حديث الروح
29-05-2002, 08:16 PM
أصبح الكثير من شباب الأمة العربية والاسلامية يعاني مما سمى بالإغتراب ، فلم يعد يعي ما عليه من مسؤولية، ولاماهي واجباته ؟ وماهي حقوقه ؟ولاالوسيلة في الوصول إلى تحقيق هذه المسؤولية ، او تلك الاهداف ... فأصبح ضائعا ، يعيش في حالة اغتراب مع نفسه ، ومع مجتمعه ،ومع ذلك هو يطلع على كل مايجري حوله من متغيرات ، ويحس ويشعر بكل ما يجري من تغريب وتهميش لدوره في البناء، ويعرف انه يقاد دون أن يعترض أو يحرك ساكناً فتارة تحكمه السياسة العامة للدولة وعليه الامتثال لها، وتارة تجرفه القضايا القومية بكل تشعباتها وتفرعاتها، وآونة أخرى هناك التشويه لكل القيم بحجة الحفاظ عليها.. وبين تلك وهذه، ضياع وتبعثر الهدف... فبدأت الأزمة تتشظى إلى اكثر من هدف ويضيع الشباب بين فقدان الهوية وتبعثرها، وضياع الدور الموكل له تنفيذه، فعاش أزمة صنعت له ووضع بها، فدوامة الأزمة صراع مستمر لا منتهي، انهكت قواه واحبطت طموحاته لكثرة المعوقات التي زرعت امامه.. فعاش الاغتراب من داخله اولاً ومع البيئة المهيأ لكل العوائق ثانياً.. فاتجه صوب التقليد والنقل دون الإبداع.. فالشباب العربي بات لا يعرف ماذا يريد. ماذا له، وماذا عليه وهو ضياع الهوية بعينه.. فكان الاغتراب.
ولذلك ارجو ان اسعد بمشاركاتكم بكل مايتعلق بهذا الموضوع ، ولكم تحياتي .
حديث الروح
29-05-2002, 09:01 PM
لو تفحص المرء وجوه المارة من حوله، للاحظ خطوط الكآبة مرسومة على صفحتها، الجبين مقطب، والشفاه مزمومة، ولو أرهف سمعه، لتناهت اليه عبارات الضيق والتبرم، المصبوغة بنبرة القلق، الكل يسير مهموما، يزفر زفرة موجوعة، مرددا: أين هي السعادة! الجميع أضحى في حالة تذمر، يائسا، محبطا، ناقما على الدنيا، وقد ينهي البعض حياته ببرود، ومن دون أن يرف له جفن، في لحظة قنوط، ليضع حدا لآلامه وأحزانه.
ما الذي حصل؟! لماذا الأصوات تعلو بالشكوى؟! هل يعود هذا الى الخيبة التي اعترت نفوس معظم الناس، نتيجة الأزمات الاقتصادية، التي اجتاحت العديد من بلدان العالم؟
لقد بينت الاحصائيات الاخيرة في اندونيسيا، أن نسبة كبيرة من السكان، يعانون من اضطرابات عقلية، وصلت ببعضهم الى حافة الجنون، الى درجة أنهم لم يعودوا يتذكرون شيئا عن تفاصيل حياتهم، وانتشرت في بعض المجتمعات، حوادث الانتحار الفردي والجماعي، كطريق للخلاص من العذاب الذي بات الكثيرون يلعقون مرارته، من دون أن يأبهوا بمباهج الحياة، التي لم تعد تغريهم بالاستمرارية فيها.
هل احساس الإنسان برخص قيمته، في زمن صار فيه معيار الأفضلية يخضع للقوي، هو الذي دفع بعامة الناس الى حافة اليأس؟! يرى بعض المختصين، أن القرن العشرين، كان قرن الخوف، لأنه فقد معقوليته في كل شيء، بدءاً من انحسار الروحانيات، وانتهاء بطغيان المادة على العلاقات بين البشر، وتحول الإنسان الى كائن مغترب، مطحون، بعد أن ذابت هويته، وضاع انتماؤه، وتجمدت احاسيسه، على الرغم من مظاهر التقدم المبهر في دروب المعرفة كافة، التي أغدقت على المجتمعات الكثير من المباهج. لكن يظهر ان المغريات الحياتية ادت الى درود أفعال عكسية، وبدلا من ان تسعد هذه المغريات الفرد، ساهمت في شقائه، لأنها عرضته لخيارات مختلفة، مما ادخله في صراعات قاسية مع نفسه، قد تودي به الى اليأس أو الجنون، وكلاهما بات حصنا قاسيا أمام الاستمرارية في العيش مع تقبل الواقع بكل ضغوطاته.
هل بالفعل تنازل الانسان عن قيمه الراسخة في اعماقه لصالح غاياته، يعتبر اقوى الأسباب المفضية للاغتراب النفسي، الذي يتبعه الانهيار والتخبط في دهاليز اليأس، نتيجة الصدام الحادث بين الرغبة والمبدأ! هل القلق رد فعل لما نتعرض اليه من مواقف سلبية؟! هل حقا الشعور بالقلق، ناجم عن الإحساس بالذنب، كون ارتكاب المعاصي، هو مصدر شقاء الإنسان مهما طالت غفوة ضميره؟!
يقول المفكر الفرنسي جان جاك روسو، ان الإنسان الصالح غبطته في داخله، من الفرح النابع من نفسه الصافية، وان في اعماق البشر مبدأ عدل غريزي، يحكمون بموجبه على صلاح اعمالهم، وهذا المبدأ اسمه الضمير.
هل بالفعل السعادة تنبثق من اعماق الانسان؟! جميعنا نتطلع لتذوق طعم السعادة، لكن ما هي السعادة؟! هل هي في القدرة على العطاء من دون انتظار المردود؟! هل هي في تحقيق الثراء؟! هل هي النجاح في الحب؟! هل هي في تحقيق الذات؟! هل هي في القناعة والرضى بالمقسوم؟! هل هي في التوافق بين مطالب المجتمع، وطموحات المرء؟! هل القلق مرادف للشقاء، أم انه صفة صحية مطلوبة عندما تقف عند حد معين، كون الثورة على الواقع الموجود هي التي تشكل دافعا ايجابيا لتطوير المجتمعات نحو الأفضل؟!
هل القلق كما يرى سارتر تعبير عن بحث الإنسان عن هوية متميزة في العالم؟! إن هذا النوع من القلق ينطبق على المفكرين والفنانين النزهاء، الذين كان قلقهم عاملا مهما في قلب الكثير من الموروثات الاجتماعية والفكرية القائمة في مجتمعاتهم، لانهم دوما يتطلعون لعالم مثالي خال من الشوائب، كما ان قلق العلماء، أدى الى اكتشاف العديد من الخبايا العلمية، والى المزيد من الاختراعات التي عادت بالنفع على البشرية جمعاء. لكن هناك فئة من البشر تفقد توازنها، وتصاب بحالات قلق مشوشة، نتيجة للتضحيات المتوالية التي قدمتها في سبيل تحقيق احلامها على أرض الواقع، مما يؤدي بها في النهاية الى الوقوع في براثن الاغتراب النفسي، حيث تقذف وهي صاعدة درجات نجاحها، بمبادئها ومثلها على قارعة الطريق، حتى تصل الى القمة وقد أضحت خالية الوفاض من انسانيتها، متجردة من آدميتها. وعندما تتذوق طعم نجاحاتها، وتنظر الى صفحة وجهها في المرآة، تلاحظ الكثير من التشوهات قد انطبعت عليها، وان الصفاء الذي كان يشع من عينيها انطفأ بريقه، وأن روحها باتت لا نبض فيها بعد ان خنقتها بيديها، وتحس بقشعريرة أسى، وهي تلقي نظرة من علو على جثث قيمها التي داست عليها بلا شفقة. لحظتها يهتز ضميرها، ويجفل فؤادها، لكنها تدرك أنها غير قادرة على التراجع أو تصحيح اخطائها، لأن الثمن وقتها يغدو باهظا، والذي تذروه الرياح، من الصعب جمعه في صرة الحاضر من جديد، وهذا ما حدث لبعض المشاهير من الفنانين والعظماء، الذين آثروا وضع حد لحياتهم، بعد ان اكتشفوا ان نجاحاتهم التي حققوها لا تساوي لحظة صفاء نقية مع أنفسهم، وأن أيامهم كانت عبثا في عبث!
هناك اطباء نفسانيون، يرون ان بداخل كل انسان طفلا ومراهقا وناضجا، وأن الانسان على مراحل عمره تطفو احيانا طفولته على السطح، مستشعرا في دواخله الحنين الى زمن براءته، واحيانا ثانية تطفو مراهقته على السطح، ويندفع الى ممارسة بعض التصرفات النزقة، التي لا تتناسب مع سنه، لإحساسه بالشوق لهذه المرحلة من حياته، واحيانا ثالثة، يطفو نضجه على السطح، ويتصرف من منطلق افكاره التي بناها من تجاربه الحياتية المتنوعة الروافد.
هذه الأفعال المتباينة يعتبرها الاخصائيون مسلكاً طبيعياً، وان محاولة الإنسان كبح جماح أحدها على حساب الاخريات يولد انفجارا صاعقا داخل الانسان، يؤدي به على المدى البعيد الى الاختلال، وفقدان التوازن النفسي، وان على الانسان العاقل ان يدرك انه ليس بملاك عصي عن الزلل، وان النفس البشرية قائمة على مجموعة من التناقضات العجيبة، وان سر جمالها يكمن في تصالحها مع نفسها، هذا التصالح هو الذي يحفظ التوازن، ويجعل المرء يحس بطعم السعادة، التي تتطلع اليها البشرية كافة المهم ان يعي الإنسان متى يندفع، ومتى يقف، ومتى يسير، ومتى يقهقه، ومتى يغني بأعلى صوته، راضيا بقسمته في الحياة.
نقلا عن : زينب حفني ، صحيفة الشرق الاوسط .