أبو محمد***
01-09-2007, 09:57 AM
خطبة جمعة عادية بتاريخ 12/ 12/ 2003 : القلق ، لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام : لاشك أنكم تعلمون أن قلقاً عاماً أصاب العالم الإسلامي ، قلقًا على أرزاقهم ، و قلقًا على ثرواتهم ، وقلقًا على أمنهم ، وقلقًا على وجودهم ، القلق أيها الإخوة كالملح في الطعام ، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، القلق في حدوده المعتدلة ضروري ، لأنه باعث إلى النجاح ، لكنه إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، فالقلق على الحاضر والمستقبل ضروري ، ولكن في حدود ، حيث لا ينتهي هذا القلق بالإنسان إلى التعاسة و السوداوية والتشاؤم والشقاء ، لكن بعض الناس أيها الإخوة يهرب من القلق ، ولا يواجهه فيقع في قلق أشد ، ويقع في مصيبة أكبر ، هذا شأن النعامة تغمس رأسها في الرمل وتتجاهل الأخطار المحدقة بها .
هناك من لا يقلق ، وهو ساذج ، وهناك من يقلق وهو مبالغ ، فالمبالغة في القلق تدمر الحياة النفسية ، وترك القلق كلياً سذاجة وبلاهة ما بعدها بلاهة .
أيها الإخوة : من وسائل دفع القلق ألا تكلف نفسك فوق ما تستطيع ، لا على مستواك الشخصي ، ولا على مستوى الأمة ، فالذين يحملون أنفسهم هموماً أكبر من إمكانياتهم وطاقاتهم وأكبر مما خصهم الله بها من قدرات إنهم يدمرون أنفسهم .
أيها الإخوة : كطرفة ، يروى أن أعرابياً كانت عنده أَمة فقيل له : " هل تتمنى أن تذهب هذه الأمة ، وأن تكون خليفة المسلمين ؟ قال : لا والله ، قيل : ولمَ ؟ قال : أخشى أن تذهب الأمة ، ولا أكون خليفة المسلمين " ، عندك شيء حافظ عليه ، ليس هناك من إنسان إلا وعنده قدر من النجاح ينبغي أن يلتفت إليه .
ثانياً أيها الإخوة : من وسائل دفع القلق انظر إلى واقعك بعين الرضا ، ارض عن الله، يقول الله عز وجل :
[ سورة المائدة : الآية 119]
ارض عن الله فيما أقامك ، في كل ما أقامك ، في كل الحظوظ التي منحك إياها ، ارض عن الله في واقعك ، إن كان بالإمكان أن تحسن واقعك فافعل ، أما إذا بذلت المستطاع ولك واقع لا تتجاوزه فارضَ به ، رجل يطوف حول الكعبة يدعو ويقول : يا رب هل أنت راض عني ، فكان وراءه الإمام الشافعي قال : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله عز وجل .
اقبل واقعك ، اقبل إمكاناتك ، اقبل من حولك ، هؤلاء قدرك ، الرضا يسبب السعادة ويبعد القلق .
أيها الإخوة الكرام : لا تقسوا على أنفسكم ، إن لنفسك عليك حقاً ، فلا تحملها فوق ما تطيق ، لا يعني أن تستسلم ، ولا يعني أن تكون شقياً ، هذا مما يدفع القلق ، لكن هذا لا يمنع أن تكون طموحاً ، من أروع ما قاله سيدنا عمر بن عبد العزيز قال : " إن لي نفساً تواقة ، تاقت إلى الإمارة ، فلما بلغتها تاقت إلى الخلافة ، فلما بلغتها تاقت إلى الجنة " .
مرة ثانية أيها الإخوة : ما منا واحد إلا وقد حقق قدراً من النجاح ، هذا القدر من النجاح ينبغي أن يشكر الله عليه ، ينبغي أن يستوعبه ، ينبغي أن يستمتع به ، ينبغي أن يحمده، يحمد الذي أعطاه هذا النجاح ، لذلك من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي أكثر منه فقد حقّر ما عظمه الله :
[ سورة النساء : الآية 113]
إذا كنت قد اهتديت إلى الله ، قد طبقت شرع الله عز وجل وأنت على عقيدة سليمة فهذه نعمة عظمى يفتقر إليها معظم المسلمين في البلاد .
من علامات الرضا عن الله أنك لا تحقد على أحد من الناس ، فالله عز وجل فضله واسع و عميم ، فالزوجة التي ترى أختها لها زوج غني ينبغي ألا تحقد عليها :
[ سورة المائدة : الآية 54]
المطلقة إذا قابلت زوجة سعيدة ينبغي ألا تحقد عليها ، فضل الله عظيم يؤتيه من يشاء، البنت التي خطبت أختها ولم تخطب ينبغي ألا تحقد عليها ، الحقد والحسد من علامات ضعف الإيمان .
شيء آخر : لا تعش الماضي أبداً ، ما مضى فات ، الندم على الماضي والحديث عن الماضي ، وما فاتك فيه من فرص هذه كلها متاعب لا تقدم ولا تؤخر ،
ما مضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها
يروى أن ابن حزم رحمه الله تعالى نظر إلى الناس مسلمهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم، عربهم وعجمهم ، فقال : رأيتهم قد أطبقوا واتفقوا على أمر واحد ، هو أنهم جميعاً على مطلب واحد يتعلق بمدافعة الهموم وإزالتها عن نفوسهم ، أنا أعبر عن هذه الفكرة بالعبارة التالية : من ستة آلاف مليون من بني البشر ما منهم واحد إلا و يتمنى السلامة والسعادة ، هذا مطلب ثابت لكل بني البشر ، ابن حزم رحمه الله تعالى قال : ثم بحثت عن سر ذلك ، وعن أعظم ما يتحقق به دفع الهم والغم فلم أجد أعظم من عبادة الله تعالى ومن محبته والانطراح بين يديه ، فعلمت بذلك أن هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد احتوى على طرد الهموم في الدنيا وفي الآخرة ، لأن الله عز وجل يقول :
[ سورة الطلاق ]
لذلك قالوا : توقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، أنت من خوف المرض في مرض ، من خوف الفقر في فقر ، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها .
أيها الإخوة الكرام : من علامة استقامتك على أمر الله أنك بعيد عن القلق للمستقبل ، وعن الخوف منه ، وعن الندم عما مضى ، بدليل أن الله عز وجل يقول :
[ سورة فصلت : 30]
لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على الماضي ، ففي آية واحدة غطي الماضي والمستقبل :
[ سورة فصلت : 30]
قال بعض الحكماء :
دع الـمقادير تجري في أعنتها و لا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلى حال
أحد العلماء قال : ضاق بي أمر أوجب لي هماً وغماً لازماً دائماً ، و قد أخذت أبالغ ، وأفكر كيف أتخلص من هذا الأمر بكل حيلة وبكل وجه ، فما رأيت طريقاً للخلاص منه ، ثم عرضت لي الآية الكريمة :
[ سورة الطلاق : 2]
فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل هم و غم .
أيها الإخوة الكرام : لو ألقينا نظرة سريعة على تاريخ هذه الأمة ، لقد بلغت ذروة صعودها في قرون الخيرية التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ...)) .
[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ]
وقد بشر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك هذه الأمة هلاك استئصال ، ولكن هلاك ضعف ، تضعف وتقوى ، تكبو وتقف ، لذلك عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ...)) .
[ مسلم ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)) .
[ أبو داود ]
أيها الإخوة : في أيام الأزمات الحالكات قد ينسى المسلم خصائص هذا الدين العظيم ، هذا الإسلام أيها الإخوة الذي شرفنا الله به ، وأكرمنا به هو الدين الخاتم ، هو آخر صلة بين السماء و الأرض ، هو المهيمن على جميع الديانات و الرسالات :
[ سورة الأعراف : الآية 158]
[ سورة الأنبياء : الآية 107]
هذه الأمة التي ننتمي إليها تملك منهجاً وحيداً صحيحاً لن تمتد إليه يد البشر بالتزوير أو التحريف ، وقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين ، وهذا الدين هو الوحيد القادر على إصلاح ما فسد في حياة البشرية جمعاء ، هذه الأمة التي ننتمي إليها تمتلك المنهج الوحيد الذي له رصيد من التجربة ، لقد طبق هذا المنهج و بلغت به هذه الأمة أوج العلياء والتفوق ، هذه الأمة من خصائص منهجها أنها قادرة على استيعاب غير المسلمين داخلها وفق معايير منطقية ومقبولة وقابلة للتطبيق ، ليس على أساس التناقض والتضاد والكيل بمكيالين ، فالتقوى أساس التفاضل بين المسلمين ، والبر والإحسان أساس التعامل مع غيرهم .
أيها الإخوة الكرام : هذه الأمة لا ترى الدنيا هي كل شيء كغيرها من الأمم ، الدنيا مزرعة الآخرة ، هذه الدنيا يعطيها الله لمن يحب ، ولمن لا يحب ، ولكن الآخرة وعد صادق ، يحكم فيه ملك عادل ، ما هي مصادر قوة هذه الأمة ؟ هذه الإيجابيات غفل عنها المسلمون ، مصادر قوة هذه الأمة الله عز وجل ، سبحانه و تعالى أكبر وأعز من أن يتخلى عن عباده المؤمنين ، لقد اتصف الله سبحانه و تعالى بكل صفات الكمال والعزة والقهر والقوة والجبروت، بيده مقاليد الأمور ، إليه يرجع الأمر كله ، هو الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون ، هو الذي يغير ، ولا يتغير ، يحيي ويميت ، هو المعز ، وهو المذل :
[ سورة محمد : الآية 7]
يجب أن يكون الأمل معقوداً على الله وحده ، ومن إيجابيات هذه الأمة أن الكتاب والسنة ما إن نتمسك بهما فلن نضل بعدهما أبداً ، من خصائص هذه الأمة أن المنهج الإلهي منهج كامل شامل ، واقعي وسطي ، مرن عالمي ، رباني متوازن ، يلبي نداء الفطرة ، ولا يتصادم معها ، وهو الذي طبق في حياة البشر ، فحلق بهم في سماء المثل والقيم ، وأحاطهم بأخلاقيات و محاسن لم تر البشرية نظيراً لها .
أيها الإخوة : قرأت قصة عن سفينة غرقت و نجا بعض ركابها بقارب النجاة ، وكانوا يزيدون على خمسين إنساناً ، من أجل التقاتل على الماء المحدود في هذا القارب قتل بعضهم بعضاً ، ولم يصل منهم إلا اثنان إلى الشاطئ ، أما في تاريخ هذه الأمة أربعة جرحى على وشك الموت فجاء من يسقي أحدهم فأشار إلى أخيه لعله أحوج مني إلى الماء ، فانتقل إلى الثاني فأشار إلى أخيه فانتقل إلى الثالث ، فأشار إلى أخيه ، ثم مات الثالث ، عاد إلى الثاني فرآه قد مات ، وعاد إلى الأول فرآه قد مات ، هذا المجتمع الإسلامي فيه خصائص كبيرة جداً، من ضعف المسلمين اليوم ، ومن تكالب أعداء المسلمين عليهم كأنهم غفلوا عن خصائص دينهم .
أيها الإخوة الكرام : من عوامل قوة هذه الأمة أنها أمة واحدة ، ربها واحد ، إلهها واحد ، نبيها ، واحد ، قرآنها واحد ، مبادئها واحدة ، قيمها واحدة .
أيها الإخوة : من عوامل قوة هذه الأمة أنهم يقتربون من ثلث سكان الأرض ، ويحتلون أهم المواقع الجغرافية ، و بيدهم ثروات طائلة ، هذه كلها إيجابيات هذه الأمة .
أيها الإخوة الكرام : ولا يسعني في الحديث عن قيمة هذه الأمة ، وعن قيمة دينها ، ومبادئها أن هذا العالم الذي هداه الله إلى الإسلام في أمريكا ، وقد زار بريطانيا ، والتقى بالجالية الإسلامية فقال : أنا لا أصدق أنه في المدى المنظور يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن إيماناً قطعياً أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين إذا أحسنوا فهم دينهم ، وأحسنوا تطبيقه ، وأحسنوا عرضه ، لأن في هذا الإسلام العظيم خلاص البشرية .
إن البشرية الآن تتخبط ، فلا المادة أسعدتها ، ولا الجماعية أسعدتها ، ولا الفردية أسعدتها ، ولا الشرق أسعدها ، ولا الغرب أسعدها ، ولا الخرافة أسعدتها ، ولا الملذات أسعدتها ، إن كل المبادئ الوضعية هي في الوحي الآن ، ولم يبق في ميدان المبادئ والقيم إلا الإسلام ، مع أن الإسلام يحارب في كل بقاع الأرض .
أيها الإخوة الكرام : هناك مرض خطير ذكره الله في القرآن الكريم اتصف به بعض أهل الكتاب ، يقول الله عز وجل :
[ سورة البقرة : الآية 246]
أي حالة مرضية أن الإنسان يتحمس إلى شيء لا يستطيعه ، لكنه يغفل عن حجم صدقه ، و عن حجم إصراره ، وعن حجم قدرته :
[ سورة البقرة : الآية 246]
تمنيات المسلمين كثيرة جداً ، ولكنك إذا وضعتها على المحك تراجع المسلمون عن هذه التمنيات ، في مجالسهم يتكلمون ، يتصايحون ، ينظرون ، يقيمون ، يتراشقون التهم ، أما السلوك العملي هو المحك :
[ سورة البقرة : الآية 246]
فالحديث لا قيمة له ، و النقد لا قيمة له ، و التنظير لا قيمة له ، و أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين لا قيمة له ، حجمك عند الله بحجم عملك لا بحجم تمنياتك ، لا بحجم طموحاتك، لا بحجم مركزك ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
أيها الإخوة :
[ سورة البقرة : الآية 247]
أين الاستسلام لله ؟ أين الرضا بما خصك الله به ؟
[ سورة البقرة : الآية 247]
أرأيتم إلى هذه المقاييس التي تحكم هؤلاء ، قال :
[ سورة البقرة : الآية 247]
أيها الإخوة : هؤلاء القلة الذين ساروا مع طالوت أمامهم امتحان آخر ، هذا الامتحان :
[ سورة البقرة : الآية 249]
التمنيات مع الله لا تجدي ، لا يجدي مع الله إلا أن تكون صادقاً ، لذلك عطاء الله عز وجل ربط بالسعي :
[ سورة الإسراء : 19]
}فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا{ .
[ سورة الكهف : 110]
أيها الإخوة الكرام : هذا نموذج بشري ، في حالات الرخاء نتمنى أن نفعل ، وأن نفعل ، فإذا وضعنا على المحك تراجعنا ، هذا التراجع دليل ضعف النفس ، فهذا الذي يتبجح ، ويعلو صياحه قد يكون أشد الناس خوفاً حينما تأتي الأزمة الحقيقية .
أيها الإخوة الكرام : مثل آخر من حياة المسلمين : قال تعالى :
[ سورة النساء : 77]
هذا مرض متفشٍّ في المسلمين ، الصياح والضجيج والحماس ، ثم عند المحك الحقيقي التراجع والخمول ، فينبغي أن نعلم أنفسنا ، ينبغي أن نحيط علماً بقدراتنا ، ينبغي ألا نتطاول على أحد ، ينبغي أن نعرف حجمنا ، وأن نقف عنده ، فرحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده .
أيها الإخوة الكرام : كأنه يستنبط من أن أشد الناس حماسة واندفاعاً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد .
يقول بعض الأدباء : " لي صديق كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجاً عن سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد ، و كان خارجاً عن سلطان الجهالة ، فلا يتكلم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما علم ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإذا تكلم بزّ القائلين ، وكان يرى ضعيفاً مستضعفاً ، فإذا جد الجد فهو الليث عادياً " .
يكاد المسلمون يشكلون ظاهرة صوتية ليس غير ، حماس واندفاع وصوت مرتفع وتهديد ووعيد وإدانة واستنكار ، وفي النهاية لا يفعلون شيئاً ، هذا مرض اجتماعي أصيب به بنو إسرائيل ، و قد ذكرت قصتهم ، وأصيب به بعض المسلمين ، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، أقلل من الكلام ، وأكثر من العمل ، اسأل نفسك كل يوم : ماذا قدمت للمسلمين؟ لا ماذا قلت ؟ لا ماذا تبجحت ، ماذا قدمت للمسلمين من عمل ، لأن الله عز وجل يقول :
[ سورة التوبة : 105]
و يقول أيضاً :
[ سورة النعام : 132]
و أروع ما في القرآن : إن القيم التي ذكرت في القرآن ، وعدت أساس الترجيح بين المسلمين هي قيم العلم وقيم العمل :
[ سورة الزمر : 9]
[ سورة المجادلة : 11]
و لأن العلم طريق للعمل الصالح ، ثم يقول تعالى :
[ سورة النعام : 132]
فما لم نعتمد في حياتنا العلم والعمل لا يمكن أن نتفوق ، وما لم يُقيم الإنسان فقط بعلمه وعمله لا بحسبه ولا بنسبه ولا بإنجازاته الموهومة فلن يتقدم هذا المجتمع .
أيها الإخوة الكرام : تنبيه قرآني دقيق ، يقول الله عز وجل :
[ سورة الأنعام : 108]
أنت حينما تفعل شيئاً ، ويسبب هذا الشيء متاعب لا حصر لها للمسلمين ، أنت في النهاية ما فعلت شيئاً ، بل كنت سبباً في إلحاق الأذى الشديد بالمسلمين ، فهذا العمل غير المدروس و غير المؤصّل بالأدلة الشرعية ربما سبب متاعب لا تعد ولا تحصى .
أيها الإخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أيها الإخوة الكرام : حقيقة دقيقة أرجو الله أن أوضحها لكم ، ما من شيء نهى الله عنه أو نهى رسوله عنه إذا خولف له مضار لا تعد ولا تحصى في الحياة النفسية والاجتماعية، هذه الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحدود التي ينبغي ألاّ نتعداها ، وعن هذه الحدود التي ينبغي ألا نصل إليها ، أن يكون بيننا وبينها هامش أمان ، هذه لو خولفت لرأيت مفاسد لا تعد ولا تحصى ، يقول الله عز وجل يصف النساء المؤمنات الطاهرات :
[ سورة النور : 31]
الزينة التي شرحها العلماء التي يمكن أن تبدى لهؤلاء عبروا عنها بثياب الخدمة ، يعني الرأس واليدين إلى المرفقين ، واليدان إلى المرفقين وما تحت الركبة هذه سماها العلماء ثياب الخدمة ، فالمرأة أمام أبيها وأخيها وابنها وابن أخيها وابن اختها وعمها وخالها ينبغي ألاّ تظهر أمامهم بما يزيد عن ثياب الخدمة ، فإن تكشفت ، وإن أبرزت بعض مفاتنها ، ولو لمحارمها نتج عن هذا أضرار وأضرار ، ولو أنكم مطلعون عما يجري من مشكلات يعاني منها المسلمون بسبب عدم تطبيق هذه الآية لهالكم الأمر ، ولكن كل واحد يعنيه من المجتمع ما هو متصل به ، أما كصورة شمولية لما يجري في المجتمع فهذه حدود الله ، وحينما يفهم المؤمن أن هذه الحدود هي حدود لسلامته ، وليست حدوداً هي ضمان لسلامته ، وليست حداً من حريته يكون فقيهاً ، وإذا أحب الله عبداً فقهه في الدين .
من علامات الفقه في الدين أن ترى أن حدود الله ليست حدوداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسعادتك .
فكل انحراف في البيوت ، أو بين الأقارب ، أو بين النساء أنفسهن ، لأن عورة المرأة على المرأة كعورتها على محارمها بالضبط ، فما لم تراعَ هذه الحدود في عورة المرأة على محارمها ، وعلى بنات جنسها فإن مفاسد لا تعد ولا تحصى قد تتفجر من هذا التقصير ، والأمثلة أيها الإخوة كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى .
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير .
و الحمد لله رب العالمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله نحمده ، ونستعين به ، ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مُضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله ، سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علِّمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الإخوة الكرام : لاشك أنكم تعلمون أن قلقاً عاماً أصاب العالم الإسلامي ، قلقًا على أرزاقهم ، و قلقًا على ثرواتهم ، وقلقًا على أمنهم ، وقلقًا على وجودهم ، القلق أيها الإخوة كالملح في الطعام ، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، القلق في حدوده المعتدلة ضروري ، لأنه باعث إلى النجاح ، لكنه إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده ، فالقلق على الحاضر والمستقبل ضروري ، ولكن في حدود ، حيث لا ينتهي هذا القلق بالإنسان إلى التعاسة و السوداوية والتشاؤم والشقاء ، لكن بعض الناس أيها الإخوة يهرب من القلق ، ولا يواجهه فيقع في قلق أشد ، ويقع في مصيبة أكبر ، هذا شأن النعامة تغمس رأسها في الرمل وتتجاهل الأخطار المحدقة بها .
هناك من لا يقلق ، وهو ساذج ، وهناك من يقلق وهو مبالغ ، فالمبالغة في القلق تدمر الحياة النفسية ، وترك القلق كلياً سذاجة وبلاهة ما بعدها بلاهة .
أيها الإخوة : من وسائل دفع القلق ألا تكلف نفسك فوق ما تستطيع ، لا على مستواك الشخصي ، ولا على مستوى الأمة ، فالذين يحملون أنفسهم هموماً أكبر من إمكانياتهم وطاقاتهم وأكبر مما خصهم الله بها من قدرات إنهم يدمرون أنفسهم .
أيها الإخوة : كطرفة ، يروى أن أعرابياً كانت عنده أَمة فقيل له : " هل تتمنى أن تذهب هذه الأمة ، وأن تكون خليفة المسلمين ؟ قال : لا والله ، قيل : ولمَ ؟ قال : أخشى أن تذهب الأمة ، ولا أكون خليفة المسلمين " ، عندك شيء حافظ عليه ، ليس هناك من إنسان إلا وعنده قدر من النجاح ينبغي أن يلتفت إليه .
ثانياً أيها الإخوة : من وسائل دفع القلق انظر إلى واقعك بعين الرضا ، ارض عن الله، يقول الله عز وجل :
[ سورة المائدة : الآية 119]
ارض عن الله فيما أقامك ، في كل ما أقامك ، في كل الحظوظ التي منحك إياها ، ارض عن الله في واقعك ، إن كان بالإمكان أن تحسن واقعك فافعل ، أما إذا بذلت المستطاع ولك واقع لا تتجاوزه فارضَ به ، رجل يطوف حول الكعبة يدعو ويقول : يا رب هل أنت راض عني ، فكان وراءه الإمام الشافعي قال : يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال له : سبحان الله كيف أرضى عن الله وأنا أتمنى رضاه ؟ فقال الإمام الشافعي : إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله عز وجل .
اقبل واقعك ، اقبل إمكاناتك ، اقبل من حولك ، هؤلاء قدرك ، الرضا يسبب السعادة ويبعد القلق .
أيها الإخوة الكرام : لا تقسوا على أنفسكم ، إن لنفسك عليك حقاً ، فلا تحملها فوق ما تطيق ، لا يعني أن تستسلم ، ولا يعني أن تكون شقياً ، هذا مما يدفع القلق ، لكن هذا لا يمنع أن تكون طموحاً ، من أروع ما قاله سيدنا عمر بن عبد العزيز قال : " إن لي نفساً تواقة ، تاقت إلى الإمارة ، فلما بلغتها تاقت إلى الخلافة ، فلما بلغتها تاقت إلى الجنة " .
مرة ثانية أيها الإخوة : ما منا واحد إلا وقد حقق قدراً من النجاح ، هذا القدر من النجاح ينبغي أن يشكر الله عليه ، ينبغي أن يستوعبه ، ينبغي أن يستمتع به ، ينبغي أن يحمده، يحمد الذي أعطاه هذا النجاح ، لذلك من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي أكثر منه فقد حقّر ما عظمه الله :
[ سورة النساء : الآية 113]
إذا كنت قد اهتديت إلى الله ، قد طبقت شرع الله عز وجل وأنت على عقيدة سليمة فهذه نعمة عظمى يفتقر إليها معظم المسلمين في البلاد .
من علامات الرضا عن الله أنك لا تحقد على أحد من الناس ، فالله عز وجل فضله واسع و عميم ، فالزوجة التي ترى أختها لها زوج غني ينبغي ألا تحقد عليها :
[ سورة المائدة : الآية 54]
المطلقة إذا قابلت زوجة سعيدة ينبغي ألا تحقد عليها ، فضل الله عظيم يؤتيه من يشاء، البنت التي خطبت أختها ولم تخطب ينبغي ألا تحقد عليها ، الحقد والحسد من علامات ضعف الإيمان .
شيء آخر : لا تعش الماضي أبداً ، ما مضى فات ، الندم على الماضي والحديث عن الماضي ، وما فاتك فيه من فرص هذه كلها متاعب لا تقدم ولا تؤخر ،
ما مضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها
يروى أن ابن حزم رحمه الله تعالى نظر إلى الناس مسلمهم وكافرهم ، برهم وفاجرهم، عربهم وعجمهم ، فقال : رأيتهم قد أطبقوا واتفقوا على أمر واحد ، هو أنهم جميعاً على مطلب واحد يتعلق بمدافعة الهموم وإزالتها عن نفوسهم ، أنا أعبر عن هذه الفكرة بالعبارة التالية : من ستة آلاف مليون من بني البشر ما منهم واحد إلا و يتمنى السلامة والسعادة ، هذا مطلب ثابت لكل بني البشر ، ابن حزم رحمه الله تعالى قال : ثم بحثت عن سر ذلك ، وعن أعظم ما يتحقق به دفع الهم والغم فلم أجد أعظم من عبادة الله تعالى ومن محبته والانطراح بين يديه ، فعلمت بذلك أن هدي الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام قد احتوى على طرد الهموم في الدنيا وفي الآخرة ، لأن الله عز وجل يقول :
[ سورة الطلاق ]
لذلك قالوا : توقع المصيبة مصيبة أكبر منها ، أنت من خوف المرض في مرض ، من خوف الفقر في فقر ، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها .
أيها الإخوة الكرام : من علامة استقامتك على أمر الله أنك بعيد عن القلق للمستقبل ، وعن الخوف منه ، وعن الندم عما مضى ، بدليل أن الله عز وجل يقول :
[ سورة فصلت : 30]
لا تخافوا من المستقبل ، ولا تحزنوا على الماضي ، ففي آية واحدة غطي الماضي والمستقبل :
[ سورة فصلت : 30]
قال بعض الحكماء :
دع الـمقادير تجري في أعنتها و لا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين و انتباهتها يغير الله من حال إلى حال
أحد العلماء قال : ضاق بي أمر أوجب لي هماً وغماً لازماً دائماً ، و قد أخذت أبالغ ، وأفكر كيف أتخلص من هذا الأمر بكل حيلة وبكل وجه ، فما رأيت طريقاً للخلاص منه ، ثم عرضت لي الآية الكريمة :
[ سورة الطلاق : 2]
فعلمت أن التقوى سبب للمخرج من كل هم و غم .
أيها الإخوة الكرام : لو ألقينا نظرة سريعة على تاريخ هذه الأمة ، لقد بلغت ذروة صعودها في قرون الخيرية التي أشار إليها النبي عليه الصلاة والسلام ، فعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ...)) .
[ البخاري ، مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ]
وقد بشر النبي عليه الصلاة والسلام أن الله سبحانه وتعالى لا يهلك هذه الأمة هلاك استئصال ، ولكن هلاك ضعف ، تضعف وتقوى ، تكبو وتقف ، لذلك عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
((لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ ...)) .
[ مسلم ، الترمذي ، أبو داود ، ابن ماجه ، أحمد ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا)) .
[ أبو داود ]
أيها الإخوة : في أيام الأزمات الحالكات قد ينسى المسلم خصائص هذا الدين العظيم ، هذا الإسلام أيها الإخوة الذي شرفنا الله به ، وأكرمنا به هو الدين الخاتم ، هو آخر صلة بين السماء و الأرض ، هو المهيمن على جميع الديانات و الرسالات :
[ سورة الأعراف : الآية 158]
[ سورة الأنبياء : الآية 107]
هذه الأمة التي ننتمي إليها تملك منهجاً وحيداً صحيحاً لن تمتد إليه يد البشر بالتزوير أو التحريف ، وقد تكفل الله عز وجل بحفظ هذا الدين ، وهذا الدين هو الوحيد القادر على إصلاح ما فسد في حياة البشرية جمعاء ، هذه الأمة التي ننتمي إليها تمتلك المنهج الوحيد الذي له رصيد من التجربة ، لقد طبق هذا المنهج و بلغت به هذه الأمة أوج العلياء والتفوق ، هذه الأمة من خصائص منهجها أنها قادرة على استيعاب غير المسلمين داخلها وفق معايير منطقية ومقبولة وقابلة للتطبيق ، ليس على أساس التناقض والتضاد والكيل بمكيالين ، فالتقوى أساس التفاضل بين المسلمين ، والبر والإحسان أساس التعامل مع غيرهم .
أيها الإخوة الكرام : هذه الأمة لا ترى الدنيا هي كل شيء كغيرها من الأمم ، الدنيا مزرعة الآخرة ، هذه الدنيا يعطيها الله لمن يحب ، ولمن لا يحب ، ولكن الآخرة وعد صادق ، يحكم فيه ملك عادل ، ما هي مصادر قوة هذه الأمة ؟ هذه الإيجابيات غفل عنها المسلمون ، مصادر قوة هذه الأمة الله عز وجل ، سبحانه و تعالى أكبر وأعز من أن يتخلى عن عباده المؤمنين ، لقد اتصف الله سبحانه و تعالى بكل صفات الكمال والعزة والقهر والقوة والجبروت، بيده مقاليد الأمور ، إليه يرجع الأمر كله ، هو الذي إذا أراد شيئاً أن يقول له : كن فيكون ، هو الذي يغير ، ولا يتغير ، يحيي ويميت ، هو المعز ، وهو المذل :
[ سورة محمد : الآية 7]
يجب أن يكون الأمل معقوداً على الله وحده ، ومن إيجابيات هذه الأمة أن الكتاب والسنة ما إن نتمسك بهما فلن نضل بعدهما أبداً ، من خصائص هذه الأمة أن المنهج الإلهي منهج كامل شامل ، واقعي وسطي ، مرن عالمي ، رباني متوازن ، يلبي نداء الفطرة ، ولا يتصادم معها ، وهو الذي طبق في حياة البشر ، فحلق بهم في سماء المثل والقيم ، وأحاطهم بأخلاقيات و محاسن لم تر البشرية نظيراً لها .
أيها الإخوة : قرأت قصة عن سفينة غرقت و نجا بعض ركابها بقارب النجاة ، وكانوا يزيدون على خمسين إنساناً ، من أجل التقاتل على الماء المحدود في هذا القارب قتل بعضهم بعضاً ، ولم يصل منهم إلا اثنان إلى الشاطئ ، أما في تاريخ هذه الأمة أربعة جرحى على وشك الموت فجاء من يسقي أحدهم فأشار إلى أخيه لعله أحوج مني إلى الماء ، فانتقل إلى الثاني فأشار إلى أخيه فانتقل إلى الثالث ، فأشار إلى أخيه ، ثم مات الثالث ، عاد إلى الثاني فرآه قد مات ، وعاد إلى الأول فرآه قد مات ، هذا المجتمع الإسلامي فيه خصائص كبيرة جداً، من ضعف المسلمين اليوم ، ومن تكالب أعداء المسلمين عليهم كأنهم غفلوا عن خصائص دينهم .
أيها الإخوة الكرام : من عوامل قوة هذه الأمة أنها أمة واحدة ، ربها واحد ، إلهها واحد ، نبيها ، واحد ، قرآنها واحد ، مبادئها واحدة ، قيمها واحدة .
أيها الإخوة : من عوامل قوة هذه الأمة أنهم يقتربون من ثلث سكان الأرض ، ويحتلون أهم المواقع الجغرافية ، و بيدهم ثروات طائلة ، هذه كلها إيجابيات هذه الأمة .
أيها الإخوة الكرام : ولا يسعني في الحديث عن قيمة هذه الأمة ، وعن قيمة دينها ، ومبادئها أن هذا العالم الذي هداه الله إلى الإسلام في أمريكا ، وقد زار بريطانيا ، والتقى بالجالية الإسلامية فقال : أنا لا أصدق أنه في المدى المنظور يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب لاتساع الهوة بينهما ، ولكنني مؤمن إيماناً قطعياً أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين إذا أحسنوا فهم دينهم ، وأحسنوا تطبيقه ، وأحسنوا عرضه ، لأن في هذا الإسلام العظيم خلاص البشرية .
إن البشرية الآن تتخبط ، فلا المادة أسعدتها ، ولا الجماعية أسعدتها ، ولا الفردية أسعدتها ، ولا الشرق أسعدها ، ولا الغرب أسعدها ، ولا الخرافة أسعدتها ، ولا الملذات أسعدتها ، إن كل المبادئ الوضعية هي في الوحي الآن ، ولم يبق في ميدان المبادئ والقيم إلا الإسلام ، مع أن الإسلام يحارب في كل بقاع الأرض .
أيها الإخوة الكرام : هناك مرض خطير ذكره الله في القرآن الكريم اتصف به بعض أهل الكتاب ، يقول الله عز وجل :
[ سورة البقرة : الآية 246]
أي حالة مرضية أن الإنسان يتحمس إلى شيء لا يستطيعه ، لكنه يغفل عن حجم صدقه ، و عن حجم إصراره ، وعن حجم قدرته :
[ سورة البقرة : الآية 246]
تمنيات المسلمين كثيرة جداً ، ولكنك إذا وضعتها على المحك تراجع المسلمون عن هذه التمنيات ، في مجالسهم يتكلمون ، يتصايحون ، ينظرون ، يقيمون ، يتراشقون التهم ، أما السلوك العملي هو المحك :
[ سورة البقرة : الآية 246]
فالحديث لا قيمة له ، و النقد لا قيمة له ، و التنظير لا قيمة له ، و أن تنصب نفسك وصياً على المسلمين لا قيمة له ، حجمك عند الله بحجم عملك لا بحجم تمنياتك ، لا بحجم طموحاتك، لا بحجم مركزك ، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
أيها الإخوة :
[ سورة البقرة : الآية 247]
أين الاستسلام لله ؟ أين الرضا بما خصك الله به ؟
[ سورة البقرة : الآية 247]
أرأيتم إلى هذه المقاييس التي تحكم هؤلاء ، قال :
[ سورة البقرة : الآية 247]
أيها الإخوة : هؤلاء القلة الذين ساروا مع طالوت أمامهم امتحان آخر ، هذا الامتحان :
[ سورة البقرة : الآية 249]
التمنيات مع الله لا تجدي ، لا يجدي مع الله إلا أن تكون صادقاً ، لذلك عطاء الله عز وجل ربط بالسعي :
[ سورة الإسراء : 19]
}فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا{ .
[ سورة الكهف : 110]
أيها الإخوة الكرام : هذا نموذج بشري ، في حالات الرخاء نتمنى أن نفعل ، وأن نفعل ، فإذا وضعنا على المحك تراجعنا ، هذا التراجع دليل ضعف النفس ، فهذا الذي يتبجح ، ويعلو صياحه قد يكون أشد الناس خوفاً حينما تأتي الأزمة الحقيقية .
أيها الإخوة الكرام : مثل آخر من حياة المسلمين : قال تعالى :
[ سورة النساء : 77]
هذا مرض متفشٍّ في المسلمين ، الصياح والضجيج والحماس ، ثم عند المحك الحقيقي التراجع والخمول ، فينبغي أن نعلم أنفسنا ، ينبغي أن نحيط علماً بقدراتنا ، ينبغي ألا نتطاول على أحد ، ينبغي أن نعرف حجمنا ، وأن نقف عنده ، فرحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده .
أيها الإخوة الكرام : كأنه يستنبط من أن أشد الناس حماسة واندفاعاً قد يكونون هم أشد الناس جزعاً وانهياراً وهزيمة عندما يجد الجد .
يقول بعض الأدباء : " لي صديق كان من أعظم الناس في عيني ، وكان رأس ما عظمه في عيني صغر الدنيا في عينيه ، فكان خارجاً عن سلطان بطنه ، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد ، و كان خارجاً عن سلطان الجهالة ، فلا يتكلم بما لا يعلم ، ولا يماري فيما علم ، وكان أكثر دهره صامتاً ، فإذا تكلم بزّ القائلين ، وكان يرى ضعيفاً مستضعفاً ، فإذا جد الجد فهو الليث عادياً " .
يكاد المسلمون يشكلون ظاهرة صوتية ليس غير ، حماس واندفاع وصوت مرتفع وتهديد ووعيد وإدانة واستنكار ، وفي النهاية لا يفعلون شيئاً ، هذا مرض اجتماعي أصيب به بنو إسرائيل ، و قد ذكرت قصتهم ، وأصيب به بعض المسلمين ، فحجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، أقلل من الكلام ، وأكثر من العمل ، اسأل نفسك كل يوم : ماذا قدمت للمسلمين؟ لا ماذا قلت ؟ لا ماذا تبجحت ، ماذا قدمت للمسلمين من عمل ، لأن الله عز وجل يقول :
[ سورة التوبة : 105]
و يقول أيضاً :
[ سورة النعام : 132]
و أروع ما في القرآن : إن القيم التي ذكرت في القرآن ، وعدت أساس الترجيح بين المسلمين هي قيم العلم وقيم العمل :
[ سورة الزمر : 9]
[ سورة المجادلة : 11]
و لأن العلم طريق للعمل الصالح ، ثم يقول تعالى :
[ سورة النعام : 132]
فما لم نعتمد في حياتنا العلم والعمل لا يمكن أن نتفوق ، وما لم يُقيم الإنسان فقط بعلمه وعمله لا بحسبه ولا بنسبه ولا بإنجازاته الموهومة فلن يتقدم هذا المجتمع .
أيها الإخوة الكرام : تنبيه قرآني دقيق ، يقول الله عز وجل :
[ سورة الأنعام : 108]
أنت حينما تفعل شيئاً ، ويسبب هذا الشيء متاعب لا حصر لها للمسلمين ، أنت في النهاية ما فعلت شيئاً ، بل كنت سبباً في إلحاق الأذى الشديد بالمسلمين ، فهذا العمل غير المدروس و غير المؤصّل بالأدلة الشرعية ربما سبب متاعب لا تعد ولا تحصى .
أيها الإخوة الكرام : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
أيها الإخوة الكرام : حقيقة دقيقة أرجو الله أن أوضحها لكم ، ما من شيء نهى الله عنه أو نهى رسوله عنه إذا خولف له مضار لا تعد ولا تحصى في الحياة النفسية والاجتماعية، هذه الآيات القرآنية التي تتحدث عن الحدود التي ينبغي ألاّ نتعداها ، وعن هذه الحدود التي ينبغي ألا نصل إليها ، أن يكون بيننا وبينها هامش أمان ، هذه لو خولفت لرأيت مفاسد لا تعد ولا تحصى ، يقول الله عز وجل يصف النساء المؤمنات الطاهرات :
[ سورة النور : 31]
الزينة التي شرحها العلماء التي يمكن أن تبدى لهؤلاء عبروا عنها بثياب الخدمة ، يعني الرأس واليدين إلى المرفقين ، واليدان إلى المرفقين وما تحت الركبة هذه سماها العلماء ثياب الخدمة ، فالمرأة أمام أبيها وأخيها وابنها وابن أخيها وابن اختها وعمها وخالها ينبغي ألاّ تظهر أمامهم بما يزيد عن ثياب الخدمة ، فإن تكشفت ، وإن أبرزت بعض مفاتنها ، ولو لمحارمها نتج عن هذا أضرار وأضرار ، ولو أنكم مطلعون عما يجري من مشكلات يعاني منها المسلمون بسبب عدم تطبيق هذه الآية لهالكم الأمر ، ولكن كل واحد يعنيه من المجتمع ما هو متصل به ، أما كصورة شمولية لما يجري في المجتمع فهذه حدود الله ، وحينما يفهم المؤمن أن هذه الحدود هي حدود لسلامته ، وليست حدوداً هي ضمان لسلامته ، وليست حداً من حريته يكون فقيهاً ، وإذا أحب الله عبداً فقهه في الدين .
من علامات الفقه في الدين أن ترى أن حدود الله ليست حدوداً لحريتك ، ولكنها ضمان لسعادتك .
فكل انحراف في البيوت ، أو بين الأقارب ، أو بين النساء أنفسهن ، لأن عورة المرأة على المرأة كعورتها على محارمها بالضبط ، فما لم تراعَ هذه الحدود في عورة المرأة على محارمها ، وعلى بنات جنسها فإن مفاسد لا تعد ولا تحصى قد تتفجر من هذا التقصير ، والأمثلة أيها الإخوة كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى .
اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام ، وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، اللهم وفق السيد رئيس الجمهورية بشار الأسد لما فيه خير البلاد والعباد ، وهيئ له بطانة خير ووزراء صدق ، يا رب العالمين ، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير .
و الحمد لله رب العالمين