Prof. Dr. Sir Karim
26-02-2008, 02:11 AM
الصحة والمرض:
الصحة لا تعني عدم وجود المرض بل هي حالة تكاملية ما بين الجسد والعقل والنفس. المرض في الجسم يأخذ درجات تختلف مدة الواحدة عن الأخرى حسب قوة الجسم وتركيبته الفسيولوجية، والغذاء المتبع والحالة النفسية والروحانية إضافة إلى المحيط الذي يعيش فيه الشخص. فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى. والصحة النفسية هي التوافق مع المجتمع، وشعور الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وقدرة الإنسان على التطور في كيفية مواجهة مطالب الحياة بإرتياح وثقة ورضا.فالصحة النفسية تعرف على أنها حالة من الراحة التامة الجسدية والعقلية والاجتماعية وليست غياب المرض وتعنى أيضا قدرة الشخص على الاستمتاع بالعمل المنتج والحب بشقيه الزواجي والحنون معا، كذلك هي محاولة لمواجهة متطلبات الذات ومتطلبات البيئة. الصحة النفسية هي توافق أحوال النفس الثلاث، وهي حالة الأبوة وحالة الطفولة وحالة الرشد، والقدرة على الحب والعمل والتسامح مع الآخرين. الصحة النفسية هي التوافق الداخلي بين مكونات النفس من جزء فطري هو الغرائز ( الهو ) وجزء مكتسب من البيئة الخارجية وهو الأنا الأعلى . وهذا التعريف له أصول إسلامية. فالنفس الأمارة بالسوء تقابل الغرائز، والنفس اللوامة تقابل الأنا الأعلى، وحين يتحقق التوازن والتوافق بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة تتحقق الطمأنينة للإنسان ويوصف بأنه نفس مطمئنة. يحقق منهج الإسلام أركان الصحة النفسية في بناء شخصية المسلم بتنمية هذه الصفات الأساسية : قوة الصلة بالله، الثبات والتوازن الانفعالي، الصبر عند الشدائد، المرونة في مواجهة الواقع، التفاؤل وعدم اليأس، توافق المسلم مع نفسه، توافق المسلم مع الآخرين.
للصداقة تأثير على الصحة النفسية، فالإهتمام بتكوين صداقات إيجابية جديدة ومستمرة، يشعر الإنسان بأهمية الحياة ، والرغبة الدائمة فيها، ومن ثم البعد عن كل ما يعرضه للأمراض التي تنتج أساسا من الأزمات النفسية ، والتي تبدأ من الشعور بالوحدة والعزلة. أن اللطف والتهذيب والرقة في التعامل مع الناس تؤدي إلى تخفيف ضغوط الحياة، غير أن تراكم مشاعر الاستياء في نفوس الناس تؤدي في النهاية إلى انفجار، فإذا بها تأخذ شكل ثورة من الغضب تكتسح أمامها كل شيء، وتدمر كل شيء.
تأثير الصداقة على الصحة النفسية: ان الاهتمام بتكوين صداقات جديدة ومستمرة، يشعر الإنسان بأهمية الحياة، والرغبة الدائمة فيها، ومن ثم البعد عن كل ما يعرضه للأمراض التي تنتج اساسا من الازمات النفسية، والتي تبدأ من الشعور بالوحدة والعزلة. أن اللطف والتهذيب والرقة في التعامل مع الناس تؤدي إلى تخفيف ضغوط الحياة، غير أن تراكم مشاعر الاستياء في نفوس الناس تؤدي في النهاية – تحت ضغطها المتواصل – الى انفجار، فإذا بها تأخذ شكل ثورة عارمة عمياء من الغضب تكتسح امامها كل شيء، وتدمر كل شيء. المظاهر الفيسولوجية لأعراض الغضب مثل ارتفاع دقات القلب، وكيفية الاستجابة السلبية لمثل هذه الأعراض والتحكم فيها. وان مناهج كيفية السيطرة على غضب المرء لابد أن تدرس في المدارس للصغار في مرحلة متقدمة من العمر حتى تعطي ثمارها وفوائدها فيما بعد في سن البلوغ. إن عمل الخير علاج لأمراض نفسية، حيث ان الاندماج في المجتمع وعمل الخير والعطاء والأيثار اكثر نفعاً لصاحبها من المؤدي له. وان أداء الأعمال الخيرية احد عناصر العلاج التي يصفها الأطباء للمرضى في المستقبل. إن حث مريض الضغط النفسي على البذل والعطاء يساعده بالفعل في التغلب على مشكلته، ويمكن أن ينشأ هذا الشعور بالدفء العاطفي من افراز مادة "الأندروفين" التي يفرزها المخ عند الإحساس بالراحة النفسية. فأعمال الخير والأفعال الطيبة يمكن ان تعود على الجهاز المناعي للجسم بعظيم الفائدة ، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة استقرار النفس برباط وثيق، اذ تربط الموصلات العصبية بين المخ ونخاع العظام. كما يقوم الطحال ايضا – عقب الارتياح النفسي بعمل الخير - بإنتاج خلايا مطلوبة لحماية الجسم ضد الغزو الميكروبي مثل مادة "تفتستين". ولذا فقد صار الاتجاه الحديث هو محاولة قيام المرضى بمساعدة الآخرين والعمل من أجلهم تحسينا لأحوالهم النفسية ومن ثم العضوية وبالتالي تقوية قدرة المناعة لديهم .
ويمكن أن ينشأ هذا الشعور بالدفء العاطفي من إفراز مادة " الأندروفين " التي يفرزها المخ عند الإحساس بالراحة النفسية. فأعمال الخير والأفعال الطيبة يمكن أن تعود على الجهاز المناعي للجسم بعظيم الفائدة ، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة استقرار النفس برباط وثيق، إذ تربط الموصلات العصبية بين المخ ونخاع العظام. كما يقوم الطحال أيضا – عقب الارتياح النفسي بعمل الخير - بإنتاج خلايا مطلوبة لحماية الجسم ضد الغزو الميكروبي مثل مادة "تفتستين". ولذا فقد صار الاتجاه الحديث هو محاولة قيام المرضى بمساعدة الآخرين والعمل من أجلهم تحسينا لأحوالهم النفسية ومن ثم العضوية وبالتالي تقوية قدرة المناعة لديهم.
المرض هو الخروج عن التوازن والاعتدال الخاص بالإنسان. والمرض نوعان: مرض القلب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، قال تعالى في مرض الشبهة: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا"، وقال تعالى: "وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا"، وقال تعالى: "أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون " فهذا مرض الشبهات والشكوك، وأما مرض الشهوات فقال تعالى: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"، فهذا مرض شهوة الزنا. وأما مرض الأبدان فقال تعالى: "ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج".
فالإسلام هو استسلام الروح والعقل والجسد والنفس، قال تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، وفيما يتعلق بالعقل ، قال تعالى: "و له اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون"، وفيما يتعلق بالروح قال تعالى: "ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"، وفيما يتعلق بالنفس، قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمهما فجورها وتقواها"، فالإيمان الحقيقي هو قناعة روحية وعقلية تترجم إلى عمل. وقال رسول الله ( ص ): "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء"، ولهذا علق النبي ( ص ) الشفاء على مصادفة الدواء للداء، قال تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين".
إن الدنيا دار امتحان وابتلاء، "ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس"، وأن المريض يتعرض لآلام جسدية ونفسية ولكنه أن قام بالسعي والصبر بإيجاد العلاج قدر استطاعته بالإيمان والأمل برحمة الله تعالى ستهون عليه الأمور "وأصبر وما صبرك إلا بالله "، وإذا كان لا حيلة للطب في العلاج أو اخفق في القضاء على المرض، ولو عاش الإنسان مريضا وهو يقوم بتكاليف دينه قدر استطاعته، فإنه وبعد أن يغفر الله له ذنوبه سيفوز برضاء ربه وأن آلام الدنيا ليس بشيء أمام نعيم الجنة، فإنها السعادة الحقيقية التامة، إما السعادة بالمال والأولاد والمنصب والجاه فهي سعادة مؤقتة زائلة، "والآخرة خير وأبقى".
إن على الإنسان المسلم أن يصبر ويحتسب مرضه عند الله وأن يؤدي ما عليه ما استطاع ، فإن الله جعل من المرض تكفير للسيئات والذنوب وأن الابتلاء بالمرض قد يكون سببا جعله الله ليكشف للناس قوة الإيمان لأن الله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ويستوي الناس في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا، فمنطق الأيمان يقتضي عدم سؤال الله عز وجل بأسئلة اعتراضية، أما السؤال للمعرفة والاستيضاح أو البحث عن الحقيقة فلا بأس به ولكن دون أن يكون مبنيا على الشك أو سوء النية والهزء وكثيرا ما تطرح أسئلة إنكار واعتراض: لماذا يا رب؟ فمن المرضى من يشكو الزمان ويشتمه وهو في حكم سب الدهر ، ولكن الفاعل للكل هو الله وأول المعترضين هو إبليس "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"، فالسائل تغرر به نفسه ويقف من وراءها الشيطان همزاً وهمساً ومضللاً. والمرض مع التقوى خير من الصحة والعافية مع الشرك بالله. أن هدف السائل من السؤال يجب أن يكون طلب المعرفة الصحيحة والسعي وراء الخير لنفسه وللآخرين.
فماذا يريد الله أو لأي حكمة انزل المرض قضاءاً أو قدراً؟. إن الاعتراض على قدر الله هو اعتراض على الخالق الوهاب الذي أن شاء أعطى وأن شاء أخذ، "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون". فالإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء وكلما اشتد البلاء على المؤمن زاد إيمانه وقوى تسليمه، فالإيمان بحكمة الله لا يمانع فيه كسؤال معرفة وعلم وفقه ضمن اليقين بحكمة الله وعدله، قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شحر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما". فلا تضجر من كثرة الدعاء ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء، وإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي فأي خير يزيد عليه ، قال تعالى: " أو لا يرون انهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون"، والمريض قريب من الله وثيق الصلة به شديد الحاجة إليه ، قال رسول الله ( ص )، " إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاء المريض كدعاء الملائكة"، وأي كرم أكبر من هذا الكرم بأن يهيئ الله لعباده الأسباب الموجبة للجنة، لقد أصيب أيوب عليه السلام في بدنه وماله وولده فنال رضاء الله بصبره وبيقينه بمغفرة الله وفضله وعدله وحكمته "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"، وهذا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه كان يلاقي في مرضه اكثر مما نلاقي ولكنه ( ص ) لعلمه بعطاء الله وثوابه لم يتذمر ولم يتأفف، وهذا مما يعزينا في أنفسنا ويعيننا على الصبر. أن التداوي والعلاج وسيلة لتخفيف الآلام وسببا للشفاء إن كان مقدرا من عند الله ، "وإذا مرضت فهو يشفين". ولكننا مأمورون بأن نحاول الخروج من ذلك البلاء الدنيوي قدر استطاعتنا شاكرين الله ، ثم أن غريزة حب البقاء تدفعنا لطلب الدواء، أما أن لم نصبر فإن المرض يكون نقمة وعذابا "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم".
فالإبتلاء ليس للمريض فحسب ولكنه كذلك للأهل ومن يقومون برعايته، أن أهل المريض يتحملون من اجله الكثير من التكاليف المادية والمعنوية والجسدية والنفسية، فإن الله سيجزيهم الجزاء العظيم في الدنيا وفي الآخرة. والمرض ابتلاء للمجتمع كله وعلى المجتمع أن يبادر لتحمل مسئوليته أمام الله وأن المرض اختبار حقيقي لمقدار الخير في المجتمع. فبقدر الرعاية والعناية التي يجدها المرضى، يكون العطف والإنسانية والرحمة في الأمة، وبالعناية بالمرضى تبرز النوعيات الجيدة من الناس. لقد جعل الله المرض مسببا لمعيشة كثير من الأطباء الذين يعتمدون في أرزاقهم على هذه المهنة التي تخفف من آلام الناس وتزيل بإذن الله أوجاعهم، إنها أمانة ورسالة قبل أن تكون مصدر رزق. أنها مصدر لكسب الثواب مع الرزق. وفي المرض عظة وتذكرة، فإنه لا يعلم قيمة الصحة إلا من عانى من المرض وآلامه. فإن من يرى مريضا أو يمرض، إنه عند ذلك يحس بآلام الآخرين، فالمعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض. فالله هو الشافي "وإذا مرضت فهو يشفين"، لكن جعل الله الطب وسيلة للراحة والمعافاة والشفاء. وإما أن ساءت أحوال المريض رغم العلاج أو من غيره فعليه الصبر على قدر الله.
إن الأمراض والكوارث والحروب من أهم الأسباب في موت البشر. يموت ذوو الأهداف العالية والاهتمامات الكبيرة، ويموت التافهون الذين يعيشون للمتاع الرخيص فقط. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، الكل يموت "كل نفس ذائقة الموت"، ولكن الفارق في المصير الأخير. وهذا توضحه استعاذة الرسول ( ص ) من موت الفجأة الذي لا يملك الإنسان فرصة للتوبة. فالمرض تهيئة لنفس المريض لإمكانية حدوث الموت وقربه وهذا يدفعه للتوبة، وكذلك تهيئة لنفوس أهل المريض ليكون وقع الأمر عليهم أخف من موت الفجأة. وإن هذه الأمراض النفسية والجسدية تثير في الإنسان حب البحث والنظر والتحري من أجل الوصول إلى علاج أمراض المجتمع لأنها تنعكس مرضيا على الأفراد ولعل للقضايا الأخلاقية والعادات الاجتماعية دور أساسي في نشوء الأمراض لما لها من علاقة وطيدة بتغير الظروف الجسدية والنفسية والبيئية. إن الآلام النفسية في ظل المجتمعات المادية أقسى بكثير من كل داء جسدي التي تصل بالإنسان إلى أن يعيش بلا هدف إلا في حدود نفسه المادية مما يؤدي إلى مزيد من الفجور والفسق. إن أصحاب أمراض الشذوذ والاكتئاب النفسي وانفصام الشخصية والتوتر والقلق وأصحاب الميول الإجرامية كثيرون في المجتمعات المادية التي تصل بالإنسان إلى أن يعيش بلا هدف إلا في حدود نفسه المادية مما يؤدي إلى مزيد من الفجور والفسق ، حتى أصبح زواج الرجل من الرجل أمراً يقره القانون في بعض المجتمعات، والله لا يحب الفساد لقوله: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها".
ولقد حدث مراراً أن يعود الإنسان لربه أثناء مرضه أو بعده برباط الرجاء والخوف وطلب العون والشفاء. ولقد سن الإسلام زيارة المريض وجعلها من دلائل الأخوة وعلامات المحبة وجعلها كذلك من حقوق المسلمين على بعضهم. وعلينا أن نسعى دوما لأن نكون أصحاء لنقوم بعمارة الأرض "إني جاعل في الأرض خليفة ". إن علينا أن نلتزم بسنن الإسلام فلا نطلب البلاء، ولكن نصبر عليه أن وقع ، ونسأل الله أن يكتب لنا الخير والحسنة في الدنيا والآخرة، ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنا وقنا عذاب النار"، فالآلام التي يحسها الإنسان عند المرض هي تحذير وتنبيه وتذكرة لصاحبها لكي ينتبه لأختلال في جسمه ويحاول الثبات على دينه.
------------------------------------------
جميع حقوق الطبع والنشر والتأليف محفوظة.
"أجمل لحظات فشلي"
الصحة لا تعني عدم وجود المرض بل هي حالة تكاملية ما بين الجسد والعقل والنفس. المرض في الجسم يأخذ درجات تختلف مدة الواحدة عن الأخرى حسب قوة الجسم وتركيبته الفسيولوجية، والغذاء المتبع والحالة النفسية والروحانية إضافة إلى المحيط الذي يعيش فيه الشخص. فالصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى. والصحة النفسية هي التوافق مع المجتمع، وشعور الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وقدرة الإنسان على التطور في كيفية مواجهة مطالب الحياة بإرتياح وثقة ورضا.فالصحة النفسية تعرف على أنها حالة من الراحة التامة الجسدية والعقلية والاجتماعية وليست غياب المرض وتعنى أيضا قدرة الشخص على الاستمتاع بالعمل المنتج والحب بشقيه الزواجي والحنون معا، كذلك هي محاولة لمواجهة متطلبات الذات ومتطلبات البيئة. الصحة النفسية هي توافق أحوال النفس الثلاث، وهي حالة الأبوة وحالة الطفولة وحالة الرشد، والقدرة على الحب والعمل والتسامح مع الآخرين. الصحة النفسية هي التوافق الداخلي بين مكونات النفس من جزء فطري هو الغرائز ( الهو ) وجزء مكتسب من البيئة الخارجية وهو الأنا الأعلى . وهذا التعريف له أصول إسلامية. فالنفس الأمارة بالسوء تقابل الغرائز، والنفس اللوامة تقابل الأنا الأعلى، وحين يتحقق التوازن والتوافق بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة تتحقق الطمأنينة للإنسان ويوصف بأنه نفس مطمئنة. يحقق منهج الإسلام أركان الصحة النفسية في بناء شخصية المسلم بتنمية هذه الصفات الأساسية : قوة الصلة بالله، الثبات والتوازن الانفعالي، الصبر عند الشدائد، المرونة في مواجهة الواقع، التفاؤل وعدم اليأس، توافق المسلم مع نفسه، توافق المسلم مع الآخرين.
للصداقة تأثير على الصحة النفسية، فالإهتمام بتكوين صداقات إيجابية جديدة ومستمرة، يشعر الإنسان بأهمية الحياة ، والرغبة الدائمة فيها، ومن ثم البعد عن كل ما يعرضه للأمراض التي تنتج أساسا من الأزمات النفسية ، والتي تبدأ من الشعور بالوحدة والعزلة. أن اللطف والتهذيب والرقة في التعامل مع الناس تؤدي إلى تخفيف ضغوط الحياة، غير أن تراكم مشاعر الاستياء في نفوس الناس تؤدي في النهاية إلى انفجار، فإذا بها تأخذ شكل ثورة من الغضب تكتسح أمامها كل شيء، وتدمر كل شيء.
تأثير الصداقة على الصحة النفسية: ان الاهتمام بتكوين صداقات جديدة ومستمرة، يشعر الإنسان بأهمية الحياة، والرغبة الدائمة فيها، ومن ثم البعد عن كل ما يعرضه للأمراض التي تنتج اساسا من الازمات النفسية، والتي تبدأ من الشعور بالوحدة والعزلة. أن اللطف والتهذيب والرقة في التعامل مع الناس تؤدي إلى تخفيف ضغوط الحياة، غير أن تراكم مشاعر الاستياء في نفوس الناس تؤدي في النهاية – تحت ضغطها المتواصل – الى انفجار، فإذا بها تأخذ شكل ثورة عارمة عمياء من الغضب تكتسح امامها كل شيء، وتدمر كل شيء. المظاهر الفيسولوجية لأعراض الغضب مثل ارتفاع دقات القلب، وكيفية الاستجابة السلبية لمثل هذه الأعراض والتحكم فيها. وان مناهج كيفية السيطرة على غضب المرء لابد أن تدرس في المدارس للصغار في مرحلة متقدمة من العمر حتى تعطي ثمارها وفوائدها فيما بعد في سن البلوغ. إن عمل الخير علاج لأمراض نفسية، حيث ان الاندماج في المجتمع وعمل الخير والعطاء والأيثار اكثر نفعاً لصاحبها من المؤدي له. وان أداء الأعمال الخيرية احد عناصر العلاج التي يصفها الأطباء للمرضى في المستقبل. إن حث مريض الضغط النفسي على البذل والعطاء يساعده بالفعل في التغلب على مشكلته، ويمكن أن ينشأ هذا الشعور بالدفء العاطفي من افراز مادة "الأندروفين" التي يفرزها المخ عند الإحساس بالراحة النفسية. فأعمال الخير والأفعال الطيبة يمكن ان تعود على الجهاز المناعي للجسم بعظيم الفائدة ، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة استقرار النفس برباط وثيق، اذ تربط الموصلات العصبية بين المخ ونخاع العظام. كما يقوم الطحال ايضا – عقب الارتياح النفسي بعمل الخير - بإنتاج خلايا مطلوبة لحماية الجسم ضد الغزو الميكروبي مثل مادة "تفتستين". ولذا فقد صار الاتجاه الحديث هو محاولة قيام المرضى بمساعدة الآخرين والعمل من أجلهم تحسينا لأحوالهم النفسية ومن ثم العضوية وبالتالي تقوية قدرة المناعة لديهم .
ويمكن أن ينشأ هذا الشعور بالدفء العاطفي من إفراز مادة " الأندروفين " التي يفرزها المخ عند الإحساس بالراحة النفسية. فأعمال الخير والأفعال الطيبة يمكن أن تعود على الجهاز المناعي للجسم بعظيم الفائدة ، حيث يرتبط الجهاز المناعي للجسم مع حالة استقرار النفس برباط وثيق، إذ تربط الموصلات العصبية بين المخ ونخاع العظام. كما يقوم الطحال أيضا – عقب الارتياح النفسي بعمل الخير - بإنتاج خلايا مطلوبة لحماية الجسم ضد الغزو الميكروبي مثل مادة "تفتستين". ولذا فقد صار الاتجاه الحديث هو محاولة قيام المرضى بمساعدة الآخرين والعمل من أجلهم تحسينا لأحوالهم النفسية ومن ثم العضوية وبالتالي تقوية قدرة المناعة لديهم.
المرض هو الخروج عن التوازن والاعتدال الخاص بالإنسان. والمرض نوعان: مرض القلب، ومرض الأبدان، وهما مذكوران في القرآن. ومرض القلوب نوعان: مرض شبهة وشك، ومرض شهوة وغي، قال تعالى في مرض الشبهة: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا"، وقال تعالى: "وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا"، وقال تعالى: "أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون " فهذا مرض الشبهات والشكوك، وأما مرض الشهوات فقال تعالى: "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء أن أتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"، فهذا مرض شهوة الزنا. وأما مرض الأبدان فقال تعالى: "ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج".
فالإسلام هو استسلام الروح والعقل والجسد والنفس، قال تعالى: "قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين"، وفيما يتعلق بالعقل ، قال تعالى: "و له اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون"، وفيما يتعلق بالروح قال تعالى: "ألم يئن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"، وفيما يتعلق بالنفس، قال تعالى: "ونفس وما سواها فألهمهما فجورها وتقواها"، فالإيمان الحقيقي هو قناعة روحية وعقلية تترجم إلى عمل. وقال رسول الله ( ص ): "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء"، ولهذا علق النبي ( ص ) الشفاء على مصادفة الدواء للداء، قال تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين".
إن الدنيا دار امتحان وابتلاء، "ولنبلوكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس"، وأن المريض يتعرض لآلام جسدية ونفسية ولكنه أن قام بالسعي والصبر بإيجاد العلاج قدر استطاعته بالإيمان والأمل برحمة الله تعالى ستهون عليه الأمور "وأصبر وما صبرك إلا بالله "، وإذا كان لا حيلة للطب في العلاج أو اخفق في القضاء على المرض، ولو عاش الإنسان مريضا وهو يقوم بتكاليف دينه قدر استطاعته، فإنه وبعد أن يغفر الله له ذنوبه سيفوز برضاء ربه وأن آلام الدنيا ليس بشيء أمام نعيم الجنة، فإنها السعادة الحقيقية التامة، إما السعادة بالمال والأولاد والمنصب والجاه فهي سعادة مؤقتة زائلة، "والآخرة خير وأبقى".
إن على الإنسان المسلم أن يصبر ويحتسب مرضه عند الله وأن يؤدي ما عليه ما استطاع ، فإن الله جعل من المرض تكفير للسيئات والذنوب وأن الابتلاء بالمرض قد يكون سببا جعله الله ليكشف للناس قوة الإيمان لأن الله يعلم حقيقة القلوب قبل الابتلاء، ويستوي الناس في العافية، فإذا نزل البلاء تباينوا، فمنطق الأيمان يقتضي عدم سؤال الله عز وجل بأسئلة اعتراضية، أما السؤال للمعرفة والاستيضاح أو البحث عن الحقيقة فلا بأس به ولكن دون أن يكون مبنيا على الشك أو سوء النية والهزء وكثيرا ما تطرح أسئلة إنكار واعتراض: لماذا يا رب؟ فمن المرضى من يشكو الزمان ويشتمه وهو في حكم سب الدهر ، ولكن الفاعل للكل هو الله وأول المعترضين هو إبليس "وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر"، فالسائل تغرر به نفسه ويقف من وراءها الشيطان همزاً وهمساً ومضللاً. والمرض مع التقوى خير من الصحة والعافية مع الشرك بالله. أن هدف السائل من السؤال يجب أن يكون طلب المعرفة الصحيحة والسعي وراء الخير لنفسه وللآخرين.
فماذا يريد الله أو لأي حكمة انزل المرض قضاءاً أو قدراً؟. إن الاعتراض على قدر الله هو اعتراض على الخالق الوهاب الذي أن شاء أعطى وأن شاء أخذ، "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون". فالإيمان القوي يبين أثره عند قوة البلاء وكلما اشتد البلاء على المؤمن زاد إيمانه وقوى تسليمه، فالإيمان بحكمة الله لا يمانع فيه كسؤال معرفة وعلم وفقه ضمن اليقين بحكمة الله وعدله، قال تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شحر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما". فلا تضجر من كثرة الدعاء ولا تيأس من روح الله وإن طال البلاء، وإذا كان في المرض حبس عن الطغيان وركوب المعاصي فأي خير يزيد عليه ، قال تعالى: " أو لا يرون انهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون"، والمريض قريب من الله وثيق الصلة به شديد الحاجة إليه ، قال رسول الله ( ص )، " إذا دخلت على مريض فمره يدعو لك فإن دعاء المريض كدعاء الملائكة"، وأي كرم أكبر من هذا الكرم بأن يهيئ الله لعباده الأسباب الموجبة للجنة، لقد أصيب أيوب عليه السلام في بدنه وماله وولده فنال رضاء الله بصبره وبيقينه بمغفرة الله وفضله وعدله وحكمته "وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين"، وهذا رسولنا صلوات الله وسلامه عليه كان يلاقي في مرضه اكثر مما نلاقي ولكنه ( ص ) لعلمه بعطاء الله وثوابه لم يتذمر ولم يتأفف، وهذا مما يعزينا في أنفسنا ويعيننا على الصبر. أن التداوي والعلاج وسيلة لتخفيف الآلام وسببا للشفاء إن كان مقدرا من عند الله ، "وإذا مرضت فهو يشفين". ولكننا مأمورون بأن نحاول الخروج من ذلك البلاء الدنيوي قدر استطاعتنا شاكرين الله ، ثم أن غريزة حب البقاء تدفعنا لطلب الدواء، أما أن لم نصبر فإن المرض يكون نقمة وعذابا "واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم".
فالإبتلاء ليس للمريض فحسب ولكنه كذلك للأهل ومن يقومون برعايته، أن أهل المريض يتحملون من اجله الكثير من التكاليف المادية والمعنوية والجسدية والنفسية، فإن الله سيجزيهم الجزاء العظيم في الدنيا وفي الآخرة. والمرض ابتلاء للمجتمع كله وعلى المجتمع أن يبادر لتحمل مسئوليته أمام الله وأن المرض اختبار حقيقي لمقدار الخير في المجتمع. فبقدر الرعاية والعناية التي يجدها المرضى، يكون العطف والإنسانية والرحمة في الأمة، وبالعناية بالمرضى تبرز النوعيات الجيدة من الناس. لقد جعل الله المرض مسببا لمعيشة كثير من الأطباء الذين يعتمدون في أرزاقهم على هذه المهنة التي تخفف من آلام الناس وتزيل بإذن الله أوجاعهم، إنها أمانة ورسالة قبل أن تكون مصدر رزق. أنها مصدر لكسب الثواب مع الرزق. وفي المرض عظة وتذكرة، فإنه لا يعلم قيمة الصحة إلا من عانى من المرض وآلامه. فإن من يرى مريضا أو يمرض، إنه عند ذلك يحس بآلام الآخرين، فالمعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض. فالله هو الشافي "وإذا مرضت فهو يشفين"، لكن جعل الله الطب وسيلة للراحة والمعافاة والشفاء. وإما أن ساءت أحوال المريض رغم العلاج أو من غيره فعليه الصبر على قدر الله.
إن الأمراض والكوارث والحروب من أهم الأسباب في موت البشر. يموت ذوو الأهداف العالية والاهتمامات الكبيرة، ويموت التافهون الذين يعيشون للمتاع الرخيص فقط. يموت الشجعان الذين يأبون الضيم ويموت الجبناء الحريصون على الحياة بأي ثمن، الكل يموت "كل نفس ذائقة الموت"، ولكن الفارق في المصير الأخير. وهذا توضحه استعاذة الرسول ( ص ) من موت الفجأة الذي لا يملك الإنسان فرصة للتوبة. فالمرض تهيئة لنفس المريض لإمكانية حدوث الموت وقربه وهذا يدفعه للتوبة، وكذلك تهيئة لنفوس أهل المريض ليكون وقع الأمر عليهم أخف من موت الفجأة. وإن هذه الأمراض النفسية والجسدية تثير في الإنسان حب البحث والنظر والتحري من أجل الوصول إلى علاج أمراض المجتمع لأنها تنعكس مرضيا على الأفراد ولعل للقضايا الأخلاقية والعادات الاجتماعية دور أساسي في نشوء الأمراض لما لها من علاقة وطيدة بتغير الظروف الجسدية والنفسية والبيئية. إن الآلام النفسية في ظل المجتمعات المادية أقسى بكثير من كل داء جسدي التي تصل بالإنسان إلى أن يعيش بلا هدف إلا في حدود نفسه المادية مما يؤدي إلى مزيد من الفجور والفسق. إن أصحاب أمراض الشذوذ والاكتئاب النفسي وانفصام الشخصية والتوتر والقلق وأصحاب الميول الإجرامية كثيرون في المجتمعات المادية التي تصل بالإنسان إلى أن يعيش بلا هدف إلا في حدود نفسه المادية مما يؤدي إلى مزيد من الفجور والفسق ، حتى أصبح زواج الرجل من الرجل أمراً يقره القانون في بعض المجتمعات، والله لا يحب الفساد لقوله: "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها".
ولقد حدث مراراً أن يعود الإنسان لربه أثناء مرضه أو بعده برباط الرجاء والخوف وطلب العون والشفاء. ولقد سن الإسلام زيارة المريض وجعلها من دلائل الأخوة وعلامات المحبة وجعلها كذلك من حقوق المسلمين على بعضهم. وعلينا أن نسعى دوما لأن نكون أصحاء لنقوم بعمارة الأرض "إني جاعل في الأرض خليفة ". إن علينا أن نلتزم بسنن الإسلام فلا نطلب البلاء، ولكن نصبر عليه أن وقع ، ونسأل الله أن يكتب لنا الخير والحسنة في الدنيا والآخرة، ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنا وقنا عذاب النار"، فالآلام التي يحسها الإنسان عند المرض هي تحذير وتنبيه وتذكرة لصاحبها لكي ينتبه لأختلال في جسمه ويحاول الثبات على دينه.
------------------------------------------
جميع حقوق الطبع والنشر والتأليف محفوظة.
"أجمل لحظات فشلي"