لمياء الجلاهمة
29-11-2005, 11:20 PM
من دروس يعقوب في التربية:
(وكذلك يجتبيك ربك..)
12/6/1424
أ. د .ناصر بن سليمان العمر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
نقف في هذه المقالة مع بعض الأساليب التربوية في قول يعقوب الذي حكاه الله _تعالى_ في قوله: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث".
إن يعقوب _عليه السلام_ أدرك بأن ابنه انشغل بهذه الرؤيا، فلابد أن يكون قد شده قوله: "لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين" ، فأراد بعدها أن ينقل الابن من ما قد يجول بخاطره من أفكار إلى أمر آخر بعيد. أراد أن يخرجه أن يخرجه مما يسمى بالاستغراق في اللحظة الحاضرة إلى معنى بعيد جداً ؛لأنه لو ترك ابنه أيضاً على ما ذكره له ونقلته الآية الأولى لبدأ الابن يتساءل لماذا لا أقصص رؤياي؟ لماذا يكيد لي إخواني؟ لماذا، لماذا، لماذا؟ أسئلة أصغر من عمره، فناسب أن ينقل ذهنه نحو معنى مشرق، فقال له: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك" الآية.
والدرس التربوي في هذه الآية أيها الأحبة هو أنك إذا رأيت إنساناً قد حزبه أمر فأهمه فسارع بنقله إلى جانب آخر مشرق يبعث في نفسه التفاؤل ويقوده إلى الاطمئنان ويحثه على العمل الدؤوب، انقله إلى ما يقود إليه هذا الأمر الذي حزبه من خير وأره الجوانب المشرقة في النازلة.
وقد كان ذلك من منهج نبينا _صلى الله عليه وسلم_، ففي صلح الحديبية -وهو من أشد ما مر على الصحابة رضوان الله عليهم- عندما جاء سهيل بن عمرو، نقلهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ نقلة عجيبة، فقال: سهل أمركم سهل أمركم .
فجعلهم يتعلقون بأمل مرتقب، وبعث في نفوسهم التفاؤل.
إن من الأساليب التربوية والقيادية الحكيمة الكفيلة بتخفيف آثار المصيبة، بل ربما الخروج منها هو هذا الأسلوب، فما أحوج الآباء والأمهات، والمربون، والقادة، والموجهون، والدعاة، والعلماء إليه إذا رأيت من وقع في أمر عظيم، سواء كان فرداً أو جماعة أو أمة، فانقلهم إلى التفاؤل، انقلهم إلى الصورة الأخرى.
فيعقوب _عليه السلام_ نقل ابنه من هذا الهم الذي يعيشه إلى ما وراءه من مستقبل مشرق، فقال له: "وكذلك يجتبيك ربك".. أبشر يا بني، هذه الرؤيا عظيمة، ستكون حياتك في المستقبل. هذا اجتباء واصطفاء من الله _جل وعلا_ وتأتي البشائر "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك" الله أكبر! هل يتصور بعد ذلك أن يجلس يوسف _عليه السلام_ يفكر في مكيدة إخوته أو ينتقل بفكره إلى هذا الخير المقبل عليه؟ من اجتباء الله _جل وعلا_ واصطفاء الله له وبإتمام نعمته عليه؟
إن هذا الأسلوب قد يغيب عنا ونحن نواجه المشكلات، سواء على المستوى الفردي في بيوتنا مع أبنائنا، مع زوجاتنا، مع جيراننا، مع أقاربنا، أو على المستوى العام، على مستوى الأمة، فالأمة الآن تواجه هزيمة وبلاء وتسلط من الأعداء، وليست بحاجة إلى من يزيد من جروحها ويضخم أعداءها لها، كما يفعل كثير ممن في قلوبهم مرض، وكما فعل أسلافهم من المنافقين في عهد النبي _صلى الله عليه وسلم_، وإنما هي في حاجة إلى من يرفع معنوياتها، إلى من يقول لها: أبشري هذا الذي ترينه طريق النصر _بإذن الله_ إذا أخذت بمقومات النصر.
فيا أخا الإسلام .. إذا نزلت بساحتك مصيبة أو حل بك بلاء على المستوى الفردي أو على مستوى أعلى، فالتمس أوجه الخير فيما نزل فالله لا يخلق شراً محضاً، وانظر إلى ما انطوت عليه المصيبة من خير ثم اعمل على إظهاره واستثماره، ليتم لك الخروج من تلك المحنة، بل لتعود المحنة منحة، كما قال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" .
ما أحوجنا لهذه المعاني في الواقع الذي نعيشه.. فالأمة لا تحتاج إلى من يزيد من جروحها وبلائها، بل تحتاج أن نفتح لها الأفق الأوسع ونريها المستقبل المشرق لتسعى إليه، كما فعل يعقوب مع يوسف _عليه السلام_ وكما كان يفعل محمد _صلى الله عليه وسلم_ مع صحابته، في الخندق وفي الشدة التي صورها الله _عز وجل_ بقوله: "إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً" ، إذا بمحمد _صلى الله عليه وسلم_ يضرب الكدية ويبشر صحابته _رضوان الله عليهم_، لا يبشرهم بالخروج من الأزمة الراهنة فحسب بل يبشرهم ببشائر عظمى دونهم ودونها مفاوز بعيدة! ولكنها حق نبأه بها اللطيف الخبير .
المقال كاملا
http://almoslim.com/admin_prod/show_article_main.cfm?id=511
(وكذلك يجتبيك ربك..)
12/6/1424
أ. د .ناصر بن سليمان العمر
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
نقف في هذه المقالة مع بعض الأساليب التربوية في قول يعقوب الذي حكاه الله _تعالى_ في قوله: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث".
إن يعقوب _عليه السلام_ أدرك بأن ابنه انشغل بهذه الرؤيا، فلابد أن يكون قد شده قوله: "لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً إن الشيطان للإنسان عدو مبين" ، فأراد بعدها أن ينقل الابن من ما قد يجول بخاطره من أفكار إلى أمر آخر بعيد. أراد أن يخرجه أن يخرجه مما يسمى بالاستغراق في اللحظة الحاضرة إلى معنى بعيد جداً ؛لأنه لو ترك ابنه أيضاً على ما ذكره له ونقلته الآية الأولى لبدأ الابن يتساءل لماذا لا أقصص رؤياي؟ لماذا يكيد لي إخواني؟ لماذا، لماذا، لماذا؟ أسئلة أصغر من عمره، فناسب أن ينقل ذهنه نحو معنى مشرق، فقال له: "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك كما أتمها على أبويك" الآية.
والدرس التربوي في هذه الآية أيها الأحبة هو أنك إذا رأيت إنساناً قد حزبه أمر فأهمه فسارع بنقله إلى جانب آخر مشرق يبعث في نفسه التفاؤل ويقوده إلى الاطمئنان ويحثه على العمل الدؤوب، انقله إلى ما يقود إليه هذا الأمر الذي حزبه من خير وأره الجوانب المشرقة في النازلة.
وقد كان ذلك من منهج نبينا _صلى الله عليه وسلم_، ففي صلح الحديبية -وهو من أشد ما مر على الصحابة رضوان الله عليهم- عندما جاء سهيل بن عمرو، نقلهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ نقلة عجيبة، فقال: سهل أمركم سهل أمركم .
فجعلهم يتعلقون بأمل مرتقب، وبعث في نفوسهم التفاؤل.
إن من الأساليب التربوية والقيادية الحكيمة الكفيلة بتخفيف آثار المصيبة، بل ربما الخروج منها هو هذا الأسلوب، فما أحوج الآباء والأمهات، والمربون، والقادة، والموجهون، والدعاة، والعلماء إليه إذا رأيت من وقع في أمر عظيم، سواء كان فرداً أو جماعة أو أمة، فانقلهم إلى التفاؤل، انقلهم إلى الصورة الأخرى.
فيعقوب _عليه السلام_ نقل ابنه من هذا الهم الذي يعيشه إلى ما وراءه من مستقبل مشرق، فقال له: "وكذلك يجتبيك ربك".. أبشر يا بني، هذه الرؤيا عظيمة، ستكون حياتك في المستقبل. هذا اجتباء واصطفاء من الله _جل وعلا_ وتأتي البشائر "وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك" الله أكبر! هل يتصور بعد ذلك أن يجلس يوسف _عليه السلام_ يفكر في مكيدة إخوته أو ينتقل بفكره إلى هذا الخير المقبل عليه؟ من اجتباء الله _جل وعلا_ واصطفاء الله له وبإتمام نعمته عليه؟
إن هذا الأسلوب قد يغيب عنا ونحن نواجه المشكلات، سواء على المستوى الفردي في بيوتنا مع أبنائنا، مع زوجاتنا، مع جيراننا، مع أقاربنا، أو على المستوى العام، على مستوى الأمة، فالأمة الآن تواجه هزيمة وبلاء وتسلط من الأعداء، وليست بحاجة إلى من يزيد من جروحها ويضخم أعداءها لها، كما يفعل كثير ممن في قلوبهم مرض، وكما فعل أسلافهم من المنافقين في عهد النبي _صلى الله عليه وسلم_، وإنما هي في حاجة إلى من يرفع معنوياتها، إلى من يقول لها: أبشري هذا الذي ترينه طريق النصر _بإذن الله_ إذا أخذت بمقومات النصر.
فيا أخا الإسلام .. إذا نزلت بساحتك مصيبة أو حل بك بلاء على المستوى الفردي أو على مستوى أعلى، فالتمس أوجه الخير فيما نزل فالله لا يخلق شراً محضاً، وانظر إلى ما انطوت عليه المصيبة من خير ثم اعمل على إظهاره واستثماره، ليتم لك الخروج من تلك المحنة، بل لتعود المحنة منحة، كما قال النبي _صلى الله عليه وسلم_: "عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" .
ما أحوجنا لهذه المعاني في الواقع الذي نعيشه.. فالأمة لا تحتاج إلى من يزيد من جروحها وبلائها، بل تحتاج أن نفتح لها الأفق الأوسع ونريها المستقبل المشرق لتسعى إليه، كما فعل يعقوب مع يوسف _عليه السلام_ وكما كان يفعل محمد _صلى الله عليه وسلم_ مع صحابته، في الخندق وفي الشدة التي صورها الله _عز وجل_ بقوله: "إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً" ، إذا بمحمد _صلى الله عليه وسلم_ يضرب الكدية ويبشر صحابته _رضوان الله عليهم_، لا يبشرهم بالخروج من الأزمة الراهنة فحسب بل يبشرهم ببشائر عظمى دونهم ودونها مفاوز بعيدة! ولكنها حق نبأه بها اللطيف الخبير .
المقال كاملا
http://almoslim.com/admin_prod/show_article_main.cfm?id=511