jojo_7
18-09-2007, 04:11 PM
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته
انا عضو جديد وعندي مجموعة من الاعمال الادبية والفنية واتمنى ان تقبلوني زميل معكم..
وهذه قصة جديد والثانية التي انشرها في هذا المنتدى وشكراً
نظرة حب
كان اليوم الأول الذي بدأتْ بهِ في العمل، خَرجت بعد أن لبست أفضل ما عندها وتعطرت بالطيب، كانت تخطوُ باتزان واعتدال، دخلت الدائرة وهي مفعمة بالحيوية والنشاط، قالوا لها إنها ستعمل في غرفة مع امرأة عجوز في الخمسين من عمرِها وشاب في الرابعة والعشرين، وهو موظف جديد أيضاً، وإنها والشاب سيعملان تحت إشراف المرأة العجوز، حملت بعض الأوراق المتعلقة بالعمل وبعض المستندات واتجهت صوب الغرفة، دخلت مبتسمة وألقت التحية، كانت المرأةُ العجوز جالسةً خلف المنضدة المقابلة للباب، ويجلس على يمينها شاب لم تر وجهه عند دخولها وعلى يسارها منضدة فارغة، فاتجهت نحوها وجلست وبدأت بمسح الغبار وترتيب حاجيتها على المنضدة، وبعد انتهائها رفعت رأسها بتثاقل بسبب التعب الذي أصابها جراء عملها لفترة طويلة وهي مثنية رأسها، نظرت إلى العجوز التي كانت تبتسمُ كلما نظرت إليها ثم انتقلت بنظراتها الخاطفة في أرجاء الغرفة حتى وقع نظرها على الشاب الذي رفع رأسه وهو يرفع بطرفِ أصابعهِ شعرهُ الذي تدلى على عينيه لم تكن سوَى لحظات ولكنها مرت ببطء جداً كانت الدهشة التي اعتلتها عارمة حتى إنها اختنقت بقدح الماء الذي تناولتهُ للتو، تناثر الماء من فمها على الأوراق كأنها قطرات ندى على الأغصان، وتماماً كما يفعل (اللوندري) عامل المكوى البخاري، ثم إنهُ ضحكَ وضحكت المرأة العجوز، أحرجت قليلاً لكنها سرعان ما شاركتهم الضحك، كان اليومُ مليئاً بالمفاجئات والطرف الغريبة، لكن أهمُ من كلِ هذا الصدفة الجميلة التي جمعتها مع الشاب في غرفة واحدة، فهو شاب جميل الهيئة حسن المنظر، أنيق ومثابر في العمل، ورجل بما تعنيه الكلمة، وهذا أكثر ما شغل تفكيرها، وبتعبير أخر وأدق إنها أعجبت به من النظرة الأولى، ومع إنها لم تكن تؤمن بالحب وخاصةً الحب من النظرة الأولى، لكنها ضلت تتقلب في فراشها من الأرق، فتارةً كانت تفكر بالعمل وتارةً تفكر بالشاب وهي على هذا الحال حتى بزغت خيوط الفجر الأولى، في اليوم الثاني والذي كان أكثرُ نشاطاً وحيوية من الأول، خرجت مبكرة من البيت بعد أن سرحت شعرها وسارت بخطىً متناسقة كأنها ناقة كانت في أجمل مظهرٍ حتى إنها أذهلت كل من نظر إليها في الشارع، كان عطرها يفوح على بعد أمتار فتجذبهم إليها، دخلت للدائرة وكلها عزيمة وحيوية، إلى حين وصولها باب الغرفة توقفت وهي صامته فقد أضاعت جميع مفرداتها وبدء قلبها ينبض بقوة وكاد أن ينقلع من مكانه وبدون سبب لولا إنها تمالكت نفسها ودخلت لتجلس على كرسيها بهدوء، كانت طوال الوقت محدقة فيه تشهق وتزفر بقوة، منتظرة منه أن ينظر إليها حتى ضجرت ولم ينظر، كان طوال الوقت مشغولاً، وقررت أن تلحق به حين يذهب إلى (الكافتيريا) ولكنها سأمت الانتظار ولم يذهب، قررت أن تذهب هي نهضت لتذهب هي وعند الباب التفتت إليهم وقالت:
- (أنا ذاهبة إلى الكافتيريا هل اجلب لكما شيئاً؟).
لم تسمع رداً من الشاب أما العجوز فقد شكرتها، ثم نهض الشاب وقال للمرأة العجوز:
- (أنا ذاهب إلى الكافتيريا)
خرجت تخطو ببطء متأملة أن يلحق بها ولكنهُ تجاوزها وسبقها الخطى إلى الكافتيريا، دون أن يلتفت إليها أو يكلمها أثار الموقف حفيظتها لكنها هدأت من روعها وجلست على كرسي في أحد أركان الكافتيريا وجلس هو على كرسي آخر في الجهة المقابلة وكعادته لم يرفع رأسه حتى خرج كان يهربُ من نظراتها المتجهة نحوه، ثم نهض وعاد إلى الغرفة، ونهضت هي الأخرى، واشترت زجاجة عصير وأخذتها للمرأة العجوز، وعندما دخلت وجدتهُ جالساً خلف طاولته يعمل، قدمت العصير للعجوز وهي بدورها قدمتها للشاب لكنهُ شكر العجوز، وعادت إلى البيت منكوسة الراية فلم تستطع فعل شيء تجاهه رغم إنها كانت تشعر بإحساس غريب في أعماقها إحساس شوق ودفء إلا إنها كانت تفسرُ هذا دائماً بأنه إحساس حب التملك أو حب الخضوع لها، حينما جلست على السفرة في العشاء لم تستطع أكل ثلاث ملاعق من الطعام، لأن فكرها كان في مكان آخر بعيد عن محيط العائلة خلِدت إلى فراشها، ولكنها لم تستطع أن تنام وظلت تتقلب في فراشها وهي تفكر فيه ما الذي يجعل شاباً بهذا العمر لا ينظر إلى فتاة بجمالها، فبالأمس كانت تفكر أيهما يشغل بالها الشاب أم العمل وتأكدت أنهُ الشاب وليس العمل، وفي نهاية المطاف توصلت إلى استنتاجين الأول أنهُ متزوج والثاني يحب فتاة أخرى، وكانت تتوق شوقاً حتى تعرف ما الذي يجعل شاباً بجماله لا يرتبط بفتاة، وظلت حتى الصباح تقلب أفكارها مع تقلبها في الفراش وهي تحاول النوم ولم تستطع النوم سوى دقائق معدودة، كان النعاسُ يطير من عينيها بمجرد إنها تتذكر الشاب أو تفكر به، واستيقظت في الصباح الباكر وكأنها وليدة اليوم، لبست أفضل ما عندها وسرحت شعرها وتطيبت بالعطر وخرجت شاردة الذهن حتى وصلت إلى الغرفة وألقت التحية ولكنها كانت مرتبكة قالت: (سلامك عليكم) ضحك الشاب والعجوز منها كان الموقفُ حرجاً بالنسبة لها إلا إنها لم تبالي كثيراً فقد كان هدفها معرفة حقيقة الشاب، جلست بانتظار العجوز أن تخرج كي تنتهز الفرصة لتكلمه بحجة العمل، مرّ الوقت بتثاقل كبير وحان الوقت، خرجت العجوز في عمل داخل الدائرة، وأثنت الفتاة رأسها على الطاولة وكأنها تراجع شيئاً ما، ثم ضربت يدها بقوة على الطاولة ما لفت انتباهه ونظر إليها ولكنه وبسرعة خاطفة تفادى نظراتها وأثنى رأسه على مكتبه وعاد للعمل، ثم حملت الملف وتقدمت نحوهُ وقالت:
- (عذراً أرجوك أن تساعدني فقد استعصى عليّ أمر هذا الملف).
أخذ الملف وبدأ يطالع ويشرح لها لكنها كانت في عالم ثاني كانت سارحة تحدق به تنظر إلى شفتيه وهو يتكلم وإلى ملابسه الأنيقة وتسريحة شعرة الجميلة ولباقته في الكلام كانت قد تحجرت وهي تحملق بهِ.
قال: (هذا كل ما في الأمر)
رفع عينيه فوجدها سارحة فيه وهي في عالم ثاني.
قال: (انتهى).
قالت: ( نعم ... أسفة).
حملت الملف وهي تحملق في يده فلم تجد أي خاتم لا في اليمنى ولا في اليسرى، عادت أدراجها وهي تقتلها الشكوك، فهو غير متزوج ولم يخطب، إذاً فهو يحب فتاة، ولكنها لِما لم ترهُ يتكلم مع فتاة أو عن فتاة قط، كان يوماً ثقيلاً وغريباً بالنسبة لها، عادت إلى البيت وهي ضجرة من العمل، وكانت تفكرُ في ترك العمل ولكن كانت تشعر إن ترك العمل هزيمة بالنسبة لها فقررت البقاء والتصميم على أن تجعله يحبها، كانت تغدو إلى العمل بنشاط وحيوية وتعود مثقلة الخطى، حتى فقدت شهيتها في الطعام وفقدت ما يقارب ربع وزنها واستمر حالها إلى فترة من الزمن، وفي أحد الأيام وهي جالسة في الغرفة وقد جاءت مبكرة تنتظرهُ ولم تفقد الأمل في إنها ستوقعه يوماً في حبها، تأخر قليلاً وبعد دقائق جاء سكرتير المدير يطلب الشاب في عمل لدى المدير لكن العجوز أخبرته أنهُ لم يحضر بعد وقالت:
- (أنا سأتصل به حالاً).
وبعد اتصالها أخبرتهم لديه حاله طارئة وهو في المستشفى لن يستطيع الحضور اليوم لان احد أفراد أسرته في العناية المركزة، على قدر ما كان الخبر سيئاً ومزعجاً للفتاة إلا إنها فرحت أيضاً؛ لأنها علمت إن العجوز تعرف رقم جوال الشاب، وبدأت تفكر كيف تتحايل على العجوز كي تأخذ رقمهُ، فكانت تارةً تحضر لها الماء وتارةً تحضر العصير وتنظف لها الطاولة حتى استطاعت بمكرها أن تأخذ الرقم وقالت:
- ( إذا ما سألك عن رقمي قولي لهُ انك لا تعرفين هذا الرقم).
ابتسمت العجوز لأنها كانت تعرف بكل ما يدور في ذهن الفتاة، ولكنها كانت تراقبُ عن بعد وتبتسم دائماً، لم تكن الأرض لتسعها بعد أن عرفت رقم الشاب وانطلقت إلى البيت ولم تستطع أن تصبر حتى المساء لتكلمه رنت عليه عدة مرات وهو في المستشفى، ثم أغلقت الهاتف كي لا يتصل بها، وفي المساء أعادت الكرة ولكنها انتظرت حتى فتح الخط وسمعت صوته ثم أغلقت الهاتف كانت تريد أن تسمع صوته قبل أن تنام، وفي اليوم الثاني كانت تضعُ هاتفها صامتاً خوفاً منها أن يتصل بها ويرن الهاتف واستمرت على هذه الحالة ما يقارب الأسبوع، وبعدها اتصلت به وكانت تريد أن تحدثه لكنها كانت خجلة وخائفة ولم تجد موضوعاً تحدثه به ولكنها اتصلت أخيراً، وتركت الأمر لما سيحكم عليه الموقف، رن الهاتف حمل الشاب الهاتف قال:
- ( الو...الو..).
ترددات كثيراً وأرادت إغلاق الهاتف ولكنها تجرأت وقالت:
- (الو هاتف سارة؟)
- ( لا انه الرقم الخاطئ)
اعتذرت وأغلقت الهاتف، وبعد قليل اتصلت وسألت السؤال نفسهُ وأجاب (لا) وأصبحت تتصل في كل يوم ما يقارب العشر مرات بعد خروجها من الدوام وتسأل عن جوال سارة، وأحياناً تبقى صامته وهو يجيب برحابة صدر (لا) ويغلق الهاتف حتى انه تعود كلما اتصلت يقول:
- (إنهُ ليس جوال سارة).
فتغلق الهاتف، وخلال هذه الفترة أصبحت علاقتهما في العمل جيدة ولكنه لا يعرف إنها هي التي تتصل به، ثم إنها تحولت من زَمالة إلى صداقة ولكن على نطاق العمل فكانا يذهبان إلى الكافتيريا سوياً ويعملان معاً، وأصبحت صداقتهما وثيقة بعض الشيء، ثم إنها تخلصت من خجلها الذي كان يوقعها دائماً في مواقف محرجة، وفي أحد الأيام اتصلت به ليلاً... فتح الخط وقال:
- (الو هذا ليس هاتف سارة) وانتظر أن تغلق الهاتف، لكنها قاطعته وقالت:
- (أعرف).
- (ماذا تريدين إذاً ؟!).
- (أريدك أنت).
- ( أنا؟ وهل تعرفين من أنا !؟).
- ( نعم وأنت أيضاً تعرفني)!
سكتا قليلاًَ .
- ( لا أنا لا أعرفك فلم اسمع هذا الصوت سابقاً، من أنت؟).
- (ولِم أنت مستعجل لمعرفتي؟).
- ( ماذا تريدين مني؟).
- ( أنت وسيم أنا معجبة بك ولا ادري إن ....) أغلقت الهاتف كان قلبها ينبضُ بقوة خوفاً، اتصل هو
بها وقال:
- ( لا ادري إن ... ماذا؟).
- (لا ادري إن كنت مرتبطاً أو هناك في حياتك فتاةً ما؟).
- ( أنا أشكركِ على هذه المجاملة وهذا من حسن ذوقك...).
مقاطعةً كلامهُ (لا لا هذه ليست بمجامله فأنا لا أجامل أنها الحقيقة صدقني) سكتا لفترة طويلة فلم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتصاعدة، ثم بعد سكوت خيمَّ زمن طويل، كَسَرَ الصمت قائلاً:
- ( أسف عليَّ أن اذهب الآن فلديّ عمل عليَّ أن أنجزه اتصلي لاحقاً) كانت فرحةُ الفتاة لا توصف فهي استطاعت أن تأخذ موعداً لاتصال آخر وإنها تمكنت من أن تطرق أبواب قلبهُ وقد لا تكون بطريقة غير مباشرة، وهي متأكدة انهُ لا يعرف أنها هي الفتاة التي تتصل بهِ، وبعد مرور يوم وفي منتصف الليل اتصلت وكانت في فراشها، قالت:
- (الو).
بصوت خافت كانت لا تريد أن يعلم أحداً من أهلها مع من تتكلم قال:
- ( الو).
هو أيضاً بخفوت... ابتسمت لأنها رأت الموقف نفسه عندها ثم ابتسم وقال:
- ( تأخرتِ لم استطع النوم دون أن أسمع صوتكِ فقد تعودت أن أسمع صوتك وأنت تسأليني عن سارة).
- ( أعدك انك ستسمع صوتي كل يوم وكل ليلة).
كان صوت الحديث يعلو بنبض القلب، وأصبحت تتصل به كل ليلة ويتحدثان إلى ساعات الفجر المتأخرة دون رغبةٍ في إغلاق أيٍّ منهما الهاتف، استمر هذا الحال إلى أن اتصلت في إحدى الليالي وقالت:
- ( أريد أن أراك).
- ( منذ اليوم الأول الذي عرفتك به وأنت تحاولين أن تخفي عني شكلك ما الذي غير رأيك ؟).
- ( لا بأس يكفي لم أعد قادرة على إخفاء ...) ثم سكتت، فقال:
- ( إخفاء ماذا؟).
- ( لا شيء).
- ( بلى ماذا تخفين أخبريني؟).
- ( حينما نلتقي).
كان شديد الإلحاح لكنها تمسكت بالاحتفاظ بالإجابة، إلى الملتقى، التزمت الصمت إلى أن قال:
- ( حسناً أين نلتقي).
- ( سأحدد المكان لاحقاً والآن وداعاً).
- ( انتظري.....)
قالت مقاطعةً إياه : ( لاحقاً)
وأغلقت الهاتف، فاضت عيناها بالدموع، وفي اليوم التالي دخلت الغرفة وشاهدته متدهور الأحوال، فهو مشتت الأفكار سارح البال، كلما رن الهاتف وثب من مكانه ظناً منه إنها هي وكانت مبتسمة في صمت، هي والعجوز التي لم يفتها شيء من تفاصيل الحكاية كانت الفتاة تكلمها عن كل ما يحدث بينهما، وكذلك الشاب وكانت تراقب وهي مبتسمة، كان اليوم ثقيلاً جداً ولكن هذه المرة على الشاب، لم يكن يقوى على مسك القلم أو انجاز أي عمل، شعرت بالحزن عليهِ وكانت تتألم عليه وقررت أن تساعده، خرجت إلى إحدى الممرات واتصلت به، فتح الخط وقال:
- (الو، أرجوكِ يجب أن نلتقي)
- (لا تتسرع، اليوم الساعة الرابعة عصراً عند الكافتيريا قرب الحديقة العامة والآن وداعاً) كان هذا الاتصال كقطعة ثلج ذاب على قلب يلتهب من الأمس وعاد يعمل رغم أنه لم يكن متوازناً ككل يوم لكنه أفضل من ذي قبل، وانتهى الدوام في الساعة الواحدة، وعادت إلى البيت وهي منتظرة الساعة الرابعة بفارغ الصبر، بدأت تتحضر من الساعة الثالثة والنصف وهي حائرة بين أن تلبس هذا أم هذا؟ وتسرح كذا أم تعطر بذاك؟ وتحمل تلك الحقيبة أم هذه؟ ووصلت إلى المكان المحدد في الساعة الرابعة إلا ربعاً لانهُ كان على مقربه من البيت، وجلست بانتظاره كانت محرجة ففي كل لحظة يسألها النادل عن طلبها وتعتذر وتخبره إنها بانتظار شخص ما، وكانت تعرفُ إنها أخطأت في قدومها المبكر، وهي بين الحياء من النادل وبين أفكارها المشتتة وحيرتها وحرجها كانت تفكر فيما كان سيحضر أم لا، وظلت على هذه الحالة حتى أصبحت الساعة الرابعة وهي تنتظره ومرت الدقائق الخمس الأخرى ولم يحضر، وقررت مغادرة المكان والاتصال به لتعتذر ولكنها تذكرت موقفه في الصباح فعادت وجلست في مكانها، وطلبت من النادل كأس عصير تشربه قبل أن تغادر علهُ يحضر، ارتشفت الرشفة الأولى حتى دخل، وقام بجولة داخل الكافتيريا حتى وصل أخيراً إليها فرآها وقال:
- ( ما هذه الصدفة الجميلة ماذا تفعلين هنا؟)
- ( كنت بانتظار صديقي ولم يحظر وسأغادر حالاً، وأنت ماذا تفعل هنا؟)
- (أنا كذلك ولكن يبدو أني جئت متأخراً فغادرت، وأنا سأخرج أيضاً)
- ( هل تمانع أن توصلني إلى البيت)
- ( لا على الرحب والسعة)
خرجا وفي الطريق طلبت منهُ أن يأخذها في طريق الحديقة العامة لأنها ضجرة وتريد أن تتجول قليلاً في الحديقة، لم يمانع وأثناء سيرهما داخل الحديقة طلبت منه أن تجلس قليلاً، كانت تريد أن تفتح معه الموضوع قالت:
- ( أتعرف إن الحياة جميلة لكننا لا نعرف كيف نعيشها، فأحياناً نريد أشياءً لا يمكننا الحصول عليها حتى لو بذلنا قصارى جهدنا، وأحياناً نضحي بالكثير من اجل أشخاص لكن لا يحسون بنا ولا يقدرون هذه التضحية)
ثم صمَتّت طويلاً، نظر إليها، ولأول مرة كانت عيناها فائضتان دمعاً وكانتا تبرقان كبلورتين في قلب الرمل تعكسان أشعة الحب والهيام وفيهما براءة طفلة تحتضن الأزهار وتبكي، عجز عن الكلام رفع أنامله ليمسح وجنتيها المحمرتين وقال:
- ( من أنتِ!؟)
- ( هل عرفت من التي كانت تتصل بك)
ظل محدقاً في عينيها دون أن ينطق بأية كلمة، كان موقفاً صعباً جداً بالنسبة لكليهما وسرعان ما فاضت عيناها بالدمع، وهو الآخر لم يستطع أن يحبس دموعه التي انصبت على خديه.
- (أنا أسف لم أكن أبالي لمشاعرك التي ضحيت بها من أجلي)
أغلقت فمه بأناملها وشهقت مغمضةً عينيها.
- ( وسأضحي بكل ما أملك من أجلك يا حبيبي)
كانت الكلمة الأخيرة رصاصة الرحمة التي كسرات جميع الحواجز التي طالما تمنت أن تكسرها وبأية وسيلة، لم يستطع سوى أن يضمها إلى صدره وأن يمسح دموعها التي شعر أنهُ هو المسؤول عن نزولها، كانت تسمع خفقان قلبه، كان الموقف بالنسبة لها كحلم؛ هي في أحضان شاب لم ينظر إليها سوى لحظات لم تكن تريد أن تفارقه، كانت خائفة أن يكون حلماً جميلاً ولن تستطيع أن تحلم به مرةً ثانية.
فقال لها:(أحُبكِ ....).[/size]
انا عضو جديد وعندي مجموعة من الاعمال الادبية والفنية واتمنى ان تقبلوني زميل معكم..
وهذه قصة جديد والثانية التي انشرها في هذا المنتدى وشكراً
نظرة حب
كان اليوم الأول الذي بدأتْ بهِ في العمل، خَرجت بعد أن لبست أفضل ما عندها وتعطرت بالطيب، كانت تخطوُ باتزان واعتدال، دخلت الدائرة وهي مفعمة بالحيوية والنشاط، قالوا لها إنها ستعمل في غرفة مع امرأة عجوز في الخمسين من عمرِها وشاب في الرابعة والعشرين، وهو موظف جديد أيضاً، وإنها والشاب سيعملان تحت إشراف المرأة العجوز، حملت بعض الأوراق المتعلقة بالعمل وبعض المستندات واتجهت صوب الغرفة، دخلت مبتسمة وألقت التحية، كانت المرأةُ العجوز جالسةً خلف المنضدة المقابلة للباب، ويجلس على يمينها شاب لم تر وجهه عند دخولها وعلى يسارها منضدة فارغة، فاتجهت نحوها وجلست وبدأت بمسح الغبار وترتيب حاجيتها على المنضدة، وبعد انتهائها رفعت رأسها بتثاقل بسبب التعب الذي أصابها جراء عملها لفترة طويلة وهي مثنية رأسها، نظرت إلى العجوز التي كانت تبتسمُ كلما نظرت إليها ثم انتقلت بنظراتها الخاطفة في أرجاء الغرفة حتى وقع نظرها على الشاب الذي رفع رأسه وهو يرفع بطرفِ أصابعهِ شعرهُ الذي تدلى على عينيه لم تكن سوَى لحظات ولكنها مرت ببطء جداً كانت الدهشة التي اعتلتها عارمة حتى إنها اختنقت بقدح الماء الذي تناولتهُ للتو، تناثر الماء من فمها على الأوراق كأنها قطرات ندى على الأغصان، وتماماً كما يفعل (اللوندري) عامل المكوى البخاري، ثم إنهُ ضحكَ وضحكت المرأة العجوز، أحرجت قليلاً لكنها سرعان ما شاركتهم الضحك، كان اليومُ مليئاً بالمفاجئات والطرف الغريبة، لكن أهمُ من كلِ هذا الصدفة الجميلة التي جمعتها مع الشاب في غرفة واحدة، فهو شاب جميل الهيئة حسن المنظر، أنيق ومثابر في العمل، ورجل بما تعنيه الكلمة، وهذا أكثر ما شغل تفكيرها، وبتعبير أخر وأدق إنها أعجبت به من النظرة الأولى، ومع إنها لم تكن تؤمن بالحب وخاصةً الحب من النظرة الأولى، لكنها ضلت تتقلب في فراشها من الأرق، فتارةً كانت تفكر بالعمل وتارةً تفكر بالشاب وهي على هذا الحال حتى بزغت خيوط الفجر الأولى، في اليوم الثاني والذي كان أكثرُ نشاطاً وحيوية من الأول، خرجت مبكرة من البيت بعد أن سرحت شعرها وسارت بخطىً متناسقة كأنها ناقة كانت في أجمل مظهرٍ حتى إنها أذهلت كل من نظر إليها في الشارع، كان عطرها يفوح على بعد أمتار فتجذبهم إليها، دخلت للدائرة وكلها عزيمة وحيوية، إلى حين وصولها باب الغرفة توقفت وهي صامته فقد أضاعت جميع مفرداتها وبدء قلبها ينبض بقوة وكاد أن ينقلع من مكانه وبدون سبب لولا إنها تمالكت نفسها ودخلت لتجلس على كرسيها بهدوء، كانت طوال الوقت محدقة فيه تشهق وتزفر بقوة، منتظرة منه أن ينظر إليها حتى ضجرت ولم ينظر، كان طوال الوقت مشغولاً، وقررت أن تلحق به حين يذهب إلى (الكافتيريا) ولكنها سأمت الانتظار ولم يذهب، قررت أن تذهب هي نهضت لتذهب هي وعند الباب التفتت إليهم وقالت:
- (أنا ذاهبة إلى الكافتيريا هل اجلب لكما شيئاً؟).
لم تسمع رداً من الشاب أما العجوز فقد شكرتها، ثم نهض الشاب وقال للمرأة العجوز:
- (أنا ذاهب إلى الكافتيريا)
خرجت تخطو ببطء متأملة أن يلحق بها ولكنهُ تجاوزها وسبقها الخطى إلى الكافتيريا، دون أن يلتفت إليها أو يكلمها أثار الموقف حفيظتها لكنها هدأت من روعها وجلست على كرسي في أحد أركان الكافتيريا وجلس هو على كرسي آخر في الجهة المقابلة وكعادته لم يرفع رأسه حتى خرج كان يهربُ من نظراتها المتجهة نحوه، ثم نهض وعاد إلى الغرفة، ونهضت هي الأخرى، واشترت زجاجة عصير وأخذتها للمرأة العجوز، وعندما دخلت وجدتهُ جالساً خلف طاولته يعمل، قدمت العصير للعجوز وهي بدورها قدمتها للشاب لكنهُ شكر العجوز، وعادت إلى البيت منكوسة الراية فلم تستطع فعل شيء تجاهه رغم إنها كانت تشعر بإحساس غريب في أعماقها إحساس شوق ودفء إلا إنها كانت تفسرُ هذا دائماً بأنه إحساس حب التملك أو حب الخضوع لها، حينما جلست على السفرة في العشاء لم تستطع أكل ثلاث ملاعق من الطعام، لأن فكرها كان في مكان آخر بعيد عن محيط العائلة خلِدت إلى فراشها، ولكنها لم تستطع أن تنام وظلت تتقلب في فراشها وهي تفكر فيه ما الذي يجعل شاباً بهذا العمر لا ينظر إلى فتاة بجمالها، فبالأمس كانت تفكر أيهما يشغل بالها الشاب أم العمل وتأكدت أنهُ الشاب وليس العمل، وفي نهاية المطاف توصلت إلى استنتاجين الأول أنهُ متزوج والثاني يحب فتاة أخرى، وكانت تتوق شوقاً حتى تعرف ما الذي يجعل شاباً بجماله لا يرتبط بفتاة، وظلت حتى الصباح تقلب أفكارها مع تقلبها في الفراش وهي تحاول النوم ولم تستطع النوم سوى دقائق معدودة، كان النعاسُ يطير من عينيها بمجرد إنها تتذكر الشاب أو تفكر به، واستيقظت في الصباح الباكر وكأنها وليدة اليوم، لبست أفضل ما عندها وسرحت شعرها وتطيبت بالعطر وخرجت شاردة الذهن حتى وصلت إلى الغرفة وألقت التحية ولكنها كانت مرتبكة قالت: (سلامك عليكم) ضحك الشاب والعجوز منها كان الموقفُ حرجاً بالنسبة لها إلا إنها لم تبالي كثيراً فقد كان هدفها معرفة حقيقة الشاب، جلست بانتظار العجوز أن تخرج كي تنتهز الفرصة لتكلمه بحجة العمل، مرّ الوقت بتثاقل كبير وحان الوقت، خرجت العجوز في عمل داخل الدائرة، وأثنت الفتاة رأسها على الطاولة وكأنها تراجع شيئاً ما، ثم ضربت يدها بقوة على الطاولة ما لفت انتباهه ونظر إليها ولكنه وبسرعة خاطفة تفادى نظراتها وأثنى رأسه على مكتبه وعاد للعمل، ثم حملت الملف وتقدمت نحوهُ وقالت:
- (عذراً أرجوك أن تساعدني فقد استعصى عليّ أمر هذا الملف).
أخذ الملف وبدأ يطالع ويشرح لها لكنها كانت في عالم ثاني كانت سارحة تحدق به تنظر إلى شفتيه وهو يتكلم وإلى ملابسه الأنيقة وتسريحة شعرة الجميلة ولباقته في الكلام كانت قد تحجرت وهي تحملق بهِ.
قال: (هذا كل ما في الأمر)
رفع عينيه فوجدها سارحة فيه وهي في عالم ثاني.
قال: (انتهى).
قالت: ( نعم ... أسفة).
حملت الملف وهي تحملق في يده فلم تجد أي خاتم لا في اليمنى ولا في اليسرى، عادت أدراجها وهي تقتلها الشكوك، فهو غير متزوج ولم يخطب، إذاً فهو يحب فتاة، ولكنها لِما لم ترهُ يتكلم مع فتاة أو عن فتاة قط، كان يوماً ثقيلاً وغريباً بالنسبة لها، عادت إلى البيت وهي ضجرة من العمل، وكانت تفكرُ في ترك العمل ولكن كانت تشعر إن ترك العمل هزيمة بالنسبة لها فقررت البقاء والتصميم على أن تجعله يحبها، كانت تغدو إلى العمل بنشاط وحيوية وتعود مثقلة الخطى، حتى فقدت شهيتها في الطعام وفقدت ما يقارب ربع وزنها واستمر حالها إلى فترة من الزمن، وفي أحد الأيام وهي جالسة في الغرفة وقد جاءت مبكرة تنتظرهُ ولم تفقد الأمل في إنها ستوقعه يوماً في حبها، تأخر قليلاً وبعد دقائق جاء سكرتير المدير يطلب الشاب في عمل لدى المدير لكن العجوز أخبرته أنهُ لم يحضر بعد وقالت:
- (أنا سأتصل به حالاً).
وبعد اتصالها أخبرتهم لديه حاله طارئة وهو في المستشفى لن يستطيع الحضور اليوم لان احد أفراد أسرته في العناية المركزة، على قدر ما كان الخبر سيئاً ومزعجاً للفتاة إلا إنها فرحت أيضاً؛ لأنها علمت إن العجوز تعرف رقم جوال الشاب، وبدأت تفكر كيف تتحايل على العجوز كي تأخذ رقمهُ، فكانت تارةً تحضر لها الماء وتارةً تحضر العصير وتنظف لها الطاولة حتى استطاعت بمكرها أن تأخذ الرقم وقالت:
- ( إذا ما سألك عن رقمي قولي لهُ انك لا تعرفين هذا الرقم).
ابتسمت العجوز لأنها كانت تعرف بكل ما يدور في ذهن الفتاة، ولكنها كانت تراقبُ عن بعد وتبتسم دائماً، لم تكن الأرض لتسعها بعد أن عرفت رقم الشاب وانطلقت إلى البيت ولم تستطع أن تصبر حتى المساء لتكلمه رنت عليه عدة مرات وهو في المستشفى، ثم أغلقت الهاتف كي لا يتصل بها، وفي المساء أعادت الكرة ولكنها انتظرت حتى فتح الخط وسمعت صوته ثم أغلقت الهاتف كانت تريد أن تسمع صوته قبل أن تنام، وفي اليوم الثاني كانت تضعُ هاتفها صامتاً خوفاً منها أن يتصل بها ويرن الهاتف واستمرت على هذه الحالة ما يقارب الأسبوع، وبعدها اتصلت به وكانت تريد أن تحدثه لكنها كانت خجلة وخائفة ولم تجد موضوعاً تحدثه به ولكنها اتصلت أخيراً، وتركت الأمر لما سيحكم عليه الموقف، رن الهاتف حمل الشاب الهاتف قال:
- ( الو...الو..).
ترددات كثيراً وأرادت إغلاق الهاتف ولكنها تجرأت وقالت:
- (الو هاتف سارة؟)
- ( لا انه الرقم الخاطئ)
اعتذرت وأغلقت الهاتف، وبعد قليل اتصلت وسألت السؤال نفسهُ وأجاب (لا) وأصبحت تتصل في كل يوم ما يقارب العشر مرات بعد خروجها من الدوام وتسأل عن جوال سارة، وأحياناً تبقى صامته وهو يجيب برحابة صدر (لا) ويغلق الهاتف حتى انه تعود كلما اتصلت يقول:
- (إنهُ ليس جوال سارة).
فتغلق الهاتف، وخلال هذه الفترة أصبحت علاقتهما في العمل جيدة ولكنه لا يعرف إنها هي التي تتصل به، ثم إنها تحولت من زَمالة إلى صداقة ولكن على نطاق العمل فكانا يذهبان إلى الكافتيريا سوياً ويعملان معاً، وأصبحت صداقتهما وثيقة بعض الشيء، ثم إنها تخلصت من خجلها الذي كان يوقعها دائماً في مواقف محرجة، وفي أحد الأيام اتصلت به ليلاً... فتح الخط وقال:
- (الو هذا ليس هاتف سارة) وانتظر أن تغلق الهاتف، لكنها قاطعته وقالت:
- (أعرف).
- (ماذا تريدين إذاً ؟!).
- (أريدك أنت).
- ( أنا؟ وهل تعرفين من أنا !؟).
- ( نعم وأنت أيضاً تعرفني)!
سكتا قليلاًَ .
- ( لا أنا لا أعرفك فلم اسمع هذا الصوت سابقاً، من أنت؟).
- (ولِم أنت مستعجل لمعرفتي؟).
- ( ماذا تريدين مني؟).
- ( أنت وسيم أنا معجبة بك ولا ادري إن ....) أغلقت الهاتف كان قلبها ينبضُ بقوة خوفاً، اتصل هو
بها وقال:
- ( لا ادري إن ... ماذا؟).
- (لا ادري إن كنت مرتبطاً أو هناك في حياتك فتاةً ما؟).
- ( أنا أشكركِ على هذه المجاملة وهذا من حسن ذوقك...).
مقاطعةً كلامهُ (لا لا هذه ليست بمجامله فأنا لا أجامل أنها الحقيقة صدقني) سكتا لفترة طويلة فلم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المتصاعدة، ثم بعد سكوت خيمَّ زمن طويل، كَسَرَ الصمت قائلاً:
- ( أسف عليَّ أن اذهب الآن فلديّ عمل عليَّ أن أنجزه اتصلي لاحقاً) كانت فرحةُ الفتاة لا توصف فهي استطاعت أن تأخذ موعداً لاتصال آخر وإنها تمكنت من أن تطرق أبواب قلبهُ وقد لا تكون بطريقة غير مباشرة، وهي متأكدة انهُ لا يعرف أنها هي الفتاة التي تتصل بهِ، وبعد مرور يوم وفي منتصف الليل اتصلت وكانت في فراشها، قالت:
- (الو).
بصوت خافت كانت لا تريد أن يعلم أحداً من أهلها مع من تتكلم قال:
- ( الو).
هو أيضاً بخفوت... ابتسمت لأنها رأت الموقف نفسه عندها ثم ابتسم وقال:
- ( تأخرتِ لم استطع النوم دون أن أسمع صوتكِ فقد تعودت أن أسمع صوتك وأنت تسأليني عن سارة).
- ( أعدك انك ستسمع صوتي كل يوم وكل ليلة).
كان صوت الحديث يعلو بنبض القلب، وأصبحت تتصل به كل ليلة ويتحدثان إلى ساعات الفجر المتأخرة دون رغبةٍ في إغلاق أيٍّ منهما الهاتف، استمر هذا الحال إلى أن اتصلت في إحدى الليالي وقالت:
- ( أريد أن أراك).
- ( منذ اليوم الأول الذي عرفتك به وأنت تحاولين أن تخفي عني شكلك ما الذي غير رأيك ؟).
- ( لا بأس يكفي لم أعد قادرة على إخفاء ...) ثم سكتت، فقال:
- ( إخفاء ماذا؟).
- ( لا شيء).
- ( بلى ماذا تخفين أخبريني؟).
- ( حينما نلتقي).
كان شديد الإلحاح لكنها تمسكت بالاحتفاظ بالإجابة، إلى الملتقى، التزمت الصمت إلى أن قال:
- ( حسناً أين نلتقي).
- ( سأحدد المكان لاحقاً والآن وداعاً).
- ( انتظري.....)
قالت مقاطعةً إياه : ( لاحقاً)
وأغلقت الهاتف، فاضت عيناها بالدموع، وفي اليوم التالي دخلت الغرفة وشاهدته متدهور الأحوال، فهو مشتت الأفكار سارح البال، كلما رن الهاتف وثب من مكانه ظناً منه إنها هي وكانت مبتسمة في صمت، هي والعجوز التي لم يفتها شيء من تفاصيل الحكاية كانت الفتاة تكلمها عن كل ما يحدث بينهما، وكذلك الشاب وكانت تراقب وهي مبتسمة، كان اليوم ثقيلاً جداً ولكن هذه المرة على الشاب، لم يكن يقوى على مسك القلم أو انجاز أي عمل، شعرت بالحزن عليهِ وكانت تتألم عليه وقررت أن تساعده، خرجت إلى إحدى الممرات واتصلت به، فتح الخط وقال:
- (الو، أرجوكِ يجب أن نلتقي)
- (لا تتسرع، اليوم الساعة الرابعة عصراً عند الكافتيريا قرب الحديقة العامة والآن وداعاً) كان هذا الاتصال كقطعة ثلج ذاب على قلب يلتهب من الأمس وعاد يعمل رغم أنه لم يكن متوازناً ككل يوم لكنه أفضل من ذي قبل، وانتهى الدوام في الساعة الواحدة، وعادت إلى البيت وهي منتظرة الساعة الرابعة بفارغ الصبر، بدأت تتحضر من الساعة الثالثة والنصف وهي حائرة بين أن تلبس هذا أم هذا؟ وتسرح كذا أم تعطر بذاك؟ وتحمل تلك الحقيبة أم هذه؟ ووصلت إلى المكان المحدد في الساعة الرابعة إلا ربعاً لانهُ كان على مقربه من البيت، وجلست بانتظاره كانت محرجة ففي كل لحظة يسألها النادل عن طلبها وتعتذر وتخبره إنها بانتظار شخص ما، وكانت تعرفُ إنها أخطأت في قدومها المبكر، وهي بين الحياء من النادل وبين أفكارها المشتتة وحيرتها وحرجها كانت تفكر فيما كان سيحضر أم لا، وظلت على هذه الحالة حتى أصبحت الساعة الرابعة وهي تنتظره ومرت الدقائق الخمس الأخرى ولم يحضر، وقررت مغادرة المكان والاتصال به لتعتذر ولكنها تذكرت موقفه في الصباح فعادت وجلست في مكانها، وطلبت من النادل كأس عصير تشربه قبل أن تغادر علهُ يحضر، ارتشفت الرشفة الأولى حتى دخل، وقام بجولة داخل الكافتيريا حتى وصل أخيراً إليها فرآها وقال:
- ( ما هذه الصدفة الجميلة ماذا تفعلين هنا؟)
- ( كنت بانتظار صديقي ولم يحظر وسأغادر حالاً، وأنت ماذا تفعل هنا؟)
- (أنا كذلك ولكن يبدو أني جئت متأخراً فغادرت، وأنا سأخرج أيضاً)
- ( هل تمانع أن توصلني إلى البيت)
- ( لا على الرحب والسعة)
خرجا وفي الطريق طلبت منهُ أن يأخذها في طريق الحديقة العامة لأنها ضجرة وتريد أن تتجول قليلاً في الحديقة، لم يمانع وأثناء سيرهما داخل الحديقة طلبت منه أن تجلس قليلاً، كانت تريد أن تفتح معه الموضوع قالت:
- ( أتعرف إن الحياة جميلة لكننا لا نعرف كيف نعيشها، فأحياناً نريد أشياءً لا يمكننا الحصول عليها حتى لو بذلنا قصارى جهدنا، وأحياناً نضحي بالكثير من اجل أشخاص لكن لا يحسون بنا ولا يقدرون هذه التضحية)
ثم صمَتّت طويلاً، نظر إليها، ولأول مرة كانت عيناها فائضتان دمعاً وكانتا تبرقان كبلورتين في قلب الرمل تعكسان أشعة الحب والهيام وفيهما براءة طفلة تحتضن الأزهار وتبكي، عجز عن الكلام رفع أنامله ليمسح وجنتيها المحمرتين وقال:
- ( من أنتِ!؟)
- ( هل عرفت من التي كانت تتصل بك)
ظل محدقاً في عينيها دون أن ينطق بأية كلمة، كان موقفاً صعباً جداً بالنسبة لكليهما وسرعان ما فاضت عيناها بالدمع، وهو الآخر لم يستطع أن يحبس دموعه التي انصبت على خديه.
- (أنا أسف لم أكن أبالي لمشاعرك التي ضحيت بها من أجلي)
أغلقت فمه بأناملها وشهقت مغمضةً عينيها.
- ( وسأضحي بكل ما أملك من أجلك يا حبيبي)
كانت الكلمة الأخيرة رصاصة الرحمة التي كسرات جميع الحواجز التي طالما تمنت أن تكسرها وبأية وسيلة، لم يستطع سوى أن يضمها إلى صدره وأن يمسح دموعها التي شعر أنهُ هو المسؤول عن نزولها، كانت تسمع خفقان قلبه، كان الموقف بالنسبة لها كحلم؛ هي في أحضان شاب لم ينظر إليها سوى لحظات لم تكن تريد أن تفارقه، كانت خائفة أن يكون حلماً جميلاً ولن تستطيع أن تحلم به مرةً ثانية.
فقال لها:(أحُبكِ ....).[/size]