قطار الأيام
27-08-2006, 12:03 PM
سأنقل لكم في هذا الموضوع ما كتبه ابن أخي عن أبي - رحمه الله - ( جد ابن أخي )...وابن أخي هذا يدرس بالآداب..
----------------------------------------
رحيل.. في الذاكرة
جدي، والد أبي، تعاودني ذكراك بين الفينة وأختها وتتملك ذاتي وكياني حتى أكاد أذكر كل ما علق بذاكرتي المبعثرة من مواقف حياتك المليئة بالمجاهدة والهيبة وكل أنواع المحبة..
جدي الحنون، إني أشتاق حنينك الذي فقدناه بعدما رحلت وخلفتنا لحياة لا تسُر ولا يُسر بها، إني أفتقد عطفك علينا واستقصاءك لأخبارنا إن أطلنا الغياب..
لقد سمعت ممن عايشك من أخبار شبابك – الذي كان من المحتم لا أدرك منه شيئاً – الشيء الكثير: الفطنة المتوقدة، الصبر، الشجاعة، الكرم، الوفاء، حفظ العهد والمودة..إلخ، حتى خلت أن صفات العرب الحميدة المتوارثة جميعها تتمثل فيك، لا أنت تتمثلها، وكانت تلك الأخبار والمآثر التي أنصت لها وأتحين لسماعها تجعل عظمتك تكبر في عيني حتى تضيق عن استيعابها..
مما سمعت من أخبارك أنك خضت وقائع كثيرة، فرضتها عليكم الحياة آنذاك، وكنت أنت في مقدمة الذائدين عن القرية ونواحيها، فكان العدو يرتجف لمجرد رؤيتك أو سماع اسمك، حتى أن رجليه لا تستطيع أن تنوء بحمله من شدة ارتجافه، فقد كانت هيبتك لا تفارق العدو ولا حتى الصديق,,
نعم كنت الآمر الناهي المجاهد الذائد الصديق القائم بكل ما يمت بصلة لمصلحة قريتنا التي افتقدتك هي الأخرى، وكنت صاحب الرأي والمشورة، فما من أمر إلا إليك مرجعه وما من جديد إلا إليك نبؤه، فرجاحة عقلك تفرض على الجميع استشارتك وسماع رأيك الثاقب البعيد..
كنت وكنت وكنت .. ما من كلمات تحتويك وما من ذاكرة تستطيع استيعاب أمجادك!!.
فرحلت...
وقوراً بشوشاً أينما كنت وحيثما حللت، ولحيتك السوداء المترسلة تنم عن شباب زاخر بالحيوية، وأبت إلا أن تظل كذلك حتى وقت رحيلك..
جاهدت أشد المجاهدة في شبابك فحرثت الحقول وزرعت النخيل، وها نحن اليوم نقطف ثمارك ونحصد تعبك ونتلذذ بذلك وربما لا يخطر ببالنا شخصك.
أتذكر الآن جلستك على جدار حصن قديم بالقرب من المنزل، وعيناك تحملقان في مكانٍ بعيد وأفقٍ شاسع، وذهنك لا يكف عن التفكير..
تلتقط عيناك مشاهد الأطفال والولدان يركضون ويلعبون..
فتشيح بك الذكرى إلى زمنكم الغابر وما كابدتم فيه من تعب ومشقة ونصب..
تجول بذاكرتك مشاهد ومواقف سالفة ، وتغط في شرود واضح حتى تقطعه تحية سلام من أحد المارّة.
تترقب بعينيك السوداوين اللتين تظلهما حواجب ناعمة مغيب الشمس خلف تلك الجبال التي طالما ذرعتموها شبراً شبراً جيئةً وذهاباً..
وأنا من بعيد أتأمل نظراتك المغرقة، فأكاد أنا الآخر يعتريني ما اعتراك من شرود وابتعاد..
وأتذكرك الآن وأنت تتصدر مجالس الحديث والسمر..
وأستحضر ابتسامتك الصادقة التي ما كانت لتفارق محياك يوماً واحداً..
ولم يكن الضيوف يكفون عن طرق بابك كما تعودوا ذلك دائماً، فقد كانوا ينعمون عندك بحفاوة الضيافة ويرون فيك معنى الكرم بكل أبعاده، حتى في مرضك لم تكن ترد ضيفاً ولا محتاجاً، بل كنت لهم الصدر الرحب والصاحب الحق..
ورحلت جدي..
وجدران غرفتك تئن من شوقها لسماع صوتك الذي طالما صدح بالقرآن بين جنباتها وحيطانها وأركانها الأربعة.. طالما ترنمت بآي الله تعالى بين تلك الجدران، والآن فقدت كل ذلك فما من قارئ تسعد به كما كانت تسعد بك أنت..
كان المصحف أنيسك الذي لا يفارقك طيلة الوقت، تضعه محاذياً لسريرك ، وكلما انتابتك رغبة في القراءة رحلت ترتل القرآن على نحو يلين قساوة القلب ويسترعي انتباه المارّة..
كان صوتك القرآني يعطر أرجاء ذلك المكان، ويروع الشياطين والجان..
وأتذكر الآن السورة التي دأبت على ترداد قرائتها كثيراً: بسم الله الرحمن الرحيم (( هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ...))، نعم إنها سورة الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف الذي لا يملك حيلة ولا يهتدي سبيلاً، وكأنك بذلك تشير إلينا أنك راحل لا محالة...
وفعلاً رحلت..
رحلت بعدما أسرك المرض لسنين عديدة، محاولاً بذلك أن يثني عزيمتك ويحطم شجاعتك ويستنفذ صبرك، إلا أنك كنت أقوى مما كان يتصور، فرددته خائباً منكسراً حسيراً، وعناداً منه قرر ألا يتركك... فأرداك طريح الفراش.. حتى إذا أردت النهوض والخروج استندت إلى حبل به العديد من العقد مثبت على حديد النافذة الصلب، ويساعدك في قيامك وحتى في جلوسك أحياناً..
ولكنك لم تزل تقاوم!! فقد كنت تأبى الرضوخ لسطوته فتخرج متفقداً مزارع النخيل..
ولكنك رحلت...
عندما رحلت حاولت أن أخرج ما يعتريني من حزن على فقدك فكتبت:
رفيقٌ بنا منذ الصبا وتحفنا...بقلب رؤوفٍ لا يمل من الصبر
وفي موضع آخر:..........
وتداعب الأطفال هل.... لقلوبهم قلبٌ سأل
قسمت ودك بيننا........ونراه قد وسع الأهل
بل طال حبك غيرنا......وله الكرامة تنهمل
لكني عندها أدركت أني أحاول عبثاً، فخانتني الكلمات، وعجزت عن أن توفيك حقك، فأزحت الورقة واليراعة جانباً، وتكفل صدري بأحزانه...
رحمك الله يا جدي
لقد أعطيتنا الكثير، وحرمناك وأبناؤك الأكثر..
حرمناك الإجلال والتقدير الذي يليق بمقامك..
حرمناك مجالستك والترويح عنك أثناء مرضك..
حرمناك لأننا لم نصبح كما كنت تريد وتأمل..
حرمناك لأننا لم نجلس معك لنسمع أخبار نضالك وحياتك..
وحرمناك لأننا ما سألنك لنستفيد من علمك الواسع، ولم نأخذ من حكمتك ودروسك ولم نحفظ ما علمتنا إياه..
حرمناك العطف الذي منحتنا إياه بلا مقابل..
حرمناك.. وحرمناك.. رغم كثرتنا...
ورغم ذلك فلم تك تشكو، وتكتم ذلك بين جنبيك، فما زالت شجاعتك لا تفارقك، ولم تك تطالبنا بحقوقك علينا، كل ذلك على حساب صفو عيشنا...
ما أعظمك يا جدي!!
أي قلب سيخلف قلبك بكل جزئياته؟؟!!.
أي جسد سيصمد مثلما كان جسدك؟؟!!..
ورغم ذلك...رحلت...
رحلت ولكن اسمك لا يزال ينبض بالحياة، لأنه بلغ الآفاق في حينه وذاع عالياً صيته..
ذهبت وتركت لنا الشرف والحسب والنسب، فيا ترى هل سنقدر على إعادة نبضه؟؟ وهل سيستسيغ أمثالنا؟؟
حتماً ستنبأنا الأيام إما بذلك أو نقيضه..
وها أنت رحلت...
فهنيئاً لك ثرى قبرك – كما شهد بذلك حافروه – وأسأل المولى عز وجل أن يتغمدك برحمته، ويمن عليك من نعمه وفضله، ويرزقك جنات الخلد ترفل في نعيمها لأبد الآبدين، إنه عزيز قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير..
حفيدك المخلص..
----------------------------------------
رحيل.. في الذاكرة
جدي، والد أبي، تعاودني ذكراك بين الفينة وأختها وتتملك ذاتي وكياني حتى أكاد أذكر كل ما علق بذاكرتي المبعثرة من مواقف حياتك المليئة بالمجاهدة والهيبة وكل أنواع المحبة..
جدي الحنون، إني أشتاق حنينك الذي فقدناه بعدما رحلت وخلفتنا لحياة لا تسُر ولا يُسر بها، إني أفتقد عطفك علينا واستقصاءك لأخبارنا إن أطلنا الغياب..
لقد سمعت ممن عايشك من أخبار شبابك – الذي كان من المحتم لا أدرك منه شيئاً – الشيء الكثير: الفطنة المتوقدة، الصبر، الشجاعة، الكرم، الوفاء، حفظ العهد والمودة..إلخ، حتى خلت أن صفات العرب الحميدة المتوارثة جميعها تتمثل فيك، لا أنت تتمثلها، وكانت تلك الأخبار والمآثر التي أنصت لها وأتحين لسماعها تجعل عظمتك تكبر في عيني حتى تضيق عن استيعابها..
مما سمعت من أخبارك أنك خضت وقائع كثيرة، فرضتها عليكم الحياة آنذاك، وكنت أنت في مقدمة الذائدين عن القرية ونواحيها، فكان العدو يرتجف لمجرد رؤيتك أو سماع اسمك، حتى أن رجليه لا تستطيع أن تنوء بحمله من شدة ارتجافه، فقد كانت هيبتك لا تفارق العدو ولا حتى الصديق,,
نعم كنت الآمر الناهي المجاهد الذائد الصديق القائم بكل ما يمت بصلة لمصلحة قريتنا التي افتقدتك هي الأخرى، وكنت صاحب الرأي والمشورة، فما من أمر إلا إليك مرجعه وما من جديد إلا إليك نبؤه، فرجاحة عقلك تفرض على الجميع استشارتك وسماع رأيك الثاقب البعيد..
كنت وكنت وكنت .. ما من كلمات تحتويك وما من ذاكرة تستطيع استيعاب أمجادك!!.
فرحلت...
وقوراً بشوشاً أينما كنت وحيثما حللت، ولحيتك السوداء المترسلة تنم عن شباب زاخر بالحيوية، وأبت إلا أن تظل كذلك حتى وقت رحيلك..
جاهدت أشد المجاهدة في شبابك فحرثت الحقول وزرعت النخيل، وها نحن اليوم نقطف ثمارك ونحصد تعبك ونتلذذ بذلك وربما لا يخطر ببالنا شخصك.
أتذكر الآن جلستك على جدار حصن قديم بالقرب من المنزل، وعيناك تحملقان في مكانٍ بعيد وأفقٍ شاسع، وذهنك لا يكف عن التفكير..
تلتقط عيناك مشاهد الأطفال والولدان يركضون ويلعبون..
فتشيح بك الذكرى إلى زمنكم الغابر وما كابدتم فيه من تعب ومشقة ونصب..
تجول بذاكرتك مشاهد ومواقف سالفة ، وتغط في شرود واضح حتى تقطعه تحية سلام من أحد المارّة.
تترقب بعينيك السوداوين اللتين تظلهما حواجب ناعمة مغيب الشمس خلف تلك الجبال التي طالما ذرعتموها شبراً شبراً جيئةً وذهاباً..
وأنا من بعيد أتأمل نظراتك المغرقة، فأكاد أنا الآخر يعتريني ما اعتراك من شرود وابتعاد..
وأتذكرك الآن وأنت تتصدر مجالس الحديث والسمر..
وأستحضر ابتسامتك الصادقة التي ما كانت لتفارق محياك يوماً واحداً..
ولم يكن الضيوف يكفون عن طرق بابك كما تعودوا ذلك دائماً، فقد كانوا ينعمون عندك بحفاوة الضيافة ويرون فيك معنى الكرم بكل أبعاده، حتى في مرضك لم تكن ترد ضيفاً ولا محتاجاً، بل كنت لهم الصدر الرحب والصاحب الحق..
ورحلت جدي..
وجدران غرفتك تئن من شوقها لسماع صوتك الذي طالما صدح بالقرآن بين جنباتها وحيطانها وأركانها الأربعة.. طالما ترنمت بآي الله تعالى بين تلك الجدران، والآن فقدت كل ذلك فما من قارئ تسعد به كما كانت تسعد بك أنت..
كان المصحف أنيسك الذي لا يفارقك طيلة الوقت، تضعه محاذياً لسريرك ، وكلما انتابتك رغبة في القراءة رحلت ترتل القرآن على نحو يلين قساوة القلب ويسترعي انتباه المارّة..
كان صوتك القرآني يعطر أرجاء ذلك المكان، ويروع الشياطين والجان..
وأتذكر الآن السورة التي دأبت على ترداد قرائتها كثيراً: بسم الله الرحمن الرحيم (( هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ...))، نعم إنها سورة الإنسان، ذلك المخلوق الضعيف الذي لا يملك حيلة ولا يهتدي سبيلاً، وكأنك بذلك تشير إلينا أنك راحل لا محالة...
وفعلاً رحلت..
رحلت بعدما أسرك المرض لسنين عديدة، محاولاً بذلك أن يثني عزيمتك ويحطم شجاعتك ويستنفذ صبرك، إلا أنك كنت أقوى مما كان يتصور، فرددته خائباً منكسراً حسيراً، وعناداً منه قرر ألا يتركك... فأرداك طريح الفراش.. حتى إذا أردت النهوض والخروج استندت إلى حبل به العديد من العقد مثبت على حديد النافذة الصلب، ويساعدك في قيامك وحتى في جلوسك أحياناً..
ولكنك لم تزل تقاوم!! فقد كنت تأبى الرضوخ لسطوته فتخرج متفقداً مزارع النخيل..
ولكنك رحلت...
عندما رحلت حاولت أن أخرج ما يعتريني من حزن على فقدك فكتبت:
رفيقٌ بنا منذ الصبا وتحفنا...بقلب رؤوفٍ لا يمل من الصبر
وفي موضع آخر:..........
وتداعب الأطفال هل.... لقلوبهم قلبٌ سأل
قسمت ودك بيننا........ونراه قد وسع الأهل
بل طال حبك غيرنا......وله الكرامة تنهمل
لكني عندها أدركت أني أحاول عبثاً، فخانتني الكلمات، وعجزت عن أن توفيك حقك، فأزحت الورقة واليراعة جانباً، وتكفل صدري بأحزانه...
رحمك الله يا جدي
لقد أعطيتنا الكثير، وحرمناك وأبناؤك الأكثر..
حرمناك الإجلال والتقدير الذي يليق بمقامك..
حرمناك مجالستك والترويح عنك أثناء مرضك..
حرمناك لأننا لم نصبح كما كنت تريد وتأمل..
حرمناك لأننا لم نجلس معك لنسمع أخبار نضالك وحياتك..
وحرمناك لأننا ما سألنك لنستفيد من علمك الواسع، ولم نأخذ من حكمتك ودروسك ولم نحفظ ما علمتنا إياه..
حرمناك العطف الذي منحتنا إياه بلا مقابل..
حرمناك.. وحرمناك.. رغم كثرتنا...
ورغم ذلك فلم تك تشكو، وتكتم ذلك بين جنبيك، فما زالت شجاعتك لا تفارقك، ولم تك تطالبنا بحقوقك علينا، كل ذلك على حساب صفو عيشنا...
ما أعظمك يا جدي!!
أي قلب سيخلف قلبك بكل جزئياته؟؟!!.
أي جسد سيصمد مثلما كان جسدك؟؟!!..
ورغم ذلك...رحلت...
رحلت ولكن اسمك لا يزال ينبض بالحياة، لأنه بلغ الآفاق في حينه وذاع عالياً صيته..
ذهبت وتركت لنا الشرف والحسب والنسب، فيا ترى هل سنقدر على إعادة نبضه؟؟ وهل سيستسيغ أمثالنا؟؟
حتماً ستنبأنا الأيام إما بذلك أو نقيضه..
وها أنت رحلت...
فهنيئاً لك ثرى قبرك – كما شهد بذلك حافروه – وأسأل المولى عز وجل أن يتغمدك برحمته، ويمن عليك من نعمه وفضله، ويرزقك جنات الخلد ترفل في نعيمها لأبد الآبدين، إنه عزيز قدير وبالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير..
حفيدك المخلص..