محسن سليمان النادي
03-10-2005, 11:00 AM
انقل لكم موضوع مهم من حيث الدلاله ومن حيث الفهم لموضوع
نوقش مرات عديده
اليكم المقال(((((((((((((((د.صهباء محمد بندق**
08/05/2005
كثيرٌ من الباحثين يقع في مغالطات بحثية في الأحاديث التي تحمل مضامين طبية، كما تقع منهم تجاوزات لحدود المنهج العلمي المتعارف عليه، وغالبا ما تتسم تلك الدراسات بغياب روح البحث العلمي، حيث تسودها الرغبة الملحة في إثبات مسائل طبية ما تزال في دائرة الغموض، ويطغى الجموح والهيجان العاطفي على صوت العقل والمنطق، فيغدو الهدف هو الانتصار المسبق لموضوع البحث وليس للبحث ذاته، وهذه إهانة عظيمة للعقل والدين معا، يجدر بالمسلمين الانتباه لها، فالخطأ المنهجي المتضمن في محاولة قسر النتائج التجريبية وجعلها مؤيدة لنصوص نبوية يجرد الباحث من نزاهته العلمية ويسلب البحث قيمته المعرفية.
بل إن تجاوز المعطيات التجريبية والاستغلال الخاطئ، والتطويع غير السليم للنتائج العلمية يعرّض السنة النبوية للضرر والتشويه نتيجة للأخطاء البشرية. فإلهاء المريض بدواء لم تثبت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يلحق الضرر به، وقد يسبب له شكوكا في حال عدم الاستفادة أو حدوث ضرر باستعماله، وكذلك الأمر بالنسبة للسليم عندما يتعلق بأوهام على أنها من الوصايا الصحية النبوية.
ولعل من أسباب الارتكاز على المشاعر الدينية الفائرة، والتخلي عن الرؤية المنهجية والموضوعية بشأن الهدي النبوي في الطب.. ما تشهده الأمة من تطورات سياسية وأزمات ثقافية واقتصادية، ولدت روحا من الانهزام النفسي، البعض يحاول كبت عاطفته الدينية بشتى الوسائل، والبعض يحاول نقل المعركة إلى ميدانه الخاص في محاولة لا واعية لتفريغ الشعور الضاغط بالانسحاق الثقافي وضياع الهوية، هذا مع استبعاد فريق آخر -للأسف الشديد- يحاول استغلال تلك المشاعر الدينية الفائرة لتحقيق مآرب شخصية ولبناء أمجاد وهمية على أكتاف السنة النبوية.
وأود أن أنبه إلى أني عندما أذكر تلك الاعتراضات البحثية حول ما يتعلق بأبحاث ما يعرف بـ"الطب النبوي"، فهذا لا يعني مطلقا أنني أستبعد أي صورة من صور الإعجاز العلمي في حديثه صلى الله عليه وسلم، أو أنني لا أرى جدوى من الخوض في هذا المجال
معنى المنهج العلمي وخصائصه
المنهج "Method " لفظة مشتقة من كلمة يونانية، بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، ويرجع أصلها الاشتقاقي إلى معنى الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب. ويعتبر "منهج البحث العلمي" علمًا قائما بذاته يسمى "علم مناهج البحث" "Methodology" أو علم المناهج اختصارا، ويمثل أهم جوانب العلم والمعرفة العـلمية(2).
وقد استقر معنى كلمة منهج منذ عصر النهضة الأوربية بمعنى طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة من العلم، ومعنى المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة(3).
أقسام المنهج العلمي:
قد تختلف مناهج البحث في كل علم من العلوم عن بعضها الآخر، فهناك فرق مثلا بين علم الفلك وعلم الطبيعة وعلم الكيمياء والجيولوجيا والرياضيات. ولكن مع هذه الفروق في مناهج كل علم، فإن هناك أساسيات تجمع بينها جميعا، وهذه الأساسيات هي التي يهتم بها علم المناهج العام، فالعلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة يسمى علم المناهج، وهو العلم الذي يدرس الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية، وتبعا لاختلاف هذه العلوم تختلف المناهج، ولكنها يمكن أن ترد إلى منهجين هما: الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم الأخلاقية أو التاريخية وهو منهج الاسترداد، ويمكن حصرها في نهاية الأمر فيما يلي(3):
1 - المنهج الاستدلالي أو الرياضي: وهو الذي نسير فيه من مبدأ إلى قضايا تنتج عنه بالضرورة دون التجاء إلى التجربة، وهو منهج العلوم الرياضية.
--------------------------------------------------------------------------------
المنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي
--------------------------------------------------------------------------------
2 - المنهج التجريبي: ويشمل الملاحظة والتجربة معا الذي نبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ غير يقينية تماما ونسير منها معممين حتى نصل إلى قضايا عامة، لاجئين في كل خطوة إلى التجربة كي تضمن لنا صحة الاستنتاج وهو منهج العلوم الطبيعية.
3 - المنهج الاستردادي أو المنهج التاريخي وهو الذي نقوم فيه باسترداد الماضي تبعا لما تركه من آثار، أيا كان نوع هذه الآثار، وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية والأخلاقية.
إلى جانب هذه المناهج يمكن أن نضيف المنهج الجدلي الذي يحدد منهج التناظر والتحاور في الجماعات العلمية أو في المناقشات العلمية على اختلافها، ولا يمكن لهذا المنهج أن يأتي بثمار حقيقية إلا إذا ساندته المناهج الثلاثة السابقة.
والمنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي، لذا يهمنا أن نتعرف بصورة أدق على المنهج التجريبي الذي يستخدم أساليب الملاحظة العلمية وفرض الفروض وإجراء التجارب لحل مشكلة ما والوصول إلى نتيجة معينة.
والمنهج العلمي هو منهج الاستقراء، لمعرفة كيفيات المادة، أي تتبع جزئيات حسية، وتتبعها بالملاحظة، أو بإجراء التجارب عليها، وهو المنهج الذي قامت عليه الحضارة الحديثة، وعلى أساسه أيضا ستتطور هذه الحضارة، وترقى وتتسع -كما وكيفا- إلى ما شاء الله.
إن علماء الإسلام الأوائل قدموا خدمات جليلة للمعرفة الإنسانية، فقد دفعت توجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة المسلمين دفعا إلى مختلف مجالات المعرفة، فانطلقت النهضة العلمية التي دوت في أنحاء العالم، والتي قامت على منهج التجريب والاستقراء، كثمرة طيبة لتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما يتراجع مؤشر الوعي والالتزام بالمنهج العلمي في زمن الأحفاد بسبب التعاطي المغلوط والمنقوص مع إشارات الهدي النبوي، فالعقل والمنطق في فهم السنة النبوية يؤدي إلى نفع البشرية واستحقاق الريادة والمجد، بينما يؤدي التعاطي العاطفي والمتسرع إلى تضليل وتشويه مفاهيم العامة وازدراء العقلاء والمختصين.
خصائص المنهج العلمي:
1 - الملاحظة العلمية وإجراء التجارب وفرض الفروض لتفسير المشكلات.
2 - استخدام أسلوب التحليل للوصول إلى عناصر أبسط للظواهر والمشكلات التي يدرسها.
3 - الاعتماد على أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات والمعلومات.
4 - التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق وتصنيفها وملاحظة الارتباط والتتابع فيما بينها.
5 - استخدام الخيال الخلاق المبدع في التوصل إلى الفروض العلمية أو القوانين العلمية.
6 - النقد الذاتي وعدم التسليم بالوقائع إلا بعد تمحيصها.
الأخطاء المنهجية في بحوث الطب النبوي
وحيث إن التشخيص يسبق العلاج ولا بد، فإننا نرصد الأخطاء المنهجية في البحوث التي تناولت الهدي النبوي في الطب كالآتي:
1 - الافتقار إلى التخطيط السليم لاختيار مجالات البحث:
البحث العلمي عملية أساسها التخطيط والمعلومات ودراسة الظروف الخارجية والتكلفة والجهد والوقت، كذلك البحث العلمي في نصوص الأحاديث النبوية الشريفة يحتاج في المقام الأول إلى جمع المعلومات وإعداد البيانات الكثيرة حول تلك الأحاديث وموقف المختصين منها، وما هو مطلوب إنجازه، ومن ثم التخطيط بعمق لكيفية وضع المسألة التي يتناولها الحديث تحت مجهر الملاحظة والدراسة، بغية الوصول إلى نتائج حقيقية وموضوعية قابلة للتنفيذ العملي كأي دراسة علمية.
--------------------------------------------------------------------------------
أحاديث الآحاد في الطب لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها.
--------------------------------------------------------------------------------
والباحث في هذا المجال يجب أن يلم بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، فالتخطيط للدراسة ينبني على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجا لو واجهته لجنة التقييم بمعلومات لم يحصل عليها ومن شأنها أن تحدث تغييرا فيما وصل إليه من نتائج، أو واجهوه بضعف الأساس الذي تم اختيار الدراسة عليه. لذا فالقراءة الواسعة والإحاطة بكل ظروف الرواية التي يود بحثها، يعد ركنا أساسا من دعائم الدراسة أو البحث الناجح.
ومن أخطاء اختيار موضوع الدراسة، التي قد ينطلق منها البحث فتذهب بقيمة دراسته ما يلي:
افتراض صحة الحديث وعدم التثبت:
عند الاطلاع على الكثير من كتب "الطب النبوي" نجدها غير كاملة الاستيعاب، وفي نصوصها أحاديث تحتاج إلى تحقيق لمعرفة درجة قبولها لدى المختصين بعلوم الحديث، كما أنها -مع الإقرار بفائدتها والعرفان بجهد مؤلفيها- لم يعد شرحها الطبي وبيانها كافيا وافيا بالنسبة لزماننا هذا، وحتى النصوص النبوية الصحيحة في نسبتها تحتاج إلى شرح يتلاءم مع العلم الحديث.
اعتبار "أحاديث الآحاد" حقائق قطعية الثبوت:
ينطلق كثير من الباحثين والمهتمين بالطب النبوي من أن أحاديث الآحاد إذا ثبت سندها وصححها المحدثون فهي حقيقة علمية لا يمارى فيها، وهذا لا يصح؛ لأن تلك الأحاديث من قسم الآحاد الذي ثبت (ظنا) -أي يحتمل الخطأ والصواب- بينما الحقائق العلمية يمكن أن تحقق درجة (القطع) أو ما يقاربها من خلال البحث.
والحقيقة أن أحاديث الآحاد في هذا المجال لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها. فتلك الأحاديث من المحتمل أن يكون قد داخلها نسيان الرواة أو خطؤهم أو زيادتهم، بينما من خلال البحث العلمي الدقيق والمجرد نستطيع فهم الحقيقة العلمية كما أوجدها الباري تبارك وتعالى.
وقد أفاد علماء الحديث أن مخالفة ظاهر أي حديث للواقع أو للحقائق العلمية القطعية الثابتة يوجب تأويله ما أمكن ذلك. أما إذا كانت دلالته قطعية لا تحتمل التأويل فإن مخالفته تعتبر علة في متنه تمنع قبوله أو توجب التوقف عن العمل به (النسيمي: ص 15).
التساهل في ذكر الأحاديث الضعيفة:
يتساهل معظم المتعاطفين مع الهدي النبوي في الطب في سرد الأحاديث الضعيفة بحجة أن الأحاديث النبوية الطبية لا يبنى على أكثرها أحكام شرعية، ما يبيح التساهل في ذكر الضعيف منها، وهو قول مردود؛ لأن في ذلك توريط المسلم بتطبيق وصفة تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم أنها ضعيفة بالنسبة إليه أو مكذوبة عليه، فإذا لم يستفد، أو تأذى بهذا التطبيق؛ فإنه قد يتولد في نفسه الاعتراض والشك؛ ولذا ينبغي أن تتوخى الأبحاث عن الطب النبوي: الأحاديث المقبولة لدى المختصين في علوم الحديث.
كما أن اعتبار الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال حين لا يكون الحديث متعلقا بالعقيدة، ولا يبنى عليه حكم شرعي من فرض أو تحريم، لا ينسحب على الأحاديث المتضمنة توجيهات طبية إلا إذا اتفق الحديث الضعيف ضعفا غير شديد، مع الثابت طبيا (النسيمي: ص 114).
2 - شيوع الأخطاء المعلوماتية وضعف التحضير للبحث:
وهو أيضا من عيوب التسرع وضيق مجال الاطلاع والقراءة، وهو خطأ لا يجوز ارتكابه، كما لا يجوز التهاون مع مرتكبه، في عصر تدفق المعلومات وثورة الاتصالات، وكلما كانت الفكرة التي يود الباحث إثباتها مهيمنة على تفكيره، فإن المعلومات تتعثر وتصطدم ويحدث الكثير من الارتباك وسوء الفهم، وتغيب القدرة على الإقناع وتوصيل المعلومات؛ نظرا لانحراف الأداء، الأمر الذي يوجب على الباحث فتح قنوات الاتصال الخاصة بالمعلومات ومراكز البحث السليمة وذات الكفاءة العالية.
وقد ظهرت هذه العيوب في مؤتمر الإعجاز العلمي السابع، وحظيت بانتقادات علمية من الحضور، تقول الدكتورة "فرانسيس باك" الأستاذ المساعد بقسم الأمراض المتوطنة وأمراض الدم والسرطان في جامعة وين ستيت -ديترويت ميشيجن- بالولايات المتحدة: "إنه على الرغم من أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر بدت شائقة فإن هناك بعض الأخطاء المعلوماتية تخللت بعض الأبحاث".
ودللت على ذلك بمثال: "فالداروينية مثلا ونظرية التطور حسبما قدمهما الدكتور إدريس الخرشاف في بحثه المقدم حول الداروينية والإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا يمثلان الرؤية الغربية، ويبدو أن هناك فجوة كبيرة في التواصل الفكري بين الشرق والغرب".
وأضافت: "إن كان هذا المؤتمر عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فلا بد أن يكون هناك معلومات علمية حقيقية؛ لأن الكثير مما يقدم ليس مبنيا على الدليل العـلمي"(1).
3 - التكلف والتحايل على الحقائق العلمية:
حين يغدو التسليم المطلق بصحة الرواية منطلقا للبحث العلمي، فإن همة الباحث تتجه نحو إثبات صحتها بأي طريق، ومن أجل ذلك يتكلف لَيّ المفاهيم العلمية ويتحايل على الحقائق لتتفق مع تلك الرواية، أو يسارع نحو بعض البحوث التي لم تنضج للإعلان عن موافقة الرواية (للحقائق) العلمية، وهكذا تخرج الأبحاث مدعومة بحقائق مختارة متحيزة لجانب واحد من الموضوع، وهو ما يذهب بمصداقية وموضوعية تلك الأبحاث. ولعل هذا ما يفسر تميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج.
والصواب أن ينطلق البحث بتجرد تام، وبدراسة علمية متأنية تتفق وأصول وأسس البحث العلمي المتعارف عليها، وقد يستغرق منا ذلك سنين بل قد يستغرق العمر، دون لحظة ندم؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا بإذن الله إلى الحقائق ويجنبنا مزالق السعي وراء ما لا طائل منه.
والأمانة العلمية صفة لا غنى عنها للباحث، وكما يقول "بول موي": "للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ الظواهر، وأن يصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون"(6).
--------------------------------------------------------------------------------
تتميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج السحرية.
--------------------------------------------------------------------------------
وهو ما أدرجه د. أحمد شوقي إبراهيم ضمن شروط وضوابط المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: فـ"لا تجوز محاولة إخضاع النص النبوي -وما أعظم شأنه- للحقائق العلمية التي توصل إليها الإنسان، وما أقل شأنها. كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين ما في القرآن أو الحديث النبوي من علم بلا حدود، وبين ما لدى الإنسان من علم قليل ومحدود. ونذكر هنا نبي الله الخضر عليه السلام عندما قال لنبي الله موسى عليه السلام: "ما علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من ماء البحر". ونذكر أيضاً قول الله عز وجل في كتابه العزيز: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 85). فمن الضروري لكل باحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن يضع هذه الحقائق نصب عينيه دائمًا"(7).
4 - الاعتماد على النظريات التي لم تثبت والتسليم بصحتها:
كثيرا ما يرتكز البحث على نظريات مهترئة لا ترقى لمستوى الحقائق العلمية الثابتة ولا يمكن الاطمئنان إليها لتأييد الأحاديث التي يتم بحثها، وقد يكتفي الباحث بعرض ملاحظاته وخبراته الشخصية للبرهنة على صحة النظريات التي افترضها، ثم يملأ الدنيا ضجيجا بها، ولهذا فإن كثيرا من تلك الأبحاث تتسم بالذاتية، وتتضمن استنتاجات غالبا ما تكون مبنية على الملاحظة غير المقيدة.
وكما يتسرع المعارضون لكل ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينكرون أي صلة بين العلم الحديث وما تحدث به رسول الله مما يتعلق بالصحة والطب، كذلك يوصل الحماس والهياج العاطفي للنتيجة ذاتها عن طريق التسرع في إصدار الأحكام العاطفية والاستعداد لقبول أي تفسير علمي مهما ضعفت درجته، بل وإن لم يبلغ درجة القبول أصلا بحجة إحياء السنة. والاكتفاء بسرد الأحاديث مرفقة ببعض التلفيقات والفبركات العلمية ثم التباهي والتنطع باكتشاف إعجاز في طب النبوة!
وكلا الطرفين أساء فهم الدين ولم يحسن فهم كتاب رب العالمين، الذي افتتح خطابه للعقل البشري بدعوة للقراءة والبحث والتأمل، وحثه على استكشاف الحقائق عن طريق البحث والتجريب والمشاهدة. قال الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.
ومن الأمثلة على الأمانة والصبر في الملاحظة أن الفلكي الدنماركي تيكوبراهي Tycho Brahe ظل طوال عشرين عاما يعمل على تحديد مدار كوكب المريخ، وكان يظن أن مداره دائري، وقد استند على ملاحظات لتحديد مدار المريخ، وبعد عناء دام تسع سنوات كاد يبلغ به حد الجنون، استطاع أن يحدد المدار البيضاوي لكوكب المريخ، ووضع بذلك قانونه الأول الذي ينص على أن المريخ يرسم مدارا بيضاوي الشكل(2).
وكان الأجدى أن يرتكز البحث في الطب النبوي على حقائق ومسلمات علمية لا يمكن الجدل بشأنها، على الأخص في زماننا هذا الذي يقدم لنا المزيد من تكنولوجيا البحث والمختبرات المتقدمة التي تنتظر العناصر البشرية ذات الكفاءة والتي لديها الهمة العالية والرغبة الأمينة في البحث.
يقول د. أحمد شوقي إبراهيم: "لا يجب أن يفسر أي نص قرآني أو نبوي بفرض علمي أو بنظرية علمية. فهذه الفروض وتلك النظريات ظنية. والظنون تصيب تارة وتخطئ تارة أخرى، وإذا فعل أي باحث في الإعجاز العلمي هذه الفعلة فإنه يحمل القرآن الكريم ظنون العلماء البشر وأخطاءهم المحتملة. وفي هذه النقطة نتفق مع المتحفظين والمعترضين على دراسة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة؛ لأن أي تفسير تأسس على خطأ علمي لا يمكن أن يكون تفسيراً صائباً. ويجب للتفسير أن يتأسس على حقائق علمية ثابتة، وفي احتراس، وحذر، وأدب، وتعمق في الدراسة، ومع اتباع للمنهج العلمي الصحيح، وحتى بعد هذا كله ينبغي ألا نعتبر أي فهم علمي نصل إليه لنص قرآني أو نبوي فهماً أو تفسيرا حتميا دائما، ولكن نضع في الحسبان دوماً احتمال خطأ الباحث في الفهم أو التفسير"(7).
وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في حديثه للباحثين في مجال الإعجاز.
وأخشى ما أخشاه أن تلقى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنت معاني طبية نفس المصير الذي لاقته النظرية الداروينية، التي هلل لها مدعوها، وأعلنوا عنها وأذاعوها في كل مكان، وهي لم تزل فكرة ظنية، وكلما تقادم الزمن بنا وكلما تقادم العهد بها.. ازداد الشك بها!!
نوقش مرات عديده
اليكم المقال(((((((((((((((د.صهباء محمد بندق**
08/05/2005
كثيرٌ من الباحثين يقع في مغالطات بحثية في الأحاديث التي تحمل مضامين طبية، كما تقع منهم تجاوزات لحدود المنهج العلمي المتعارف عليه، وغالبا ما تتسم تلك الدراسات بغياب روح البحث العلمي، حيث تسودها الرغبة الملحة في إثبات مسائل طبية ما تزال في دائرة الغموض، ويطغى الجموح والهيجان العاطفي على صوت العقل والمنطق، فيغدو الهدف هو الانتصار المسبق لموضوع البحث وليس للبحث ذاته، وهذه إهانة عظيمة للعقل والدين معا، يجدر بالمسلمين الانتباه لها، فالخطأ المنهجي المتضمن في محاولة قسر النتائج التجريبية وجعلها مؤيدة لنصوص نبوية يجرد الباحث من نزاهته العلمية ويسلب البحث قيمته المعرفية.
بل إن تجاوز المعطيات التجريبية والاستغلال الخاطئ، والتطويع غير السليم للنتائج العلمية يعرّض السنة النبوية للضرر والتشويه نتيجة للأخطاء البشرية. فإلهاء المريض بدواء لم تثبت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد يلحق الضرر به، وقد يسبب له شكوكا في حال عدم الاستفادة أو حدوث ضرر باستعماله، وكذلك الأمر بالنسبة للسليم عندما يتعلق بأوهام على أنها من الوصايا الصحية النبوية.
ولعل من أسباب الارتكاز على المشاعر الدينية الفائرة، والتخلي عن الرؤية المنهجية والموضوعية بشأن الهدي النبوي في الطب.. ما تشهده الأمة من تطورات سياسية وأزمات ثقافية واقتصادية، ولدت روحا من الانهزام النفسي، البعض يحاول كبت عاطفته الدينية بشتى الوسائل، والبعض يحاول نقل المعركة إلى ميدانه الخاص في محاولة لا واعية لتفريغ الشعور الضاغط بالانسحاق الثقافي وضياع الهوية، هذا مع استبعاد فريق آخر -للأسف الشديد- يحاول استغلال تلك المشاعر الدينية الفائرة لتحقيق مآرب شخصية ولبناء أمجاد وهمية على أكتاف السنة النبوية.
وأود أن أنبه إلى أني عندما أذكر تلك الاعتراضات البحثية حول ما يتعلق بأبحاث ما يعرف بـ"الطب النبوي"، فهذا لا يعني مطلقا أنني أستبعد أي صورة من صور الإعجاز العلمي في حديثه صلى الله عليه وسلم، أو أنني لا أرى جدوى من الخوض في هذا المجال
معنى المنهج العلمي وخصائصه
المنهج "Method " لفظة مشتقة من كلمة يونانية، بمعنى البحث أو النظر أو المعرفة، ويرجع أصلها الاشتقاقي إلى معنى الطريق المؤدي إلى الغرض المطلوب. ويعتبر "منهج البحث العلمي" علمًا قائما بذاته يسمى "علم مناهج البحث" "Methodology" أو علم المناهج اختصارا، ويمثل أهم جوانب العلم والمعرفة العـلمية(2).
وقد استقر معنى كلمة منهج منذ عصر النهضة الأوربية بمعنى طائفة من القواعد العامة المصوغة من أجل الوصول إلى الحقيقة من العلم، ومعنى المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم بواسطة طائفة من القواعد العامة تهيمن على سير العقل وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة(3).
أقسام المنهج العلمي:
قد تختلف مناهج البحث في كل علم من العلوم عن بعضها الآخر، فهناك فرق مثلا بين علم الفلك وعلم الطبيعة وعلم الكيمياء والجيولوجيا والرياضيات. ولكن مع هذه الفروق في مناهج كل علم، فإن هناك أساسيات تجمع بينها جميعا، وهذه الأساسيات هي التي يهتم بها علم المناهج العام، فالعلم الباحث في الطرق المستخدمة في العلوم للوصول إلى الحقيقة يسمى علم المناهج، وهو العلم الذي يدرس الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية، وتبعا لاختلاف هذه العلوم تختلف المناهج، ولكنها يمكن أن ترد إلى منهجين هما: الاستدلال والتجريب، يضاف إليهما منهج ثالث خاص بالعلوم الأخلاقية أو التاريخية وهو منهج الاسترداد، ويمكن حصرها في نهاية الأمر فيما يلي(3):
1 - المنهج الاستدلالي أو الرياضي: وهو الذي نسير فيه من مبدأ إلى قضايا تنتج عنه بالضرورة دون التجاء إلى التجربة، وهو منهج العلوم الرياضية.
--------------------------------------------------------------------------------
المنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي
--------------------------------------------------------------------------------
2 - المنهج التجريبي: ويشمل الملاحظة والتجربة معا الذي نبدأ فيه من جزئيات أو مبادئ غير يقينية تماما ونسير منها معممين حتى نصل إلى قضايا عامة، لاجئين في كل خطوة إلى التجربة كي تضمن لنا صحة الاستنتاج وهو منهج العلوم الطبيعية.
3 - المنهج الاستردادي أو المنهج التاريخي وهو الذي نقوم فيه باسترداد الماضي تبعا لما تركه من آثار، أيا كان نوع هذه الآثار، وهو المنهج المستخدم في العلوم التاريخية والأخلاقية.
إلى جانب هذه المناهج يمكن أن نضيف المنهج الجدلي الذي يحدد منهج التناظر والتحاور في الجماعات العلمية أو في المناقشات العلمية على اختلافها، ولا يمكن لهذا المنهج أن يأتي بثمار حقيقية إلا إذا ساندته المناهج الثلاثة السابقة.
والمنهج التجريبي هو العلم الذي نحتاج إليه لدراسة وتقييم الأبحاث الطبية المتضمنة لأحاديث من الهدي النبوي، لذا يهمنا أن نتعرف بصورة أدق على المنهج التجريبي الذي يستخدم أساليب الملاحظة العلمية وفرض الفروض وإجراء التجارب لحل مشكلة ما والوصول إلى نتيجة معينة.
والمنهج العلمي هو منهج الاستقراء، لمعرفة كيفيات المادة، أي تتبع جزئيات حسية، وتتبعها بالملاحظة، أو بإجراء التجارب عليها، وهو المنهج الذي قامت عليه الحضارة الحديثة، وعلى أساسه أيضا ستتطور هذه الحضارة، وترقى وتتسع -كما وكيفا- إلى ما شاء الله.
إن علماء الإسلام الأوائل قدموا خدمات جليلة للمعرفة الإنسانية، فقد دفعت توجيهات القرآن الكريم والسنة المطهرة المسلمين دفعا إلى مختلف مجالات المعرفة، فانطلقت النهضة العلمية التي دوت في أنحاء العالم، والتي قامت على منهج التجريب والاستقراء، كثمرة طيبة لتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية، بينما يتراجع مؤشر الوعي والالتزام بالمنهج العلمي في زمن الأحفاد بسبب التعاطي المغلوط والمنقوص مع إشارات الهدي النبوي، فالعقل والمنطق في فهم السنة النبوية يؤدي إلى نفع البشرية واستحقاق الريادة والمجد، بينما يؤدي التعاطي العاطفي والمتسرع إلى تضليل وتشويه مفاهيم العامة وازدراء العقلاء والمختصين.
خصائص المنهج العلمي:
1 - الملاحظة العلمية وإجراء التجارب وفرض الفروض لتفسير المشكلات.
2 - استخدام أسلوب التحليل للوصول إلى عناصر أبسط للظواهر والمشكلات التي يدرسها.
3 - الاعتماد على أساليب القياس الدقيق والمعالجة الإحصائية للبيانات والمعلومات.
4 - التقسيم الدقيق والصحيح للحقائق وتصنيفها وملاحظة الارتباط والتتابع فيما بينها.
5 - استخدام الخيال الخلاق المبدع في التوصل إلى الفروض العلمية أو القوانين العلمية.
6 - النقد الذاتي وعدم التسليم بالوقائع إلا بعد تمحيصها.
الأخطاء المنهجية في بحوث الطب النبوي
وحيث إن التشخيص يسبق العلاج ولا بد، فإننا نرصد الأخطاء المنهجية في البحوث التي تناولت الهدي النبوي في الطب كالآتي:
1 - الافتقار إلى التخطيط السليم لاختيار مجالات البحث:
البحث العلمي عملية أساسها التخطيط والمعلومات ودراسة الظروف الخارجية والتكلفة والجهد والوقت، كذلك البحث العلمي في نصوص الأحاديث النبوية الشريفة يحتاج في المقام الأول إلى جمع المعلومات وإعداد البيانات الكثيرة حول تلك الأحاديث وموقف المختصين منها، وما هو مطلوب إنجازه، ومن ثم التخطيط بعمق لكيفية وضع المسألة التي يتناولها الحديث تحت مجهر الملاحظة والدراسة، بغية الوصول إلى نتائج حقيقية وموضوعية قابلة للتنفيذ العملي كأي دراسة علمية.
--------------------------------------------------------------------------------
أحاديث الآحاد في الطب لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها.
--------------------------------------------------------------------------------
والباحث في هذا المجال يجب أن يلم بكل ما كتب عن موضوعه من بحوث مهمة، فالتخطيط للدراسة ينبني على قراءته، ولا شك أن موقفه سيكون حرجا لو واجهته لجنة التقييم بمعلومات لم يحصل عليها ومن شأنها أن تحدث تغييرا فيما وصل إليه من نتائج، أو واجهوه بضعف الأساس الذي تم اختيار الدراسة عليه. لذا فالقراءة الواسعة والإحاطة بكل ظروف الرواية التي يود بحثها، يعد ركنا أساسا من دعائم الدراسة أو البحث الناجح.
ومن أخطاء اختيار موضوع الدراسة، التي قد ينطلق منها البحث فتذهب بقيمة دراسته ما يلي:
افتراض صحة الحديث وعدم التثبت:
عند الاطلاع على الكثير من كتب "الطب النبوي" نجدها غير كاملة الاستيعاب، وفي نصوصها أحاديث تحتاج إلى تحقيق لمعرفة درجة قبولها لدى المختصين بعلوم الحديث، كما أنها -مع الإقرار بفائدتها والعرفان بجهد مؤلفيها- لم يعد شرحها الطبي وبيانها كافيا وافيا بالنسبة لزماننا هذا، وحتى النصوص النبوية الصحيحة في نسبتها تحتاج إلى شرح يتلاءم مع العلم الحديث.
اعتبار "أحاديث الآحاد" حقائق قطعية الثبوت:
ينطلق كثير من الباحثين والمهتمين بالطب النبوي من أن أحاديث الآحاد إذا ثبت سندها وصححها المحدثون فهي حقيقة علمية لا يمارى فيها، وهذا لا يصح؛ لأن تلك الأحاديث من قسم الآحاد الذي ثبت (ظنا) -أي يحتمل الخطأ والصواب- بينما الحقائق العلمية يمكن أن تحقق درجة (القطع) أو ما يقاربها من خلال البحث.
والحقيقة أن أحاديث الآحاد في هذا المجال لا تعكس في ذاتها الوجه الحقيقي للطب النبوي، إنما تحتاج للبحث والدراسة حتى يمكن التحقق من ثبوتها. فتلك الأحاديث من المحتمل أن يكون قد داخلها نسيان الرواة أو خطؤهم أو زيادتهم، بينما من خلال البحث العلمي الدقيق والمجرد نستطيع فهم الحقيقة العلمية كما أوجدها الباري تبارك وتعالى.
وقد أفاد علماء الحديث أن مخالفة ظاهر أي حديث للواقع أو للحقائق العلمية القطعية الثابتة يوجب تأويله ما أمكن ذلك. أما إذا كانت دلالته قطعية لا تحتمل التأويل فإن مخالفته تعتبر علة في متنه تمنع قبوله أو توجب التوقف عن العمل به (النسيمي: ص 15).
التساهل في ذكر الأحاديث الضعيفة:
يتساهل معظم المتعاطفين مع الهدي النبوي في الطب في سرد الأحاديث الضعيفة بحجة أن الأحاديث النبوية الطبية لا يبنى على أكثرها أحكام شرعية، ما يبيح التساهل في ذكر الضعيف منها، وهو قول مردود؛ لأن في ذلك توريط المسلم بتطبيق وصفة تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يعلم أنها ضعيفة بالنسبة إليه أو مكذوبة عليه، فإذا لم يستفد، أو تأذى بهذا التطبيق؛ فإنه قد يتولد في نفسه الاعتراض والشك؛ ولذا ينبغي أن تتوخى الأبحاث عن الطب النبوي: الأحاديث المقبولة لدى المختصين في علوم الحديث.
كما أن اعتبار الأخذ بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال حين لا يكون الحديث متعلقا بالعقيدة، ولا يبنى عليه حكم شرعي من فرض أو تحريم، لا ينسحب على الأحاديث المتضمنة توجيهات طبية إلا إذا اتفق الحديث الضعيف ضعفا غير شديد، مع الثابت طبيا (النسيمي: ص 114).
2 - شيوع الأخطاء المعلوماتية وضعف التحضير للبحث:
وهو أيضا من عيوب التسرع وضيق مجال الاطلاع والقراءة، وهو خطأ لا يجوز ارتكابه، كما لا يجوز التهاون مع مرتكبه، في عصر تدفق المعلومات وثورة الاتصالات، وكلما كانت الفكرة التي يود الباحث إثباتها مهيمنة على تفكيره، فإن المعلومات تتعثر وتصطدم ويحدث الكثير من الارتباك وسوء الفهم، وتغيب القدرة على الإقناع وتوصيل المعلومات؛ نظرا لانحراف الأداء، الأمر الذي يوجب على الباحث فتح قنوات الاتصال الخاصة بالمعلومات ومراكز البحث السليمة وذات الكفاءة العالية.
وقد ظهرت هذه العيوب في مؤتمر الإعجاز العلمي السابع، وحظيت بانتقادات علمية من الحضور، تقول الدكتورة "فرانسيس باك" الأستاذ المساعد بقسم الأمراض المتوطنة وأمراض الدم والسرطان في جامعة وين ستيت -ديترويت ميشيجن- بالولايات المتحدة: "إنه على الرغم من أن الأبحاث المقدمة في المؤتمر بدت شائقة فإن هناك بعض الأخطاء المعلوماتية تخللت بعض الأبحاث".
ودللت على ذلك بمثال: "فالداروينية مثلا ونظرية التطور حسبما قدمهما الدكتور إدريس الخرشاف في بحثه المقدم حول الداروينية والإعجاز العلمي في القرآن الكريم لا يمثلان الرؤية الغربية، ويبدو أن هناك فجوة كبيرة في التواصل الفكري بين الشرق والغرب".
وأضافت: "إن كان هذا المؤتمر عن الإعجاز العلمي في القرآن والسنة فلا بد أن يكون هناك معلومات علمية حقيقية؛ لأن الكثير مما يقدم ليس مبنيا على الدليل العـلمي"(1).
3 - التكلف والتحايل على الحقائق العلمية:
حين يغدو التسليم المطلق بصحة الرواية منطلقا للبحث العلمي، فإن همة الباحث تتجه نحو إثبات صحتها بأي طريق، ومن أجل ذلك يتكلف لَيّ المفاهيم العلمية ويتحايل على الحقائق لتتفق مع تلك الرواية، أو يسارع نحو بعض البحوث التي لم تنضج للإعلان عن موافقة الرواية (للحقائق) العلمية، وهكذا تخرج الأبحاث مدعومة بحقائق مختارة متحيزة لجانب واحد من الموضوع، وهو ما يذهب بمصداقية وموضوعية تلك الأبحاث. ولعل هذا ما يفسر تميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج.
والصواب أن ينطلق البحث بتجرد تام، وبدراسة علمية متأنية تتفق وأصول وأسس البحث العلمي المتعارف عليها، وقد يستغرق منا ذلك سنين بل قد يستغرق العمر، دون لحظة ندم؛ لأن هذا هو الطريق الوحيد الذي يوصلنا بإذن الله إلى الحقائق ويجنبنا مزالق السعي وراء ما لا طائل منه.
والأمانة العلمية صفة لا غنى عنها للباحث، وكما يقول "بول موي": "للعالم أن يتحلى بصفات التواضع والصبر والنزاهة حين يلاحظ الظواهر، وأن يصفها على ما هي عليه، لا كما يتمناها أن تكون"(6).
--------------------------------------------------------------------------------
تتميز أبحاث الطب النبوي عادة بالإثارة والتشويق على حساب الجودة والكفاءة، بهدف إبهار القارئ المتعطش ابتداء لهذه النتائج السحرية.
--------------------------------------------------------------------------------
وهو ما أدرجه د. أحمد شوقي إبراهيم ضمن شروط وضوابط المنهج العلمي في دراسة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة: فـ"لا تجوز محاولة إخضاع النص النبوي -وما أعظم شأنه- للحقائق العلمية التي توصل إليها الإنسان، وما أقل شأنها. كما لا ينبغي محاولة التوفيق بين ما في القرآن أو الحديث النبوي من علم بلا حدود، وبين ما لدى الإنسان من علم قليل ومحدود. ونذكر هنا نبي الله الخضر عليه السلام عندما قال لنبي الله موسى عليه السلام: "ما علمي وعلمك يا موسى من علم الله إلا كما أخذ هذا العصفور من ماء البحر". ونذكر أيضاً قول الله عز وجل في كتابه العزيز: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (الإسراء: 85). فمن الضروري لكل باحث في الإعجاز العلمي في القرآن والسنة أن يضع هذه الحقائق نصب عينيه دائمًا"(7).
4 - الاعتماد على النظريات التي لم تثبت والتسليم بصحتها:
كثيرا ما يرتكز البحث على نظريات مهترئة لا ترقى لمستوى الحقائق العلمية الثابتة ولا يمكن الاطمئنان إليها لتأييد الأحاديث التي يتم بحثها، وقد يكتفي الباحث بعرض ملاحظاته وخبراته الشخصية للبرهنة على صحة النظريات التي افترضها، ثم يملأ الدنيا ضجيجا بها، ولهذا فإن كثيرا من تلك الأبحاث تتسم بالذاتية، وتتضمن استنتاجات غالبا ما تكون مبنية على الملاحظة غير المقيدة.
وكما يتسرع المعارضون لكل ما يتعلق بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فينكرون أي صلة بين العلم الحديث وما تحدث به رسول الله مما يتعلق بالصحة والطب، كذلك يوصل الحماس والهياج العاطفي للنتيجة ذاتها عن طريق التسرع في إصدار الأحكام العاطفية والاستعداد لقبول أي تفسير علمي مهما ضعفت درجته، بل وإن لم يبلغ درجة القبول أصلا بحجة إحياء السنة. والاكتفاء بسرد الأحاديث مرفقة ببعض التلفيقات والفبركات العلمية ثم التباهي والتنطع باكتشاف إعجاز في طب النبوة!
وكلا الطرفين أساء فهم الدين ولم يحسن فهم كتاب رب العالمين، الذي افتتح خطابه للعقل البشري بدعوة للقراءة والبحث والتأمل، وحثه على استكشاف الحقائق عن طريق البحث والتجريب والمشاهدة. قال الله تعالى: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}.
ومن الأمثلة على الأمانة والصبر في الملاحظة أن الفلكي الدنماركي تيكوبراهي Tycho Brahe ظل طوال عشرين عاما يعمل على تحديد مدار كوكب المريخ، وكان يظن أن مداره دائري، وقد استند على ملاحظات لتحديد مدار المريخ، وبعد عناء دام تسع سنوات كاد يبلغ به حد الجنون، استطاع أن يحدد المدار البيضاوي لكوكب المريخ، ووضع بذلك قانونه الأول الذي ينص على أن المريخ يرسم مدارا بيضاوي الشكل(2).
وكان الأجدى أن يرتكز البحث في الطب النبوي على حقائق ومسلمات علمية لا يمكن الجدل بشأنها، على الأخص في زماننا هذا الذي يقدم لنا المزيد من تكنولوجيا البحث والمختبرات المتقدمة التي تنتظر العناصر البشرية ذات الكفاءة والتي لديها الهمة العالية والرغبة الأمينة في البحث.
يقول د. أحمد شوقي إبراهيم: "لا يجب أن يفسر أي نص قرآني أو نبوي بفرض علمي أو بنظرية علمية. فهذه الفروض وتلك النظريات ظنية. والظنون تصيب تارة وتخطئ تارة أخرى، وإذا فعل أي باحث في الإعجاز العلمي هذه الفعلة فإنه يحمل القرآن الكريم ظنون العلماء البشر وأخطاءهم المحتملة. وفي هذه النقطة نتفق مع المتحفظين والمعترضين على دراسة الإعجاز العلمي للقرآن والسنة؛ لأن أي تفسير تأسس على خطأ علمي لا يمكن أن يكون تفسيراً صائباً. ويجب للتفسير أن يتأسس على حقائق علمية ثابتة، وفي احتراس، وحذر، وأدب، وتعمق في الدراسة، ومع اتباع للمنهج العلمي الصحيح، وحتى بعد هذا كله ينبغي ألا نعتبر أي فهم علمي نصل إليه لنص قرآني أو نبوي فهماً أو تفسيرا حتميا دائما، ولكن نضع في الحسبان دوماً احتمال خطأ الباحث في الفهم أو التفسير"(7).
وهو ما أكد عليه الدكتور عبد الله بن عبد العزيز المصلح الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز العلمي في حديثه للباحثين في مجال الإعجاز.
وأخشى ما أخشاه أن تلقى أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي تضمنت معاني طبية نفس المصير الذي لاقته النظرية الداروينية، التي هلل لها مدعوها، وأعلنوا عنها وأذاعوها في كل مكان، وهي لم تزل فكرة ظنية، وكلما تقادم الزمن بنا وكلما تقادم العهد بها.. ازداد الشك بها!!