عرض الإصدار الكامل : الجريمة... بين النظريات التقليدية والتفسيرات الحديثة


نادية ملحيس
04-06-2007, 11:42 PM
يمكن القول بأن أول تفسير لظاهرة الجريمة كان غيبياً,انطلاقاً من أن المحاولات الأولى لتفسير الظواهر المحيرة للأنسان,قبل ظهور العلم,كانت تعزى الى قوى خارجية غير مرئية.وعليه كان ينظر الى المجرم,في ذلك الزمان البعيد,على انه شخص تملكته روح شريرة,وهو تفسير ما يزال موجوداً في المجتمعات التي ينتشر فيها السحر،أعني المجتمعات المتخلفة,التي تعزو الأنحراف والجريمة الى إغراءات شيطانية أو استحواذ جني أو عفريت على عقل الأنسان وروحه.والخطير في هذا التفسيرالغيبي أنه لا يعد الفرد المجرم مسؤولاً عن جريمته,الامر الذي أدى الى ظهور تفسيرات جديدة أطلق عليها((التفسيرات الطبيعيةNaturalistic Explanation)),وقفت بالضد من التفسيرات الغيبية,وسخرت من أن يكون للأرواح الشريرة والشياطين أي دور في دفع الفرد نحو ارتكاب الجريمة,وقالت بأن الأفكار والأحداث الموضوعية والعلاقات القائمة في الواقع الذي يعيشه الفرد,هي المسؤولة عن ذلك.

وبظهور (علم الجريمة الكلاسيكي) Classical Criminology جرى تحول بشأن فهم الطبيعة البشرية,بتوكيده على أنها تمتاز بصفتين هما:العقلانية و الذكاء,تمكنان الفرد من اتخاذ قراراته وما يقوم به من أفعال,وانه يعمل وفقاً لمصالحه وليس اسيراً لقوى غيبية أو طبيعية.وعليه صار الإطار المرجعي يعزو الجريمة والأنحراف الى الأنسان نفسه وليس الى غيره،فكان أن ظهر القانون الجنائي.

وبينما أسس علم الجريمة الكلاسيكي فكره على الأرادة الحرة والعقلانية الانسانية,وأصرّ على العقوبة بهدف منع الجريمة والوقاية منها,ظهر علم (الجريمة الوضعي)Positive Criminology بوجهة نظر مناقضة تماماً تقوم على فكرة أن الأنسان غير حر في سلوكه,بسبب عوامل بيولوجية وحضارية تدفعه للقيام بأفعال خارج ارادته,بضمنها الانحراف والجريمة.فكان أن انضوى تحت هذا المنظور نوعان من الحتمية؛الأولى:الحتمية البيولوجية التي تنظر الى الصفات السلوكية بوصفها انعكاس لما يحمله الفرد من إرث وراثي,والثانية:الحتمية الثقافية التي ترى أن سلوك الأنسان ماهو الا انعكاس للخصائص الثقافية والاجتماعية والحضارية.

ثم ظهر في الستينات من القرن الماضي ما أطلق عليه (الفكر النقدي)Critical Thinking في السياسة والأقتصاد والتربية والأجتماع والقانون,تجنب أصحابه اشكالية ما اذا كان سلوك الانسان حراً أم حتمياً,وركزوا في أهمية مساهمة الفرد في صنع عالمه الأجتماعي,ونظروا الى الجريمة على أنها مجرد بناء اجتماعي,وان المجتمع وضع تعريفاً لها,وعلى وفق هذا التعريف يختار مجموعة من الأفعال والأفراد يجعلها موضوعاً لتعريفاته.وهو موقف ذاتي –على ما يرون– فالجرائم وصفات المجرمين تتحدد قانونياً وليس بناءً على وجهات وخلفيات المجرمين.ورأى بعضهم أن مفاهيم الجريمة والمجرمين ماهي الا وصمات او مسمياتLabels تضفى على أفعال محددة وأفراد محددين.وكانت فضيلة هذا المنهج النقدي أنه استطاع أن يحول التفكير بأتجاه دراسة معنى الجماعة وآثارها السلبية في الفرد والمجتمع،وإنه وجّه علم الجريمة النقدي الى دراسة مجموعة العمليات التي يمارسها المجتمع تجاه مجموعة من الناس والأفعال،والكيفية التي يصبح من خلالها هؤلاء مجرمين والأفعال جرائم.ومثال على ذلك أن معظم نزلاء السجون من الفقراء,لا بسبب فقرهم,انما القانون يطبق عليهم بصرامة,فيما لا يطبق بنفس الأجراء على مرتكبي جرائم الفساد المالي والأداري,لأنهم يكونون في العادة من الاغنياء ذوي الجاه والسلطان.

تفسيرات نفسية حديثة
طرح (جليسر)Glaser(1978) نظرية ضمّنها كتابه الموسوم:((الجريمة في مجتمعنا المتغير))حملت عنوان((التوقع المخالف))Differential Anticipation،أشار فيها الى أن التوقعات الأنسانية تعتمد على ثلاثة مصادر أساسية هي :

1- الروابط المؤيدة والمعارضة للسلوك المنحرف.

2- التعلم المخالف.

3- الفرص المدركة.

ويرى (جليسر)أن الأنسان يعيش في بيئة اجتماعية,ويرتبط بصداقات مختلفة,ويتعرض لقيم ثقافية مختلفة.وأن الفرد يعرف من خلال ملاحظاته وخبراته المعاشة ما هو السلوك المثاب والمعاقب.وأنه يختار الجريمة بناءاً على عملية وجود الفرص,ويقوم بتقويم الربح والخسارة,وفي ضوء ذلك فأنه يختار الجريمة عندما يكون الربح فيها يفوق العقوبة والخسارة,وان كل ذلك يكون متعلماً ومتوقعاً من البيئة التي يعيش فيها الفرد.

وتطورات نظرية علم الأجتماع
بدأت هذه التطورات بمقالة في العام 1979 بعنوان((التغير الاجتماعي واتجاهات معدلات الجرائم:مدخل النشاط الرتيب The Routine Activity Approach)).يقوم هذا المدخل على ثلاث أجزاء رئيسة هي:

1- المجرم ذو الرغبة.

2- الهدف المناسب.

3- غياب الرقابة القادرة.

ويعني ذلك أن مدخل ((الانشطة الرتيبة)) يجمع بين الجاني والمجني عليه في الزمان والمكان،حيث يوجد مجرم لديه رغبة في ارتكاب جريمة بحق مجني عليه,بتوافر شرطين آخرين هما الهدف المناسب وغياب الرقابة.فإذا ما إجتمعت هذه المكونات الثلاثة إزدادت إحتمالية حدوث الجريمة.

منظور الإختيار العقلاني
تعود جذور هذا المدخل الواسع الأنتشار الى ((كورنش وكلارك))عام(1987). وعلى عكس نظريات علم الجريمة الوضعي التي رأت أن المجرم شخص غير طبيعي ومريض وعديم الأحساس,ويختلف عن الشخص السوي,فقد إنطلق هذا المدخل من مجموعة إفتراضات من بينها:

* إن الناس يمارسون الارادة الحرة بشكل جزئي,وإن السلوك محدد جزئياً ايضاً.

* الظرف الحياتية هي المحددات الرئيسة للتفاعل والنشاط الأجتماعي بين الافراد.

* التغيرات الاجتماعية تدفع بأتجاه تغير الانماط الحياتية وأساليب المعيشة.

وتبعاً لذلك تتغير خطورة تعرض الأشخاص للجريمة,أو أن يقوموا بالجريمة. ويركزهذا المدخل على الحدث,أي الجريمة نفسها, وعلى العوامل الموقفية في أثناء حدوث الجريمة ,بدلاً من التركيز في صفات المجرم وخصائصه النفسية والأجتماعية.

نظريات ما بعد الحداثة Postmodern Theories

في تسعينيات القرن الماضي ظهرت نظريات((مابعد الحداثة))،وبعضها مزيج من فروع المعرفة الأجتماعية،كاللغة(علم الدلالة تحديداً)،والانثروبولوجيا,وعلم النفس التحليلي،والايكولوجيا وغيرها.ومن بين هذه النظريات ((نظرية الفوضى))أو ((نظرية التعقيد)).والفكرة الرئيسية التي تقوم عليها:أن المجتمعات الحديثة ذات أنظمة عالية وبالغة التعقيد.وان هنالك ملايين المتغيرات التي يصعب تحليلها أو ضبطها.وعليه يجب أن تكون هنالك نماذج متعددة في تخصصات متعددة ,تناسب طبيعة الجريمة وصفات المجرم والموقف.

وفي العام 1998،حاول(ويليامز)التركيز في الواقع البنيوي من أجل فهم الجريمة والمجرم.وبما ان الواقع مسألة معقدة,فالجريمة والمجرم أيضاً من المفاهيم المعقدة.ونظر هذا الباحث الى السلوك بوصفه نتيجة لتفاعل عوامل متعددة من بينها:البيئة الاجتماعية،والثقافات الفرعية،والأتجاهات النفسية،والبيئة المادية،والجينات....تشكل مجتمعة الخلفية الاجتماعية للفرد فضلاًعن الأحداث الآنية التي يمكن أن تزيد أو تنقص من هذه العوامل.

منقوول بتصرف

أبو العربي
06-06-2007, 09:47 PM
1- المجرم ذو الرغبة.

2- الهدف المناسب.

3- غياب الرقابة القادرة.

ويعني ذلك أن مدخل ((الانشطة الرتيبة)) يجمع بين الجاني والمجني عليه في الزمان والمكان،حيث يوجد مجرم لديه رغبة في ارتكاب جريمة بحق مجني عليه,بتوافر شرطين آخرين هما الهدف المناسب وغياب الرقابة.فإذا ما إجتمعت هذه المكونات الثلاثة إزدادت إحتمالية حدوث الجريمة.



أراها أيضاً عناصر حدوث الجريمة

نادية ملحيس
10-06-2007, 06:06 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

شكراً أخي رائد على الاهتمام والرد

ودمت بكل خير