أ.د. امل
14-08-2006, 01:12 AM
أكدت الحرب الإسرائيلية العدوانية، أن لبنان جزء إقليمي ثابت في نطاق القضية المحورية للمنطقة، أي قضية فلسطين، وتحويل فلسطين إلى بوابة لهيمنة أجنبية مطلقة.
فقد كشفت هذه الحرب عن استحالة الاستمرار على تفتيت القضية إلى نزاع إسرائيلي-فلسطيني ونزاعات أو اتفاقات عربية-إسرائيلية. ويؤكد ذلك أيضا ما واكب اندلاعَ الحرب من إعلانٍ استعراضي عن وفاة عملية السلام على لسان الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ فهو في واقعه الإعلان عن سقوط نهج "التفتيت" المذكور طريقا للسلام. والحرب السادسة -بهذا المنظور- نهاية مرحلة رسّخت بدايتَها جامعةُ الدول العربية نفسها بقرار استعراضي أيضا، اعتبر منظمة التحرير الفلسطينية في حينه هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين؛ فمنذ ذلك الحين لم تنقطع جهود الفصل بين مصير فلسطين وشعبها وكفاحه المشروع للتحرر وبين مستقبل المنطقة العربية التي وُضع لها عنوان مشكلة "الشرق الأوسط" فتقلبت من مرحلة إلى مرحلة حتى بالمسميات التي تُطلق عليها، دون جدوى.
نظرة في القرار 1701
لبنان، هو أصغر الدول العربية المحيطة بدولة الاحتلال الاستيطاني التوسعي، وتعرض لثلاث حروب من الحروب الإسرائيلية الست، وفي الحرب السادسة استقر تحول مفهوم التوسع الإسرائيلي من الجانب الجغرافي، إلى جانب "الهيمنة والتطبيع والتطويع"، وهذا بالذات مما يعنيه خوضُ حرب مدعومة أمريكيا (في لبنان وفلسطين معا) لتحقيق أهداف جوهرية مرحلية جديدة، في مقدمتها القضاء على وجود المقاومة الصادرة عن الإرادة الشعبية، وتطويع لبنان للقيام أيضا بدور حراسة الحدود الإسرائيلية المفروضة في الحروب السابقة، إضافة إلى الانطلاق من بوابة لبنان للقضاء على ما بقي من "محاور" أو تنسيق أو تعاون أو دعم يتجاوز الحدود القطرية للمنطقة، أي القضاء على ما لا يزال يحتفظ لقضية فلسطين بموقعها قضية مشتركة محورية.
ولم يعد يوجد من يشكك في أن الآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، عجزت عن تحقيق هذه الأهداف، ليس خلال أيام معدودة فحسب كما كانت التصورات الأولى للمخططين لها، ولكن خلال 4 أسابيع سبقت صدور قرار مجلس الأمن، ولا يمكن التنبؤ بنتيجة عسكرية للحرب العدوانية وإن استمرت أسابيع أخرى بعد صدوره.
إن القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي يوم 11/8/2006، في اليوم الثلاثين للحرب الإسرائيلية السادسة، هو وفق ما سبق وفي حصيلته الجوهرية "مرحلة" على الطريق. لم تتغير الأهداف الموضوعة، إسرائيليا ودوليا، ولكن العجز عن تنفيذها الفوري، نتيجة الصمود المزدوج، عسكريا من جانب المقاومة، وسياسيا من الغالبية الشعبية الكبرى، بغض النظر عن مواقف القوى السياسية، الحقيقية و"التكتيكية"، الجماعية والانفرادية، هذا العجز هو الذي دفع إلى قرار "تمهيدي"، فيه سلسلة من الألغام البالغة الخطورة، المعدة للمرحلة التالية، مع قابلية أن تكون سياسية وعسكرية، لا سيما وأن ما لم يتحقق بالقوة العسكرية حتى الآن، هو بطبيعته غير قابل للتحقيق بالوسائل السياسية وحدها، ويمكن رصد هذه الألغام على النحو التالي:
1- كان المطلوب في البداية استكمال المهمة العسكرية الإسرائيلية بإيجاد قوة عسكرية دولية مخولة باستخدام القوة بمرجعية الأمم المتحدة أو دون الرجوع إليها، للتحرك داخل لبنان وعلى حدوده الدولية للقضاء على المقاومة، من حيث بنيتها العسكرية وتواجدها الجغرافي على الأقل، وما تتلقاه من دعم خارجي. والقرار الصادر يضاعف القوة الدولية عددا وعتادا، ويجعل فرنسا شريكا أساسيا فيها، وهذا وحده يكفي لتوقع خطوات تالية، بما في ذلك قرار ينطوي على التخويل باستخدام القوة العسكرية وفق البند 7 من ميثاق الأمم المتحدة، والمطلوب إلى ذلك الحين إيجاد الأرضية المناسبة في ساحة المعركة مباشرة، وعبر تبديل المعطيات الإقليمية المرتبطة بها.
2- الانتقال المدروس من مرحلة الإرهاب إلى مرحلة الإغراء، أي من عملية التدمير العسكري الشامل للبنان، ببنيته التحتية، مع استخدام القتل الجماعي والمذابح العلنية للقضاء على الإرادة الشعبية المتمثلة في احتضان المقاومة، إلى عملية البناء والتعمير تحت عنوان "الدول المانحة" مع كل ما يتضمنه ذلك من شروط تقليدية معروفة لفرض إرادة المانح على الآخذ، وهذا ما ينطوي أيضا على تحويل مركز الثقل لتأثير الدول الإقليمية داخل لبنان، من سوريا وإيران على وجه التخصيص، إلى الدول المستعدة لتقديم الدعم المالي كالسعودية، والسياسي الداخلي وربما الأمني على غرار ما يجري في فلسطين كمصر، وفي هذا الإطار كان التحرك المتأخر لبعض تلك الدول، ثم الأخذ بجانب شكلي كحل وسطي في تحديد الوفد المرسل إلى نيويورك، بعيدا عن تأثير الدول ذات العلاقة المباشرة مثل سوريا، ولكن ليس بعيدا عن تأثير دول أخرى مثل مصر والسعودية.
3- التمهيد لمزيد من القرارات الدولية التي يراد الاستناد إليها لحصار "قنوات" التواصل والتعاون والدعم ما بين المقاومة في لبنان، البلد العربي الإسلامي، وبلدان عربية وإسلامية أخرى، على غرار ما جرى تنفيذه واقعيا مع المقاومة والشعب الذي يحتضنها داخل فلسطين. وهنا كان التركيز الأكبر في معظم فقرات القرار الدولي الصادر بصياغة لا تقتصر على استهداف إخلاء المنطقة الجنوبية من لبنان من سلاح المقاومة، أي من وجودها أصلا، بل تركز تركيزا كبيرا وشاملا على "تجفيف منابع" وجودها وقوتها، دعما بالمال أو السلاح.
ولا داعي للوقوف طويلا أمام بعض الألغام الموضوعة في نص القرار، ومن ذلك -مثالا على سواه- ربط انسحاب القوات الإسرائيلية بتقدم الجيش اللبناني وقوات دولية إضافية؛ فهذا لا يعني فقط محاولة إعطاء القوات الإسرائيلية فرصة أطول لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه من قبل، إنما يعني أيضا أن من وافق على القرار -لبنانيا وعربيا- يعلم مسبقا بموقف المقاومة الإسلامية العلني والواضح، وهو استحالة التوقف عن ممارسة المقاومة والرد على العمليات العدوانية، ما بقي جندي إسرائيلي على أرض لبنان، ومع توقع تطبيق ذلك، يُفتح الباب مجددا لاستخدام مجرى الأحداث ذريعة من أجل اتخاذ مواقف عربية وربما لبنانية جديدة، ضد المقاومة في لبنان، وبالتالي لتمرير المزيد من المواقف الدولية التالية المنتظرة، بحجة من قبيل: "صنعنا ما استطعنا.. ولم تلتزم منظمة حزب الله بما رضينا به!".
ولا يخفى أن لكلمات "ما استطعنا" أو "رضينا به" مدلولات ومضامين بعيدة كل البعد، عما يمكن صنعه بالفعل، وما ينسجم مع الإرادة الشعبية، ويستجيب للمسئولية التي تفرضها التضحيات الجسيمة في لبنان وفلسطين وسواهما.
الحصيلة لبنانيا
لبنان هو الدولة العربية التي استعصت نتيجة نشوء المقاومة الإسلامية فيه، على مسيرة "التطبيع والتطويع"؛ فحتى سوريا المجاورة، ارتبط استعصاؤها على هذه المسيرة بشروط داخلية خاصة بها، ولكن دون أي تحرك عسكري، رسمي أو عبر مقاومة شعبية مستقلة، لتحرير أرض الجولان المحتلة منذ 40 عاما، وهذا بحد ذاته جزء مرحلي من "التطويع"، يمهد لعملية "التطبيع" في مقايضة ما على الجولان.
على أن لبنان بالذات كان هو المنطلق، منذ ظهرت المقاومة على أرضه في الثمانينيات من القرن الميلادي العشرين، إلى تحويل المنحنى البياني لمجرى تاريخ القضية، من مرحلة الهزائم العسكرية عربيا والمكاسب الإسرائيلية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، إلى مرحلة انتقالية نعايشها ولم تتحدد طبيعة المرحلة التالية لها بعد، وقد شهدت هذه المرحلة الانتقالية الخروجَ الانهزامي الإسرائيلي من أرض لبنان، كما شهدت العجز عن كسر إرادة المقاومة الفلسطينية، ووصلت عبر الحرب السادسة إلى خوض القوات الإسرائيلية "أطول" حرب في تاريخ القضية، دون إحراز أي نصر عسكري يستحق الذكر.
إن القرار الدولي "المرحلي" يعكس جزئيا ما تحقق من صمود على أرض واقع المعركة العسكرية، بغض النظر عن الهجمة الوحشية على البنية التحتية والمدنيين، إنما:
- اقتصر تأثير عنصر الصمود البطولي على ما "لم يذكره القرار" بعد أن كان مطلوبا من قبل، فلم يفرض "الآن" قوة دولية في قالب "وصاية أجنبية" مثلا...
- ولكن الأهم هو ما ورد في الصياغة نصا، وهنا لا يعكس القرار الصمود، ولا يعكس ما تعنيه التضحيات والمعاناة، كما لا يعكس ما تعنيه الشرعية الدولية في حالة عدوان أجنبي، ولا يعكس أي صيغة من صيغ دعم "الوحدة الوطنية اللبنانية" لمنع نشوب حرب أهلية، بل يعبّر بصورة واضحة ومباشرة عن تصميم القوى الدولية، المتوافقة على الدور الإسرائيلي في المنطقة إقليميا، وإن اختلفت في التفاصيل، على ألا يكون لبنان مفصل التحول التاريخي في مجرى قضية فلسطين، ولا في مجرى استقلال الإرادة السياسية والشعبية لدول المنطقة عن الهيمنة الدولية.
إن القدر الذي تم تثبيته في هذا القرار "المرحلي" من الأهداف الإسرائيلية المدعومة دوليا، هو القدر الذي يجد في الوقت الحاضر -وفي ظل ما ثار من مخاوف علنية على أعلى المستويات السياسية العربية- ما يكفي من مرتكزات لتمرير ما يتقرر، عربيا إقليميا، ولبنانيا داخليا، من أجل الانطلاق منه إلى مرحلة تالية.
وبتعبير أوضح:
- لا يخفى أن التشكيلة الحالية للحكومة اللبنانية سعت في المرحلة الفائتة من أجل "تحجيم" وجود منظمة حزب الله وبالتالي وجود المقاومة الإسلامية المنبثقة عنها، وأعطى الصمود في الحرب من جهة، ووحشية الفتك الإسرائيلي الواسع الشامل من جهة أخرى، مفعولَه في الحيلولة دون اتخاذ أي موقف علني سوى موقف "الوحدة الوطنية".
- كذلك لا يخفى أن عدة دول عربية، تتحرك من الأصل في طريق "سلام شامل دائم عادل" يفضي إلى تصفية قضية فلسطين "تصفية شاملة دائمة ظالمة"، قد تحركت في بداية الحرب السادسة علنا بموقف مشابه، بلغ تحت تأثير التوقعات الخاطئة لحصيلة المعركة وسرعتها، درجةَ "التغطية السياسية الإقليمية" للعدوان الإسرائيلي، بما يكمل مقولة "شرق أوسط جديد" الأمريكية. وهنا أيضا أعطى الصمود من جهة ووحشية الفتك الإسرائيلي من جهة أخرى، مفعولَه في الحيلولة دون "ترجمة" تلك المواقف العربية في المرحلة الراهنة، إلى إجراءات عملية تتفق بصورة كاملة مع الرؤية الإسرائيلية المدعومة دوليا، لا سيما أمريكيا، وهي ذاتها المدعومة إقليميا دعما ظهر للعيان في بداية الحرب كما سبقت الإشارة.
إن هذا الوضع، انتقالي مرحلي، في نظر الطرفين المعنيين، على المستوى العربي والمستوى اللبناني، أي بمنظور ما يمكن وصفه بمحور بات يجمع ما بين القوى الدولية، وبعض القوى الإقليمية، وبعض القوى السياسية اللبنانية، ودولة الاحتلال التوسعي الإسرائيلية، وبمنظور "المحور" الذي يراد كسره أو إبطال مفعوله على الأقل، ما بين إيران وسوريا والمقاومة.
ومن هنا يمكن القول إن ما ورد في صياغة القرار ينعكس بوضوح في طبيعة الإعداد للانتقال إلى مرحلة تالية لتحقيق ما حال دون تحقيقه في الوقت الحاضر واقعٌ فرضته المقاومة على أرض المعركة بصورة مفاجئة لعدوها وخصومها ومناوئيها:
1- إن العجز عن القضاء على المقاومة الإسلامية المسلحة في لبنان الآن، تحول في القرار إلى خطوات تمهيدية لحصارها، من أجل القضاء عليها في جولة تالية، عسكرية وسياسية، بمشاركة دولية، وربما بعد هجمة عسكرية على سوريا لإخراجها من الساحة، أو لكسر ما يوصف بالمحور الممتد من إيران إلى سوريا إلى المقاومة.
2- إن العجز -بسبب الصمود في الجبهات وشعبيا- عن تطوير المواقف العربية واللبنانية الداخلية الصادرة في بداية الحرب لتحميل منظمة حزب الله المسئولية عن اندلاعها، وبالتالي المسئولية عن نتائجها، تحول في القرار إلى التمهيد تحت عنوان السيادة اللبنانية المتفق عليها، من أجل تحويل هذه السيادة بدعم دولي وإقليمي، إلى "سيطرة" تسمح بما يتفق مع ما تريده القوى الدولية وبعض القوى الإقليمية، ولا تسمح بما لا يتفق معها وإن اتفق مع الإرادة الشعبية بغالبية كبرى، ومع ما تريده قوى إقليمية أخرى.
تأجيل "الضربة القاضية"
إن معظم فقرات القرار تنطوي على الشروع منذ الآن بالخطوات المطلوبة لحصار المقاومة، وتأجيل "الضربة القاضية" إلى ما بعد استكمال مفعول الحصار:
1- لبنانيا.. تحت عنوان العمل السياسي واعتماد "احتكار سلطة القوة للدولة"، داخليا فقط، أي مع عدم تمكين الدولة من الوصول إلى مستوى من القوة يردع العدو الإسرائيلي عن أي تحرك عسكري مستقبلي، تحت أي ذريعة حقيقية أو مختلقة، وشبيه ذلك سبق صنعه في دول "مواجهة" أخرى كما هو معروف.
2- عربيا.. تحت عنوان ما تضمنه القرار للحيلولة دون وصول سلاح أو عتاد أو المشاركة في تدريب أو ما شابه ذلك في صالح المقاومة، من جانب دولة إقليمية ما، والمقصود سوريا وإيران، وقد يبلغ التصعيد في هذا الاتجاه إلى مستوى عمل عسكري ضد سوريا، وهو ما يحتاج إلى حديث منفصل.
3- دوليا.. فالموافقة بالإجماع رغم طول فترة المداولات، تضمنت واقعيا تلاقي القوى الدولية الرئيسية على ما تضمنه القرار، وهو في زبدته: إنكار مشروعية المقاومة.. وإنكار مشروعية دعمها، وبالتالي العمل في هذا الاتجاه لاحقا أيضا
فقد كشفت هذه الحرب عن استحالة الاستمرار على تفتيت القضية إلى نزاع إسرائيلي-فلسطيني ونزاعات أو اتفاقات عربية-إسرائيلية. ويؤكد ذلك أيضا ما واكب اندلاعَ الحرب من إعلانٍ استعراضي عن وفاة عملية السلام على لسان الأمين العام لجامعة الدول العربية؛ فهو في واقعه الإعلان عن سقوط نهج "التفتيت" المذكور طريقا للسلام. والحرب السادسة -بهذا المنظور- نهاية مرحلة رسّخت بدايتَها جامعةُ الدول العربية نفسها بقرار استعراضي أيضا، اعتبر منظمة التحرير الفلسطينية في حينه هي الممثل الشرعي الوحيد لشعب فلسطين؛ فمنذ ذلك الحين لم تنقطع جهود الفصل بين مصير فلسطين وشعبها وكفاحه المشروع للتحرر وبين مستقبل المنطقة العربية التي وُضع لها عنوان مشكلة "الشرق الأوسط" فتقلبت من مرحلة إلى مرحلة حتى بالمسميات التي تُطلق عليها، دون جدوى.
نظرة في القرار 1701
لبنان، هو أصغر الدول العربية المحيطة بدولة الاحتلال الاستيطاني التوسعي، وتعرض لثلاث حروب من الحروب الإسرائيلية الست، وفي الحرب السادسة استقر تحول مفهوم التوسع الإسرائيلي من الجانب الجغرافي، إلى جانب "الهيمنة والتطبيع والتطويع"، وهذا بالذات مما يعنيه خوضُ حرب مدعومة أمريكيا (في لبنان وفلسطين معا) لتحقيق أهداف جوهرية مرحلية جديدة، في مقدمتها القضاء على وجود المقاومة الصادرة عن الإرادة الشعبية، وتطويع لبنان للقيام أيضا بدور حراسة الحدود الإسرائيلية المفروضة في الحروب السابقة، إضافة إلى الانطلاق من بوابة لبنان للقضاء على ما بقي من "محاور" أو تنسيق أو تعاون أو دعم يتجاوز الحدود القطرية للمنطقة، أي القضاء على ما لا يزال يحتفظ لقضية فلسطين بموقعها قضية مشتركة محورية.
ولم يعد يوجد من يشكك في أن الآلة العسكرية الإسرائيلية المدعومة أمريكيا، عجزت عن تحقيق هذه الأهداف، ليس خلال أيام معدودة فحسب كما كانت التصورات الأولى للمخططين لها، ولكن خلال 4 أسابيع سبقت صدور قرار مجلس الأمن، ولا يمكن التنبؤ بنتيجة عسكرية للحرب العدوانية وإن استمرت أسابيع أخرى بعد صدوره.
إن القرار الصادر عن مجلس الأمن الدولي يوم 11/8/2006، في اليوم الثلاثين للحرب الإسرائيلية السادسة، هو وفق ما سبق وفي حصيلته الجوهرية "مرحلة" على الطريق. لم تتغير الأهداف الموضوعة، إسرائيليا ودوليا، ولكن العجز عن تنفيذها الفوري، نتيجة الصمود المزدوج، عسكريا من جانب المقاومة، وسياسيا من الغالبية الشعبية الكبرى، بغض النظر عن مواقف القوى السياسية، الحقيقية و"التكتيكية"، الجماعية والانفرادية، هذا العجز هو الذي دفع إلى قرار "تمهيدي"، فيه سلسلة من الألغام البالغة الخطورة، المعدة للمرحلة التالية، مع قابلية أن تكون سياسية وعسكرية، لا سيما وأن ما لم يتحقق بالقوة العسكرية حتى الآن، هو بطبيعته غير قابل للتحقيق بالوسائل السياسية وحدها، ويمكن رصد هذه الألغام على النحو التالي:
1- كان المطلوب في البداية استكمال المهمة العسكرية الإسرائيلية بإيجاد قوة عسكرية دولية مخولة باستخدام القوة بمرجعية الأمم المتحدة أو دون الرجوع إليها، للتحرك داخل لبنان وعلى حدوده الدولية للقضاء على المقاومة، من حيث بنيتها العسكرية وتواجدها الجغرافي على الأقل، وما تتلقاه من دعم خارجي. والقرار الصادر يضاعف القوة الدولية عددا وعتادا، ويجعل فرنسا شريكا أساسيا فيها، وهذا وحده يكفي لتوقع خطوات تالية، بما في ذلك قرار ينطوي على التخويل باستخدام القوة العسكرية وفق البند 7 من ميثاق الأمم المتحدة، والمطلوب إلى ذلك الحين إيجاد الأرضية المناسبة في ساحة المعركة مباشرة، وعبر تبديل المعطيات الإقليمية المرتبطة بها.
2- الانتقال المدروس من مرحلة الإرهاب إلى مرحلة الإغراء، أي من عملية التدمير العسكري الشامل للبنان، ببنيته التحتية، مع استخدام القتل الجماعي والمذابح العلنية للقضاء على الإرادة الشعبية المتمثلة في احتضان المقاومة، إلى عملية البناء والتعمير تحت عنوان "الدول المانحة" مع كل ما يتضمنه ذلك من شروط تقليدية معروفة لفرض إرادة المانح على الآخذ، وهذا ما ينطوي أيضا على تحويل مركز الثقل لتأثير الدول الإقليمية داخل لبنان، من سوريا وإيران على وجه التخصيص، إلى الدول المستعدة لتقديم الدعم المالي كالسعودية، والسياسي الداخلي وربما الأمني على غرار ما يجري في فلسطين كمصر، وفي هذا الإطار كان التحرك المتأخر لبعض تلك الدول، ثم الأخذ بجانب شكلي كحل وسطي في تحديد الوفد المرسل إلى نيويورك، بعيدا عن تأثير الدول ذات العلاقة المباشرة مثل سوريا، ولكن ليس بعيدا عن تأثير دول أخرى مثل مصر والسعودية.
3- التمهيد لمزيد من القرارات الدولية التي يراد الاستناد إليها لحصار "قنوات" التواصل والتعاون والدعم ما بين المقاومة في لبنان، البلد العربي الإسلامي، وبلدان عربية وإسلامية أخرى، على غرار ما جرى تنفيذه واقعيا مع المقاومة والشعب الذي يحتضنها داخل فلسطين. وهنا كان التركيز الأكبر في معظم فقرات القرار الدولي الصادر بصياغة لا تقتصر على استهداف إخلاء المنطقة الجنوبية من لبنان من سلاح المقاومة، أي من وجودها أصلا، بل تركز تركيزا كبيرا وشاملا على "تجفيف منابع" وجودها وقوتها، دعما بالمال أو السلاح.
ولا داعي للوقوف طويلا أمام بعض الألغام الموضوعة في نص القرار، ومن ذلك -مثالا على سواه- ربط انسحاب القوات الإسرائيلية بتقدم الجيش اللبناني وقوات دولية إضافية؛ فهذا لا يعني فقط محاولة إعطاء القوات الإسرائيلية فرصة أطول لتحقيق ما لم تستطع تحقيقه من قبل، إنما يعني أيضا أن من وافق على القرار -لبنانيا وعربيا- يعلم مسبقا بموقف المقاومة الإسلامية العلني والواضح، وهو استحالة التوقف عن ممارسة المقاومة والرد على العمليات العدوانية، ما بقي جندي إسرائيلي على أرض لبنان، ومع توقع تطبيق ذلك، يُفتح الباب مجددا لاستخدام مجرى الأحداث ذريعة من أجل اتخاذ مواقف عربية وربما لبنانية جديدة، ضد المقاومة في لبنان، وبالتالي لتمرير المزيد من المواقف الدولية التالية المنتظرة، بحجة من قبيل: "صنعنا ما استطعنا.. ولم تلتزم منظمة حزب الله بما رضينا به!".
ولا يخفى أن لكلمات "ما استطعنا" أو "رضينا به" مدلولات ومضامين بعيدة كل البعد، عما يمكن صنعه بالفعل، وما ينسجم مع الإرادة الشعبية، ويستجيب للمسئولية التي تفرضها التضحيات الجسيمة في لبنان وفلسطين وسواهما.
الحصيلة لبنانيا
لبنان هو الدولة العربية التي استعصت نتيجة نشوء المقاومة الإسلامية فيه، على مسيرة "التطبيع والتطويع"؛ فحتى سوريا المجاورة، ارتبط استعصاؤها على هذه المسيرة بشروط داخلية خاصة بها، ولكن دون أي تحرك عسكري، رسمي أو عبر مقاومة شعبية مستقلة، لتحرير أرض الجولان المحتلة منذ 40 عاما، وهذا بحد ذاته جزء مرحلي من "التطويع"، يمهد لعملية "التطبيع" في مقايضة ما على الجولان.
على أن لبنان بالذات كان هو المنطلق، منذ ظهرت المقاومة على أرضه في الثمانينيات من القرن الميلادي العشرين، إلى تحويل المنحنى البياني لمجرى تاريخ القضية، من مرحلة الهزائم العسكرية عربيا والمكاسب الإسرائيلية عسكريا وسياسيا واقتصاديا، إلى مرحلة انتقالية نعايشها ولم تتحدد طبيعة المرحلة التالية لها بعد، وقد شهدت هذه المرحلة الانتقالية الخروجَ الانهزامي الإسرائيلي من أرض لبنان، كما شهدت العجز عن كسر إرادة المقاومة الفلسطينية، ووصلت عبر الحرب السادسة إلى خوض القوات الإسرائيلية "أطول" حرب في تاريخ القضية، دون إحراز أي نصر عسكري يستحق الذكر.
إن القرار الدولي "المرحلي" يعكس جزئيا ما تحقق من صمود على أرض واقع المعركة العسكرية، بغض النظر عن الهجمة الوحشية على البنية التحتية والمدنيين، إنما:
- اقتصر تأثير عنصر الصمود البطولي على ما "لم يذكره القرار" بعد أن كان مطلوبا من قبل، فلم يفرض "الآن" قوة دولية في قالب "وصاية أجنبية" مثلا...
- ولكن الأهم هو ما ورد في الصياغة نصا، وهنا لا يعكس القرار الصمود، ولا يعكس ما تعنيه التضحيات والمعاناة، كما لا يعكس ما تعنيه الشرعية الدولية في حالة عدوان أجنبي، ولا يعكس أي صيغة من صيغ دعم "الوحدة الوطنية اللبنانية" لمنع نشوب حرب أهلية، بل يعبّر بصورة واضحة ومباشرة عن تصميم القوى الدولية، المتوافقة على الدور الإسرائيلي في المنطقة إقليميا، وإن اختلفت في التفاصيل، على ألا يكون لبنان مفصل التحول التاريخي في مجرى قضية فلسطين، ولا في مجرى استقلال الإرادة السياسية والشعبية لدول المنطقة عن الهيمنة الدولية.
إن القدر الذي تم تثبيته في هذا القرار "المرحلي" من الأهداف الإسرائيلية المدعومة دوليا، هو القدر الذي يجد في الوقت الحاضر -وفي ظل ما ثار من مخاوف علنية على أعلى المستويات السياسية العربية- ما يكفي من مرتكزات لتمرير ما يتقرر، عربيا إقليميا، ولبنانيا داخليا، من أجل الانطلاق منه إلى مرحلة تالية.
وبتعبير أوضح:
- لا يخفى أن التشكيلة الحالية للحكومة اللبنانية سعت في المرحلة الفائتة من أجل "تحجيم" وجود منظمة حزب الله وبالتالي وجود المقاومة الإسلامية المنبثقة عنها، وأعطى الصمود في الحرب من جهة، ووحشية الفتك الإسرائيلي الواسع الشامل من جهة أخرى، مفعولَه في الحيلولة دون اتخاذ أي موقف علني سوى موقف "الوحدة الوطنية".
- كذلك لا يخفى أن عدة دول عربية، تتحرك من الأصل في طريق "سلام شامل دائم عادل" يفضي إلى تصفية قضية فلسطين "تصفية شاملة دائمة ظالمة"، قد تحركت في بداية الحرب السادسة علنا بموقف مشابه، بلغ تحت تأثير التوقعات الخاطئة لحصيلة المعركة وسرعتها، درجةَ "التغطية السياسية الإقليمية" للعدوان الإسرائيلي، بما يكمل مقولة "شرق أوسط جديد" الأمريكية. وهنا أيضا أعطى الصمود من جهة ووحشية الفتك الإسرائيلي من جهة أخرى، مفعولَه في الحيلولة دون "ترجمة" تلك المواقف العربية في المرحلة الراهنة، إلى إجراءات عملية تتفق بصورة كاملة مع الرؤية الإسرائيلية المدعومة دوليا، لا سيما أمريكيا، وهي ذاتها المدعومة إقليميا دعما ظهر للعيان في بداية الحرب كما سبقت الإشارة.
إن هذا الوضع، انتقالي مرحلي، في نظر الطرفين المعنيين، على المستوى العربي والمستوى اللبناني، أي بمنظور ما يمكن وصفه بمحور بات يجمع ما بين القوى الدولية، وبعض القوى الإقليمية، وبعض القوى السياسية اللبنانية، ودولة الاحتلال التوسعي الإسرائيلية، وبمنظور "المحور" الذي يراد كسره أو إبطال مفعوله على الأقل، ما بين إيران وسوريا والمقاومة.
ومن هنا يمكن القول إن ما ورد في صياغة القرار ينعكس بوضوح في طبيعة الإعداد للانتقال إلى مرحلة تالية لتحقيق ما حال دون تحقيقه في الوقت الحاضر واقعٌ فرضته المقاومة على أرض المعركة بصورة مفاجئة لعدوها وخصومها ومناوئيها:
1- إن العجز عن القضاء على المقاومة الإسلامية المسلحة في لبنان الآن، تحول في القرار إلى خطوات تمهيدية لحصارها، من أجل القضاء عليها في جولة تالية، عسكرية وسياسية، بمشاركة دولية، وربما بعد هجمة عسكرية على سوريا لإخراجها من الساحة، أو لكسر ما يوصف بالمحور الممتد من إيران إلى سوريا إلى المقاومة.
2- إن العجز -بسبب الصمود في الجبهات وشعبيا- عن تطوير المواقف العربية واللبنانية الداخلية الصادرة في بداية الحرب لتحميل منظمة حزب الله المسئولية عن اندلاعها، وبالتالي المسئولية عن نتائجها، تحول في القرار إلى التمهيد تحت عنوان السيادة اللبنانية المتفق عليها، من أجل تحويل هذه السيادة بدعم دولي وإقليمي، إلى "سيطرة" تسمح بما يتفق مع ما تريده القوى الدولية وبعض القوى الإقليمية، ولا تسمح بما لا يتفق معها وإن اتفق مع الإرادة الشعبية بغالبية كبرى، ومع ما تريده قوى إقليمية أخرى.
تأجيل "الضربة القاضية"
إن معظم فقرات القرار تنطوي على الشروع منذ الآن بالخطوات المطلوبة لحصار المقاومة، وتأجيل "الضربة القاضية" إلى ما بعد استكمال مفعول الحصار:
1- لبنانيا.. تحت عنوان العمل السياسي واعتماد "احتكار سلطة القوة للدولة"، داخليا فقط، أي مع عدم تمكين الدولة من الوصول إلى مستوى من القوة يردع العدو الإسرائيلي عن أي تحرك عسكري مستقبلي، تحت أي ذريعة حقيقية أو مختلقة، وشبيه ذلك سبق صنعه في دول "مواجهة" أخرى كما هو معروف.
2- عربيا.. تحت عنوان ما تضمنه القرار للحيلولة دون وصول سلاح أو عتاد أو المشاركة في تدريب أو ما شابه ذلك في صالح المقاومة، من جانب دولة إقليمية ما، والمقصود سوريا وإيران، وقد يبلغ التصعيد في هذا الاتجاه إلى مستوى عمل عسكري ضد سوريا، وهو ما يحتاج إلى حديث منفصل.
3- دوليا.. فالموافقة بالإجماع رغم طول فترة المداولات، تضمنت واقعيا تلاقي القوى الدولية الرئيسية على ما تضمنه القرار، وهو في زبدته: إنكار مشروعية المقاومة.. وإنكار مشروعية دعمها، وبالتالي العمل في هذا الاتجاه لاحقا أيضا