محسن سليمان النادي
16-11-2005, 01:54 PM
رشاد أبوشاور
في الانتفاضة الكبري، تراهن جنود الاحتلال علي من منهم أبرع في قتل الفلسطينيين، برصاصة واحدة في الرأس.
في ثوان سقط أربعة شبّان بإصابات في الرأس، إثنان استشهدا فوراً، وواحد فارقت روحه جسده وصعدت إلي بارئها بعد يومين، والرابع بقي متشبّثاً بالحياة رغم موت الدماغ (موت إكلنيكي).
الأربعة الذين اصطادهم جنود الاحتلال نابلسيون، وذلك اليوم وصف بالجمعة السوداء. ثلاثة طويت سيرتهم، أمّا الرابع فقد تناقلت حكايته الصحافة العربيّة وبعض الصحف العالمية، ومنها صحيفة الهيرالد تريبيون ، لما فيها من إثارة.
الرابع هذا نقل بعد الإصابة إلي مستشفي رفيديا في نابلس، وبعد يومين نقل إلي مستشفي المقاصد المطّل علي مدينة القدس.
ذلك الفتي الذي اعتبر ميّتاً إكلينيكيّاً هو ناصر هوّاش.
دينيّاً، وإنسانيّاً، وأخلاقيّاً ترك الفتي ليصارع الموت لعلّه بمعجزة يفوز بالحياة، خاصة وأن أناساً يئس من عودتهم للحياة كتبت لهم الحياة من قبل، ومن بعد (شوفينمان، الوزير الفرنسي أحدهم!).
في تلك الفترة أصيب شخص (إسرائيلي) بعطب قلبه وتوقّفه عن العمل. ذلك الشخص اسمه (يسرائيل)، وهو تاجر ثري.
ذووه بحثوا عمّن يتبرع له بقلب، ولم يجدوا، فداروا علي المستشفيات، بما فيها المستشفيات الفلسطينيّة. ورغم عنصريتهم تجاه العرب، والفلسطينيين بخّاصة، فإنهم تلهّفوا للحصول علي قلب حتي لو كان قلباً عربيّاً (الحياة أهم من الإيديولوجيا، وحتي من فتاوي الحاخامات المتعصبين).
بعد التداول تبيّن أن قلب ناصر هوّاش يناسب (يسرائيل)، فكان أن بدأت المساومة...
صحافي فلسطيني كان يبحث عن خبطة صحافيّة تشهره، وتعزّز مكانته كوسيط ـ أحجم عن ذكر اسمه ـ اتصل بأسرة ناصر، وحاول إغراءهم بكّل السبل، حاضاً إيّاهم علي التبرع بقلبه لإنقاذ (يسرائيل)، لما في هذا من ضجّة إعلاميّة عالميّة لمصلحة الشعب الفلسطيني!...
انتبهوا: ذلك الصحافي عمليّاً أراد أن يقنع ذوي ناصر بان يطلبوا من الأطباء في مستشفي (المقاصد) سحب البرابيش التي تضخّ الغذاء لجسده، وانتزاع قلبه ـ إماتته عمليّاً ومنح الحياة لـ(يسرائيل)!
القيادات الوطنية في نابلس اجتمعت وتشاورت في الأمر ـ هذه هي الروح الوطنية الفلسطينية التي سادت في تلك الانتفاضة..قبل أوسلو ـ وقررت بالاجماع رفض الصفقة.
قيادات من التيّارات:الإسلاميّة، والقومية، والوطنيّة، والشخصيّات المستقلّة.. قرّرت بصوت واحد: لا نقبل بقتل الفلسطيني لإنقاذ حياة (يسرائيل)، لا مكافأة للقتلة بأعضاء، ودّم، ولحم الضحيّة...
آنذاك تابعت هذه الحكاية التراجيديّة، والتي كانت في فصلها الأخير كما يلي: مات (يسرائيل) الذي لم يتبرّع له بنو دينه بقلب أحد موتاهم، وظلّ ناصر يصارع الموت حتّي ليلة ميلاد السيّد المسيح.
أجراس كنائس القدس، كنيسة القيامة، وكنيسة المهد في بيت لحم، تقرع، وتملأ الليل الفلسطيني الحزين بنداء الحياة، وتذكّر بالمسيح المصلوب فداءً للبشر..في تلك اللحظات فاضت روح ناصر الهواش!.
لحظة ميلاد وموت، تلكم هي الحياة، هكذا كانت وهكذا تبقي، ومع صعود روح ناصر كانت امرأة فلسطينية تدفع من رحمها طفلاً فلسطينيّاً جديداً حمل اسم ناصر...
لا، هذه ليست أسطورة، بل هي حكاية الفلسطيني الواقعية المستمرّة.
انشغلت بهذه الحكاية وكتبتها رواية صدرت عن دار الآداب عام 94، ولمّا زرت نابلس بحثت عن قبر ناصر الهوّاش وقرأت علي روحه الفاتحة...
الحكاية من جديد:
جندي محتّل، يسدد إلي رأس فتي من مخيم جنين، فيرديه شهيداً.
الفتي اسمه أحمد اسماعيل الخطيب!
أحمد فتي فلسطيني من مخيّم جنين ـ مخيّم البطولة والشهادة والكارثة ـ ، تبرّع والده بأعضائه لتكون قطع غيار لإسرائيليين، ونال ثناء رئيس الكنيست (الإسرائيلي) مثنياً علي سخائه بالتبرّع بأعضاء إبنه..فهكذا يبرهن الفلسطينيون علي حبّهم للسلام!.
الأب صرّح بأنه مستعّد أن يذهب ليلتقي بشارون من أجل السلام!
عرفات ذهب إلي رابين، وباراك، وبيريس، وشارون و..كانت نهايته السّم القاتل.
أليس شارون هو من دمّر مخيّم جنين علي رؤوس سكّانه؟ هذا هو سلامه، فما الحجة التي سيقنع بها الأب المفجوع.. شارون؟.
أترون الفرق بين خطاب الانتفاضة الكبري الأولي (المغدورة)، وخطاب ما بعد أوسلو؟!
بعد يومين من ثناء رئيس الكنيست صرع عدد من فتيان، ربّما عرفاناً، وتوكيداً للشكر، أو لعلّهم هناك ـ اقصد شركاء السلام!! ـ يحتاجون لقطع غيار من أجساد فلسطينيّة فتيّة...
الأطفال الإسرائيليون الخمسة الذين وزّعت عليهم أعضاء الفتي الفلسطيني أحمد اسماعيل الخطيب، إبن مخيم جنين، والذي قتل في العيد، وانتزع حياته جنود اعتادوا قتل الفلسطينيين، هل سيكونون رحيمين بأطفال الفلسطينيين عندما يكبرون، كنوع من رّد الدين لمن أنقذهم من الموت بعد أن سرق آباؤهم حياته؟!
هل ستنحاز المرأة ذات الاربعة وخمسين عاماً ضد الاحتلال، وتدين شارون، وموفاز، ونتنياهو، وبيريس، وباراك، ومكسّر العظام رابين، علي جرائمهم بحّق الفلسطينيين الطيبين الكرماء؟
ثمّ من أعطي لذلك الأب الحقّ في التبرّع بأعضاء الإبن؟
ألم يقتل ذلك الفتي لأنه فلسطيني؟.
كان الطبيعي أن يتشاور مع أهل مخيّم جنين، مع أبناء وبنات الشهداء الذين دفنوا وهم أحياء تحت جنازير الجرّافات. كان عليه أن يتشاور مع القيادات الوطنية في منطقة (جنين) كما فعلت أسرة ناصر الهوّاش، لا أن يتصرّف علي أنه صاحب الحقّ بأعضاء الفتي الفلسطيني الشهيد، ويدلي بتصريحات تليق بقيادات (أوسلو)...
من يتابع أخبار فلسطين لن يفاجأ بالفتيات،والفتيات،الذين قتلوا بدم بارد بعد تبرّع ذلك الأب بأعضاء الإبن الفلسطيني!...
تأملت صورة الفتي المغدور برصاص قنّاص مجرّم رضع الكراهية والعنصريّة مع حليب أمّه، والفتي يتأبّط قيثاره، وحول ملصقه يتحلّق اصدقاؤه الفتيان ـ من منهم سيقتنصه جنود الرّب ليكون قطع غيار؟! ـ وبعضهم يحمل دمية علي هيئة رشّاش...
هؤلاء هم من يصونون ذكري احمد الفلسطيني، وهم من لا يباركون ما فعله ذلك الأب، فهم بخبراتهم مع أولئك الجنود، بما رأوه، وما عانوه يعرفون أن السلام لا يتحقق بالتبرّع بأعضائنا، وبحملات دعاية مبتذلة ذليلة، ولكنه يتحقق بما سيحمله أولئك الفتيان عندما تطول قامتهم شبراً، لينتزعوا به حريّة أرضهم، ويصونوا به سلامة أعضاء أجسادهم التي خلقوا بها، والتي بها يدفنون في ثري فلسطين الطهور...
عن القدس العربي
في الانتفاضة الكبري، تراهن جنود الاحتلال علي من منهم أبرع في قتل الفلسطينيين، برصاصة واحدة في الرأس.
في ثوان سقط أربعة شبّان بإصابات في الرأس، إثنان استشهدا فوراً، وواحد فارقت روحه جسده وصعدت إلي بارئها بعد يومين، والرابع بقي متشبّثاً بالحياة رغم موت الدماغ (موت إكلنيكي).
الأربعة الذين اصطادهم جنود الاحتلال نابلسيون، وذلك اليوم وصف بالجمعة السوداء. ثلاثة طويت سيرتهم، أمّا الرابع فقد تناقلت حكايته الصحافة العربيّة وبعض الصحف العالمية، ومنها صحيفة الهيرالد تريبيون ، لما فيها من إثارة.
الرابع هذا نقل بعد الإصابة إلي مستشفي رفيديا في نابلس، وبعد يومين نقل إلي مستشفي المقاصد المطّل علي مدينة القدس.
ذلك الفتي الذي اعتبر ميّتاً إكلينيكيّاً هو ناصر هوّاش.
دينيّاً، وإنسانيّاً، وأخلاقيّاً ترك الفتي ليصارع الموت لعلّه بمعجزة يفوز بالحياة، خاصة وأن أناساً يئس من عودتهم للحياة كتبت لهم الحياة من قبل، ومن بعد (شوفينمان، الوزير الفرنسي أحدهم!).
في تلك الفترة أصيب شخص (إسرائيلي) بعطب قلبه وتوقّفه عن العمل. ذلك الشخص اسمه (يسرائيل)، وهو تاجر ثري.
ذووه بحثوا عمّن يتبرع له بقلب، ولم يجدوا، فداروا علي المستشفيات، بما فيها المستشفيات الفلسطينيّة. ورغم عنصريتهم تجاه العرب، والفلسطينيين بخّاصة، فإنهم تلهّفوا للحصول علي قلب حتي لو كان قلباً عربيّاً (الحياة أهم من الإيديولوجيا، وحتي من فتاوي الحاخامات المتعصبين).
بعد التداول تبيّن أن قلب ناصر هوّاش يناسب (يسرائيل)، فكان أن بدأت المساومة...
صحافي فلسطيني كان يبحث عن خبطة صحافيّة تشهره، وتعزّز مكانته كوسيط ـ أحجم عن ذكر اسمه ـ اتصل بأسرة ناصر، وحاول إغراءهم بكّل السبل، حاضاً إيّاهم علي التبرع بقلبه لإنقاذ (يسرائيل)، لما في هذا من ضجّة إعلاميّة عالميّة لمصلحة الشعب الفلسطيني!...
انتبهوا: ذلك الصحافي عمليّاً أراد أن يقنع ذوي ناصر بان يطلبوا من الأطباء في مستشفي (المقاصد) سحب البرابيش التي تضخّ الغذاء لجسده، وانتزاع قلبه ـ إماتته عمليّاً ومنح الحياة لـ(يسرائيل)!
القيادات الوطنية في نابلس اجتمعت وتشاورت في الأمر ـ هذه هي الروح الوطنية الفلسطينية التي سادت في تلك الانتفاضة..قبل أوسلو ـ وقررت بالاجماع رفض الصفقة.
قيادات من التيّارات:الإسلاميّة، والقومية، والوطنيّة، والشخصيّات المستقلّة.. قرّرت بصوت واحد: لا نقبل بقتل الفلسطيني لإنقاذ حياة (يسرائيل)، لا مكافأة للقتلة بأعضاء، ودّم، ولحم الضحيّة...
آنذاك تابعت هذه الحكاية التراجيديّة، والتي كانت في فصلها الأخير كما يلي: مات (يسرائيل) الذي لم يتبرّع له بنو دينه بقلب أحد موتاهم، وظلّ ناصر يصارع الموت حتّي ليلة ميلاد السيّد المسيح.
أجراس كنائس القدس، كنيسة القيامة، وكنيسة المهد في بيت لحم، تقرع، وتملأ الليل الفلسطيني الحزين بنداء الحياة، وتذكّر بالمسيح المصلوب فداءً للبشر..في تلك اللحظات فاضت روح ناصر الهواش!.
لحظة ميلاد وموت، تلكم هي الحياة، هكذا كانت وهكذا تبقي، ومع صعود روح ناصر كانت امرأة فلسطينية تدفع من رحمها طفلاً فلسطينيّاً جديداً حمل اسم ناصر...
لا، هذه ليست أسطورة، بل هي حكاية الفلسطيني الواقعية المستمرّة.
انشغلت بهذه الحكاية وكتبتها رواية صدرت عن دار الآداب عام 94، ولمّا زرت نابلس بحثت عن قبر ناصر الهوّاش وقرأت علي روحه الفاتحة...
الحكاية من جديد:
جندي محتّل، يسدد إلي رأس فتي من مخيم جنين، فيرديه شهيداً.
الفتي اسمه أحمد اسماعيل الخطيب!
أحمد فتي فلسطيني من مخيّم جنين ـ مخيّم البطولة والشهادة والكارثة ـ ، تبرّع والده بأعضائه لتكون قطع غيار لإسرائيليين، ونال ثناء رئيس الكنيست (الإسرائيلي) مثنياً علي سخائه بالتبرّع بأعضاء إبنه..فهكذا يبرهن الفلسطينيون علي حبّهم للسلام!.
الأب صرّح بأنه مستعّد أن يذهب ليلتقي بشارون من أجل السلام!
عرفات ذهب إلي رابين، وباراك، وبيريس، وشارون و..كانت نهايته السّم القاتل.
أليس شارون هو من دمّر مخيّم جنين علي رؤوس سكّانه؟ هذا هو سلامه، فما الحجة التي سيقنع بها الأب المفجوع.. شارون؟.
أترون الفرق بين خطاب الانتفاضة الكبري الأولي (المغدورة)، وخطاب ما بعد أوسلو؟!
بعد يومين من ثناء رئيس الكنيست صرع عدد من فتيان، ربّما عرفاناً، وتوكيداً للشكر، أو لعلّهم هناك ـ اقصد شركاء السلام!! ـ يحتاجون لقطع غيار من أجساد فلسطينيّة فتيّة...
الأطفال الإسرائيليون الخمسة الذين وزّعت عليهم أعضاء الفتي الفلسطيني أحمد اسماعيل الخطيب، إبن مخيم جنين، والذي قتل في العيد، وانتزع حياته جنود اعتادوا قتل الفلسطينيين، هل سيكونون رحيمين بأطفال الفلسطينيين عندما يكبرون، كنوع من رّد الدين لمن أنقذهم من الموت بعد أن سرق آباؤهم حياته؟!
هل ستنحاز المرأة ذات الاربعة وخمسين عاماً ضد الاحتلال، وتدين شارون، وموفاز، ونتنياهو، وبيريس، وباراك، ومكسّر العظام رابين، علي جرائمهم بحّق الفلسطينيين الطيبين الكرماء؟
ثمّ من أعطي لذلك الأب الحقّ في التبرّع بأعضاء الإبن؟
ألم يقتل ذلك الفتي لأنه فلسطيني؟.
كان الطبيعي أن يتشاور مع أهل مخيّم جنين، مع أبناء وبنات الشهداء الذين دفنوا وهم أحياء تحت جنازير الجرّافات. كان عليه أن يتشاور مع القيادات الوطنية في منطقة (جنين) كما فعلت أسرة ناصر الهوّاش، لا أن يتصرّف علي أنه صاحب الحقّ بأعضاء الفتي الفلسطيني الشهيد، ويدلي بتصريحات تليق بقيادات (أوسلو)...
من يتابع أخبار فلسطين لن يفاجأ بالفتيات،والفتيات،الذين قتلوا بدم بارد بعد تبرّع ذلك الأب بأعضاء الإبن الفلسطيني!...
تأملت صورة الفتي المغدور برصاص قنّاص مجرّم رضع الكراهية والعنصريّة مع حليب أمّه، والفتي يتأبّط قيثاره، وحول ملصقه يتحلّق اصدقاؤه الفتيان ـ من منهم سيقتنصه جنود الرّب ليكون قطع غيار؟! ـ وبعضهم يحمل دمية علي هيئة رشّاش...
هؤلاء هم من يصونون ذكري احمد الفلسطيني، وهم من لا يباركون ما فعله ذلك الأب، فهم بخبراتهم مع أولئك الجنود، بما رأوه، وما عانوه يعرفون أن السلام لا يتحقق بالتبرّع بأعضائنا، وبحملات دعاية مبتذلة ذليلة، ولكنه يتحقق بما سيحمله أولئك الفتيان عندما تطول قامتهم شبراً، لينتزعوا به حريّة أرضهم، ويصونوا به سلامة أعضاء أجسادهم التي خلقوا بها، والتي بها يدفنون في ثري فلسطين الطهور...
عن القدس العربي