويتحتم كتم السر وعدم إفشائه، خاصة في الآتي: المجاهرة بالمعاصي لمن ستره ربُّه، المجاهرة بما يدور بين الزوجين من الرفث والقول والفعل، وصف المرأة محاسن امرأة أخرى لزوجها أو لغيره من الرجال، لا يحل للأجراء والوكلاء كشف سر المهنة وشؤون التجارة، كشف الامتحانات ونتائجها، لا يحل للطبيب أو المعالج أن يكشف العاهات والأمراض التي يسرُّ لهم بها بعضُ المرضى، على المفتي أن لا يبوح ويكشف ما يخبره به المستفتون، المستشار مؤتمن، أمناء السر "السكرتيرون"، المقالات والبحوث التي ترسل للنشر، لجان الترقيات ومجالس التأديب، على صاحب النعمة أن لا يبوح بها إلا لصديق حميم، أعمل بوصية يعقوب عليه السلام ليوسف: "قال يا بُنَيَّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين"، من أصابته مصيبة في أهل أو مال عليه أن يجتهد في كتمها، فلا يغم بها صديقاً ولا يسرُّ بها عدواً، ستر ذوي المروءات ومستوري الحال،
كذلك من الأمور التي يجب سترها ويحرم إفشاؤها لمن اطلع عليها ما يصدر من ذوي المروءات ومستوري الحال من زلات، وهفوات، وهنات، لمن اطلع على ذلك، مهما كانت، وذلك لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك: "أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم"، أن من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة، ومن فضح مسلماً فضحه الله بين الخلائق، ومن أقال عثرة مسلم أقال الله عثرته وستر زلته.
---------------------------------------
جميع حقوق الطبع والنشر والتأليف محفوظة
"أجمل لحظات فشلي"
وفي الطب النفسي فإن هذه النظرة من المجتمع إلى الطبيب النفسي تكون أوضح ويكون الطبيب دائما تحت المجهر وإذا نجح في عمله فإنه قد يصل إلى أن يكون أحد نجوم المجتمع، دائما يطالب بإعطاء رأيه في الكثير من أمور المجتمع ويكون لهذا الرأي وزن عند اتخاذ أي قرار في الموضوعات الخاصة بالأمور الإنسانية الاجتماعية التي تمس الأطفال والشباب والمرأة. وعند حضور الأسرة لعيادة الأخصائي النفساني فإنهم ينظرون إليه نظرة خاصة قد تصل إلى درجة الإكبار وقد يأخذ المرضى وأسرهم الرأي من الطبيب النفسي في الكثير من شؤون الحياة الخاصة بهم، فمثلا قد يستشيرونه في مواضيع الزواج والطلاق أو في مواضيع اختيار الرغبات في دخول الجامعة أو المدارس وكذلك قد يتم استشارة الطبيب في نوع العمل الذي يختاره الإنسان وهل يصلح هذا العمل أم يكون صعب على الإنسان؟ وأحيانا أخرى يقوم المريض بالأستفسار عن بعض الأمور الدينية من المعالج النفسي، وبمعنى أشمل فإن المرضى وأسرهم ينظرون إلى الطبيب على أنه ملم، بجميع أمور الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية ولذلك فإن صورة الاستشاري النفسي في ذهن الكثير من المرضى وأسرهم يكون مبالغ فيها خصوصا وأن المعالج يتعامل مع المرضى وأسرهم من موقع قوة حيث أن الأسرة تحضر إلى الطبيب وهي في حالة ضعف بسبب وجود مشاكل إنسانية تؤثر على كيان الأسرة وتعصف به، وبذلك يوضع الطبيب النفسي في مرتبة الحكماء، أحيانا يأخذ صورة الأخ الأكبر أو حتى الوالد الذي يعطف ويساعد الصغار، والصغار المرضى هم في حالات الضعف الإنساني. وكثيرا ما يواجه الطبيب النفسي بعض الأزمات الإنسانية بسبب هذه النظرة من المرضى للمعالج وأحيانا يتعلق بعض المرضى بالطبيب لدرجة أنهم يعتقدون أن هذا الطبيب هو المنقذ أو حتى يأخذ صورة فارس الأحلام الذي تفكر به بعض المريضات بأن خلاصها في الزواج منه. ويحدث هذا الموقف في أثناء العلاج النفسي الفردي ويسمى هذا الموقف في التحليل النفسي "التحويل"، ويجب أن يحذر المعالج حدوث هذا التحويل وهو أن يحول المريض الموقف الوجداني إلى المعالج نفسه فيعتبره كأحد المقربين واليه ويصبح موضوعا للمناقشات الوجدانية من الحب والبغض فإذا كانت المريضة أنثى فقد تحب المعالج وتتعلق به وإذا كان المريض ذكرا فقد ينفر من المعالج ويستشعر له الكراهية ويميل إلى معاداته وعند هذه النقطة من العلاقة يجب على الطبيب أن يدرك ويصحح الموقف بطريقة علمية، إن يستخدم مع المرضى من هذا النوع بعض العلاجات النفسية المعرفية التحليلية حيث يشرح للمرضى الديناميات النفسية التي تحدث بالعلاقة المهنية ما بين طبيب ومريض إلى علاقة عاطفية أما إذا فشل الطبيب في الرجوع بالعلاقة بينه وبين المريض إلى العلاقة المهنية الطبيعية فإن عليه عند تلك النقطة أن يطلب من المريض وأهله إنهاء هذه العلاقة ويطلب منهم مواصلة العلاج النفسي عند معالج آخر يتولى مواصلة البرنامج العلاجي، على أن يكتب تقرير مفصل عن حالة المريض وأبعاد المشكلة وتسلسل العلاج الذي تم استخدامه حتى يستطيع المعالج الآخر أن يواصل البرنامج العلاجي، من النقطة التي وصل إليها وليس من بداية العلاج أو وضع خطة علاج جديدة. ومن بعض صفات المعالج النفسي:
- لابد وأن يتوفر في المعالج النفسي تكوينا نفسيا قويا ورؤية صحيحة رغبة في الإصلاح وقدرة على حل المشاكل وروح قيادية مع قوة تأثير وفطنة عالية لأختيار احسن الطرق للتغيير الايجابي.
- المعالج النفسي هو العامل الأول في العملية العلاجية وعليه يقع عبء العلاج والمسؤولية.
- العلاج النفسي موهبة وقدرة تنمي بالدراسة والممارسة والأخلاق.
- يستحسن أن يكون المعالج ملما بقدر كاف بروح الإسلام وتعاليمه وتصوراته وأهدافه لتكون هذه هي مقاييس الصحة والمرض.
- أن يكون في هيئته وطريقة تفكيره ومشاعره وسلوكه قدوة حسنة للمحيطين به لأنه صورة يقتدى بها المريض وأن يكون دائم النشاط والنمو والتطور والعطاء.
-أن يؤمن بأن عمله رسالة إنسانية هي استمرار لرسالة الأنبياء والصالحين في إصلاح النفوس وهداية القلوب.
-أن يكون واسع الصدر له القدرة على احتمال المتناقضات وعلى سماع الرأي الآخر ومناقشته دون تعصب أو تذمر.
- أن يكون قادرا على مصاحبة المريض والاهتمام به وكأنه أحد أخوانه أو أبنائه أو أقاربه الأعزاء عليه.
تعامل الأخصائي النفساني/ الاجتماعي مهنيا مع أصحاب الأمراض المستعصية:هناك صعوبة بالغة التعقيد في كيفية التعامل مع المصابين بالأمراض الخطيرة من حيث الارشاد الاجتماعي والنفسي أو تقديم التوجيه والأرشاد أو التثقيف والتوعية تقديم برنامج علاجي اجتماعي تأهيلي من قبل الاخصائيين النفسانيين والاجتماعيين ومن خلال الحديث عن معاناتهم في التدخل المهني وتقديم المساعدة وهذا يرجع لعدة أسباب مختلفة منها كثرة ظهور الأمراض وعدم التطرق لها بالأبحاث وطرق التدخل المهني والميداني. وافتقار المهارة في التغلب على الخوف من العدوى أو الإصابة بالمرض، وهذا السبب الآخر هو ما يدفعنا للبحث الجاد لكيفية عمل الاخصائي النفساني أوالاجتماعي مع ذوي الأمراض المستعصية والوبائية والمزمنة. والاخصائي الاجتماعي لا يستطيع أن يحقق نجاح التدخل المهني في الوقاية والدعم إلا إذا كانت وسائله ملائمة لاحتياجات المريض وحالته العاطفية خاصة مع مرضى الإيدز والسرطان والأمراض السارية. فبعض المرضى يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي ومادي بعيدا عن كلمات التهدئة ، والمريض يحتاج إلى طرق إرشادية واقعية عملية لحل المشاكل واتخاذ القرارات بين الأخصائي النفساني أو الأخصائي الاجتماعي والعميل.وهي عملية مستمرة فالمريض عادة ما يشعر بالحاجة للمساعدة والاخصائي هو الشخص المحايد الذي لا تربطه صلة بالعميل والذي يتميز بالقدرة على الاستماع والمساندة والإرشاد والتحليل.
وقد يكون الأخصائي النفساني هو الذي سعى إلى العميل بناء على طلب من أحد الأصدقاء أو أفراد العائلة أو العاملين الصحيين لتقديم المساعدة لهذا العميل. وعلى الأخصائي الاجتماعي أن يستكشف مع العميل ما إذا كانت هناك مشكلة أم لا، وفي بعض الأحيان لا يكون العميل واعيا بأحد مجالات احتياجه ولذلك فإنه قبل أن تبدأ عملية تقديم الخدمة سواء كانت وقائية أوعلاجيه أو إنمائية لابد من تحديد الاحتياجات ومن خلال الحوار والتفاعل هذا يساعد على تحديد وحل المشاكل أو معالجتها كما يساعد على التصرف إزاء المشكلات والاحتياجات النفسية بأكبر قدر ممكن من التعقل والتفهم. ويجب أن يكون الأخصائي تدخله المهني مكثفا ومركزا ونوعيا في تسلسل خطوات مدروسة مسبقا حتى يساعد الناس، المريض أو الأسرة على تحمل أقصى قدر من المسئولية في اتخاذ القرارات الهامة والمتعلقة بصحتهم وعافيتهم. ويهتم الأخصائي الاجتماعي بالأفراد والأزواج والعائلات والجماعات لتحقيق عدة أغراض فهو يشجع على التغيير الإيجابي إذا ما أحتاج الأمر إلى ذلك للوقاية من مرض معد أو لمكافحته ويقدم الدعم في أوقات الأزمات ويقترح إجراءات واقعية يمكن ملائمتها لعملاء مختلفين ولظروف مختلفة ويساعد المرضى على تفهم المعلومات الخاصة بالحفاظ على الصحة والعافية والحيوية والعمل وفقا لها.
إن الغرض الأساسي لجميع عمليات وخطوات التدخل المهني للإخصائي الاجتماعي أو الاخصائية الاجتماعية بشأن مرض العدوى بفيروس العوز المناعي البشري الأيدز هو الوقاية من العدوى وانتشارها وتقديم الدعم النفسي بوعي ديني وثقافي وأنساني ومساندة المصابين بها والقائمين برعايتهم وتقتضي الضرورة أن يكون الإرشاد والتوعية بالصحة العامة جزءا رئيسيا ودائما في أي برنامج علاجي أو وقائي لمكافحة عدوى فيروس العـوز المناعي البشري أو المتابعة العلاجية أو وقف انتشاره وتقديم الدعم النفسي والإرشاد الاجتماعي مع أهمية التثقيف جنبا إلى جنب هذا يساعد الناس على الوعي بطبيعة وخطورة الإيدز ويعينهم على فهمها. بينما لا يستطيع الاخصائي النفساني أو الاجتماعي أن يحقق أغراضه في الوقاية والدعم إلا إذا كانت وسائله ملائمة لاحتياجات المريض وحالته العاطفية وظروفه الاجتماعية ملائمة ومدروسة بالإضافة إلى أن تكون متوافقة مع السلوكيات والعقائد السائدة والنظم والقيم والعادات.
الاخصائي النفساني:إن يكون متفتحا واسع الصدر في تعامله مع أناس من بيئات متباينة ومن ثقافات مختلفة وعلى الأخصائيين أن يكونوا على استعداد لتعديل اساليبهم في الاتصال لتتلاءم مع احتياجات ومستوى فهم هؤلاء الذين يتعاملون معهم ويجب أن يتعلم الاخصائي كذلك كيف يتناول موضوعات حساسة للغاية لا تناقش في العادة بين الأصدقاء المقربين أو حتى الأزواج وبالنظر إلى طبيعة التوجيه أو الإرشاد ذاتها وهنا ينظر إلى الإخصائي النفساني أوالاجتماعي في هذه اللحظة على أنه يتمتع بقوة لا يستهان بها للتأثير على حياة الآخرين إيجابياً. كما يجب عدم نصح المرضى بتغيير سلوكياتهم بما يتعارض مع معتقداتهم أو من خلال محاولة إجبارهم على التغيير باستخدام اللوم أو السخرية . وبناء على ذلك فإنه يتعين على الأخصائي أن يقوم بمهمة التعرف على كيفية توفير الدعم العاطفي للآخرين وكيفية مواجهة الرفض و الإصرار على السلوك المحفوف بالمخاطر دون أن يدفع العميل إلى ترك الإرشاد أو طلب المساعدة والعلاج. إن أساسيات ووسائل التدخل المهني للأخصائي الاجتماعي متشابهة بطريقة أو بأخرى ولكن في مجال العدوى بفيروس العوز المناعي البشري توجد لعمل الأخصائي سمات خاصة كالخوف لأنه لا يوجد علاج شاف حتى الآن وخوف الآخرين من حامل العدوى أو المريض أو من الأشخاص المعرضين لخطر الإصابة والمعدل العالي لانتشار العدوى بين جماعات مرفوضة من المجتمع وسوء الفهم والخرافات الشائعة حول طرق العدوى بفيروس العوز المناعي البشري وعلى الأخص الاعتقاد بإمكانية انتقال العدوى عن طريق المخالطة العادية والاعتقاد بأن عدوى فيروس العوز المناعي البشري والإيدز أقل انتشارا أو أخف ضررا من أمراض أخرى.
إن الأخصائي الاجتماعي معنى بأناس ربما تهتز النظرة إليهم بسبب الوصمة المرتبطة بمرض الإيدز وفي العادة يتم الإرشاد في ظروف عدائية أو غير مواتية اجتماعيا وفي مناخ يسوده الخوف والشك من المرض ومن المصابين به واهتزاز وخلل في التفكير والسلوك. إن الأشخاص المصابين بالعدوى أو بالإيدز أو بالحالات المرتبطة بالإيدز قد يكونون في جماعات موصومة اجتماعيا وقد يكونون منفصلين عن أسرهم وظلوا يعيشون في الخفاء وهؤلاء قد تصبح دوافعهم لطلب الإرشاد أو الاختبار أو العلاج ضعيفة إذا ما شعروا بإحتمال تعرضهم للعدوان أو لتقيد سلوكهم أو حتى الاحتمال السجن أنهم يحسون عادة بأنهم منبوذون اجتماعيا ويخافون من اتضاح أمرهم بل قديرون في الأخصائي الاجتماعي مجرد موظف رسمي كغيره من الموظفين ولا يثقون فيه وبالتالي لا يكون للتدخل المهني أية فائدة. وبالتالي يجب أن يحرص الأخصائي الاجتماعي أن هؤلاء المرضى أشخاص في غاية القلق من أن يكونوا أو يصبحوا إيجابيين عند فحص الأجسام المضادة للفيروس في دمائهم أو أشخاصا يواجهون التشخيص الإيجابي ومرض الموت والحفاظ على استمرار الدافع. إن ممارسة الحياة الطبيعية لدى الأشخاص الذين تتوفر لديهم أسباب وجيهة للشعور باليأس هو أحد المهام الكبرى للأخصائي الاجتماعي للتعامل مع مرضى الإيدز. وإن كثيرين من العاملين الصحيين وغيرهم ممن يتصلون بالمصابين بالعدوى أو بالإيدز يشعرون بالإحباط بسببدوام العدوى بالفيروس ولكن الإيدز بطبيعته لا يرجى له شفاء. وهذا يجب أن يأخذه الأخصائي المعالج في الحسبان وتخطيطه للتدخل المهني .
إن العاملين من فنيين وممرضين وصحيين يحتاجون إلى تزويدهم بدورات تدريب إضافي على أنواع الارشاد والتوجيه والتعامل وذلك لأن بعض كلمات الطمأنة والأمان غير كافية لأن الأشخاص المصابين بالعدوى أو المصابين بالرعب من احتمال العدوى يحتاجون إلى تثقيف شامل ومتكرر كما يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي ومادي.
المرشد النفسي:المرشد النفسي إنسان ديناميكي، مبدع خلاق؛ يتوقف نجاحه إلى حد كبير على قوة شخصيته ومرونتها وعلى أسلوب تعامله مع عميله؛ ومن التقنيات التي يجب توفرها في شخص المرشد النفسي: طريقة السؤال تلعب دوراً هاماً في عملية الإرشاد النفسي، ونوعية السؤال وطريقة طرحه متوقفة على بداهة وبراعة المرشد؛ فبعض الأسئلة تكون مبهمة أو غامضة، وبعضها يحتمل أكثر من إجابة؛ ثم إن بعضها يجب أن يؤجل إلى مرحلة لاحقة، كما يجب توفر التسلسل المنطقي في طرح الأسئلة. ؟ فبعض الأسئلة التي تأتي في غير محلها تعكس شعوراً سلبياً من قبل المسترشد نحو المرشد، حيث أن فنية التساؤل تعتبر الوسيلة الأساسية لاكتشاف المجهول فيما يختص بحالة المسترشد من جميع جوانبها. والسؤال هو الصلة أو العلاقة التي من خلالها يتصل المرشد بالمسترشد ويتصل هذا المسترشد بنفسه وبالآخرين؛ والسؤال هو الشبكة التي تربط كامل جوانب القضية التي يعتبر المسترشد محورها.
ومن المخاطر التي يتعرض لها المرشد المبتدئ:
ـ أن تتحول الجلسة الإرشادية إلى ثرثرة خارجة عن جوهر الموضوع أو أن يحظى موضوع المقابل بأقل قسط مطلوب من الوقت، حيث يستنزف الوقت والجهد في الموضوعات الخارجة عن جوهر المقابلة الإرشادية.
ـ عدم الاستماع بطريقة جيدة للإجابة على أسئلته أو أن يشرد في موضوع آخر، دون استكمال ما كان قد ابتدأ به.
ـ إطلاق الأسئلة بطريقة عشوائية، غير منظمة.
ـ ترك الكلام بشكل كلي للمسترشد، الذي قد يتحول إلى موجه للأسئلة فتنقلب الأدوار، ويفلت الزمام من يد المرشد النفسي، حيث يتولى المسترشد نفسه إدارة الجلسة.
ليس المرشد وحده هو الذي يسأل، فعلى المرشد أن يساعد ويحث المسترشد على الاستفسار والاستيضاح والسؤال وأن يصغي له ويجيبه بمحبة وعطف وبأسلوب واضح ودافئ، وعلى المرشد أن يتجنب الأسئلة الموحية بإجابة معينة، وتلك التي يجاب عليها بنعم أو لا، ثم عليه أن ينتقي الأسئلة اللازمة والضرورية ويبتعد عن الأسئلة الخاصة الشخصية، إلا إذا كان لها علاقة ضرورية بموضوع مشكلة المسترشد.
وخلال العملية الاسترشادية تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الصمت والإنصات، واللفظتان ليستا بمعنى واحد. فالإنصات أو الإصغاء فن له أهميته التي لا تقل عن أهمية الكلام نفسه. فالإنصات هو الإصغاء باهتمام، وتركيز النظر والسمع والذهن للمتحدث ومتابعته خطوة خطوة، لفظة لفظة، في كل موقف والاستفسار والتعليق والاستهجان، وتغيير ملامح الوجه تبعاً لموقف ولحديث المتحدث، كلها دلائل للإنصات الجيد. ومن مأثور الكلام في هذا المجال (مَن لم ينصت لحديثك فأكفه مؤونة الاستماع إليك) والمعنى في هذه الحكمة واضح، فكل منا يتعرض بين الحين والآخر لمثل هذا الموقف، حيث يتحدث ولا يجد مَن يُنصت جيداً فكيف عن الحديث. فكيف إذا كان الأمر يتعلق بالجلسة الإرشادية؟، فيحسن بالمرشد أن يترك مجالاً لتجميع أفكار المسترشد الذي قد يكون بحاجة لفترة من التفكير والصمت لتنظيم المعلومات واستعادتها أو تذكرها لصياغتها في قوالب لفظية ليدلي بها على مسمع المرشد وهذا حق من حقوقه يجب أن يعطاه.
فالصمت لإعطاء فرصة للتفكير والتأمل أمر ضروري، لكنه يكون أحياناً بسبب استنزاف الحديث الذي تكرر وفقدت معه قابلية الرد، أو يكون أحياناً أخرى لارتباط السؤال بحادث مؤلم لا يريد المسترشد تذكره، أو يكون نتيجة لعدم فهم السؤال المطروح من قبل المرشد. وما إلى ذلك من الأسباب على المرشد أن يكتشفها بحدسه المبدع. وهناك صمت من نوع آخر، تفرضه طبيعة الحديث، بين المقاطع، أو أثناء التوقف الطوعي لترك المجال لتعليق أو استفسار أو طلب رأي أو نيل موافقة، فهي أساليب متروكة لحنكة وبراعة المرشد في إدارة المقابلة الإرشادية. والصمت يعتبر وسيلة هامة وإيجابية يستخدمها المرشد النفسي، بغية الدخول في مرحلة الإقفال، عندما يريد أن يُنهي المقابلة الإرشادية، وذلك بطريقة لبقة وذكية.
تعتبر المقابلة الإرشادية، جوهر ولب عملية الإرشاد النفسي وهي وسيلة الاتصال الفعالة بين المرشد والمسترشد، وهي مواجهة دينامية تتم بين اثنين (المرشد والعميل) وجهاً لوجه بغية الوصول إلى هدف معين يعود لمصلحة العميل، ومن مواصفات المقابلة:
ـ أنها ظاهرة إنسانية، تستلزم الحضور الشخصي ولا يمكن أن تتم بواسطة المكالمة الهاتفية أو المراسلة، فوجود المسترشد إلى جانب المرشد وفي مواجهته يعطي للمقابلة وجهاً إنسانياً، وحتى الابتسامة التي يستقبل المرشد عميله بها أو يودعه لها أثرها الفعال في نفسه، فضلاً عن العلاقات الودية التي تخلقها المقابلة، فهذه المقابلة تخلق نوعاً من الألفة المتبادلة والشعور بالاطمئنان.
ـ أن تكون محددة بمكان معين، أعد خصيصاً للإرشاد النفسي فمن غير المستحب أن تتم حيثما اتفق، فللمكان هيبته فضلاً عن كونه مخزناً لأسرار المسترشد، يقصده حينما يشعر بالتوتر والقلق، ويترك في نفسه أثراً، وللمكان تأثيره على مزاج المسترشد.
ـ لا يجب أن تحدث المقابلة بالصدفة، وإلا فقدت قيمتها، لذلك يجب أن تحدد بموعد يتفق عليه من قبل الطرفين، ويفضل أن يكون هذا الزمان مناسباً للطرفين (المرشد والعميل) بحيث لا يشعر أي من الفريقين بأنه محرج تجاه الفريق الآخر، أو أنه في وضع لا يسمح به الإصغاء أو الكلام، وفي هذه الحالة تفقد المقابلة أيضاً الغاية التي وجدت من أجلها.
ـ ليس هناك مقابلة من دون هدف، وهي ليست لمجرد الثرثرة، أو التداول في أمور خارجة عن نطاق الإرشاد. بعضهم يطلب المقابلة لحل مشكلة، والبعض الآخر يطلبها للتخطيط لمستقبل تربوي، أو لإجراء اختبارات الشخصية أو تحليل الاختبارات وما إلى ذلك. ولما كان وقت المرشد على درجة من الدقة والتنظيم، فعليه أن يستطرد إلى موضوعات ليست من ضمن اهتماماته أو صلاحياته، فهناك مسترشدون كُثُر يحتاجون إلى وقته وجهده. ومن تقنيات المقابلة الإرشادية أن تكون قائمة على الثقة والمحبة والاحترام، وأبرز ما يجب أن يتوافر فيها أن يتسم المرشد فيها بالمحبة والتقبل لعميله، والإنصات له باحترام بالإضافة إلى طول النفس، وهدوء الأعصاب.
أما لناحية تسجيل المقابلة كتابة، أو على أشرطة (كاسيت) فهذه المسألة ما تزال موضع جدل بين المعنيين بالإرشاد النفسي، حيث يرى فريق منهم أن هذه الطريقة تساعد العميل على الكف عن قول كل ما يريده بالإضافة إلى شك هذا العميل بأن تبقى هذه المعلومات سرية أم لا؟ حتى لو شعر العميل أن مقابلته تسجل بشكل سري، فإن الموقف في المقابلة يصبح مصطنعاً.
وعندما تبدأ المقابلة يجب أن تكون واضحة وصريحة وجريئة خالية من المجاملات والاختباء وراء الألفاظ، أو استعمال التعابير المبهمة، وألا يتحرج المرشد من الخوض في أية مسألة يراها ضرورية لمسترشده؛ ثم إن تبادل الكلام والتناوب عليه، وتبادل الإصغاء أو الإنصات شروط ضرورية لنجاح المقابلة، فلو تحدث الاثنان في وقت واحد لضاعت قيمة الجلسة الاسترشادية وتشوشت الأفكار، وخرج الموضوع عن الدائرة التي رسمت له.
ويسير الإرشاد هنا في خطين متوازيين:
أ ـ الخط المباشر: وهو لجوء المرشد إلى القيام بعملية تعليمية تقضي بأن يطلب من العميل إعادة النظر في طريقة تنظيم شخصيته وطرق تفكيره، ووسيلة حل مشكلته، ولكن يؤخذ على هذه الطريقة أنها تحرم المسترشد من حرية الحركة ومرونة التفكير والتفاعل.
أما الخط غير المباشر، فهو يقوم على التفاعل المشترك بين المرشد والعميل، وغالباً ما يكون ذلك بناء على طلب المسترشد نفسه، الذي يحاور المرشد حول حالته ومن خلال هذا التفاعل التأثيري يستطيع المرشد أن يحقق غرضه في الوصول إلى هدفه في تغيير سلوكيات المسترشد ومساعدته على إيجاد الحلول اللازمة لحالته وتحقيق استقراره النفسي. نشتاق إليها، كشوق الطيور إلى أوكارها والنحلة إلى قفيرها، ونحنُّ إلى أماكن وجود الأحبة.
كتمان السر وعدم إفشائه: من الأخلاق الحميدة والصفات الفاضلة كتم السر وعدم إفشائه، ولا يقدر على ذلك إلا ذوو الشهامة والمروءة، ولهذا قيل: أدنى صفات الشريف كتم السر، وأعلاها نسيان ما أسرَّ به إليه، وقيل صدور الأحرار قبور الأسرار. أما أولئك المفشون للأسرار الناشرون لما استودعوا من الأخبار فليس لهم مثل إلا المنخل أو الغربال، فالحذر كل الحذر أن تفشي سرك وتبوح بما يهمك، خاصة لمن لو عهد إليه بأمر يخفيه أو سر يكتمه لضاق به صدره وبالغ في إفشائه ونشره، ولهذا جاء في الأثر: "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود".
روي عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: "من أسرَّ إلى أخيه سراً فلا يحل له أن يفشيه عليه"، فمن كتم سره كان الخيار بيده، ومن عرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء الظن به. فالقلوب أوعية، والشفاه أقفالها، والألسنة مفاتيحها، فليحفظ كل إنسان مفتاح سره. واحفظوا أسراركم كما تحفظون أبصاركم. وأسرَّ رجلٌ إلى رجلٍ سراً، فلما فرغ قال له: حفظتَ؟ قال: بل نسيتُ.
كتمان السر واجب وإفشاؤه حرام، ويزداد الأمر حرمة والإفشاء خطورة إذا ترتبت عليه أضرار ونتجت منه أشرار، سواء كانت على صاحب السر أو غيره، ولهذا يتعين ويتحتم كتم السر وعدم إفشائه، خاصة في الآتي: المجاهرة بالمعاصي لمن ستره ربُّه، المجاهرة بما يدور بين الزوجين من الرفث والقول والفعل، وصف المرأة محاسن امرأة أخرى لزوجها أو لغيره من الرجال، لا يحل للأجراء والوكلاء كشف سر المهنة وشؤون التجارة، كشف الامتحانات ونتائجها، لا يحل للطبيب أو المعالج أن يكشف العاهات والأمراض التي يسرُّ لهم بها بعضُ المرضى، على المفتي أن لا يبوح ويكشف ما يخبره به المستفتون، المستشار مؤتمن، أمناء السر "السكرتيرون"، المقالات والبحوث التي ترسل للنشر، لجان الترقيات ومجالس التأديب، على صاحب النعمة أن لا يبوح بها إلا لصديق حميم، أعمل بوصية يعقوب عليه السلام ليوسف: "قال يا بُنَيَّ لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين"، من أصابته مصيبة في أهل أو مال عليه أن يجتهد في كتمها، فلا يغم بها صديقاً ولا يسرُّ بها عدواً، ستر ذوي المروءات ومستوري الحال،
كذلك من الأمور التي يجب سترها ويحرم إفشاؤها لمن اطلع عليها ما يصدر من ذوي المروءات ومستوري الحال من زلات، وهفوات، وهنات، لمن اطلع على ذلك، مهما كانت، وذلك لأمره صلى الله عليه وآله وسلم بذلك: "أقيلوا ذوي العثرات عثراتهم"، أن من ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة، ومن فضح مسلماً فضحه الله بين الخلائق، ومن أقال عثرة مسلم أقال الله عثرته وستر زلته.
---------------------------------------
جميع حقوق الطبع والنشر والتأليف محفوظة
"أجمل لحظات فشلي"