عرض الإصدار الكامل : الى الساخطين نعيد كتابة هذا المقال ( الرضا فى الاسلام) (2-2)


mohammad7686
15-08-2005, 07:42 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين خير الخلق أجمعين سيدنا محمد النبى الامين

فضلت بداية أن أعيد كتابة هذا المقال و ابدأ بقراءة و تفسير آية مهمة من آيات القرآن الكريم التى تتعلق بعقيدة الانسان
** حيث قرأت فى تفسير لفظ الفتنة فى القرآن الكريم بأن الله تبارك و تعالى يصف جماعة المنافقين ( مظاهر عدم الرضا )
بالذبذبة ،
و ضعف العقيدة ،
و سقوط الهمة ،
و عمى البصيرة ،
و الظهور بمظهر المسلمين ما داموا يجدون فى الالتصاق بالاسلام الخير الدنيوى

*** فإن وجدوا غير ذلك أو أصابهم ما يعكر عليهم دنياهم و شهواتهم الدنيئة ،
- انصرفوا عن الاسلام و عن المسلمين
- و ارتدوا على أعقابهم الى الكفر و الفسوق و العصيان

*** و من الآيات التى أكدت هذه الحقيقة فى المنافقين قوله سبحانه :-
(( و من الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير إطمأن به و إن أصابته فتنة إنقلب على وجهه خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعوا من دون الله ما لا يضره و ما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى و لبئس العشير )) سورة الحج -الآية 11-13 0-


*** قال صاحب الكشاف الامام جار الله الزمخشرى - رحمه الله :- ( قوله الله - سبحانه :-
(( و من الناس من يعبد الله على حرف 0000)
أى000 على طرف من الدين لا فى وسطه و قلبه ، و هذا مثل لكونهم على قلق و اضطراب فى دينهم ، لا على سكون و طمأنينة ، كالذى يكون على طرف من العسكر ، فإن أحس بظفر و غنيمة قر و إطمئن و إلا فر و طار على وجهه 0000)

** و قد ذكر المفسرون سبب نزول هذه الآيات روايات منها
- ما جاء فى صحيح البخارى عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال - كان الرجل - من المنافقين - يأتى الى المدينة المنورة - زاعما أنه مسلم - فإذا ولدت امرأته غلاما ، و نتجت خيله قال : هذا دين صالح ، و أن لم تلد امرأته و لم تنتج خيله قال : هذا دين سوء 0000))

** والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد صورت المذبذبين فى عقيدتهم أكمل تصوير ، فهم يقيسون العقيدة بميزان الصفقات التجارية ، إن ربحوا من ورائها فرحوا ن و إن خسروا فيها أصابهم الغم و الحزن 0

*** و شبيه بالآية الاولى من هذه الآيات قوله - تعالى - فى شأن المنافقين :-
(( و منهم من يلمزك فى الصدقات فإن أعطوا منها رضوا و ان لم يعطوا منها إذا هم يسخطون ))

و التعبير بقوله - تعالى - (( على حرف )) يصور هذا النوع من المنافقين من الناس و كأنه يتأرجح فى عبادته كما يتأرجح على طرف الشىء فهو معرض للسقوط فى أية لحظة 0

و المراد من الخير الدنيوى فى قوله - سبحانه - (( فإن أصابه خير إطمأن به )) : الخير الدنيوى من أموال و من منصب ، و من تستر بسلطان من يحتمى به و من غير ذلك من الشهوات الزائلة 0

أى :-
و من الناس قوم ضعاف النفوس ، يملأ قلوبهم النفاق ، عبادتهم زائفة و لا قيمة لهم ، فهم إن توقعوا من ظهورهم بمظهر المسلمين خيرا دنيويا أعلنوا إسلامهم 0000 و إن أصابتهم ((فتنة )) 0
أى :- مصيبة تتعلق بأموالهم أو بشهواتهم أو بمطامعهم أو بغير ذلك من منافعهم الخسيسة ، ارتدوا على أعقابهم و انصرفوا الى كل ما هوا باطل و قبيح ، و تركوا كل ما هو حق و جميل 0و قوله عز و جل
( 0000 خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين )
بيان لسوء العاقبة لهذا النوع من الناس
أى :-
هذا الانسان الذى يعبد الله على حرف ، جمع على نفسه خسارتين
1- خسارة الدنيا -- بسبب عدم حصوله على ما يريده منها ، لأنه مهما بذل من جهد فلن يحصل الا على ما قدره الله - تعالى - له - كما قال - سبحانه وتعالى :-
(0 000 من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد 000 )) سورة الاسراء - الآية 18
أى :-
من كان من الناس من يريد بنيته و بقوله و بعمله زينة الحياة الدنيا فحسب ، دون التفات الى الدار الآخرة ، عجلنا لذلك الانسان فى حياته ما نشاؤه من شهوات هذه الدنيا ، و هذا التعجيل انما هو لمن نريد عطاءه من الناس 0000

2- كما جمع على نفسه خسارة الآخرة بسبب ارتداده الى الكفر و النفاق و الفسوق و العصيان و ذلك الذى جمعه هذا الانسان على نفسه هو الخسران الواضح ، الذى لا يختلف عليه عاقلان ، إذ لا خسران أشد و أظهر من الخسران الذى شمل الدنيا و الآخرة 0

*** ثم بين - سبحانه - مظاهر خسران هذا الانسان المنافق ، و أحواله القبيحة - فقال - تعالى :-
(( يدعوا من دون الله ما لا يضره و ما لا ينفعه 0000 ))
أى :-
هذا الانسان المنافق يعبد سوى الله - تعالى - أصناما ، إذا ترك عبادتها و الولاء لها لا تستطيع أن تضره ، و إن عبدها فلن تستطيع أن تنفعه (( و ذلك )) الذى يفعله هذا الانسان الغبى المذبذب من عبادته لما لا يضر و لا ينفع (( هو الضلال البعيد )) بعدا شاسعا عن كل صواب و رشاد 0
ثم أضاف - سبحانه - الى تبكيت هذا الانسان الجهول تبكيتا آخر فقال :-
(( يدعوا لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى و لبئس العشير ))
أى :
يعبد هذا الانسان المذبذب المضطرب معبودا ضرره أكثر من نفعه ، لبئس الناصر و لبئس المصاحب لهذا المعبود 0
===========================
اللهم انا نعوذ بك من الهم و الحزن
اللهم انا نعوذ بك من العجز و الكسل
اللهم انا نعوذ بك من الجبن و البخل
اللهم انا نعوذ من غلبة الدين و قهر الرجال

mohammad7686
24-08-2005, 06:48 PM
لنستكمل حديثنا السابق بداية يهذه الدرر التى تشع بنور التدبر و حلاوة الايمان الناشىء عن الرضا من بلاغة و حكمة الإمام الشافعي – رحمه الله حيث يقول :-

[دع الأيام تفعل ما تشاء و طب نفسا إذا حكم القضاء
و لا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقـــــــاء
و كــن رجــــلا جلــــــــدا و شيمتك السماحة و الوفاء
و ان كثرت عيوبك فى البرايا و سرك أن يكون لها غطاء
تستر بالسخاء فكل عيب يغطيه كما قيل السخـــــاء
و لا تر للاعادى قــط ذلا فإن شماتة الأعداء بــــلاء
و لا ترج السماحة من بخيل فما فى النار للظمآن مـــاء
و رزقك ليس ينقصه التأني و ليس يزيد في الرزق العناء
و لا حزن يدوم و لا سرور و لا بؤس عليك و لا رخاء
إذا ما كنت ذا قلب قنوع فأنت و مالك الدنيا سواء
و من نزلت بساحته المنايا فلا أرض تقيه و لا سماء
و أرض الله و اسعة و لكن إذا نزل القضا ضاق الفضاء
دع الأيام تغدر كل حين فما يغنى عن الموت الدواء
1-الرضا في القرآن :-
يقول المولى عز و جل " رضي الله عنهم و رضوا عنه و أعد لهم جنات تجرى تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا و ذلك الفوز العظيم " 0( التوبة -100) ومن هذه الآية نجد أن الرضا قسمان :-
1) الرضا بالله ( و هو رضا مطلوب من العبد و به تتحقق السعادة الدنيوية )0
2) رضا الله ( رضا يرجوه العبد من ربه و به تتحقق السعادة فى الدنيا و الآخرة )
و الثاني مترتب على الأول في الظاهر و فى الحقيقة الأول هو أثر للثاني حيث قدم الله تــبارك و تعالى رضاه عنهم أولا ، ثم ذكر رضاهم عنه ، ثم ذكر ما أعد لهم من جزاء 0 [c 2) 2)الرضا فى الاحاديث القدسية :-
جاء فى الحديث القدسى " من لم يرضى بقضائى و يصبر على بلائى فليعبد ربا سواى" 3- الرضا فى الاحاديث النبوية :- 1)
قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " إذا أحب الله قوما ابتلاهم ، فمن رضى فله الرضا ، و من سخط فله السخط " ( رواه الترمذى )
2) روى عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال : " ذاق طعم الايمان من رضى بالله ربا و بالاسلام دينا و بمحمد رسولا " ( رواه مسلم ) 0
3) روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ، عن النبى صلى الله عليه و سلم قال " إن استطعت أن تعمل لله بالرضا فى اليفين فافعل ، و إن لم تستطع فاصبر ، فإن فى الصبر على ما تكره خيرا كثيرا و أعلم أن النصر مع الصبر و الفرج مع الكرب و اليسر مع العسر " 4)
4- الفرق بين الرضا بالقضاء و الرضا بالمقضى :-
- قد يكره الانسان المقضى باعتبار الشرع أو باعتبار الطبع دون النظر الى أنه حكم الله
أ ) فمما يكره الانسان باعتبار الشرع المعاصى فإنه يجب على الانسان أن يكره معصيته باعتبار الشرع و لا يحبها و لا يرضى عنها دون النظر الى انه حكم الله عليه و ان كان عليه أن يرضى بحكم الله عليه بالوقوع فيها 0 و لكن لا يجوز أن يرضى و يحبها و يألفها فهى المقضى 0 و الله أمر شرعا ببغضها و كرهها و قد قال ابن مفلح فى ( الفروع ) : و يحرم الرضا بما فعله العبد من كفر و معصية ، ذكره ابن عقيل إجماعا ، و ذكر شيخنا وجها : لا يرضى بذلك لانها من المقضي
قال : و قيل : يرضى بها من جهة كونها خلقا لله ، لا من جهة كونها فعلا للعبد 0
ب) مما يكره الإنسان باعتبار الطبع :- فكما يكره المريض المرض و الألم ، و لكنه لا يكره حكم الله عليه بهذا فهذا قضاء الله ، و أما نفس المرض فهو المقضي به ، و فرق بين أن يكره الإنسان بالطبع الألم و الفقر و المرض و بين أن يعارض حكم الله عليه بعبارات لا تجوز فى شرع و قد انتشرت فى تلك الايام بشكل كبير كأن يقول : أى شىء عملت حتى أصابني مثل هذا و ما ذنبي و ما كنت أستأهل هذا 0
فهذا عدم رضا بالقضاء فنحن مأمورون بالرضا بالقضاء و لا نتعرض لجهة ربنا الا بالاجلال و التعظيم و لا نعترض عليه فى ملكه 0 5-
5- حكم الاسلام فيمن يرضون و فيمن يسخطون -
1) أمر الرضا أمر جليل فهو يحقق السعادة الدنيوية و كذلك مطلوب فى الشرع الحنيف حيث لا بد أن نعلم أن الرضا بالله و بما قضى " واجب متفق على وجوبه" و السخط على الله و قضائه " حرام " متفق على حرمته بل قد يخرج المرء من دائرة الاسلام فقد قال الله سبحانه و تعالى " و منهم من يلمزك فى الصدقات فإن أعطوا منها رضوا و إن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون 0 و لو أنهم رضوا ما آتاهم الله و رسوله و قالوا حسبنا الله سيؤتينا من فضله و رسوله إنا الى الله راغبون " ( التوبة -58 – 59)0 (للشيخ الدكتور / على جمعة مفتى مصر)
** فى هذا المعنى يقول الإمام القرافى فى كتابه ( الفروق ) إعلم أن السخط حرام إجماعا و الرضا واجب إجماعا 06 )
6- نتائج الرضا :-
أ) الرضا بالله و رسوله نعيم فى الدارين و هو من جملة ثمرات المعرفة بالله ، فإذا عرفته رضيت بقضائه ، و قد يجرى ضمن القضاء مرارات يجد بعض طعمها الراضى 0
أما العارف فتقل عنده المرارة لقوة حلاوة المعرفة فاذا ترقى بالمعرفة الى المحبة صارت مرارة الاقدار حلاوة كما قال القائل
عذابه فيك عـــــــذب و بعده فيــك قرب
و أنت عندى كروحى بل أنت منها أحــب
حســـبى مــــن الحب أنى لما تحب أحب
ب) الرضا الحقيقى عز للمؤمن و غنى له عما سوى الله و يظهر فى القناعة
" جاء جبريل الى النبى صلى الله عليه و سلم فقال : يامحمد عش ما شئت فإنك ميت و أعمل ما شئت فإنك مجزى به , احبب من شئت فإنك مفارقه ، و أعلم أن شرف المؤمن قيام الليل و عزه استغناءه عن الناس "
ج) لا يخفى ما فى الرضا من آثار ايجابية على وحدة المجتمع و قوة العلاقات الانسانية اذ يقل الحسد و تكثر القناعة