عرض الإصدار الكامل : المسلمين والآخر


إنسان
23-04-2002, 01:02 AM
وضع العالم الإسلامي يشكل بحد ذاته علامة استفهام ممتدة القامة بامتداد مساحات القارتين الآسيوية والافريقية حيث أغلبية الدول الإسلامية.
اشكالية الضعف الذي تعانيه مجتمعاتنا المسلمة.. ليست في جزئية معينة بل هي عامة.. حيث تشمل جميع الأنظمة الاجتماعية الاقتصادية العسكرية، وإن كانت هناك دولة إسلامية تميزت بجدية مؤسساتها الحاكمة في تحديث دولتها وادخالها قائمة الدول المتقدمة أو الدول النامية للخروج بجدية من الدول المختلفة إلا أن اشكالية الموقع الجغرافي كانت أحد العوامل التي ايضاً شكلت ضغطاً صعب التجاوز على بعض تلك الدول..
الخطورة في هذا الضعف ان تلك المجتمعات تعمقت لديها فكرة المؤامرة.. وبالتالي الاعتقاد ان الضعف ليس إلا نتيجة مخططات خارجية غريبة تحديداً.
وفي حالة الاتفاق معهم على ذلك فإن الاعتقاد يشكل خطراً بحد ذاته ففيه تغييب لإرادة الإنسان المسلم وهي الإرادة التي شكلت الأساس الفعلي للمجتمع المتحضر الممتد في العصور الأولى للإسلام..
الحقيقة ان اشكالية المجتمعات الإسلامية تنبع من داخلها وتحديداً من بعض مؤسسات صناعة القرار والتي تسعى لتفريغ عقلية المواطن من عمليات التفكير الايجابية وتحويلها إلى مجرد.. أفراد تنادي وتصرخ في الشوارع لاعنة الامبريالية.. ومهددة رأس الشيطان.. بالموت والوبال.. فيما هذه الشعوب لا تجد الطعام.. لا تجد الدواء.. لا تجد التعليم.. بل لا تجد أدنى درجات الحياة الطبيعية المتمثل في سكن له سقف.. ومع ذلك فهي لا تتعب من لعن رأس الشيطان أميركا.. والمشكلة أن أميركا.. تبني نفسها ومؤسساتها وتخطط لحماية أجيالها حتى وإن استدعى ذلك أن تؤكد انها فعلاً رأس الشيطان.. من خلال بنائها قاعدة عسكرية في قرب رأس التنين الصيني..
والآن هذا المواطن هذا الإنسان المسلم مع تراكم السنين وتعدد وتباين المواقف.. التي صنعتها حكوماته.. ألم يدرك ان اصلاح الخلل لن يأتي على رأس صاروخ.. أو ظهر طائرة.. وألم يصل ادراكه إلى ان الاصلاح لابد أن يأتي من الداخل.. داخل الإنسان وداخل المجتمع..
ألم تثبت الأيام أن خلل المجتمعات المسلمة هو في الاستسلام والاعتماد على أن الآخر هو المسئول عن تخلفنا.. وان الآخر هو المسئول عن إغلاق جامعة وافتتاح سجن وان الآخر هو المسئول عن شلل أطفالنا وإعاقة رجالنا.. وظلم نسائنا هذا الآخر من هو؟ الهروب الجماعي الذي تقوم به المجتمعات الإسلامية تحتاج لزمن طويل لمعالجته ولكن ذلك لن يكون إلا إذا استطاع الإنسان المسلم ان يستوعب حقيقة الإسلام تلك الحقيقة التي لا تعادي الإنسانية ولا تعادي التقدم العلمي ولا تعادي لمجرد المعاداة..
لعل هذا يدفع الإعلام العربي والمسلم أن يعيد صياغة لغته بحيث يتحول إلى طرح ايجابي أكثر نحو المواطن.. نحو المواطنة نحو الآخر.. ونحو المؤسسة الوطنية والمواطن على وجه الخصوص لأن عملية البناء تتطلب الاستمرارية في معالجة الأخطاء الداخلية لا إلقاء المسئولية على الخارج. لأنه من الأسهل لوم الآخرين على مواجهة النفس وتقويمها.. فهذا يتطلب جرأة وشفافية لا تملكها الكثير من المجتمعات الإسلامية ثم ان الاستمرارية في لوم الآخر.. هي بمثابة تكبيل وتحييد للقدرات الايجابية والصالحة عند المسلمين والعرب بل وتعطيلها لأن الآخر يريد ذلك..
نعم أميركا دولة تمارس العدل بكفة واحدة وميزانها ـ أعور ـ نعم هي لا تريد الخير للإسلام.. وبالتالي المسلمين ولكن هذا لم يكن سبباً كافياً لأن نعيش في مؤخرة العالم وان تكون قوتنا النفسية بهذا الانحدار ومشاعرنا بهذه السلبية تجاه الآخرين.. لأن الانهزامية التي يعيشها أغلبية المسلمين اليوم هي أخطر من السلاح الأمريكي الذي نقصف به هنا وهناك.. تحت مظلة القضاء على الإرهاب..
نحن أحوج ما نكون لفهم الإسلام حقيقة، واستيعاب تشريعاته وأحكامه كما يجب، لا كما نريد ولا كما توجهنا أهواؤنا المعادية تارة والمنهزمة تارة أخرى.. لأن هذا الفهم الواعي متى تحقق فإنه بداية دخولنا للعالم المتقدم وإعادة تشكيل عمق الحضارة الإنسانية وإعادة القيم الصحيحة وأولها قيمة إنسانية الإنسان مهما كان جنسه أو دينه أو لونه.. أو موقعه الجغرافي..

د. هيا المنيع