عرض الإصدار الكامل : الانترنت..وسيلة إبداع أم إيقاع؟


خضر
11-03-2007, 05:03 PM
الانترنت..وسيلة إبداع أم إيقاع؟

مؤسسة البلاغ
ثورة المعلومات، كما يؤكد العارفون وكما نلمسها يومياً .. نعمة معرفية. والانترنيت ـ بما لا نقاش فيه ـ حضارة وعالم يختصر العالم في صندوق صغير.
إنّه عدّة معلّمين في معلّم واحد.
وجملة وظائف في جهاز واحد.
قديماً كان (الأُمِّيّ) هو الذي لا يعرف القراءة والكتابة.
اليوم .. الأُمِّيّ هو الذي لا يعرف كيف يتعامل مع الكمبيوتر.
المعلومات بالأمس .. متعذّرة وغالية ومحدودة وبعيدة لا يمكن جمع شتاتها في آن واحد ومكان واحد .. هي اليوم رخيصة ومتاحة بوفرة ومجموعة في الزمان والمكان ولا تحتاج إلى أكثر من نقرة.
العالم اليوم (نوافذ) يطل بعضها على بعض.
فالتعلّم من خلال الحاسوب (الكمبيوتر) يحقق الغايات التربوية التالية:
1 ـ ينمِّي عادة التفكير الإيجابي والإبداعي وبأنماط وطرق مختلفة.
2 ـ يعمِّق مفهوم المشاركة والتواصل مع الغير.
3 ـ يساعد على قبول القضايا الخلافية.
4 ـ يعين على التعلّم من خلال الخطأ والتجربة والمحتمل والمجهول.
5 ـ يوفر فرصة التعلّم بـ (الرمزيّات) و (المحسوسات) أيضاً.
6 ـ يهيِّئ المتعلّم للعمل والتطبيق العمليّ، بل و (التعليم الاستكشافي)(( )).
7 ـ يجعل المستخدم يستثمر أوقات فراغه إن شاء بشكل أفضل، وإن أراد بشكل سيِّئ، بالإضافة إلى أنّه يكسر رتابة البرامج التعليمية المملّة.
8 ـ يساعد في تنشيط المهارات لدى المستخدم.
9 ـ يحقق قدراً لا بأس به من الترفيه والترويح.
10 ـ يمكنك من الوصول إلى مصادر المعرفة، وكيفية توظيفه.
11 ـ يكسبك المرونة وسرعة التفكير وقابلية التنقل، وبالتالي فإنّه يعينك على تحقيق ذاتك.
12 ـ يجيب على أسئلتك، ويفتح لك المجال لطرح الأسئلة.
وبالدراسة ثبت أنّ الطالب الذي يعمل على الحاسب الآلي في البيت، أعلى في مستواه الثقافي من الطالب الذي ليس لديه حاسب آلي، وإنّ الوقت المنفق على الحاسب الآلي في البيت أكثر قيمة من الوقت الذي يمضيه الطالب مع نفس الجهاز في المدرسة.
والآن، ماذا يمكن أن تتعلّم من هذا المعلّم الواسع العطاء؟
ببساطة .. كل شيء.
فشبكة الانترنيت أزاحت كلّ الأستار والحجب، ولا نقول قلّصت الممنوعات والمحرّمات، بل جعلتها من متناول اليد، ولم يعد الحفاظ على الأسرار شيئاً سهلاً، وتقلّص مفهوم الرقابة إلى أقصى حدّ، فإذا كان عدد الصور التي تلتقط للفرد (30) صورة يومياً ببركة الانترنيت، فإنّ مقولة: «إذا أردت أن تفشي سراً فأودعه حاسوباً» دقيقة في التعبير عن هذه الحالة.
إنّ القاعدة التي نعتمدها دائماً في التعامل مع شيء أو في رفض التعامل معه هو حساب (أرباحه) و (خسائره)، أو (محاسنه) و (مساوئه) فإذا رجحت الإيجابيات على السلبيات أخذنا به، والعكس صحيح.
من إيجابيات ومحاسن هذا المعلّم الكبير، وهي كثيرة جدّاً:
1 ـ يجعل المخترعات تتزايد بمتواليات هندسية، أي انّها تتفرّع وتتفرّع، مما يزيد في رقعة الابداع والابتكار والاختيار.
2 ـ لديه القدرة الهائلة على خزن ومعالجة البيانات، حيث يمكن ـ كما يقول الخبراء ـ اقتناء (دائرة المعارف البريطانية) بأكملها مسجلة على قرص لا يتجاوز نصف قطره البوصتين والنصف.
3 ـ ما يوفره من التزاوج بين (الاتصالات) و (المعلومات) وذلك من خلال حوار الحواسب أياً كان موقعها الجغرافي، وعبر الهاتف والبريد الالكتروني وبرامج المحادثة.
4 ـ قدرته على الجمع بين (الصوت) و (الصورة) و (النصّ) و (الرقم) بشكل متكامل.
5 ـ امكاناته الواسعة في تزويدنا بنظم خبيرة في الطب والادارة والتصنيع والمال والتسويق والتعليم والإعلام والترفيه .. الخ.
6 ـ يوفّر فرصاً ـ لم تكن متصوّرة ـ لنشر الدين والقيم الانسانية والأخلاق والفضائل.
ومن مساوئ ومضار الانترنيت:
1 ـ إدمان الجلوس بين يديه عنده لساعات طويلة بما يعطّل الكثير من أنشطة المستخدم الأخرى: العلمية والاجتماعية والعبادية والرياضية والانتاجية.
2 ـ الابتعاد عن الواقع المعاش بما ينتج عن تفكك الروابط والعلاقات المباشرة، والاستعاضة عنها بلقاءات الغرف الالكترونية.
3 ـ الاستغراق في التعامل الآلي يهدّد بالخوف من الغاء انسانية الانسان.
4 ـ تسخيره في ترويج (العنف) والمشاركة فيه، و (الجنس) والتورط في مباذله.
5 ـ طرحه لأفكار ضالّة ومضلّلة قد تشوّه وتشوش رؤية الشاب المسلم لاسلامه، ما لم يكن ذا خلفية ثقافية اسلامية متينة.
فللإفادة من محاسن هذا (المعلّم) الذي جمع كلّ المعلمين بين جناحيه يمكن الأخذ بالتوصيات التالية:
1 ـ ركِّز على الأشياء التي تعلّم التفكير، وتنمية مهارات الاستطلاع والتعلّم الذاتي.
2 ـ تعلّم مشاريع وآفاق وبرمجة الحاسب الآلي كتوحيد النص والصوت والصورة والرسوم البيانية.
3 ـ وسِّع مجالات معرفتك بجولاتك الالكترونية في حقول المعرفة المختلفة، وصب اهتمامك على ميلك أو اختصاصك أو ما ترغب بزيادة المعرفة بشأنه .. فالانترنيت أكبر مكتبة في العالم. وأوسع ورشة فيه أيضاً.
4 ـ اغتنم خدمات الانترنيت سواء في البريد الالكتروني أو منتديات الحوار ومجموعات النقاش الالكترونية في الحوار وتبادل الآراء حول قضايانا الاسلامية والتي تهمّ الشباب تحديداً.
5 ـ إنّ لذّة البحث عن الحقيقة لا يعدلها إلاّ لذّة العثور عليها، استكمل دراساتك من خلال الجامعة الالكترونية، أو عبر البحوث التي يوفر لك الانترنيت جميع مستلزماتها.
6 ـ نمّ مهاراتك الفنية والعلمية والحرفية واللغوية. مما تتيحه لك خدمات الشبكة المعلوماتية في ذلك وفي غيره.
7 ـ إذا اقتصرت على الألعاب الترفيهية فإنّ ما تتعلّمه هو التنسيق بين العين واليد فقط، أمّا الألعاب المخصّصة لتعليم المبادئ الأوّلية للسياقة مثلاً، أو ألعاب اللغات، بتعلم قواعد لغة ما، أو ألعاب الأرقام لتعلم العمليات الحسابية، أو الألعاب العملية التي تقدم بمساعدة مختصين كالألعاب الطبّية كجلسة مع طبيب تجري من خلال أسئلة وأجوبة، فهذه الألعاب تساعد في الإبداع والتعلّم الذاتي وتنمية عادة التفكير.
وتذكّر أنّ الألعاب المستوردة قد تحمل في طياتها معلومات وأخلاقاً وعادات مخالفة لتعاليم دينك، فاختر منها ذات الطابع الانساني الذي يعلِّمك حبّ الخير، والتي تزيد في معلوماتك وتصقلها، والتي تكون ذات نزعة صديقة، أي التي توفّر فرص الفوز بشكل متكافئ.
8 ـ استخدم اللغة العربية ما أمكنك ذلك خاصة من خلال المواقع الالكترونية العربية وحتى في برامج المحادثة، حفاظاً على سلامة لغتك واحتراماً لها ولقدرتها في التعبير عن مكنونات فكرك ونفسك.
9 ـ قاوم الإغراء بالذهاب إلى أماكن معينة كـ (المواقع الإباحية) واحذر الرسائل التي تريد أن توقعك بفخها .. ليكن مفتاح التحكّم والسيطرة بيدك، فالشيطان اليوم يوظّف الانترنيت أيضاً كوسيلة حديثة للإيقاع بالشبان والفتيات، وإذا انزلقت بخطوة، فستتبعها خطوات انزلاق اُخرى .. فاغلق الباب من البداية وإلاّ سرقك الشيطان.
فما يسمّى بـ (الحبّ الالكتروني) وحالات التعارف والاتفاق على الزواج من خلال مقاهي الانترنيت أو الغرف الخاصّة والدردشة لا يخلق ـ كما يتوهم البعض ـ تفكيراً مشتركاً إلاّ في حالة كان المتخاطبان في مدينة واحدة، وأمكن التعارف المباشر بينهما للتأكد من صحة المعلومات والمدعيات(( )). وإن كُنّا ننصح بأن يأتي الشبان البيوت من أبوابها لأن ذلك هو أسلم الطرق وأزكاها.
10 ـ الدراسات الطبّية التي أجريت على أناس يتعاملون مع الكمبيوتر لفترات طويلة يومياً، كشفت أن ذلك يؤدِّي إلى:
ـ إضعاف البصر.
ـ زيادة الإرهاق النفسي.
ـ ظهور بعض أمراض الحساسية.
ـ يؤثر على انتظام الدورة الدموية، ودقات القلب.
وينصح الأطباء بتحديد أوقات التعامل مع الحاسوب، مع أخذ استراحة في الهواء الطلق، وتحريك الجسم بما يكفل تحريك جميع عضلاته وفقراته. ونحن نفضِّل اعتماد القاعدة الاعتدالية التي تقول «خير الاُمور أوسطها» فلا أيام معدودات في الأسبوع، والحاجة إلى الكمبيوتر والانترنيت يوميّة، ولا الجلوس إليه بين (10 ـ 12) ساعة يومياً.balagh.com

رمز السكون
19-03-2007, 08:46 PM
اخي الكريم خضر..

نعم مانقلت وجعله الله في موازين حسناتك..

موضوع مستفيض عن الانترنت..

شكرا جزيلا..


ننتظر جديدك..

أختكم//

خضر
25-03-2007, 03:35 PM
شكرا اختي الكريمة على مرورك والتعليق وان شاء الله نضع موضوع جيديد
الى اللقاء
اخوكم خضر

خضر
25-03-2007, 04:42 PM
الأدب وتجديد آفاق الوعي المعرفي

د. علي عقلة عرسان
الأدب، بوجه عام، تعبير إنساني في قوالب كلامية، تراعي قيم الجمال وتنميها، ويضع العمل الأدبي تجربة ونماذج وعلاقات إنسانية وسلوكاً في سياق معالجة لها خصوصيتها، تومض بوهج المعاناة ولها لذع نارها، ويهدف إلى ترسيخ قيم وتحقيق أهداف، معتمداً منطقاً وأسلوباً للوصول والتأثير والإمتاع والإقناع.
ويُصَب العمل الأدبي، أو بالأحرى يتخلَّق ويتفتَّح، ضمن حدود أطر فنية يحمل سمات وميزات ومقومات وخصوصيات، تجعل للعمل شخصية مميزة وخصوصية ولذعاً حرَّاقاً لا ينسى في حالات، وسلاسة جمالية مثل عذوبة النبع الصخري ينهل منه ظامئ طال بحثه عن الماء، وتكسبه قدرة على إثارة عواصف داخلية قد تعيد قولبة الكثير مما هو مستقر، وقد تثير الغضب والتشنج والعنف. وتساعد الأطر النية والقيم والمقومات الخاصة على التفريق بين جنس وآخر من الأجناس الأدبية- الشعر، القصة، الرواية، المسرحية، المقالة، المقامة...الخ وبين كاتب وآخر.
ويظهر في الأدب أو ينبغي أن يظهر فيه، بصرف النظر عن جنسه وشخصيته وكاتبه وعصره، ملامح المجتمع والبيئة التي نبت فيها ومكونات تلك البيئة وملامحها، ويكون لثماره طعم التجربة الإنسانية والتربة الثقافية خصوصاً والحضارية عموماً التي تتواصل معها جذوره وتتغذى منها.. إن له هوية إن صح التعبير كما للكائن الإنسان هوية تميزه عن غيره من المخلوقات، وعن اخوته من بني البشر وحتى عن أشقائه من رحم واحد.
وتنعكس في الأدب معاناة الإنسان الفرد من خلال ارتباطه بالمجتمع، ينعكس فيه واقعه ومقومات تكوينه الرئيسة: الجسمية، النفسية، الاجتماعية، بكل ما لهذه الكيانات من أبعاد وتأثير ومكونات، يتم بتداخلاتها بعضها مع بعض وتفاعلها جميعاً ضمن الذات والبيئة والمجتمع إنشاء الكيان وتوقع نتائج تفاعله مع سواه ومع المعطيات ممن حوله.
والعمل الأدبي الناجح يجعلنا نقف على ذلك كله إضافة إلى أنه يضعنا في صورة واقع الإنسان وطموحاته وينقل إلينا أحاسيسه وقلقه وأفكاره وعواطفه وأسلوب تعامله مع الناس والأشياء والمخلوقات في الطبيعة، وكيفية محاكمته ومعالجته للأمور، ضمن نظرة للكون والحياة تمليها قيم وتجارب ومعطيات واقع ظروف حياة وعلاقات مع الناس.
ونحن أيضاً في العمل الأدبي أمام اختيارات الكاتب التي ارتضاها وأهدافه التي ينشدها، أمام صورة معاناته في الوجود ومن أجله، ونظرته إلى الواقع وتحريضه المستمر الذي يوصله إلينا من خلال عمله وبأسلوبه الخاص ليجعلنا نرفض واقعاً معترَضاً عليه ونعمل على تغييره بواقع أفضل منه.
وقد يأتي الاعتراض والتحريض مواكبين لتصور واضح الملامح في إطار رؤية لواقع هو الصورة البديلة لما يُعترض عليه ويتم الدفع باتجاهه، أو مجرد اضطراب عبر واقع مرفوض، تشكل الدعوة إلى الخروج منه وعليه، والوقوف خارج تلاطم لُججه بداية طريق الوضوح والتصميم والإرادة، لتكوين صورة واقع بديل هو الواقع المنشود ورسم طريق الوصول إليه، وقد يحجب صورة ذلك الواقع عن الكاتب بوضوح كفلق الصبح انغماسه في معاناته الأليمة ضمن واقعه أو تورم أنانيته، وجثوم معاناة خاصة ذات صفات كابوسية تجعله يقدم خصوصية ضيقة لا ترقى إلى شمولية إنسانية، ومن ثم يقع تحت وطأة حالة تسد عليه منافذ كثيرة وتجعله يحتاج إلى الطب ويفقد موقع الطبيب.
ويأتي العمل الأدبي في الغالب، محققاً لغرض الأديب وغاية الأدب، في تحرر الإنسان من قيود وظلم وقهر وجهل ومحدودية تفكير وقصور تصور وتدبير، أو رضا هو استسلام فرضه الخوف أو الخمول وقلة القدرة على استشراف مخارج النجاة مما غرق فيه من أسى أو ضياع، وهو ما يجهد الأدب والأديب لتحقيقه، يتم من أجل الإنسان الذي نريد له حياة أكثر سعادة، وحرية تمكنه من الاستمتاع بعمر لا يعيشه إلا مرة واحدة فقط، وبكرامة هي من أغلى ما ينبغي أن يتحقق ويصان له على الأرض ويبقى في الرصيد التاريخي للمبدع.
ورغم توافر شكليات كثيرة في العمل الأدبي، يبقى هامش التأثير ثانوي القيمة إذا لم يحقق انتماء للإنسان في واقعه المعيش، ليصل بتحقيق هذه الخصوصية إلى شمولية إنسانية تجعل منه عملاً باقياً مفيداً لأناس كثر وأجيال عديدة.
وما لم يرتبط الأدب بواقع وقضايا، ويتمثّل ذلك بعمق، وتظهر نتيجة ذلك التمثّل والمعايشة بصدق ووضوح رؤية وشفافية، ما لم يتخذ مواقف واضحة وصريحة وجريئة من البؤس والظلم والقهر والفساد والعدوان والاستغلال والاستلاب، من التعاسة والتبعية والشقاء، من الانتهازية المدمرة وضحالة الروح، وما يحل من بؤس بساحة الإنسان كل يوم، ما لم يكن ذلك ديدنه أو بعض ديدنه ويتمثله بعمق ويعيد إنتاجه بإبداع، يبقى أو يسقط خارج حدود الكلمة الشريفة التي تحمل رسالة سامية وتقف إلى جانب الإنسان في نضاله المشروع قوة حامية ومنفذة وهادية على مدى العصور.
وتتوقف قيمة الأدب والفن ومدى ارتباطهما بالإنسان والحياة وقدرتهما على التأثير والبقاء، تتوقف تلك القيمة "على الرغم من توافر قيم ومقومات شكلية تحقق جانباً كبيراً من الإبداع" على تحديد القيم والأهداف التي يناضل من أجل تحقيقها كل من الأديب والفنان، وعلى وضوح تلك القيم والأهداف وإنسانيتها، وأساليب العمل من أجل بلوغها.
ولكي يكون الأدب أدباً والفن فناً، يجب أن يكونا إنسانيين، ولكي يكونا إنسانيين يجب أن يستنبتا في بيئة اجتماعية ويثمران إنسانيتها وخصوصيتها، ويشهرا سلاح الصدق والوضوح بجرأة، محددان موقفاً من كل ما يجري في هذه الحياة. وهذا القول، فيما يبدو في الظاهر "لمن يلتمس ظاهره أو يقف عنده"، مما هو متفق عليه نظرياً، ولكن بطلان ذلك يظهر بوضوح صارخ عندما تبدأ عملية تحديد مفاهيم القيم الإنسانية أو إنسانية القيم البشرية وكيفيه الوصول إلى تحقيقها وترسيخها وخدمتها والدفاع عنها، والتعامل معها ضمن مصطلحات ومفاهيم محددة، بما لا يجردها من مضمونها الإنساني وبعدها الأخلاقي!
والأدب بحكم ارتباطه بالحياة يحمل هموم الأحياء وتطلعاتهم ويجسد قلقهم ويمثل ضميرهم، والكاتب الذي يريد لأدبه الحياة والفاعلية والانتشار، يلتصق بواقع الناس ويعبر عن هواجسهم ويشرع أبواب الأمل أمامهم ويدفع مسيرة الحرية والمتعة والاستقرار في الحياة إلى الأمام؛ ولا يستطيع الكاتب تحقيق ذلك ما لم يعش أحداث عصره بامتلاء، ويتجذَّر في أرضه وحضارة شعبه بانتماء، ويبدع في إطار رؤية إنسانية شاملة، فيكون في أعماق عصره وتفاصيل ذلك العصر، وفي جذور تربة ثقافية واجتماعية وحضارية ينتمي غليها ويحملها، وفي الوقت ذاته يحرض على التغيير ويمارس درواً إيجابياً ليكون العالم أفضل والغد أسعد والمجتمع أكثر أمناً وأفضل تعاملاً.
إنه يرسم مشروع عالم الغد ويقدمه في شخوصه وكلامها وقيمها وأحلامها التي تصور الواقع وتشكل برؤاها وأفعالها مدخلاً مشروعاً لتغييره. وهو حين يحكم على واقع وسلوك وقيم ويدينها يؤسس لواقع وسلوك آخر ولعلاقات وقيم أخرى، ويدعو إلى إشادة بنية اجتماعية وتكوين أجيال تتمتع بقيم خُلُقية وغنى روحي وإرادة صلبة تصنع بها عالم الغد الأفضل.. أما إذا ركض في فلوات الكلمات على غير هدى منجذباً إلى سحر القول وشحن بعض من ينفخون " البوالين".. فقد لا يصل إلى شيء يرضيه، وقد لا يقدم للناس ما يفيدهم حتى إذا أرضى قلة منهم عنه، وقد يقضي لاهثاً في صحارى لا تبقى منه شيئاً.
إن الكاتب بحكم موقعه وتعامله مع الكلمة التي تحمل مسؤولية إنسانية وخُلُقية وتستمد شرفها من الانتماء للحياة والصدق والعدالة والحرية، بحكم ذلك، يتحمل مسؤولية تاريخية حيال العصر الذي يعيشه والعصر الذي يحاول أن يستشرف صورته، لأنه إنما يكتب ليتجسد ما يكتبه في حالة اجتماعية أو سلوكية أو حيوية مستقبلية، في سياسة وعقيدة ورؤية ومتعة عيش. ومسؤولية الكتاب في هذا العصر كبيرة حيال التحدي والتهديد والاحتلال وتشويه الحقائق والتدخل في شؤون الدول والشعوب وثقافاتها ومحاولة فرض حالة القصور الحضاري عليها بإرهاب الدولة الذي يتجلى أنموذجه في الحالة الصهيونية المكفولة أميركياً.. وهي حالة متضادة حكماً مع الحالة الحضارية المستندة إلى قيم ومعايير وأخلاق إنسانية شاملة، وأصالة من تريد أن تفرَض عليه.
والمسؤولية تصبح أكبر حيال التهديد العسكري والفوضى والأزمات الاقتصادية ومشكلات البيئة والصحة ومحاولات احتكار أسلحة الدمار الشامل باسم نزعها ممن يحاول أن يوازن قوة عدوان بقوة دفاع، ويتحمل مسؤولية خُلُقيَّة عن الظلم الذي يحدث في العالم وعن الإرهاب الدولي "إرهاب الإمبراطور" الذي يحرم شعوباً من الأمن ويمضي في إبادة الشعب الفلسطيني مثلاً بتدمير مقومات الصمود والبقاء والمقاومة لديه، وإشعال النار بالشعب العراقي ليؤسس لفتنة يكون وقودها العرب والمسلمون.
لذلك أرى أن مسؤوليتنا الخُلُقيَّة عن عالمنا تحتم علينا التبصر في الظاهرة العدوانية المتنامية في المؤسسة الأميركية الحاكمة والحركة الصهيونية، ومحاولة الوقوف على أسباب الداء تمهيداً للتعامل معه وحصره والشفاء منه. وأن يتعاون العالم بمسؤولية لوضع حد لهذه الحالة المستفحلة المخاطر، ويتم التوجه إلى الشعوب التي لا تحب الحروب عادة لتمارس دوراً فعالاً في هذا المجال ولتمارس بديمقراطية مسؤولة دوراً يبعد عن العالم حكاماً مهووسين مصابين بمرض السيطرة وجنون العظمة والتسلط عن ساحة اتخاذ القرار الذي يضر العالم ويدمر الحضارة وينشر الفوضى.
وعلينا أن نعمل من أجل دحر الاحتلال وإزالة أشكال الاستعمار والاستغلال والهيمنة وإفساد القيم والناس والعلاقات والثقافات، والوقوف بوجه أنواع الغزو والاستلاب الثقافي، من أجل المحافظة على غنى وتنوع ثقافي لا تتقدم الحضارة الإنسانية وتزدهر من دون توفره، وعلى مناخ ثري في عالمنا يتكون من أقواس قزح كثيرة وكبيرة تنتشر في فضاء عالمنا كله.
ولن يكون الأدب مخلصاً للإنسان والحياة والرسالات والقيم ولمسؤولياته الخاصة وخصوصياته البناءة ما لم يعمل على إزالة النزوع العنصري والتسلطي من جهة ويقضي على الخنوع والاستسلام اللذين يفرضهما الجهل والخوف والتواكل وضبابية الرؤى والأفكار والمواقف، تلك التي تشوه صورة الإنسان والحياة والعلاقات، وتشوه النفس البشرية ومناخ الحياة والتفكير والاعتقاد والتعبير وعالم اليوم.
ولن يكون الأدب أدباً مستحقاً للحياة ما لم يحافظ على مقوماته بوصفه أدباً وعلى قيمة الإبداع ومضمون ينصف الإنسان ويدافع عن حقوقه وقيمه وحريات. على الكاتب أن يقدم أدباً جيداً وجميلاً وممتعاً ومسؤولاً، أدباً يرفع قيمة الحياة والعمل بنظر الإنسان، ويجدد أفق السعادة والحرية بالوعي المعرفي، ويجعل الإنسان أكثر جدارة بإنسانيته وحياته، وأكثر تمسكاً بالحياة وإقبالاً عليها واستمتاعاً بها وشعوراً بجمالها الذي يسفر عنه الأمان والعدل والاطمئنان.