لمياء الجلاهمة
30-12-2005, 03:00 PM
نقلا عن مجلة اليمامة
استطلاع مها عارف
قصص الخوف والتعب والشقاء
الحـج قديماً
الحج ما بين الأمس واليوم يمكن أن يقاس بسنوات ضوئية وهذه الحقيقة الساطعة كشمس في رابعة النهار يعرفها الآباء والأجداد الذين عانوا من مشقة الحج ووعثاء السفر، فالحج بالأمس كان الذاهب إليه مفقوداً والعائد منه مولوداً..
قوافل الحجاج
في الماضي كانت قوافل الحجاج وعبر مئات السنين تنساب على ظـــــــــــهور الإبل تسري في الليل فيبدد صوت الحُداة وحشة الليل ورهبة الصحراء في مواكــــــــب فرح إيمانية تغمر القلوب بفيض زاخر ومشاعر من الأشواق تتــــــوق إلى بيت الله الحـــــرام وتغمر الصحراء مشـــــاهد الأنس والبهجة وهذا هـــــو الوجه المشرق للرحلة والقافلة ولأمير الحج والقافلة..
وعلى الجانب الآخر هناك مشاعر الخوف والقلق من غوائل الغدر والسطو والعدوان وربما المتاهة والموت عطشاً في مفازات الصحراء إنها صور من ذكريات الأمس التي لا تزال تختزلها الذاكرة الشعـــــــــبية ذاكرة الأجداد الذين واجهوا شظف الحياة وقساوة الطريق ووعورته حيـــــــث كانت الرحلة تمتد من الشــــــام أو العراق أو مصـــــر شهوراً عديــــدة للوصـــول إلى الأمل والغاية والموئل إنه بيت الله الحرام..
لصوص وقطاع طرق
يحدثنا يحيى عبدالله آل جعفر وعمره حوالي 85سنة فيقول: في الماضي كنا نحج على الدواب ونخترق الجبال مشياً على الأقدام وأكلنا وشربنا ومتاعنا على الدواب تحملها الحمير والجمال وهذه كانت وسيلة النقل الوحيدة في الماضي وكان يستغرق الطريق في أبها إلى مكة شهراً كاملاً في الذهاب ونمر في طريقنا على أهل البادية نستريح عندهم وكنا أكثر ما نخاف قطاع الطرق واللصوص الذين كانوا يباغتون الحجاج ويترصدونهم فينهبونهم بعد أن يقتلوهم علــــــماً أن الحجاج كانوا مسلحين لمواجهة مخاطر الطريــــــــق وكنا طوال الطريق نقرأ المعوذات وآيات من القرآن الـــــــكريم وندعـــــــــو الله أن نصل سالمين إلى بيت الله الحرام لنتمكن من أداء فريضة الحج وكنا نسير في الليل الدامـــــــس نحــــمل الفوانيس لتضيء لنا الطريق فقد كان الحـــــــج مشــــقة وتعباً وكنا نتعب في المشي وخاصة عند الظهر إذا كان الوقت صيفاً والكثير كان يصل إلى حد الموت عطشاً فكنا نبحث عن الآبار لنتزود من الماء ولا نصل مكة المكرمة إلا بشق الأنفس ونحــــــن مجهدون منهكون من التعـــــــب نظراً لعدم تعبيد الطرق وعدم توفر الخدمات ووسائل النقــــــل المريحة..
أما اليوم فقد أصبح الحج ميسراً لكل من أراد الحج فالإنسان مهما بعدت به المسافات فهو خلال ساعات معدودة يكون في بلاد الحرمين الشريفين وإنها مناسبة أن أتوجه بالشكر لحكومتنا الرشيدة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الذي تبرع باستقدام عدد كبير من الحجاج على نفقته الخاصة وهذا يدل على عطف المملكة العربية السعودية وحبها لجميع العالم سواء مسلمين أو غير مسلمين.
15يوماً من أبها إلى الطائف
ويذكر عبدالله سالم بديوي من أهالي أبها بأنه قد حج أكثر من مرة بعضها على الأقدام وبعضها بالسيارات ويقول في عام 1355هـ ذهب إلى الحج عن طريق البر فاستغرق الطريق إلى الطائف 15يوماً على الأقدام وأضاف كنا ننام في المقاهي في مكة والنوم في عرفات ومنى على الأرض فلم يكن هناك خيام..
وقال بأن الكثير من رفاق الرحلة كانوا يموتون في الطريق أو في مكة.. وأضاف: لقد كان الأمن فيما مضى وقبل توحيد الجزيرة العربية مجرد حلم يراود حجاج بيت الله الحرام. وكانت تعيش كغيرها من أصقاع الأرض في ظلام دامس من الجهل والفقر والأمراض الفتاكة والضلالات والعقائد الهدامة والتي ظلت سائدة فيما بين ساكنيها طيلة قرون عديدة وذلك نتيجة لضعف الوازع الديني،ولما أفاء الله على هذه البلاد الطيبة بنعمة الأمن والاستقرار العظيمة، وجاء الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه اهتم بتوفير الأمن والاستقرار لحجاج بيت الله الحرام واستطاع بتوفيق من الله تحقيق ما أراد فأصبح الحاج يؤدي مناسك الحج في أمن وأمان وطمأنينة وخشوع وبكل يسر وسهولة بعد أن كان الخوف والقتل والسلب والغزو تسيطر على نفسية كل حاج يأتي إلى هذه الديار المقدسة التي جعلها الله أمناً ومثابة للناس وأصبح الأمن واقعاً معاشاً يشعر به كل من يعيش في هذه البلاد المقدسة.
رحلــة البتنوني
ولنستمع إلى محمد لبيب البتنوني الذي حج عام 1327هـ أواخر سنة 1909م أي قبل قرن من الزمان تقريباً فيقول في كتابه الذي سماه "الرحلة الحجازية" في عام 1910م.
يصف رحلة الحج ومنازلها ومشاهدها وصورها حيث يصف البتنوني قافلة الحجاج في حلها وترحالها بين مكة والمدينة وصفاً دقيقاً فيقول:
وقت تحميل القافلة وتنزيلها تكثر السرقات من الجمالة أنفسهم وقد يتفق جمّالك مع جمّال آخر فيحضر في هذا الوقت الذي يلهبك فيه بصريخه وصياحه، في حين أن الآخر ينقض على عفشك ويسرق منه ما تصل إليه يده، حتى إذا هدأ روعك شعرت بما نقص من متاعك وهنالك يكثر الصياح فيقول هذا: خرجي.. ويقول الآخر: ملابسي.. ويصيح غيره: لحافي.. وهكذا.. وبعد هرج ومرج يسكت الصائحون شاكين أمرهم إلى الله.. وأثناء الجلبة تسمع صوت الأعراب: هذا يقول: الحطب الحطب.. وآخر يقول: الماء.. الماء.. وما هم إلا لصوص وسارقون يسرقون كل ما تصل إليه أيديهم ويفرون من حيث لا يشعر بهم أحد..
والرفقاء من الحجاج يتناوبون السهر في حراسة عفشهم ومن يسهر منهم تراه على الدوام يصرخ بكلمات الاضطراب والانزعاج كقولهم: شايفك.. أبعد.. لا تقرب.. وهكذا.. والحجاج يقضون حاجتهم بين رحالهم في الغالب، ومن ابتعد عنها لا بد أن يكون معه أنيس يحرسه عند انشغاله بنفسه وإلا فإنه لا يحرم واحداً من الأعراب ينقض عليه ويضربه بعصا قصيرة تخمد أنفاسه.. فيشلحه ملابسه ويأخذ حزامه.. وقد يقطع الجمّالة بعض الجمال من القافلة أثناء سيرها ويتظاهرون بإصلاح حمولتها حتى إذا ابتعدت القافلة عنهم أوقعوا بركابها وهم يستغيثون ولا يغاثون.
أمر يوك
ويذكر اللواء إبراهيم رفعت باشا في كتاب مرآة الحرمين واصفاً الطريق بين جدة ومكة بأنها وادٍ رملي وقبيل مكة بنحو أربعة أميال تجد مدرجاً حجرياً متعرجاً وهذا الوصف لسنة 1318هـ 1901م. ويمضي فيقول: بالطريق بضع عشرة قهوة لراحة الحجاج وتقديم الشاي والقهوة لهم وبه جملة قلاع ذات اليمين وذات الشمال يقيم بها جنود أتراك وبه أماكن أخرى يقطنها عساكر الشريف غير النظامية وهؤلاء الحراس وجدوا للمحافظة على الأمن بالطريق ولكنهم كما سمعت لا يفارقون أماكنهم لرد الغارات والضرب على أيدي اللصوص وقطاع الطريق ولو كــــــان ذلك بمرأى منهم ومسمـــــــع إلا إذا أمرهم الوالي وأين هو منهم وكثيراً ما سلب الحجاج أمتعتهم إذا تأخروا عن القافلة لإصلاح الأحمال أو قضاء بعض الضرورات.
وإذا ما سُئل هؤلاء الحراس لمــــــــــاذا لا تقومون بالواجـــــــب قالوا (أمر يوك) أي ليس عندنا أمر.
وكان على طول الطريق إلى الحج المنازل والعيون والآبار التي ينزل فيها الحجاج ومما قيل شعراً في ذكر المنازل على طريق مكة يقول أحمد بن عمرو:
يا ليت أنا قد رأينا العيسا
قد وافت السبت أو الخميسا
بطابع قد فارق النموسا
والسفن قد رفت بنهر عيسى
ونحن ندعو الملك القدوسا
ت حكي إذا ما سارت العروسا
تكن شمساً فاقت الشموسا
مليكة تكبر عن بلقيسا
ثمن الظل
ويذكر محمد كامل حته في كتابه في ظلال الحرمين صوراً قد لا يصدقها العقل فيقول: في أحد المقاهي بالقرب من رابغ وهي بلدة تعتبر ميقات الإحرام لحجاج مصر وشمالي إفريقيا، شهدت منظراً آذى شعوري وأثار حنـــــــقي، لأنه يصــــــــور الاستـــــغلال في أبشــــــع صـــــورة وأحط أسلوب.
كان المقهى يضيق بالرواد الذين لاذوا بظله يستريحون ويبتردون وكان على مقربة مني شيخ تركي ما أن فرغ من شرابه ونقد الغلام الثمن حتى طلب إليه الغلام في غلظة وفظاظة أن يغادر المكان، وقال الشيخ في عربية ركيكة تخالطها بعض الألفاظ التركية ما معناه:
- ألستُ قد طلبتُ شراباً وأديت الثمن؟! قال الغلام وهو يجذب الشيخ من كتفه: بلى دفعت ثمن الشراب، ولكنك لم تدفع ثمن الظل!!
إنه يريد أن يتقاضى من الشيخ نصف ريال إذا أراد أن يبقى بعد اللحظة الأخيرة، وإلا كان عليه أن يغادر الظل إلى جحيم الصحراء.. ما أبعد الفرق بين الأمس واليوم هذه بعض صور الأمس بلونها الأسود القاتم والمظلم.
درب زبيدة
يشكل درب زبيدة أحد أبرز المعــــــالم الأثريـــــة الإسلامية القديمة وهو من أهم الآثار في شبــــــه الجزيرة العربـــــية ورد ذكره في معجم البلدان بأن الزبيدية اسم بركة بين المفيشة والعـــــذيب وبها قصر ومسجد عمرته زبيدة أم جعـــــــــــفر زوجة الرشيد..
وقد عنيت زبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد بتمهيد الطريق لتسهيل سبل الحج فأنشأت على طول الطريق منازل زودتها بالماء والمرافق اللازمة للمسافرين والحجاج كالبرك والآبار وقد بلغ عدد المنازل خمسين منزلاً وظل هذا الدرب مستعملاً لمدة خمسة قرون ويبلغ طول درب زبيدة في المملكة أكثر من ألف كلم وتعتبر محافظة (رفحا) أول المناطق التي يمر بها الطريق داخل المملكة.
وكثيرة هي المصادر التاريخية في كتب الرحلات التي تحدثت وتطرقت إلى قوافل الحجيج وما كانت لتتعرض له من قطع الطريق والقتل والسلب والنهب والاعتداء عليهم من قبل الأعراب والبدو وفرض الضرائب المالية والأتاوات ونهب الأمتعة. هكذا كانت رحلة الحج في الماضي، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الطريق بين مكة والمدينة كانت تحفه الكثير من المخاطر وكان الحجاج يتعرضون فيه لاعتداء القبائل المنتشرة على ذلك الطريق حيث كان ينتشر الأعراب والبدو ويعتبرون نهب الحجاج مصدر رزقهم وعيشهم، فكانوا يرون أن الحاج "رزق ساقه الله إليهم".
أمن وأمان
وجاء الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه وكان همه الأول توطيد الأمن والأمان وبعزيمــــــة وإصرار وإرادة لا تليــــــن فتحقق له ذلك فأصبح اليوم الحــــــج وسيلة ورحلة ماتعــــــة سعيدة لا يشــــــعر فيـــها الإنسان بِنَصَبٍ ولا تَعَب فكل شيء ميسر له فكل شيء اليوم موظف لخدمة الحجيج.
لقد غدا الحج أكثر سهولة ويسراً وأمناً واستقراراً فقد أصبح بإمكان الحاج وخلال ساعات معدودة تفصل ما بين منزله في بلاده وما بين وصوله إلى بيت الله الحرام.
إن ما تقوم به حكومة خادم الحرمين الشريفين وما تقدمه من خدمات جليلة واهتمام بضيوف الرحمن ليفوق الوصف وتعجز الكلمات عن تجسيد الرعاية الشاملة والخدمات الجليلة والعناية العظيمة التي تقدمها المملكة لضيوف الرحمن وتوفير كل وسائل الراحة والطمأنينة لهم حتى يؤدوا مناسكهم في يسر وسهولة وطمأنينة. إن المشاريع الضخمة والتوسعات العملاقة التي تقوم بها المملكة العربية السعودية بهدف راحة الحجاج واستيعاب أكبر عدد منهم ليرسم الإعجاب والإكبار ودهشة الانبهار وأنا أقرأ بريق الدهشة في عيون جميع الحجاج الذين ذهلوا مما رأوه من إنجازات وخدمات راقية فالجميع مسخر لخدمتهم فهناك شبكة متداخلة من الخدمات التي يلمسها الحاج بنفسه..
كلمات من نور
إذا كانت الشخصيات الفذة العملاقة هي التي تصنع التاريخ فإن ما شهدته مكة المكرمة والمدينة المنورة من إنجازات وتوسعات عمرانية متكاملة سيسجلها التاريخ بأحرف من نور وستبقى يذكرها الناس إلى أمد الآمدين.. وهــــــذا يؤكد حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عــــهده الأمين وسمو النائب الثاني على توفير كل وسائل الراحة للحجاج حتى غدا الحج اليوم رحلة ترفيهية قد لا تتجــــــاوز مدتها أصابع اليد الواحــــــدة على أبعــــــد تقدير وهذا كله نعمة من الله على حجاج بيته..
فهنــيئاً للحجـــاج بهــــــــذه الإنجازات العظيمة والعطـــــاءات الجليلة..
حقاً إنها مكــرمات تسحر الألباب وتدهش الأنظار فحيثما ســـــــــرت وأينما ذهبت تجد كل وســــــائل الراحة والخدمات متوفرة بشكل لا يخطر على البال.
استطلاع مها عارف
قصص الخوف والتعب والشقاء
الحـج قديماً
الحج ما بين الأمس واليوم يمكن أن يقاس بسنوات ضوئية وهذه الحقيقة الساطعة كشمس في رابعة النهار يعرفها الآباء والأجداد الذين عانوا من مشقة الحج ووعثاء السفر، فالحج بالأمس كان الذاهب إليه مفقوداً والعائد منه مولوداً..
قوافل الحجاج
في الماضي كانت قوافل الحجاج وعبر مئات السنين تنساب على ظـــــــــــهور الإبل تسري في الليل فيبدد صوت الحُداة وحشة الليل ورهبة الصحراء في مواكــــــــب فرح إيمانية تغمر القلوب بفيض زاخر ومشاعر من الأشواق تتــــــوق إلى بيت الله الحـــــرام وتغمر الصحراء مشـــــاهد الأنس والبهجة وهذا هـــــو الوجه المشرق للرحلة والقافلة ولأمير الحج والقافلة..
وعلى الجانب الآخر هناك مشاعر الخوف والقلق من غوائل الغدر والسطو والعدوان وربما المتاهة والموت عطشاً في مفازات الصحراء إنها صور من ذكريات الأمس التي لا تزال تختزلها الذاكرة الشعـــــــــبية ذاكرة الأجداد الذين واجهوا شظف الحياة وقساوة الطريق ووعورته حيـــــــث كانت الرحلة تمتد من الشــــــام أو العراق أو مصـــــر شهوراً عديــــدة للوصـــول إلى الأمل والغاية والموئل إنه بيت الله الحرام..
لصوص وقطاع طرق
يحدثنا يحيى عبدالله آل جعفر وعمره حوالي 85سنة فيقول: في الماضي كنا نحج على الدواب ونخترق الجبال مشياً على الأقدام وأكلنا وشربنا ومتاعنا على الدواب تحملها الحمير والجمال وهذه كانت وسيلة النقل الوحيدة في الماضي وكان يستغرق الطريق في أبها إلى مكة شهراً كاملاً في الذهاب ونمر في طريقنا على أهل البادية نستريح عندهم وكنا أكثر ما نخاف قطاع الطرق واللصوص الذين كانوا يباغتون الحجاج ويترصدونهم فينهبونهم بعد أن يقتلوهم علــــــماً أن الحجاج كانوا مسلحين لمواجهة مخاطر الطريــــــــق وكنا طوال الطريق نقرأ المعوذات وآيات من القرآن الـــــــكريم وندعـــــــــو الله أن نصل سالمين إلى بيت الله الحرام لنتمكن من أداء فريضة الحج وكنا نسير في الليل الدامـــــــس نحــــمل الفوانيس لتضيء لنا الطريق فقد كان الحـــــــج مشــــقة وتعباً وكنا نتعب في المشي وخاصة عند الظهر إذا كان الوقت صيفاً والكثير كان يصل إلى حد الموت عطشاً فكنا نبحث عن الآبار لنتزود من الماء ولا نصل مكة المكرمة إلا بشق الأنفس ونحــــــن مجهدون منهكون من التعـــــــب نظراً لعدم تعبيد الطرق وعدم توفر الخدمات ووسائل النقــــــل المريحة..
أما اليوم فقد أصبح الحج ميسراً لكل من أراد الحج فالإنسان مهما بعدت به المسافات فهو خلال ساعات معدودة يكون في بلاد الحرمين الشريفين وإنها مناسبة أن أتوجه بالشكر لحكومتنا الرشيدة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الذي تبرع باستقدام عدد كبير من الحجاج على نفقته الخاصة وهذا يدل على عطف المملكة العربية السعودية وحبها لجميع العالم سواء مسلمين أو غير مسلمين.
15يوماً من أبها إلى الطائف
ويذكر عبدالله سالم بديوي من أهالي أبها بأنه قد حج أكثر من مرة بعضها على الأقدام وبعضها بالسيارات ويقول في عام 1355هـ ذهب إلى الحج عن طريق البر فاستغرق الطريق إلى الطائف 15يوماً على الأقدام وأضاف كنا ننام في المقاهي في مكة والنوم في عرفات ومنى على الأرض فلم يكن هناك خيام..
وقال بأن الكثير من رفاق الرحلة كانوا يموتون في الطريق أو في مكة.. وأضاف: لقد كان الأمن فيما مضى وقبل توحيد الجزيرة العربية مجرد حلم يراود حجاج بيت الله الحرام. وكانت تعيش كغيرها من أصقاع الأرض في ظلام دامس من الجهل والفقر والأمراض الفتاكة والضلالات والعقائد الهدامة والتي ظلت سائدة فيما بين ساكنيها طيلة قرون عديدة وذلك نتيجة لضعف الوازع الديني،ولما أفاء الله على هذه البلاد الطيبة بنعمة الأمن والاستقرار العظيمة، وجاء الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه اهتم بتوفير الأمن والاستقرار لحجاج بيت الله الحرام واستطاع بتوفيق من الله تحقيق ما أراد فأصبح الحاج يؤدي مناسك الحج في أمن وأمان وطمأنينة وخشوع وبكل يسر وسهولة بعد أن كان الخوف والقتل والسلب والغزو تسيطر على نفسية كل حاج يأتي إلى هذه الديار المقدسة التي جعلها الله أمناً ومثابة للناس وأصبح الأمن واقعاً معاشاً يشعر به كل من يعيش في هذه البلاد المقدسة.
رحلــة البتنوني
ولنستمع إلى محمد لبيب البتنوني الذي حج عام 1327هـ أواخر سنة 1909م أي قبل قرن من الزمان تقريباً فيقول في كتابه الذي سماه "الرحلة الحجازية" في عام 1910م.
يصف رحلة الحج ومنازلها ومشاهدها وصورها حيث يصف البتنوني قافلة الحجاج في حلها وترحالها بين مكة والمدينة وصفاً دقيقاً فيقول:
وقت تحميل القافلة وتنزيلها تكثر السرقات من الجمالة أنفسهم وقد يتفق جمّالك مع جمّال آخر فيحضر في هذا الوقت الذي يلهبك فيه بصريخه وصياحه، في حين أن الآخر ينقض على عفشك ويسرق منه ما تصل إليه يده، حتى إذا هدأ روعك شعرت بما نقص من متاعك وهنالك يكثر الصياح فيقول هذا: خرجي.. ويقول الآخر: ملابسي.. ويصيح غيره: لحافي.. وهكذا.. وبعد هرج ومرج يسكت الصائحون شاكين أمرهم إلى الله.. وأثناء الجلبة تسمع صوت الأعراب: هذا يقول: الحطب الحطب.. وآخر يقول: الماء.. الماء.. وما هم إلا لصوص وسارقون يسرقون كل ما تصل إليه أيديهم ويفرون من حيث لا يشعر بهم أحد..
والرفقاء من الحجاج يتناوبون السهر في حراسة عفشهم ومن يسهر منهم تراه على الدوام يصرخ بكلمات الاضطراب والانزعاج كقولهم: شايفك.. أبعد.. لا تقرب.. وهكذا.. والحجاج يقضون حاجتهم بين رحالهم في الغالب، ومن ابتعد عنها لا بد أن يكون معه أنيس يحرسه عند انشغاله بنفسه وإلا فإنه لا يحرم واحداً من الأعراب ينقض عليه ويضربه بعصا قصيرة تخمد أنفاسه.. فيشلحه ملابسه ويأخذ حزامه.. وقد يقطع الجمّالة بعض الجمال من القافلة أثناء سيرها ويتظاهرون بإصلاح حمولتها حتى إذا ابتعدت القافلة عنهم أوقعوا بركابها وهم يستغيثون ولا يغاثون.
أمر يوك
ويذكر اللواء إبراهيم رفعت باشا في كتاب مرآة الحرمين واصفاً الطريق بين جدة ومكة بأنها وادٍ رملي وقبيل مكة بنحو أربعة أميال تجد مدرجاً حجرياً متعرجاً وهذا الوصف لسنة 1318هـ 1901م. ويمضي فيقول: بالطريق بضع عشرة قهوة لراحة الحجاج وتقديم الشاي والقهوة لهم وبه جملة قلاع ذات اليمين وذات الشمال يقيم بها جنود أتراك وبه أماكن أخرى يقطنها عساكر الشريف غير النظامية وهؤلاء الحراس وجدوا للمحافظة على الأمن بالطريق ولكنهم كما سمعت لا يفارقون أماكنهم لرد الغارات والضرب على أيدي اللصوص وقطاع الطريق ولو كــــــان ذلك بمرأى منهم ومسمـــــــع إلا إذا أمرهم الوالي وأين هو منهم وكثيراً ما سلب الحجاج أمتعتهم إذا تأخروا عن القافلة لإصلاح الأحمال أو قضاء بعض الضرورات.
وإذا ما سُئل هؤلاء الحراس لمــــــــــاذا لا تقومون بالواجـــــــب قالوا (أمر يوك) أي ليس عندنا أمر.
وكان على طول الطريق إلى الحج المنازل والعيون والآبار التي ينزل فيها الحجاج ومما قيل شعراً في ذكر المنازل على طريق مكة يقول أحمد بن عمرو:
يا ليت أنا قد رأينا العيسا
قد وافت السبت أو الخميسا
بطابع قد فارق النموسا
والسفن قد رفت بنهر عيسى
ونحن ندعو الملك القدوسا
ت حكي إذا ما سارت العروسا
تكن شمساً فاقت الشموسا
مليكة تكبر عن بلقيسا
ثمن الظل
ويذكر محمد كامل حته في كتابه في ظلال الحرمين صوراً قد لا يصدقها العقل فيقول: في أحد المقاهي بالقرب من رابغ وهي بلدة تعتبر ميقات الإحرام لحجاج مصر وشمالي إفريقيا، شهدت منظراً آذى شعوري وأثار حنـــــــقي، لأنه يصــــــــور الاستـــــغلال في أبشــــــع صـــــورة وأحط أسلوب.
كان المقهى يضيق بالرواد الذين لاذوا بظله يستريحون ويبتردون وكان على مقربة مني شيخ تركي ما أن فرغ من شرابه ونقد الغلام الثمن حتى طلب إليه الغلام في غلظة وفظاظة أن يغادر المكان، وقال الشيخ في عربية ركيكة تخالطها بعض الألفاظ التركية ما معناه:
- ألستُ قد طلبتُ شراباً وأديت الثمن؟! قال الغلام وهو يجذب الشيخ من كتفه: بلى دفعت ثمن الشراب، ولكنك لم تدفع ثمن الظل!!
إنه يريد أن يتقاضى من الشيخ نصف ريال إذا أراد أن يبقى بعد اللحظة الأخيرة، وإلا كان عليه أن يغادر الظل إلى جحيم الصحراء.. ما أبعد الفرق بين الأمس واليوم هذه بعض صور الأمس بلونها الأسود القاتم والمظلم.
درب زبيدة
يشكل درب زبيدة أحد أبرز المعــــــالم الأثريـــــة الإسلامية القديمة وهو من أهم الآثار في شبــــــه الجزيرة العربـــــية ورد ذكره في معجم البلدان بأن الزبيدية اسم بركة بين المفيشة والعـــــذيب وبها قصر ومسجد عمرته زبيدة أم جعـــــــــــفر زوجة الرشيد..
وقد عنيت زبيدة زوجة الخليفة العباسي هارون الرشيد بتمهيد الطريق لتسهيل سبل الحج فأنشأت على طول الطريق منازل زودتها بالماء والمرافق اللازمة للمسافرين والحجاج كالبرك والآبار وقد بلغ عدد المنازل خمسين منزلاً وظل هذا الدرب مستعملاً لمدة خمسة قرون ويبلغ طول درب زبيدة في المملكة أكثر من ألف كلم وتعتبر محافظة (رفحا) أول المناطق التي يمر بها الطريق داخل المملكة.
وكثيرة هي المصادر التاريخية في كتب الرحلات التي تحدثت وتطرقت إلى قوافل الحجيج وما كانت لتتعرض له من قطع الطريق والقتل والسلب والنهب والاعتداء عليهم من قبل الأعراب والبدو وفرض الضرائب المالية والأتاوات ونهب الأمتعة. هكذا كانت رحلة الحج في الماضي، ويكفي أن نشير هنا إلى أن الطريق بين مكة والمدينة كانت تحفه الكثير من المخاطر وكان الحجاج يتعرضون فيه لاعتداء القبائل المنتشرة على ذلك الطريق حيث كان ينتشر الأعراب والبدو ويعتبرون نهب الحجاج مصدر رزقهم وعيشهم، فكانوا يرون أن الحاج "رزق ساقه الله إليهم".
أمن وأمان
وجاء الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه وكان همه الأول توطيد الأمن والأمان وبعزيمــــــة وإصرار وإرادة لا تليــــــن فتحقق له ذلك فأصبح اليوم الحــــــج وسيلة ورحلة ماتعــــــة سعيدة لا يشــــــعر فيـــها الإنسان بِنَصَبٍ ولا تَعَب فكل شيء ميسر له فكل شيء اليوم موظف لخدمة الحجيج.
لقد غدا الحج أكثر سهولة ويسراً وأمناً واستقراراً فقد أصبح بإمكان الحاج وخلال ساعات معدودة تفصل ما بين منزله في بلاده وما بين وصوله إلى بيت الله الحرام.
إن ما تقوم به حكومة خادم الحرمين الشريفين وما تقدمه من خدمات جليلة واهتمام بضيوف الرحمن ليفوق الوصف وتعجز الكلمات عن تجسيد الرعاية الشاملة والخدمات الجليلة والعناية العظيمة التي تقدمها المملكة لضيوف الرحمن وتوفير كل وسائل الراحة والطمأنينة لهم حتى يؤدوا مناسكهم في يسر وسهولة وطمأنينة. إن المشاريع الضخمة والتوسعات العملاقة التي تقوم بها المملكة العربية السعودية بهدف راحة الحجاج واستيعاب أكبر عدد منهم ليرسم الإعجاب والإكبار ودهشة الانبهار وأنا أقرأ بريق الدهشة في عيون جميع الحجاج الذين ذهلوا مما رأوه من إنجازات وخدمات راقية فالجميع مسخر لخدمتهم فهناك شبكة متداخلة من الخدمات التي يلمسها الحاج بنفسه..
كلمات من نور
إذا كانت الشخصيات الفذة العملاقة هي التي تصنع التاريخ فإن ما شهدته مكة المكرمة والمدينة المنورة من إنجازات وتوسعات عمرانية متكاملة سيسجلها التاريخ بأحرف من نور وستبقى يذكرها الناس إلى أمد الآمدين.. وهــــــذا يؤكد حرص حكومة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عــــهده الأمين وسمو النائب الثاني على توفير كل وسائل الراحة للحجاج حتى غدا الحج اليوم رحلة ترفيهية قد لا تتجــــــاوز مدتها أصابع اليد الواحــــــدة على أبعــــــد تقدير وهذا كله نعمة من الله على حجاج بيته..
فهنــيئاً للحجـــاج بهــــــــذه الإنجازات العظيمة والعطـــــاءات الجليلة..
حقاً إنها مكــرمات تسحر الألباب وتدهش الأنظار فحيثما ســـــــــرت وأينما ذهبت تجد كل وســــــائل الراحة والخدمات متوفرة بشكل لا يخطر على البال.