المهدي المستنير
18-08-2006, 09:36 PM
إن المدخل لفهم ومناقشة ثم إقناع إنسان ملحد هو الوقوف موقفه في الملاحظة والتأمل ثم الذهاب مذهبه في التحليل والاستنتاج، ولكن بعد هذا كله الخروج من ذلك بإيمان أكثر رسوخا، وهذا لن يكون متاحا إلا إذا كان الرصيد الإيماني قويا في الأصل، مستعدا للصمود أمام هذه الاِختبارات، وإلا فستكون النتيجة عكسية.
إن المرجو والمفروض في كل مؤمن أن يكون قادرا على مقارعة الملحدين بالحجة العقلية والدليل المنطقي، قبل التعنت والهروب من المواجهة التي قد تفضح إيمانا هشا بالياً فارغاً من كل ما يعززه من براهين العقل أو حتى من أحاسيس صادقة نابعة من قلب مخلص.
صرح أحد الملحدين: "لو كان الله موجودا لتبينته، ثم إن هناك وقائِعَ ما كانت لتقع لو أن الله موجود." قبل أي تعقيب على هذا الكلام، لا بأس من أن أورد ـ مع بعض التصرف ـ تحليلا للفيلسوف الفرنسي غبريال مارسيل: " لا يمكن الشك لحظة بأن عقبة وجود الشر بكل أشكاله هي أساس الإلحاد، لكن يجب تحليل هذا الحكم التضادي ( في عبارة الملحد) يوجد هنا، بالفعل لو نظرنا عن كثب مناقضة، عندما أقول وأنا أتحدث عن شخص معين لو أنه كان هناك لما حدث هذا الأمر، أنطلق من معرفة دقيقة أو مزعومة للشخص المعنيّ، على سبيل المثال كان هذا الشخص حال دون لعب الولد بالكبريت، إلا أن هذا لا يفترض فقط وجود الشخص بل أيضا أننا نعرف طريقة وجوده وعمله. نلاحظ طبعا وفي الحال أن هذا غير ممكن. لو كان الله موجوداً لكانت له هذه الخصائص وتلك ولأن له هذه الخصائص لم يكن ليسمح بـ... الخ. (...) ما نريد قوله في الواقع إن التفكير في الله هو عدم التفكير بشيء أبداً، فهو الاكتفاء بقول كلمة الله ـ إن لم يكن في الوقت نفسه تأكيد وجود " كائن" في غاية الخير وغاية القوة. أعود إلى المثل الذي أخذته من صعيد المنتهي أو المخلوق، لو كانت الجدة هناك لما تركت الولد يلعب بالكبريت، أرتكز لتأكيد هذا على حالات مماثلة، حيث تظهر الجدة حصيفةً أما إذا لم تكن هذه الحالة حدثت فسأرتكز إلى وعيِ ما أفعله لو كنت محلها (...) هل بإمكاني أن أضع نفسي محل الله بحيث أصرح بأنني في هذه الحالة أو تلك، كنت تصرفت على هذا النحو، كنت سمحت أولا لهذا الحدث، إلخ ؟ يجري هنا شيء فريد. فحيث يتناول الأمر شخصية مهمة مدعوة للقيام بالمبادرة في ظرف صعب، ندرك راضين أننا لا نستطيع وضع أنفسنا محلها، إننا لا نعرف نحن أنفُسنا ماذا سنفعل لو كنا محلها. لكن رجل الدولة (مثلا) يبدو لنا كأنه في صراع مع وضع لم يخلقه هو لكنه يحاول السيطرة عليه، بالعكس سنقبل أن الله المعقول كخالق، ليس تجاه تعقيد لا متناهٍ معيّن، يُعتبر منذ الحين ذا امتيازٍ، ليس عليه حرج سوى أن يُريدَ بحيث أن الملحد لا يشعر بأي تردد أو بأي تشكك تُجاه النطق بما نستطيع تسميته حكم الانعدام".
إنها إرادة الله التي تسري في الكون لا يستشعرها المنكر الذي يترقب الأفعال في غفلة عن المبدع. قيل لي إن أحد المؤمنين عندما يريد تشغيل التلفاز أو المذياع بغية معرفة أخبار العالم يقول لجليسه "دعنا نسمع ماذا صنع الله في كونه." إنه نوع من الإلهام يفصل بين مؤمن وملحد، كيف أن الأول يربط كل شيء في الكون بإيمانه، فيصبح كل ما يلتقطه بحواسه وعقله ووجدانه من صور وحوادث وأفكار وتصرفات، كل هذا ينطق بالحقيقة الكبرى، حقيقة الخالق العظيم الواحد الأحد الفرد الصمد...
من الطبيعي جداً أن نجد إنساناً يطرح مثل هذه الأسئلة: من أنا ؟ أين وكيف "كنت" قبل أن أكون ؟ وإلى أين أسير ؟ لماذا أموت ؟ ما هو الموت ؟ أين يذهب الأموات وما مصيرهم ؟...إلخ. ولكن الغريب واللامعقول هو أن يقنع نفسه بأجوبة لا معنى لها، أجوبة تصب كلها في اتجاهِ عدم دوغمائي لا أدري إنكاري...
قرأت مؤخرا أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يعتبر وجوده ضروريا لاستمرار (بقاء) منظومة بيئية معينة (Ecosystem) وبالتالي استمرار حياة باقي الكائنات، في حين لو أقصينا من هذا الوجود أسرار الكائنات، البكتريا مثلا، تكون النتيجة اختلال التوازن وبالتالي القضاء على باقي الكائنات ( يمكن للقارئ الكريم التوسع في البحث عن أهمية البكتريا التي تدخل في تفاعلات بيوكيميائية داخل أوساط مختلفة، بما في ذلك جسم الإنسان، فبعض الأنواع تتدخل في عملية بعض المواد الأساسية مثل جسم الإنسان والتي تعجز آليات الجسم عن هضمها...). ما أريد قوله أن القيام بدراسة علمية; إيكولوجية وبيولوجية لمختلف أو لعدة أنواع من الكائنات ستؤكد أن الإنسان هو الوحيد الذي يبدو من الواضح تماما أنه مجرد عابر سبيل، وفي عبوره يحتاج لمجموعة من الأشياء من بينها هذا النظام الإيكولوجي الذي سخره الله الخالق له. هذا ينسجم تماماً مع ما جاء في القرآن من كون المكان الأول والأصلي للإنسان هو الجنة وليس الأرض (أحيل القارئ على قصة نزول سيدنا آدم من الجنة).
عند ملاحظة مجموعة من الكائنات نجدها تملك بنيات بيولوجية في مرحلة من مراحل نموها لا تؤدي أيه وظيفة في تلك المرحلة، لكنها مهيأة للمرحلة التي ستأتي مستقبلا هذا واضح عند الشرغوف مثلا (صغير الضفدع). عند الإنسان هاجس البحث عن السعادة، عن الحب، عن الخير، عن الراحة النفسية...هذا العقل الذي يملكه الإنسان يبحث عن أشياء ما ورائية أو ميتافيزيقية يبدو مستحيلا إعطاء أجوبة قطعية حولها، كل هذا يؤكد أن الإنسان هو الآخر مُعد لحياة أخرى أو مرحلة أخرى من حياته يحتاج فيها هذا الوجدان العميق وهذا العقل الممتد وهذه الخصائص الإنسانية...
الإنسان كائن استثنائي لأنه هو المعني بهذا الوجود، إنه في حالة اختبار في هذا الكون تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .
يتخبط الملحد في أفكار قاصرة واستنتاجات عقيمة والتي لا ولن تثمر إيمانا، ما دام المبدأ الخفي أو المعلن هو إنكار وجود الله..
إنكار وجود الله هو المبدأ عند الشيوعية وليس حقيقة يتم إثباتها. يقول ج.ماريتان "معنى الإلحاد الماركسي":"إن الله مرفوض قطعيا بموجب دوغمائية ما ورائية مطلقة...وهذا باسم الجماعة الاجتماعية، الإنسان الجمعي أو المشيع...يبدو المثال الاجتماعي الشيوعي كخاتمة إلحاد أصلي مطروح مبدئياُ"
إن ما جعل فكرة الشيوعية تستأثر بكثير من الأذهان هو تأكيدها أن الإنسان لن يحقق كل طبيعته إلا في عالم أفرغ من الله. إن مثل هذه الفكرة الكاذبة الخاطئة نجحت في صنع نموذج ظل يصول ويجول في العالم وحوله أنصاره التائهون معه ومن دونه.
الإيمان ليس كلاماً تلوكه الألسن، إنه حياة لوحده، فيكفي الملحد أن يتابع مؤمنا يعيش إيمانه قولاً وفعلاُ، لكي يدرك فداحة ما هو عليه من ضلال.
نحن مدعوون لمزيد من التأمل في أحوال الملحدين والمؤمنين على السواء، فيكون ذلك وسيلة لكشف ما في إيماننا من لا إيمان، وبالتالي تعزيز موقفنا في حوارنا المستمر مع الملحد.
منقول
إن المرجو والمفروض في كل مؤمن أن يكون قادرا على مقارعة الملحدين بالحجة العقلية والدليل المنطقي، قبل التعنت والهروب من المواجهة التي قد تفضح إيمانا هشا بالياً فارغاً من كل ما يعززه من براهين العقل أو حتى من أحاسيس صادقة نابعة من قلب مخلص.
صرح أحد الملحدين: "لو كان الله موجودا لتبينته، ثم إن هناك وقائِعَ ما كانت لتقع لو أن الله موجود." قبل أي تعقيب على هذا الكلام، لا بأس من أن أورد ـ مع بعض التصرف ـ تحليلا للفيلسوف الفرنسي غبريال مارسيل: " لا يمكن الشك لحظة بأن عقبة وجود الشر بكل أشكاله هي أساس الإلحاد، لكن يجب تحليل هذا الحكم التضادي ( في عبارة الملحد) يوجد هنا، بالفعل لو نظرنا عن كثب مناقضة، عندما أقول وأنا أتحدث عن شخص معين لو أنه كان هناك لما حدث هذا الأمر، أنطلق من معرفة دقيقة أو مزعومة للشخص المعنيّ، على سبيل المثال كان هذا الشخص حال دون لعب الولد بالكبريت، إلا أن هذا لا يفترض فقط وجود الشخص بل أيضا أننا نعرف طريقة وجوده وعمله. نلاحظ طبعا وفي الحال أن هذا غير ممكن. لو كان الله موجوداً لكانت له هذه الخصائص وتلك ولأن له هذه الخصائص لم يكن ليسمح بـ... الخ. (...) ما نريد قوله في الواقع إن التفكير في الله هو عدم التفكير بشيء أبداً، فهو الاكتفاء بقول كلمة الله ـ إن لم يكن في الوقت نفسه تأكيد وجود " كائن" في غاية الخير وغاية القوة. أعود إلى المثل الذي أخذته من صعيد المنتهي أو المخلوق، لو كانت الجدة هناك لما تركت الولد يلعب بالكبريت، أرتكز لتأكيد هذا على حالات مماثلة، حيث تظهر الجدة حصيفةً أما إذا لم تكن هذه الحالة حدثت فسأرتكز إلى وعيِ ما أفعله لو كنت محلها (...) هل بإمكاني أن أضع نفسي محل الله بحيث أصرح بأنني في هذه الحالة أو تلك، كنت تصرفت على هذا النحو، كنت سمحت أولا لهذا الحدث، إلخ ؟ يجري هنا شيء فريد. فحيث يتناول الأمر شخصية مهمة مدعوة للقيام بالمبادرة في ظرف صعب، ندرك راضين أننا لا نستطيع وضع أنفسنا محلها، إننا لا نعرف نحن أنفُسنا ماذا سنفعل لو كنا محلها. لكن رجل الدولة (مثلا) يبدو لنا كأنه في صراع مع وضع لم يخلقه هو لكنه يحاول السيطرة عليه، بالعكس سنقبل أن الله المعقول كخالق، ليس تجاه تعقيد لا متناهٍ معيّن، يُعتبر منذ الحين ذا امتيازٍ، ليس عليه حرج سوى أن يُريدَ بحيث أن الملحد لا يشعر بأي تردد أو بأي تشكك تُجاه النطق بما نستطيع تسميته حكم الانعدام".
إنها إرادة الله التي تسري في الكون لا يستشعرها المنكر الذي يترقب الأفعال في غفلة عن المبدع. قيل لي إن أحد المؤمنين عندما يريد تشغيل التلفاز أو المذياع بغية معرفة أخبار العالم يقول لجليسه "دعنا نسمع ماذا صنع الله في كونه." إنه نوع من الإلهام يفصل بين مؤمن وملحد، كيف أن الأول يربط كل شيء في الكون بإيمانه، فيصبح كل ما يلتقطه بحواسه وعقله ووجدانه من صور وحوادث وأفكار وتصرفات، كل هذا ينطق بالحقيقة الكبرى، حقيقة الخالق العظيم الواحد الأحد الفرد الصمد...
من الطبيعي جداً أن نجد إنساناً يطرح مثل هذه الأسئلة: من أنا ؟ أين وكيف "كنت" قبل أن أكون ؟ وإلى أين أسير ؟ لماذا أموت ؟ ما هو الموت ؟ أين يذهب الأموات وما مصيرهم ؟...إلخ. ولكن الغريب واللامعقول هو أن يقنع نفسه بأجوبة لا معنى لها، أجوبة تصب كلها في اتجاهِ عدم دوغمائي لا أدري إنكاري...
قرأت مؤخرا أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يعتبر وجوده ضروريا لاستمرار (بقاء) منظومة بيئية معينة (Ecosystem) وبالتالي استمرار حياة باقي الكائنات، في حين لو أقصينا من هذا الوجود أسرار الكائنات، البكتريا مثلا، تكون النتيجة اختلال التوازن وبالتالي القضاء على باقي الكائنات ( يمكن للقارئ الكريم التوسع في البحث عن أهمية البكتريا التي تدخل في تفاعلات بيوكيميائية داخل أوساط مختلفة، بما في ذلك جسم الإنسان، فبعض الأنواع تتدخل في عملية بعض المواد الأساسية مثل جسم الإنسان والتي تعجز آليات الجسم عن هضمها...). ما أريد قوله أن القيام بدراسة علمية; إيكولوجية وبيولوجية لمختلف أو لعدة أنواع من الكائنات ستؤكد أن الإنسان هو الوحيد الذي يبدو من الواضح تماما أنه مجرد عابر سبيل، وفي عبوره يحتاج لمجموعة من الأشياء من بينها هذا النظام الإيكولوجي الذي سخره الله الخالق له. هذا ينسجم تماماً مع ما جاء في القرآن من كون المكان الأول والأصلي للإنسان هو الجنة وليس الأرض (أحيل القارئ على قصة نزول سيدنا آدم من الجنة).
عند ملاحظة مجموعة من الكائنات نجدها تملك بنيات بيولوجية في مرحلة من مراحل نموها لا تؤدي أيه وظيفة في تلك المرحلة، لكنها مهيأة للمرحلة التي ستأتي مستقبلا هذا واضح عند الشرغوف مثلا (صغير الضفدع). عند الإنسان هاجس البحث عن السعادة، عن الحب، عن الخير، عن الراحة النفسية...هذا العقل الذي يملكه الإنسان يبحث عن أشياء ما ورائية أو ميتافيزيقية يبدو مستحيلا إعطاء أجوبة قطعية حولها، كل هذا يؤكد أن الإنسان هو الآخر مُعد لحياة أخرى أو مرحلة أخرى من حياته يحتاج فيها هذا الوجدان العميق وهذا العقل الممتد وهذه الخصائص الإنسانية...
الإنسان كائن استثنائي لأنه هو المعني بهذا الوجود، إنه في حالة اختبار في هذا الكون تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ .
يتخبط الملحد في أفكار قاصرة واستنتاجات عقيمة والتي لا ولن تثمر إيمانا، ما دام المبدأ الخفي أو المعلن هو إنكار وجود الله..
إنكار وجود الله هو المبدأ عند الشيوعية وليس حقيقة يتم إثباتها. يقول ج.ماريتان "معنى الإلحاد الماركسي":"إن الله مرفوض قطعيا بموجب دوغمائية ما ورائية مطلقة...وهذا باسم الجماعة الاجتماعية، الإنسان الجمعي أو المشيع...يبدو المثال الاجتماعي الشيوعي كخاتمة إلحاد أصلي مطروح مبدئياُ"
إن ما جعل فكرة الشيوعية تستأثر بكثير من الأذهان هو تأكيدها أن الإنسان لن يحقق كل طبيعته إلا في عالم أفرغ من الله. إن مثل هذه الفكرة الكاذبة الخاطئة نجحت في صنع نموذج ظل يصول ويجول في العالم وحوله أنصاره التائهون معه ومن دونه.
الإيمان ليس كلاماً تلوكه الألسن، إنه حياة لوحده، فيكفي الملحد أن يتابع مؤمنا يعيش إيمانه قولاً وفعلاُ، لكي يدرك فداحة ما هو عليه من ضلال.
نحن مدعوون لمزيد من التأمل في أحوال الملحدين والمؤمنين على السواء، فيكون ذلك وسيلة لكشف ما في إيماننا من لا إيمان، وبالتالي تعزيز موقفنا في حوارنا المستمر مع الملحد.
منقول