عرض الإصدار الكامل : رؤية لاصحاب العقول فقط


علي علوم
14-08-2007, 05:18 PM
"تيار بديل"، اسم كتاب وتيار كان لأصحابه علاقة تجمعهم بالإخوان، ثم انشقوا عنهم مؤخرا. والمعلومات المتاحة من داخل الإخوان تؤكد أن هؤلاء الفتية لم يدخلوا إلى الدعوة كافة، ولم ينغمسوا داخل تفاصيلها، ولكن الدكتور علي عبد الحفيظ مؤلف الكتاب وقائد الفتية والتيار "إخوان علي" أكد أنه وإخوانه خبروا الدعوة جيدا، ويكفي أن قائدهم سجن عاما ونصف مع الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد العام للإخوان المسلمين، على إثر "لقاء" تواجدا فيه سويا في مدينة أسيوط.

لم يجد من الإخوان قبولا، ولا من نفسه تفهما لعدم استجابتهم، فانسحب من الجماعة ولزم بيته.

والدكتور علي عبد الحفيظ من مواليد 1974م، خريج آداب سوهاج عام 1996 بمرتبة شرف، ومُنع تعيينه في آداب أسيوط وسوهاج، وعُين معيدا في كلية التربية بالوادي الجديد سنة 2001. حصل على الماجستير عن موضوع التفكير الفقهي عند الإمام النووي في كتابه "المجموع"، ثم اعتقل مع الدكتور محمد حبيب عاما ونصف، ثم خرج من السجن وطرح أفكاره الخاصة بتجديد الجماعة، وحصل على الدكتوراه في السلطة التشريعية في الفقه الدستوري.

والكتاب هو حصيلة مدارسات - كما يقول صاحبها - تحاول الاقتراب من الظاهرة الإخوانية، وفكر الصحوة بشكل عام، وهي تحتوي على ثلاثة أقسام: أولها يتناول فقه الأزمة، والثاني عن الدولة ومكوناتها المدنية، والثالث ذو بعد إنساني يقترح فيه مشروع عالمي للسلام.

ما عرضه علي عبد الحفيظ في هذا الكتاب، هو – كما يقول - طرح تقدم به لقيادة جماعة "الإخوان المسلمين" في صيف 2005، بعد أن ناقش عناصره داخل الجماعة سنين، ولما لم يجد منهم قبولا، ولا من نفسه استعدادا لتفهم عدم استجابتهم، انسحب من الجماعة ولزم بيته ومكتبته.

النهوض التائه

انفصل الإخوان عن آباء النهضة المؤسسين، وانشغلوا بأفكار هامشية عن فكرة النهضة.

القسم الأول من الكتاب حوى ثلاثة فصول، في الفصل الأول "النهوض التائه"، تحدث المؤلف عن مشروع النهضة وآبائه المؤسسين: الطهطاوي، والأفغاني، ومحمد عبده، معتبرا أن أسوأ ما يمس فكر الإخوان والحركة الإسلامية عموما هي فكرة الانفصال عن هؤلاء الآباء المؤسسين، حيث انشغلت هذه التيارات بأفكار هامشية عن فكرة النهضة.

ولاحظ عبد الحفيظ أن هؤلاء الآباء لم يكن لديهم أي إشكال في استقبال فكرة النهوض من الغرب، وكان لديهم انسجام بين أسسهم الفكرية والمستقدم الحضاري، وأن هذه المستقدمات التي نالت إعجابهم مثل التجربة الديمقراطية والنموذج السياسي، هي من أهم ما يجب الاستفادة بها من الغرب، حيث آمنوا أن لدينا افتقارا في البحث السياسي بشكل عام، رغم وجود تنظيرات جادة في هذا الشأن.

وأشار عبد الحفيظ إلى شجاعة هؤلاء المؤسسين الذين لم يصابوا بالهوس المرضي والخوف على الدين كما هو حادث اليوم، كأن آية الحفظ ما أنزلت، أو أن الدين تحول إلى لون من الكحول سهل الطيران!!.

بعض الحركات الإسلامية نزلت على الضرورات التي تمليها الحزبية من دعم لقيادات، بغض النظر عن تقدمها الفكري أو الفقهي.

ثم شرع عبد الحفيظ في إنشاء جدلية فكرية تتلاقى عندها تأسيسات الطهطاوي - باعتباره أبا للديمقراطية – مع خير الدين التونسي الذي حذر من رفض تجارب الأمم الأخرى لاسيما غير المسلمين، وينقل عنه قاعدته الذهبية أن "كل ما يؤول إلي خير الأمة من توسيع لحدود المعرفة وتوفير شروط الازدهار المدني إنما يتوافق مع الإسلام ومقاصده".

ثم نظر صاحب "تيار بديل" إلى الأفغاني بحسبانه رافع لواء تمكين الشعوب الإسلامية من إدارة حقوقهم السياسية والدستورية، من خلال الشورى والانتخاب، والإمام محمد عبده الذي كان من إحدى نتائجه أن يظهر التوافق بين الإسلام والفكر الحديث، وأن تتحول المصلحة إلى منطق، والشورى إلى ديمقراطية، وأن الإسلام كنظام هو مرادف للمدنية الحديثة.

وتحدث المؤلف عن الكواكبي معتبرا مقولته: "الاستبداد جرثومة كل فساد" مقولة تأسيسية، وأن التقدم مرتبط بالمحاسبة، والتخلف مرتبط بالفوضى. ثم مد المؤلف خيطا إلى الشيخ رشيد رضا بوصفه من أعاد الاعتبار للحقيقة الاعتقادية، والأصولية للتجديد، والتي ربما يجب أن تأخذ حضورها عند المسلمين، ولكن هذا الحضور لتحقيق هدف النهضة.

وهنا خلص المؤلف إلى نتيجة مهمة: أن إرادة التأسيس العربي انطلقت من بواعث النهوض الغربي، وهو الثورة والإصلاح الديني، بالطريقة العمرية لا بطريقة عصور الانحطاط، وتفسير الدين من منظور حقوق الإنسان لا حقوق الله، حيث تُقرأ التكليفات الشرعية على قاعدة الإرشاد لا قاعدة الجبر والإلزام، وأن أعمال الإنسان ليست في خدمة الله وحسب، بل في خدمة مدنية الإنسانية المزدهرة.

حسم القراءة وحسم التوجه

منطق (الإسلام في خطر)، لا يراعي "الحفظية" المتواترة بالنصوص، ولا استحالة اجتماع الأمة على الضلال.
وفي مبحث "إلى حسم القراءة" كان رأي عبد الحفيظ أن نظرة آباء النهوض هي ذات نظرة الصحابة الذين التزموا كلمة العقل والمنطق مع معطيات العصر، وعلى هذا جمعوا القرآن، وقاتلوا مانعي الزكاة، معتبرا أن تدين الأوامر والنواهي والرسوم والشكليات هو ارتداد إلى ما قبل الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.

أما في "حسم التوجه"، انتقد الكاتب أخذ الحركات الإسلامية على عاتقها مهمة الدفاع عن الصلاحية السياسية والحضارية للإسلام، وهي جماعات خارج حدود الأزهر الشريف، مما أفقدها - في رأيه – أبرز مقومات سلامتها، وهو قيام فقيه مستبصر بشأن رعايتها، مما جعلها تنزل على الضرورات التي تمليها الحزبية من دعم لقيادات بغض النظر عن تقدمها الفكري أو الفقهي، وقال: "وزاد الطين بلة أن هذه الحركات قنعت بأن من مهامها السعي نحو استعادة الوحدة السياسية للمسلمين، وهي التي لم تكن أبدا مؤهلة، لا على القيام على شأن الإرشاد الديني، ولا على القيام بالعبء السياسي!".

والتوجه الصحيح - كما يراه الكاتب - هو إصلاح سياسي وإصلاح ديني، يسفر عن جبهة أشبه بالحزب الوطني القديم، الذي أنشأه الأفغاني - أو ساهمت جهوده في إنشائه - كتجمع للناشطين والمفكرين المتجهين بالأصالة لمعالجة الهم السياسي، وذلك – في رأيه - هو اتجاه النهوض المنصب على إصلاح المعضل الأساسي في حياة الناس كل الناس، وهو المعضل السياسي، وإصلاح الإسلام لا عودته؛ لأن الإسلام حي في ضمير الجماعة الإسلامية مسلمين وغير مسلمين، ثم علينا بعد ذلك - بحسب المؤلف - أن تقوم بواجباتنا نحو الإنسانية، باعتبار أن سقوطنا سقوط لقيم إنسانية كبرى.

الردة الكبرى

تيارات الأسلمة تصدى لقيادتها أناس بعيدون عن السلوك الحميد، وتحولت إلى كيانات في غاية الكبر والتعصب مهما ظهر لها من خطأ ما هي عليه.

في الفصل الثاني تحدث الكاتب عن مفهوم "الردة الكبرى"، معتبرها ردة العقل، التي هي - في رأيه – أسوأ من ردة مانعي الزكاة، حيث أكد أن إراحة العقل مادة جذب قوي لكل العامة، ولدعم الساسة كل الساسة، في مختلف البيئات والعصور، فالعوام يميلون لإراحة عقولهم، وهم مفتونون بالغيب دون الشهادة، وبالباطن دون الظاهر، وبالخفاء دون العلن، خاصة الجماهير الشرقية الذين هم دراويش بالوراثة. وفي رأي عبد الحفيظ أن هذه هي الردة التي يجب أن تكافح.

وحاول عبد الحفيظ أن يقدم تعريفا للعقل العربي، ويراه عقلا وسطا، يقابل الهوى، ويجسد صورة الكمال الإنساني، وهو عقل يختلط بالحكمة، ويقترن بالمنفعة والعمل، فليس في الإسلام عقل في صومعة، بل هو عقل الواجب والنفع العام، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.

وهنا أشار الكاتب إلى أن استجابة العرب للمنطق الأرسطي وانصراف الهنود عنه يؤكد الطابع العقلاني للعرب، وأن فكرة سيطرة الوجدان على العقل ليست حقيقة مسلم بها، والأصل أن يتساوي العنصران: العقل والوجدان، في بناء الشخصية.

حرب استمالة العوام

تحت هذا العنوان، انتقد صاحب "تيار بديل" الحرب التي نشأت بين بعض التيارات الإسلامية لتجييش واحتشاد العوام عن طريق إثارة الخوف والقلق على الدين (الإسلام في خطر)، معتبرا أن هذا المنطق لا يراعي "الحفظية" المتواترة بالنصوص، واستحالة اجتماع الأمة على الضلال، ومن ثم انصبت جهود الحركات الدعوية على مخاطبة الوجدان بعد أن فسد العقل، مما حول حياة المسلمين إلى قلق دائم غمر حياتهم، وشوشر على أنماط تفكيرهم.

وعرَّف عبد الحفيظ هذه الجماعات - على تنوعها - بأنها جماعة من المحافظين من ذوي التوجس من كل شأن يؤثر على استقرار الدين داخل الجماعة المسلمة، ويرى أن هذه مسألة قديمة وقع فيها بعض علماء السلف، مثل أبي حامد الغزالي، وكلهم مبعثهم فكرة الخوف على العامة، وهو نفس الخطاب الذي يراه سائدا عند "الإخوان المسلمين"، وقال: "يوما ما كتبت إلى نائب مرشد الإخوان – بعيد تقدم الإخوان بمبادرتهم للإصلاح السياسي فيما عرف بمبادرة المرشد العام للإخوان المسلمين – راجيا أن يتحلى خطاب الإخوان مع جماعتهم الواسعة (المصريين) بما هو واجب، فليس من المقبول ولا من السائغ أن يصرح المرشد بأن مهمته هو وجماعته "تربية الشعب"!! فلولا أنهم عدلوا عن ذلك إلى القول: "إن مهمتنا هي تربية أنفسنا وإصلاح سرائرنا، واعتبار ذلك دعاية خير إذا نجح"، لكان أزكى لهم وأقوم.

الآثار الخلقية والفكرية للتحول

شباب مصر ممزق الآن بين إسلاميين بلا عقل، ونخبة بلا حياء.

ثم حاول الدكتور عبد الحفيظ رصد الآثار الخلقية والفكرية الناتجة عن تحول العربي من النظرة الحرة إلى نظرة فأر صاغر مستسلم، يرى أن الحق هو ما عليه أصحابه، ويسلم ذقنه لكل من يبدأ حديثه بـ "قال الله .."، معتقدا أن التفاف الناس حول الحركات الدينية كان مبعثه فكرة الحشد وإثارة القلق، ففي مثل هذه الأجواء لا تكون هناك حوارات أو تساؤلات كالتي حدثت بين الصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية، حيث سارع القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم ببيان أسباب الموافقة على الصلح، دون توجيه أي لوم للمتذمرين المعترضين.

وقرر عبد الحفيظ أن النظرة الحرة التساؤلية مبعثها الطبيعة الحرة للعربي القديم، التي جعلته يتعاطى مع السماء على أنها جهة قابلة للأخذ والرد والتجاوب، حتى أن بعضهم ليطلب منها إضافة أو حذفا أو تشديدا أو ترخيصا، فتستجيب له في علاقة لم تعرف البشرية على طول تاريخ الأديان لها مثيلا، إلا أن هذه النظرة استحالت إلى علاقة أصبح صميمها أن السماء قد أمرت وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط، وعلى المخلوق أن يقتنع بالقسمة والنصيب.

وقال: "هنا تصبح الأخلاق قوامها الواجب الظاهر، لا السعادة الضميرية، والفرق هو في عليّة الصواب، أي أن الفرق متمثل في الإجابة على سؤال: هل يرضينا فعل الصواب لأن سلطة عليا أمرتنا به فصدعنا بأمرها، أو أننا نشعر بالرضا لأننا فعلنا الصواب انطلاقا من قناعاتنا الضميرية؟".

وقد مهدت هذه الحالة – على حد قول عبد الحفيظ – لسيئي الخلق وأصحاب الفكر المعوج سبيلاً عريضا للتقدم في صدارة التيارات بسبب يسر امتلاك زمام الشكلانية، وأصبح من الظاهر اليوم أن تيارات الأسلمة قد تقدم لقيادها أناس بعيدون عن السلوك الحميد، وتحولت إلى كيانات في غاية الكبر والتعصب مهما ظهر لها من خطأ ما هي عليه.

وانتهى المؤلف في هذا السياق إلى أن العلاقة بين الإنسان وبين الله تبدلت بحيث لم تصبح العلاقة بين الطرفين علاقة تبادل بالأخذ والعطاء، بل علاقة حاكم بمحكومين، وعلى هذا الأساس يصبح الشغل الشاغل لهذه التيارات تقييم ورصد السلوك الإنساني والانشغال به عن متابعة ورصد سلوك الطبيعة من حولهم.

أزمة شباب مصر

شمولية الإسلام هي شمولية إرشاد لا شمولية تنفيذ، فالتنفيذ افتئات على الجماعة الإسلامية الكبرى.

في الفصل الثالث يلخص المؤلف أزمة شباب مصر في عبارة مفادها أن هؤلاء الشباب ممزقون الآن بين إسلاميين بلا عقل، ونخبة بلا حياء!.

وهنا قرر علي عبد الحفيظ أن ما يناقشه في هذا الكتاب هو طرح تقدم به لقيادة جماعة "الإخوان المسلمين" في صيف 2005، بعد أن ناقش عناصره داخل الجماعة سنين، ولما لم يجد منهم قبولا، ولا من نفسه استعدادا لتفهم عدم استجابتهم، انسحب من الجماعة ولزم بيته ومكتبته.

ويتمثل ملخص الأفكار التي قدمها عبد الحفيظ للإخوان في التالي:

1- ضرورة أن تتوقف الجماعة عن فكرة تمثيل الهوية، فالهوية هي حس جامع لا ينبغي ألا يصادر من قبل فريق دون آخر، وعليه فلا يجوز أن يتأسس إصلاح سياسي على قاعدة أن فريقا من المصريين "إسلاميون"، وغيرهم ليسوا إسلاميين.

2- أن يعاد النظر في التنظير السياسي والعقيدة السياسية لكافة التيارات التراثية.

3- أن يتوقف الإخوان عن القول بأن الأستاذ حسن البنا يمثل المرجعية الكبرى للعمل للسياسي المؤسس على احترام الهوية، إذ إن هذا العمل هو سمة لمصر والمصريين قبل حسن البنا، وأنه أحد تلامذة مدرسة النهضة.

4- ليس من المعقول أن يتم تسويق البنا وأفضليته لمجرد أنه أنشأ تنظيما أو حزبا، إذ إن فكرة التحزيب لجماعة معينة في قبالة الجماعة الكبرى هي فكرة يشوبها الخطأ من كافة جوانبها الشرعية قبل السياسية، وقد دفع البنا ثمن ذلك من دمه، ومات عن أناس وصفهم قبل موته بأنهم ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين.

5- أن شمولية الإسلام هي شمولية إرشاد لا شمولية تنفيذ، فالتنفيذ افتئات على الجماعة الإسلامية الكبرى.

6- إذا أرادت جهة ما أن تنشغل بوظيفة التوجيه العام، فعليها أن تفرق بين أخذ الموقف وطلب المقعد.

7- أن استمرار الإخوان بالقيام بالواجب المستحق للدولة في الشمولية، سيعطي الدولة الحق في التخلص من هذه القوة دون مقابل.

8- وجوب استقالة المجموعات المهتمة بالسياسية من الإخوان، وأن تذهب إلى العمل في حزب أو مع أحزاب، واقترح عبد الحفيظ عليهم أن يتسموا باسم "الحزب الوطني المصري الحر"، وبين أن في هذا حلا لمعضل كبير للأزمة السياسية المصرية.

إلا أن الدكتور علي عبد الحفيظ بين أن هذه الأفكار قوبلت من قيادات الإخوان بنوع من السخرية وعدم الاكتراث!!.

الجماعة المصرية

لا ولاء ولا براء داخل الدولة، فالكل في إطار الوطن من الناحية السياسية مسلمون.

أما القسم الثاني من الكتاب فتضمن ثلاثة فصول، في الفصل الأول "الجماعة المصرية"، أوضح الكاتب أنه ليس أمامنا إلا أن نكون جماعة مصرية واحدة، أو جماعتين: مسلمة ومسيحية. وقال: "إننا في الحالة الأولى سنجلس كرجال دولة نبحث عن صالح البلد، وفي الثانية سنجلس كرجال عصابات!".

وطرح عبد الحفيظ محددات السيناريو الأول، وهو مفهوم "الجماعة الإسلامية"، حيث رآه مفهوما سياسيا لا دينيا، يدل على الدولة التي اصطبغت بالإسلام ثقافة وفكرا وسلوكا وحضارة، وأكد أن الإسلام فكرة تتجاوز الدين بالمعنى العقدي إلى منظومة ثقافية واجتماعية متكاملة، تتسع دلالته لتشمل كل المواطنين، باعتبارهم أفرادا تعاقدوا على العيش معا.

ومن ثم رفض عبد الحفيظ كل ما يعتبر حاجزا دون التفاعل مع الحضارات الأخرى، مثل "الولاء والبراء" فلا ولاء ولا براء داخل الدولة، فالكل في إطار الوطن من الناحية السياسية مسلمون، أما خارج الدولة فهو أمر خاص بها يترتب حسب أوضاعها.

الدولة مدنية

القول برجعة الخلافة تجارة بالدين، وإفساد لعقول الخلق، والمطلوب استعادة الرشد لا رجعة الخلافة.

في الفصل الثاني تحدث المؤلف عن مدنية الدولة، معتبرا أن الدولة ضرورة، وأنها نشأت لحاجة، وليس هناك دين مسئول عن ابتكار الدولة، فالأديان – على حد قوله - تنزلت على أقوام ومجتمعات ودول، ومشروعية الدولة كمشروعية الطعام.

وهنا نوه الدكتور علي عبد الحفيظ إلى أن الخلافة قد انتهت بعد الراشدين، والقول برجعتها تجارة بالدين، وإفساد لعقول الخلق، والمطلوب استعادة الرشد لا رجعة الخلافة، لأنها نشأت في ظرف خاص ونادر، وأكد أن رفع شعار عودة الخلافة ما هو إلا مرض تاريخي.

وشدد عبد الحفيظ على أن الدولة الإسلامية كانت دولة مدنية قائمة على الشورى وتوسيد السيادة فيها للناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم شاور في شأن الوثيقة، وشاور في بدر، والتزم رأي الجماعة في الخروج لأحد.

وبالنسبة للتشريع أوضح المؤلف أن هناك معنيين: معنى عام، ويقصد به وضع أو استنباط القواعد العامة، وهي عملية نظرية، ومعنى خاص ويقصد به التعبير عن إرادة السلطة العامة، وإصدار القواعد القانونية الملزمة للناس، وحاول المؤلف في هذا السياق الاستشهاد بآراء بعض علماء السلف.

وظائف الدولة

في الفصل الثالث انطلق صاحب "تيار بديل" من عدة مفاهيم، يجب – حسبما يرى - أن تحدد وظائف الدولة، مثل الأمة وهم أصحاب الوطن ومن يتصلون بهم من شعوب وتاريخ وعادات وشعب، وهو ذلك الجزء من الأمة الكبيرة متعددة الشعوب.

واقترب عبد الحفيظ من بعض مكونات النظم السياسية المعاصرة، طالبا تفعليها من خلال ما يقدم من اجتهادات، مثل البرلمان، ومجلس الشيوخ، والهيئة القضائية، وحاول اقتراح تعريف للأمن السياسي والعسكري للدولة.

ثم تحدث المؤلف عن الأمن العلمي والتقني، والأمن الاقتصادي والاجتماعي، واقترح أن يكون عقد الزواج مدنيا تنظمه الدولة، وأن يلغى دور رجال الدين فيه، وألا يعترف بزواج خارج الدولة.
وبالنسبة للأزهر، اقترح عبد الحفيظ إنشاء جامعة للشريعة تدرس فيها العلوم العربية والإسلامية، وأصول الشريعة الرومانية والأنجلو سكسونية، وأصول القضاء المسلم وغير المسلم، ويسمح لكل من أراد الدراسة بهذه الجامعة أن يدرس فيها دون النظر لديانته.

حلف فضول معاصر

وفي نهاية كتابه "تيار بديل" تحدث الدكتور علي عبد الحفيظ، عن ضرورة تأسيس حلف فضول دولي يتبنى مشروع سلام عالمي، وأكد أن المشروع الحضاري الداعي لتفعيل الجامعة العربية يجب أن يتفاعل مع الجامعة الدولية، وأن تكون لنا شراكتنا الأصيلة لإخواننا في الإنسانية، وأنه لا معارضة بين التوجه العربي الإسلامي والتوجه الدولي.

نادية ملحيس
29-09-2007, 11:58 PM
معلومات جديدة بالنسبة لي

تحتاج اعادة قراءة

شكراً لك على مجهودك