عرض الإصدار الكامل : الارتقاء بالنفس


محمد الدريهم
19-04-2007, 08:35 PM
العاقل لا يغتبط بصفه يفوقه فيها سبع أو بهيمة أو جماد وإنما يغتبط بتقدمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن السباع والبهائم والجمادات وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة. فمن سر بشجاعته التي يضعها في غير موضعها لله عز وجل فليعلم أن النمر أجرأ منهن وأن الأسد والذئب والفيل أشجع منه ومن سر بقوة جسمه فليعلم أن البغل والثور والفيل أقوى منه جسماً ومن سر بحمله الأثقال فليعلم أن الحمار أحمل منه ومن سر بسرعة عدوه فليعلم أن الكلب والأرنب أسرع عدواً منه ومن سر بحسن صوته فليعلم أن كثيراً من الطير أحسن صوتاً منه وأن أصوات المزامير ألذ وأطرب من صوته فأي فخر وأي سرور في ما تكون فيه هذه البهائم متقدمة عليه. لكن من قوى تمييزه واتسع علمه وحسن عمله فليغتبط بذلك فإنه لا يتقدمه في هذه الوجوه إلا الملائكة وخيار الناس. قول الله تعالى: " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى " جامع لكل فضيلة لأن نهي النفس عن الهوى هو ردعها عن الطبع الغضبي وعن الطبع الشهواني لأن كليهما واقع تحت موجب الهوى فلم يبق إلا إستعمال النفس للنطق الموضوع فيها الذي به بانت عن البهائم والحشرات والسباع. قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي استوصاه لا تغضب وأمره عليه السلام أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه جامعان لكل فضيلة لأن في نهيه عن الغضب ردع النفس ذات القوة الغضبية عن هواها وفي أمره عليه السلام أن يحب المرء لغيره ما يحب لنفسه ردع النفس عن القوة الشهوانية وجمع لأزمة العدل الذي هو فائدة النطق الموضوع في النفس الناطقة. رأيت أكثر الناس إلا من عصم الله تعالى وقليل ما هم يتعجلون الشقاء والهم والتعب لأنفسهم في الدنيا ويحتقبون عظيم الإثم الموجب للنار في الآخرة بما لا يحظون معه بنفع أصلاً من نيات خبيثة يضبون عليها من تمني الغلاء المهلك للناس وللصغار ومن لا ذنب له وتمني أشد البلاء لمن يكرهونه وقد علموا يقيناً أن تلك النيات الفاسدة لا تعجل لهم شيئاً مما يتمنونه أو يوجب كونه. وإنهم لو صفوا نياتهم وحسنوها لتعجلوا الراحة لأنفسهم وتفرغوا بذلك لمصالح أمورهم ولا قتنوا بذلك عظيم الأجر في المعاد من غير أن يؤخر ذلك شيئاً مما يريدونه أو يمنع كونه. فأي غبن أعظم من هذه الحال التي نبهنا عليها وأي سعد أعظم من التي دعونا إليها إذا حققت مدة الدنيا لم تجدها إلا الآن الذي هو فصل الزمانين فقط وأما ما مضى وما لم يأت فمعدومان كما لم يكن فمن أضل ممن يبيع باقياً خالداً بمدة هي أقل من كرّ الطرف! إذا نام المرء خرج عن الدنيا ونسي كل سرور وكل حزن فلو رتب نفسه في يقظته على ذلك أيضاً لسعد السعادة التامة. من أساء إلى أهله وجيرانه فهو أسقطهم. ومن كافأ من أساء إليه منهم فهو مثلهم. ومن لم يكافئهم بإساءتهم فهو سيدهم وخيرهم وأفضلهم. العلم لو لم يكن من فضل العلم إلا أن الجهال يهابونك ويجلونك وأن العلماء يحبونك ويكرمونك لكان ذلك سبباً إلى وجوب طلبه فكيف بسائر فضائله في الدنيا والآخرة! ولو لم يكن من نقص الجهل إلا أن صاحبه يحسد العلماء ويغبط نظراءه من الجهال لكان ذلك سبباً إلى وجوب الفرار عنه فكيف بسائر رذائله في الدنيا والآخرة! لو لم يكن من فائدة العلم والاشتغال به إلا أنه يقطع المشتغل به عن الوساوس المضنية ومطارح الآمال التي لا تفيد غير الهم وكفاية الأفكار المؤلمة للنفس لكان ذلك أعظم داع إليه فكيف وله من الفضائل ما يطول ذكره! ومن أقلها ما ذكرنا مما يحصل عليه طالب العلم وفي مثله أتعب ضعفاء الملوك أنفسهم فتشاغلوا عما ذكرنا بالشطرنج والنرد والخمر والأغاني وركض الدواب في طلب الصيد وسائر الفضول التي تعود بالمضرة في الدنيا والآخرة

ابن حزم رحمه الله

الصبر مفتاح الفرج
19-04-2007, 10:36 PM
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
مشكور اخي ابن حزم رحمه الله و امثاله كانوا من أصحاب الألباب فيا الله ردنا اليك ردا جميلا غير مخز و لا فاضح آمين

المستـشار
20-04-2007, 12:25 AM
السلام عليكم


موضوع طيب


جزاك الله خير مستشارنا