عرض الإصدار الكامل : وتعاونوا على البر والتقوى


المتطلع
07-05-2002, 08:26 PM
المؤمنون جماعة واحدة ، ويد واحدة ، وجسم واحد ، وبنيان واحد ، والجميع مسؤولون عن تبليغ دين الله ، على سبيل التعاون والتآزر والتضامن ، مع السعي الجاد إلى تغيير واقع الأمة ، ونقلها من مجرد الإحساس ، إلى الوعي بأسباب الواقع ، والطريق إلى إخراجها من ذلك الواقع. التعاون من أجل تمكين منهج الله عز وجل في الأرض قاطبة: مطلب وضرورة ، تجعل كل فرد يضاف إلى الآخر ، ثم تستثمر كافة العقول والسواعد والدقائق ، (والمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) وكل يستفيد من الآخر ، إذ عند بحر لا يجوز التيمم ، والخيط الواهي إذا انضم إليه مثله ، أضحى حبلاً متيناً يجر الأثقال.

ذكر صاحب (مواقف إيمانية) –نجيب عامر- : أنه في حج 1395هـ رأى آلاف الحجاج ، منظراً يثير المشاعر ويستجيش المدامع ، شاهدوا حاجين أحدهما أعمى قادر على المشي ، والثاني مشلول بصير العين ، أراد الأعمى أن يستفيد من بصر المشلول ، وأراد المشلول أن يستفيد من حركة الأعمى ، فاتفق الحاجان على أن يحمل الأعمى المشلول ؛ فالحركة من الأعمى ، والتوجيه من المشلول ، وقاما بتأدية المناسك على مشقة وجهد يعلمها الله فالأمر ليس هيناً وكلكم يعلم ؛ عند الطواف زحام ، وعند السعي زحام ، وعند رمي الجمار زحام ، وفي كل مكان زحام ، لكن العزيمة صادقة ، والثقة بالله عظيمة ، ورجاء ما عنده ينسي المتاعب والمكاره والمشقة) اهـ. أدوا فريضتهم ، ضاربين أروع الأمثلة في التعاون والاستفادة من الطاقات. هذا كله في تعاون اثنين ، فكيف لو تضافرت جهود أمة بطاقاتها ومواهبها ، وإمكاناتها في خدمة دينها ، كيف يكون الأمر لا شك أنه سيكون:
كالبحر يقذف للقريب جواهرا ـــــ****ـــــ جوداً ويبعث للبعيد سحائبا

إن التعاون طريق إلى البناء والنجاح ، ونظرة يلقيها المرء على خلق الله تؤكد هذا الأمر. أمة النحل أمة عجيبة ، طائفة من أمة تبني البيوت ، وطائفة تنظفها ، وطائفة تحرسها وتحميها ، وطائفة تدل على مواضع الأزهار ، وطائفة تمتص الرحيق لتأتي به ، وتخرج العسل اللذيذ (وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم).

والنمل تبني قراها من تماسكها ـــــ****ـــــ والنحل يجني رحيق الزهر أعوانا

إن يداً واحدة لا تصفق –كما قيل- حتى إذا لم يبق إلا تلك اليد ، أدت ما عليها غير ملومة وحالها:
إذا عز في قومي المسعفون ـــــ****ـــــ فإنـك يا خالـقي مسعـفي
فما أنـا بالمسـتـسـيغ القعـود ـــــ****ـــــ ولا أنا بالشارد المسرف

يقول السيد محمد نوح: (رغيف الخبز على صغر حجمه: لا يصل إلى الإنسان ؛ إلا بعد عمل عشرات بل مئات من البشر، تعاونت على تجهيزه وإعداده وتقديمه، ومن كان في شك من ذلك فليسأل نفسه: من حرث الأرض؟ ومن بذر الحب؟ ومن سقاه بالماء؟ ومن نظف الحشائش عنه؟ ومن حرسه؟ ومن حصده؟ ومن نقله إلى الجرن؟ ومن داسه؟ ومن طحنه؟ ومن خبزه؟ ومن النار بالنار سواه؟ ومن إلينا حمله؟ ومن قدمه؟ ومن؟ ومن؟ ومن؟...

هناك أسئلة كثيرة. هذا الجهد في أمر رغيف خبز، فكيف بالأمر في خدمة دين الله) والتمكين له، في بناء النفوس، في صنع الرجال، في كشف الظلم، وفي إنارة البصائر، إنه يحتاج إلى تضافر طاقات وقدرات، مع صبر ومصابرة وثبات، (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) فهيا إلى التلاحم، وهيا إلى التعاون، وهيا إلى التآزر.

فالنصر لم ينزل على متخاذل ـــــ****ـــــ والرزق لم يبعث إلى متواكل

ولنترك اللوم والتوبيخ، فاللوم لا يحرك ولا يجمع، والتفتيش عن الثغرات التي يدخل منها الداء أولى. وعند كلٍّ من الهموم ما يكفيه، وليس بحاجة إلى معكر إضافي، فليحول كل منا أخاه إلى داعية معه يحمل همّ الدعوة، ويتبنى أفكارها، وحاله يهتف ويقول:
أمتي في كـل أرض ـــــ****ـــــ أنتـم خـيـر الأمـمِ
فاجمعوا أشتات أنها ـــــ****ـــــ ركـم في غمر يمِّ
تنشروا الخير الأعم ـــــ****ـــــ تبلغوا العز الأشمِّ
وتكونوا سادة الدنيـا ـــــ****ـــــ وفـرسـان الـقمـمِ

وما ذلك على الله بعزيز.

الإشارة الخامسة من كتاب: إشارات على الطريق.
لمؤلفه: الشيخ/ علي بن عبد الخالق القرني.