عرض الإصدار الكامل : كيف نصحح أخطائنا؟؟


عاشقة الحسين..
12-06-2002, 09:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:

غرور الفكر والنظرة الثاقبة صفتان متناقضتان فالأولى توقع في الخيلاء والغرور بالنفس الذي هو طريق الزلل والخطأ، والثانية تؤدي إلى اجتناب كل ما يؤدي إلى الوقوع في طريق الخطأ، فعلى المرء أن يميز بين كلتا الصفتين ليعيش حالة من التوافق مع نفسه ومع من حوله..

ومن الأسباب التي تقود الإنسان إلى ارتكاب الأخطاء كثيرة وإن من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه الإنسان من أخطاء:

حسبانه في كثير من الحالات أنّه كان دائماً على صواب، وأنّ تاريخه يمثل خطاً صاعداً باستمرار، وأنّ حركته نحو المستقبل - لذلك - تقدميّة دائماً، خيرة دائماً، صائبة دائماً، لا يتخللها خطأ ولا انحراف.

ومثل ذلك في السوء حسبانه أنّ كلّ ماضيه خطأ وتخلف، ومن ثمّ فهذا الماضي لا يستحقّ منه الإلتفات والمراجعة، وأنّه اهتدى إِلى النّظرة الصّائبة في حاضره، وأنه في حركته نحو المستقبل حليف الصّواب والتّوفيق باستمرار.

إِنّ هذا الحسبان وذلك يحملان الإنسان على ارتكاب مزيد من الأخطاء، والوقوع في كثير من المآسي وخيبات الأمل.

ذلك بأنّ الإنسان حين يخال حركة التّاريخ دائماً على صواب فإنّه يلغي جميع المؤثّرات الإنسانية، ويسلم نفسه لحركة التّاريخ الإنساني كما لو كان هذا التّاريخ خاضعاً لمنطق الضّرورة كتاريخ الجماد والنّبات والحيوان. ومن ثمّ فإنّه يرتكب الأخطاء الكبرى وهو يحسب أنّه على صواب، ويصحِّح أخطاءه بأخطاء أخرى تسبب للإنسانية مزيداً من التخلف على كلّ صعيد، ومزيداً من المآسي الفرديّة والجماعيّة.

وكذلك الحال حين يحكم الإنسان على ماضيه بأنّه مجموعة أخطاء قاد أسلافَه إِليها الجهلُ وسوء الفهم وسوء التّوجيه، ولذا فلا شيء من هذا الماضي يصلح للحاضر وللمستقبل. وأنّه كان ضالاً فاهتدى، وأنّه امتلك الحقيقة التّاريخيّة وكانت ضائعة منه بسبب هذا الّذي غلّه وشلّ قواه.

إِن الإنسان باتخاذه لهذا الموقف يحكم على جميع تجارب الماضي بالفشل والبطلان، وهو حكم لا شكّ في أنّه جائر عن قصد السّبيل، لأنّ الحقيقة هي أنّ في تجارب هذا الماضي الكثير من الصّواب الّذي تكبّدت الإنسانيّة أنواعاً شتّى من الآلام والتّضحيات وتحمّلت كثيراً من المصاعب في سبيل الوصول إِليه والاهتداء إِلى معالمه.

وإن الذي يشكل خطرا على الإنسان وكل متصد للأمور إنما هو حب النفس، إن حب النفس رأس كل أخطاء الإنسان وان كل بلاء يصيب الإنسان نفسه أو ما يراه المجتمع من المستكبرين الأقوياء إنما هو من اثر الأهواء النفسانية ومن الأنانية.
جاء في الروايات :

(حب النفس رأس كل خطيئة)

وهذا يعني أن كل الأخطاء التي تصدر عن الإنسان إنما هي بسبب الأنانية والغفلة عن الله.

ولذا علينا الحذر من أن يفسد قلوبنا غرور الانتصارات والشهرة والخيلاء والاعتزاز، فان هذا المرض النفسي من فخاخ الشيطان ليحرف انتباه عبيد الله عن التوجه له ومن مكائد النفس الأمارة بالسوء التي تجر الإنسان إلى الشرك وعبودية الأصنام وخصوصا الأصنام التي منها صنم النفس.

إن كل المفاسد التي وجدت في العالم إنما هي من مرض الغرور هذا. فلو كان الإنسان في زاوية من زوايا بيته ومشغولا بالعبادة فانه إذا أصبح متكبرا مغرورا فسوف يكون لديه ارث الشيطان، وكذلك لو كان في المجتمع وله تماس مع الناس فان هذا أيضا لو أن فسادا حصل منه فانه إنما يكون من أنانيته وغروره. وكذلك أي حكومة تحكم في العالم، فانه منذ بداية تأسيس الحكومة في الدنيا حتى الآن فان كل فساد وقع إنما هو من هذه الخصلة.

كِلا من هذين الموقفين يؤدّي بالإنسان إِلى أن ينظر إِلى نفسه وعقله في حاضره و مؤسساته السياسيّة وغيرها وسائر نظمه بثقة مطلقة لا مبرّر لها.

ولنقل إِنّه في هذه الحالة الّتي يرفض فيها جميع الماضي أو في تلك الحالة الّتي يخال فيها حركة التّاريخ دائماً على صواب - ينظر إِلى نفسه وموقفه بغرور أجوف ولعل هؤلاء وأُولئك ممّن عناهم اللّهُ تعالى بقوله:

«قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِاْلْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً. الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً. أُولئِكَ الّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً. ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوا».

وإن هذا الغرور الأجوف، وتلك الثّقة المطلقة الّتي لا مبرّر لها تؤدّيان بالإنسان إلى الوقوع في أخطاء كبرى تعرض المجتمعات بل وجانباً كبيراً من الإنسانيّة لكوارث عظمى ومتنوّعة لم يعرف لها التّاريخ مثيلاً.

وإن عدم حساب الأمور حسابا مبنيا على أساس المنطقية وتفادي الأخطاء والذي ينتج عن التقصير والإهمال والتفكير المثالي الغير واقعي يؤدي للخطأ.

فبعض الناس يرسمون في أذهانهم صورة مثالية للناس وللأعمال وللأشياء، فلا نسمع منه إلا المفروض كذا والمفروض كذا.

فهل نعيش في عالم المفروضات والمثل؟!

نحن نعيش في عالم بشري فلا محالة من الأخطاء والنواقص والثغرات. فعلى الإنسان أن يعرف واجبه عندما يخطأ ويتعرف على كيفية تصحيح الأخطاء فليس العيب أن يخطأ الإنسان ولكن العيب أن يصر على الخطأ.

فعلى الإنسان عندما يخطأ أن يقف وقفة مصارحة مع النفس للتعرف على الأسباب الحقيقية التي أدت إلى الخطأ،فما أجمل أن يخصص الإنسان جزء من أجزاء يومه لمصارحة نفسه بنواقصه التي أدت إلى الزلل ،لعقد النية والعزم على تفادي الأخطاء في أكثر الأحيان في حالة الاستطاعة،وذلك للتعديل من السلوك والإقلاع من الزلات والعثرات التي يسببها ذاك الخطأ.

وعلينا الاستفادة من الخطأ وطلب مشورة الآخرين والاستفادة من عصير تجاربهم وحصيلة حكمتهم وخبرتهم في الحياة ليصعدوا بنا إلى أرقى درجات الكمال الإنساني والتي تأتي عن طريقة الاعتراف بالخطأ فالخطأ محطة نتوقف عندها لنتزود بحسابات تصلح من حساباتنا المبعثرة التي ساقتنا إلى الخطأ فعند توقفنا في هذه المحطة علينا أن ندرك أن علينا أن لا نرجع لها مرة أخرى.

وبالتعرف على أسباب الخطأ وواجبنا حين نخطأ نتعرف على الطريقة المثلى لتصحيح الخطأ وتتمثل في:

أولا: التزود بالعلم والمعرفة فكلما زاد العمق الثقافي والمعرفي للمرء كلما كانت نسبة وقوعه في الخطأ في تناقص وتضاؤل، مع الأخذ بالعلم بأن ابن آدم خلق وهو خطاء وأول خطأ ارتكبته البشرية كان بسبب وسوسة الشيطان لآدم وزوجته حواء عليها السلام والذي أدى إلى طردهما من الجنة، فعلينا حساب الأمور جيدا كي لا تضيع الفرصة علينا للوصول إلى القمة والمحافظة عليها ،فما أسهل الوصول إليها بالاعتراف بالخطأ.

ثانيا: حساب الأمور والخطوات والأعمال التي نحن بصدد القيام بها حسابا منطقيا بعيدا عن الخطأ والغرور بالنفس مع التحلي بالثقة المتوازنة بالنفس البشرية والتمسك بالواقعية الجادة.

ثالثا: الاهتمام والرغبة في تصحيح المسار الخاطئ فعدم الرغبة في ذلك
ينتج عنه آثار سلبية، تؤثر في المرء ومن حوله سواء كانوا من أفراد أسرته أو زملائه في الوسط الاجتماعي، وأقل ما يتهم به في هذه الحالة الغرور والتكبر واللتان هما صفتان مذمومتان، حيث أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مقدار حبة من خردل من كبر..

رابعا: البعد عن الاعتزاز بالنفس وتعظيمها التي هي طريق الشيطان للإيقاع بالنفس البشرية في مهاوي الظلال والبعد عن طريق الحق والصواب..

عاشقة الحسين..