ابو امل
03-04-2002, 07:30 AM
ماذا عن القدس .......تاريخ
تعتمد الصهيونية، ومنذ زمن بعيد على احدى المقولات التوراتية والتي تزعم ان الرب منح اجداد اليهود ارض الميعاد فلسطين. وعلى اعتبار ان قضية القدس هي قضية مركزية للعرب (مسلمون ومسيحيون) فهي قلب الحدث، وقلب فلسطين ليس الان بل منذ آلاف السنين.
العبرانيون يدعون انها عاصمة ملوكهم وانبيائهم وبخاصة داود وسليمان بيد ان نصوص التوراة لم تهتم بالقدس لانها بقيت بيد اهلها الكنعانيين محصنة قوية. تركز التوراة على اهمية القدس منذ تولي داود الملك فصارت تعتبر حصن صهيون او قصر داود والذي كان يقع خارج اسوار القدس وهو المركز الاداري والسياسي لتلك المملكة المحدودة.
وحين يتسلم سليمان الملك تبدأ قصته بناء الهيكل لتأخذ ابعادها حيث تقول التوراة التي كتبت في بابل اثناء السبي ان الهيكل صار بيتاً للرب وان سليمان الذي كان قد تزوج الف امرأة وضع لنسائه اصناماً وآلهة وثنية في هذا الهيكل يعبدنها كل على طريقتها ومعتقدها ولم يعد هذا الهيكل معبد توحيد بل اصبح معبداً وثنياً لا اكثر ولا اقل.
وبات من المستحيل اكتشاف اثار هذا الهيكل لا اليوم ولا غداً لانه اساساً شيد من خشب الارز حسب النص التوراتي ، وان انبياء التوراة بدءاً من ارميا وحزقيال واشعيا ودانيال ركزوا على القدس باعتبارها المجد التاريخي لهم، لكنهم جميعاً وبلا استثناء هاجموا معبد الرب لانه صار حسب ما شاهدوه معبد اوثان.
القدس والتاريخ
لقد شكلت القدس ولا زالت تشكل اهم مدينة في العالم وذلك حسب الديانات ا لثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام.
وكان للشعوب التي غزتها او طمعت باحتلالها اسبابها العسكرية والاقتصادية والتوسعية وما الى ذلك ضمن تنافس الامبراطوريات القديمة كالغزو الاشوري والبابلي والفارسي والمقدوني والروماني والصليبي الاوروبي والتتري الاسيوي.
والواقع ان الحركة الصهيونية وخاصة بعد قيام كيانها العنصري في فلسطين وجدت ان تمثل الجانب التوراتي في تثبيت هذا الكيان وهو الاهم بنظرها بين كافة الجوانب ، من هنا فان المستند العقيدي لليهود والمرتبط بشكل ما بالمستند التاريخي هو الذي يبقى في اسس الصراع الى حين يتصدى له النقيض المستند الى المعطيات العقيدية.
وبالاضافة لكل المقولات المادية التي طرحها اليهود كمبررات لاحتلال فلسطين وجعل القدس العاصمة الابدية لهم فانهم اولوا الجانب العقيدي الاهمية الاكبر.
فالقدس ارض وعد الله بها شعب اليهود، ولم تعرف هذه المدينة كما يدعون عقيدة اخرى في التاريخ سوى عقيدتهم والتي تستند على علاقة الله بالارض وعلاقة الله بشعب اسرائىل. ولهذا فان الارتباط العضوي الذي صنعه منظرو الصهيونية بين اليهود والقدس جعلوه يستند الى مسلمة الهية قدرية وبذلك خلقوا جيلاً من اليهود الذين لاتفارقهم الرؤية العقيدية للقدس ولكي نتوخى الموضوعية لا بد لنا من الاحتكام للتاريخ.
ان اول اسم اطلق على القدس هو يبوس نسبة الى اليبوسيين الكنعانيين اصحاب فلسطين الحقيقيين منذ اقدم العصور.. والذين نزحوا من الجزيرة العربية حوالي 3000 ق.م ويقال ان سالم اليبوسي اول من بناها واقام تحصيناتها. ومن هنا جاء اسمها «اورسالم» وهو اسم كنعاني ويعني مدينة سالم. ويقول الاستاذ «اولمستر» الخبير بتاريخ فلسطين القديم ان الكنعانيين كانوا قد وضعوا اول شريعة في شكيم «نابلس» ثم نقلوها الى القدس.
وقد ورد اسم اوشليم « اورسالم» في الكتابات الكنعانية التي تعرف برسائل العمارنة وهي ترجع الى القرن الخامس عشر ق.م اي قبل ظهور مدونات التوراة بالف عام. فتسمية اورشليم التي يحاول الصهاينة اليوم اعتبارها اسماً عبرياً «بمعنى اليهودية» هو في الحقيقة اسم كنعاني ارامي اصيل. وهذا الاسم ورد في مصر قبل ظهور النبي موسى. وقد اثبت علماء الاثار ان يبوس بنيت قبل عام 1800 ق.م.
وكان من اشهر ملوكها الكنعانيين ملكها: «ملكي صادق» ويقال انه كان موجوداً ومحافظاً على سنة الله بين شعب وثني. وقد اشارت التوراة في سفر التكوين الاصحاح 14 الآية 18: «وملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي وباركه. وقال مبارك ابرام من الله العلي مالك السموات والارض».
وقد ورد في التاريخ، ان ملكي صادق صديق ابراهيم خليل الله بقعة الحرم الشريف معبداً له، فكان يقدم ذبائحه على موضع الصخرة المشرفة، وبذلك يكون العرب الكنعانيون اقدم من قدس وتعبد في هذه البقعة، صلوا فيها ودعوا ربهم عندها وذلك قبل ان يقوم سليمان بن داود ببناء ما يسمى بالهيكل بما يقرب من الف سنة.
لقد ذكر اسم القدس عند الاكاديين باسم «اورسالم» وعند المصريين القدماء «اورشاميم» وعند اليونان والرومان «هيروساليم» وعند الاوروبيين «جيروزاليم» وعند العرب «إيليا» «والقدس» وبيت المقدس.
ولما دخل ابراهيم ارض كنعان لم يدخلها غازياً او محارباً بل هارباً من ظلم قومه ويريد ملجأ آمناً، وكانت اول اقامة له في نابلس، حيث تقول التوراة: «واجتاز ابرام في الارض الى مكان شكيم الى بلوطة ممراً» ولم يرد ذكر اورشليم في هذا السياق. وحين جاء ذكرها كان حين التقى ابراهيم بـ ملكي صادق ملك اورشليم، ثم مضى ابراهيم في حال سبيله.. الى مدينة جرار قرب غزة ثم الى مصر.. ثم عاد فاستقر في منطقة الخليل ليدفن زوجته سارة فيها ثم مات فدفن في الخليل.
واختيار ارض كنعان لهجرة سيدنا ابراهيم لم يكن اختياراً بشرياً تم من قبل ابراهيم بل كان اختياراً ربانياً ايمانياً ، وان هذا الاختيار الرباني للتاريخ القادم والذي شهد ويشهد صراعاً مريراً بين التوراتيين الذين يدعون نسبهم الى ابراهيم وبين العرب المسلمين الذين اتبعوا ملة ابراهيم ودينه وهم اصحاب الارض الشرعيين والتي حصل الصراع بسببها بين تمام الحق وتمام الباطل.
واذا عدنا الى حقيقة التقديس اليهودي نرى ان المسألة لا تعدو كونها مسألة ارتباط جغرافي استيطاني، اما ان هناك تقديساً الهياً سبق التصور البشري للارتباط، فهذا لم يأت عليه كتاب التوراة، ولم تنص عليه النصوص الاولى في العقيدة اليهودية ، ولو كان القدس يشكل لهم جميعاً المركز القدسي الروحي الاوحد لتمثل ذلك بطقوس معقدة لها قوانينها وقام بها داود والاتباع من الطرفين ، لكن المقدس اليهودي لا يزال الى ذلك العهد مقدساً متمثلاً بتابوت العهد اي بصندوق العهد الذي حفظت فيه بقية تعاليم التوراة مع عصا ونعلي موسى .. وحول هيكل سليمان.. فلو افترضنا عبثاً ان هيكلاً ما بناه سليمان فهل يمثل هذا الهيكل وهو بمثابة القصر الملكي في زماننا اي مقراً للحكم وليس معبداً لعبادة الله مقدساً الهياً خاصاً باليهود ويبيح لهم الاستيلاء على القدس والصراخ صباح مساء بانها العاصمة الابدية للكيان الصهيوني المحتل لا بالحجة والمنطق والبرهان والدليل بل بقوة السلاح. لعمري انه لمنطق عجيب. خلال خمسين سنة وهم يحفرون وينقبون علهم يعثرون على حجر واحد او اثر واحد لهذا الهيكل ولكن جهودهم هذه ذهبت وستذهب ادراج الرياح. انه وهم يعيش في عقولهم وحدهم وليتركوا القدس لاهلها العرب. وساكينها منذ الاف السنين.
لقد مات سليمان وانقسمت المملكة الى مملكتين، مملكة يهوذا ومملكة السامرة وتتالى على مملكة السامرة، الملك آخاب 850 869 ق.م فانتشرت عبادة البعل بتشجيع من زوجته ايزابيل وكانت كنعانية حيث اصبحت حامية لعبادة بعل وعشتروت وامرت بهدم جميع المعابد والمذابح المرتبطة بالاله اليهودي يهوه وقتلت الكهنة اليهود باستثناء النبي ايليا «الياس» الذي هرب.
وكان 450 من انبياء البعل و 400 من انبياء السواري الكذبة يأكلون على مائدة ايزابيل، وقد قام النبي ايليا بعملية تحد افضت الى مقتل هؤلاء الكذبة جميعاً. سفر الملوك 18،19و40.
وبعد موت آخاب تولى العرش ابنه اخزيا الذي مرض مرضاً عضالاً، وفي يهوذا اعتلى العرش يوشيا بن آمون 640 ق.م وحاول اعادة عبادة يهوه وتدمير كل الاوثان التي ترمز الى البعل وعشتروت.
وفي عام 605 ق.م زحف نبوخذ نصر البابلي فوصل القدس واخضع ملكها «يهوياقيم» ولما ثار يهوياقيم على اسياده الجدد دخل نبوخذ نصر وجيشه القدس وعين عليها مكانه اخاه يهوياكين 598 597 ولكن السيد البابلي وجد انه لا بد من سبي هؤلاء العصاة فاخذ الملك وعائلته ورؤساء اليهود وبعض ما يسمى خزائن بيت الرب والمدينة الى بابل.
وكان عدد المنفيين يتراوح بين 3040 الفاً. وفي سنة 539 ق.م تمكن كورش وتسميه التوراة اخشويرش من الاستيلاء على بابل بمساعدة اليهود بعد ان تزوج من اليهودية «استر» فالتمسوا منه العودة الى فلسطين فوافقهم على ذلك. وفي سنة 332 ق.م استولى الاسكندر المقدوني على فلسطين ودخل القدس. وفي سنة 63 ق.م استولى القائد الروماني بومبي على القدس. ونصب الرومان في سنة 37 ق.م هيرودس الادومي ملكاً على الجليل والقدس وبقي يحكمها حتى السنة 4 م حيث ولد السيد المسيح عليه السلام في هذه الفترة. وفي سنة 26 م تولى بيلاطس حكم القدس فكان بداية للحكم الروماني المباشر وفي زمن هذا الوالي تشهد فلسطين والقدس تبشير السيد المسيح بتعاليمه وانجيله.
لقد بدأ السيد المسيح عليه السلام دعوته للعودة الى التوحيد فاغضب بذلك كهنة اليهود.. يقول انجيل لوقا: 19/4547 ولما دخل الهيكل اخذ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه قائلا لهم:
« مكتوب ان بيتي بيت الصلوات وانتم جعلتموه مغارة لصوص ، وكان يعلم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون ان يهلكوه».
وفي انجيل متى 21/12و13:
« ودخل يسوع الى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم مكتوب ان بيتي بيت الصلاة يدعى. وانتم جعلتموه مغارة لصوص»..
ومن الواضح ان ما يسمى بالهيكل ظل على حاله منذ ايام سليمان كما تقول التوراة لقد كان مكاناً تعبد فيه الالهة الوثنية ثم صار مكاناً لجماعة اللصوص وابناء الافاعي.. لم تبق اورشليم بل دمرت تدميراً كاملاً وقد تم هذا وفقاً لتحذير السيد المسيح:« ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه ابنية الهيكل فقال لهم يسوع : ما تنظرون الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض».
وبقيت اورشليم خربة مدة طويلة لا يسكنها الا حامية رومانية، خربة بسبب اعمال اليهود وفسادهم وغضب الله عليهم بعد الاذى والعناء الرهيب الذي سببوه للطاهر كليم الله وهو في المهد وكلمة الله التي مثلته بشراً في بطن امه العذراء الطاهرة حتى عملوا على صلبه ليصبح المخلص..
ثم دمرت المدينة نهائياً زمن حاكمها الروماني «هدريان» وحرث موقعها التي كانت عليه قائمة، وقتل عدداً كبيراً من اليهود وسبى عدداً يتجاوز عدد القتلى وامر بمنعهم من دخول القدس وحرم عليهم السكن فيها بل ومن الاقتراب منها، بينما سمح لاتباع يسوع ان يقيموا فيها على الا يكونوا من اصل يهودي وسمى المدينة ايليا كابيتولينا. وهو اسم الملك.
كما سمح لليونانيين بسكنى المدينة فبنوا على باب الهيكل المهدم والذي يقال له باب البهاء برجاً ووضعوا فوقه لوحاً كبيراً وكتبوا اسم الملك ايليا. ومنذ ذلك الوقت سميت بيت المقدس، واعتقد هنا ان هذا الاسم الذي يرمز الى القدسية جاء من ولادة المسيح ونشر تعاليم فيها والمسيح نفسه من الروح القدس، اي روح الله القدوس.
قام الملك فبنى هيكلاً للمشتري وثن آشوري على انقاض هيرودس ونصب تمثاله بالقرب من الصخرة المشرفة. وعندما اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية 306 337 م جعل الديانة المسيحية هي الرسمية في فلسطين وجاءت امه هيلانة عام 326 م للعثور على الحوادث المهمة التي حدثت للسيد المسيح ولبناء الكنائس تذكاراً لهذه الحوادث، فامرت بهدم هيكل المشتري والتماثيل التي اقامها هدريان وقامت ببناء كنيسة القيامة التي يعتقد الاخوة المسيحيون انها ضمت قبر السيد المسيح قبل رفعه الى السماء وقد تم تدشين هذه الكنيسة عام 335م. اما كنيسة العذراء فقد بنيت عام 529 م في موقع الهيكل.
بقيت القدس متمتعة بسلام طويل وهي مدينة السلام وذلك منذ طرد اليهود منها عام 135 م الى سنة 614 حيث هاجمتها جيوش الفرس وطرد الرومان حيث انضم الى الفرس 20 الف يهودي فاشعلوا النيران في كنيسة القيامة وسويت مع الارض فقتل من المسيحيين في القدس اكثر من 60 الفاً دفن منهم 500 في «ماملا» ثم عادت القدس الى الرومان عام 626م.
وفي عام 636 زحف العرب المسلمون فحرروا بلاد الشام كلها في معركة اليرموك وكذلك حرروا القدس من الاستعمار الروماني ، ولقد بدا واضحاً ان ما يسمى الهيكل وهو الهيكل الثاني الذي بناه اليهود بعد عودتهم من السبي البابلي لم يعد له اثر في الوجود بعد بقاء الرومان في فلسطين زهاء خمسمائة سنة يضاف اليها اربعة عشر قرناً في ظل الحكم العربي الاسلامي.
اين آثار هذا الهيكل بعد الفي سنة واين معبد يهوه ؟
ولا بد من الاطلاع على الوثيقة العمرية التي اعطاها عمر بن الخطاب لاهل القدس وكان اسمها ايلياء كما مر معنا، وليقارن القارئ واي انسان موضوعي عاقل بين دخول العرب المسلمين للقدس ، وبين دخول الارهابي المجرم موشي دايان اليها في 5 حزيران 1967 وكان وزيراً للدفاع الصهيوني دخلها تحت وابل من نيران المدفعية والرشاشات وقد عمل جيشه الباغي قتلاً وتخريباً في اهلها وتدنيساً للمقدسات المسيحية والاسلامية تماماً كما فعل التتري المغولي هولاكو في بغداد عام 1258م.
الوثيقة العمرية
عن كتاب « الفاروق عمر » ص 255 جاء ما يلي:
وبينما عمر بن الخطاب بالجابية فزع الناس الى السلاح اذ رؤوا خيلاً مقبلة، عليها الفرسان في ايديهم السيوف، فتبسم عمر لمرآهم وقال: « مستأمنة لا تراعوا وأمنوهم. وكان هؤلاء رسل سفرنيوس اسقف بيت المقدس جاؤوا يتمون الصلح مع أمير المؤمنين ، وصالحهم عمر على صلح دمشق ، بل على صلح أكثر منه سخاء، وكتب معهم كتاباً أورد الطبري نصه كما يلي:
« بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اعطى عبد الله عمر امير المؤمنين اهل إيلياء من الامان، اعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض ، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ماعلى أهل ايلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع الى أهله، وأنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية »..
وختم عمر الكتاب بتوقيعه كما شهد عليه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان...
وجاء في صفحة 258: « ولعل صفر نيوس لم يضن على عمر فذكر له ما كان معروفاً من قصص هذه المعابد وهو كثير. وبينما الرجلان بكنيسة القيامة أدرك عمر موعد الصلاة فطلب البطريرك إليه ان يصلي بها فهي من مساجد الله
فاعتذر عمر بأنه إن يفعل يتبعه المسلمون على تعاقب القرون إذ يرون عمله سنة مستحبة ، فإذا فعلوا أخرجوا النصارى من كنيستهم وخالفوا عهد الأمان ، واعتذر عمر للسبب نفسه عن الصلاة بكنيسة قسطنطين المجاورة لكنيسة القيامة.
وكانوا قد مدوا له عند بابها بساطاً يصلي عليه، وانما صلى في مكان قريب من الصخرة المقدسة. وفي هذا المكان شيد المسلمون من بعد مسجداً فخماً هو المسجد الأقصى.
أما في عهد عمر فقد كان هذا المسجد بسيط البناء يشبه مسجد النبي بالمدينة يوم أقيم...
لسنا بحاجة للتعليق على دخول العرب المسلمين إلى دار المحبة والسلام « القدس » ودخول اليهود إليها مرات عديدة وماذا فعلوا بها والذين أطلق عليهم المسيح عليه السلام:
جعلوا من المعبد مغارة لصوص كما وصفهم بأبناء الأفاعي..
هي قدس مقدسة صلى فيها ابن مريم وصلى فيها الانبياء الذين قتلهم بنو اسرائيل وصلى فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم...
وهي أولى القبلتين بالنسبة للمسلمين وثالث الحرمين الشريفين
ولعل مكانة القدس تأخذ أبعادها من خلال تتابع رسالة التوحيد التي بدأت منذ آدم وانتهت عند رسول الله محمد..
وعندما ندقق بنهج الدعوة عند كافة الانبياء نراه منهجاً واحداً وهو الدعوة لديانة التوحيد والأخلاق الاجتماعية الرفيعة والسلوك الانساني المتميز. وقد اختارهم الله من بين البشر واصطفاهم على غيرهم ليكونوا خاصته وأنبياءه ليبلغوا الرسالة التي لم تنقطع دعوتها حتى خاتم الانبياء.
واذا دققنا في نصوص التوراة ونصوص الانجيل ونصوص القرآن الكريم لوجدنا ان الانبياء جميعهم ساروا على منهج واحد في الدعوة وهو منهج عقيدة التوحيد ذاته..
لقد وردت قدسية القدس في القرآن الكريم كما ورد في سورة الاسراء الآية (1): « سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله»...
وكلمة باركنا حوله ذات معنى واضح ماذا حوله؟ مدينة القدس باركها الله وبارك كل الأماكن المقدسة فيها وكل المؤمنين الذين يعبدون الله.. ولم يبارك القتلة، اليهود قتلة الانبياء والمرسلين..
رأينا مافعله امير المؤمنين عمر لما دخل القدس
لنر ماذا فعل الفرنجة..
بدأ الزحف عليها في نيسان 1099 م بقيادة ريمون سان جيل وتانكريد وكورت هوز ثم لحق بهم غوفروا بويون فوصلوا في السابع من حزيران الى تل يطل على مدينة القدس ، بدأ الهجوم في 13 حزيران ولكنه أخفق.. وفي 13 و14 تموز 1099 م اعطي الأمر بالهجوم العام وتم دخولها وجرت مذبحة مروعة فقتل من المسلمين نحو 70 الفاً ونهب المسجد الأقصى وحوّل إلى كنيسة وحولت الأماكن الإسلامية الباقية إلى مرابط خيول وحانات وأمكنة لنوم الجنود..
التجأ المسلمون إلى المسجد الأقصى لكنهم ذبحوا عن آخرهم..
وبعد 90 عاماً استردها صلاح الدين الأيوبي 1187 م فهل فعل بالصليبيين الغربيين كما فعلوا بالعرب المسلمين؟
لم يفعل ذلك بل أمنهم وخرجوا سالمين كما أمنهم عمر من قبل..
وتمضي الايام ويحتل الانكليز فلسطين في العقد الثاني من القرن العشرين فيرتكبون اكبر مؤامرة بحق عروبة فلسطين وعروبة القدس بإصدارهم وعد بلفور 1917 م.. وجلب اليهود الصهاينة الى الارض المقدسة، وتقوم الثورات وتستأنف عملية الاستشهاد فاستشهد القسام قائد ثورة 1936 ويستشهد البطل عبد القادر الحسيني في معركة القسطل وغيرهم ، ومن أجل القدس حصراً ظل الشعب العربي يقدم دماء أبناء مسلميهم ومسيحييهم وعاد الصهاينة ليحتلوا الجهة الغربية من القدس اثناء نكبة 1948..
وعجزوا عن احتلال القدس الكبرى التي تحوي الاماكن المقدسة المسيحية والاسلامية. وفي حزيران 1967م وقعت القدس أسيرة حزينة بيد قوات الصهاينة.
سقوط القدس يعني للصهيونية ولليهود تحقيقاً لنبوءات العهد القديم كما يعني الهجمة العبرانية من جديد وانتصار يوشع على أهل فلسطين.. وحتى يزول المسجد الأقصى أقدم الصهاينة على حرقه عام 1968م وتكررت محاولات نسفه حتى بلغت العشرات. وراحت الجرافات والحفارات تقيم حوله الحفريات الكبيرة تصل الى أعماق الأرض بحثاً عن سراب هيكل سليمان المزعوم.
يرتكبون أبشع المجازر بحق عرب القدس وفي كل مجزرة يذهب عشرات الأبرياء ضحايا الرصاص اليهودي.
ومن أجل عروبة القدس قدم الشعب العربي الفلسطيني أبناءه شهداء وجرحى ومجاهدين
واليوم وقد بلغ السيل الزبى تعلو وتعلو صرخة القدس لتصل الى العرب والمسلمين وأحرار العالم جميعاً ويغلي المرجل ويأتي الصدى من لبنان المجاهد البطل ويجبر الصهاينة على الفرار ويلحق بهم هزيمة نكراء في 20 أيار عام 2000 وتهدي المقاومة اللبنانية بكل فئاتها حكومة وشعباً هذا النصر لشعب فلسطين..
ويقوم مؤتمر كامب ديفيد الثاني في تموز 2000 وبضغط من الولايات المتحدة والصهاينة على المفاوض الفلسطيني لكي يتنازل عن القدس ويرفض الفلسطينيون ذلك..
ولايملك اي انسان حق التفريط بالقدس ومهما ردد الصهاينة مقولتهم بأن القدس عاصمتهم الأبدية،
فان القدس ستبقى عربية خالصة وعاصمة دولة فلسطين العربية وإن غداً لناظره قريب.
منقول مع تصرف بسيط.
تعتمد الصهيونية، ومنذ زمن بعيد على احدى المقولات التوراتية والتي تزعم ان الرب منح اجداد اليهود ارض الميعاد فلسطين. وعلى اعتبار ان قضية القدس هي قضية مركزية للعرب (مسلمون ومسيحيون) فهي قلب الحدث، وقلب فلسطين ليس الان بل منذ آلاف السنين.
العبرانيون يدعون انها عاصمة ملوكهم وانبيائهم وبخاصة داود وسليمان بيد ان نصوص التوراة لم تهتم بالقدس لانها بقيت بيد اهلها الكنعانيين محصنة قوية. تركز التوراة على اهمية القدس منذ تولي داود الملك فصارت تعتبر حصن صهيون او قصر داود والذي كان يقع خارج اسوار القدس وهو المركز الاداري والسياسي لتلك المملكة المحدودة.
وحين يتسلم سليمان الملك تبدأ قصته بناء الهيكل لتأخذ ابعادها حيث تقول التوراة التي كتبت في بابل اثناء السبي ان الهيكل صار بيتاً للرب وان سليمان الذي كان قد تزوج الف امرأة وضع لنسائه اصناماً وآلهة وثنية في هذا الهيكل يعبدنها كل على طريقتها ومعتقدها ولم يعد هذا الهيكل معبد توحيد بل اصبح معبداً وثنياً لا اكثر ولا اقل.
وبات من المستحيل اكتشاف اثار هذا الهيكل لا اليوم ولا غداً لانه اساساً شيد من خشب الارز حسب النص التوراتي ، وان انبياء التوراة بدءاً من ارميا وحزقيال واشعيا ودانيال ركزوا على القدس باعتبارها المجد التاريخي لهم، لكنهم جميعاً وبلا استثناء هاجموا معبد الرب لانه صار حسب ما شاهدوه معبد اوثان.
القدس والتاريخ
لقد شكلت القدس ولا زالت تشكل اهم مدينة في العالم وذلك حسب الديانات ا لثلاث اليهودية والمسيحية والاسلام.
وكان للشعوب التي غزتها او طمعت باحتلالها اسبابها العسكرية والاقتصادية والتوسعية وما الى ذلك ضمن تنافس الامبراطوريات القديمة كالغزو الاشوري والبابلي والفارسي والمقدوني والروماني والصليبي الاوروبي والتتري الاسيوي.
والواقع ان الحركة الصهيونية وخاصة بعد قيام كيانها العنصري في فلسطين وجدت ان تمثل الجانب التوراتي في تثبيت هذا الكيان وهو الاهم بنظرها بين كافة الجوانب ، من هنا فان المستند العقيدي لليهود والمرتبط بشكل ما بالمستند التاريخي هو الذي يبقى في اسس الصراع الى حين يتصدى له النقيض المستند الى المعطيات العقيدية.
وبالاضافة لكل المقولات المادية التي طرحها اليهود كمبررات لاحتلال فلسطين وجعل القدس العاصمة الابدية لهم فانهم اولوا الجانب العقيدي الاهمية الاكبر.
فالقدس ارض وعد الله بها شعب اليهود، ولم تعرف هذه المدينة كما يدعون عقيدة اخرى في التاريخ سوى عقيدتهم والتي تستند على علاقة الله بالارض وعلاقة الله بشعب اسرائىل. ولهذا فان الارتباط العضوي الذي صنعه منظرو الصهيونية بين اليهود والقدس جعلوه يستند الى مسلمة الهية قدرية وبذلك خلقوا جيلاً من اليهود الذين لاتفارقهم الرؤية العقيدية للقدس ولكي نتوخى الموضوعية لا بد لنا من الاحتكام للتاريخ.
ان اول اسم اطلق على القدس هو يبوس نسبة الى اليبوسيين الكنعانيين اصحاب فلسطين الحقيقيين منذ اقدم العصور.. والذين نزحوا من الجزيرة العربية حوالي 3000 ق.م ويقال ان سالم اليبوسي اول من بناها واقام تحصيناتها. ومن هنا جاء اسمها «اورسالم» وهو اسم كنعاني ويعني مدينة سالم. ويقول الاستاذ «اولمستر» الخبير بتاريخ فلسطين القديم ان الكنعانيين كانوا قد وضعوا اول شريعة في شكيم «نابلس» ثم نقلوها الى القدس.
وقد ورد اسم اوشليم « اورسالم» في الكتابات الكنعانية التي تعرف برسائل العمارنة وهي ترجع الى القرن الخامس عشر ق.م اي قبل ظهور مدونات التوراة بالف عام. فتسمية اورشليم التي يحاول الصهاينة اليوم اعتبارها اسماً عبرياً «بمعنى اليهودية» هو في الحقيقة اسم كنعاني ارامي اصيل. وهذا الاسم ورد في مصر قبل ظهور النبي موسى. وقد اثبت علماء الاثار ان يبوس بنيت قبل عام 1800 ق.م.
وكان من اشهر ملوكها الكنعانيين ملكها: «ملكي صادق» ويقال انه كان موجوداً ومحافظاً على سنة الله بين شعب وثني. وقد اشارت التوراة في سفر التكوين الاصحاح 14 الآية 18: «وملكي صادق ملك شاليم اخرج خبزاً وخمراً وكان كاهناً لله العلي وباركه. وقال مبارك ابرام من الله العلي مالك السموات والارض».
وقد ورد في التاريخ، ان ملكي صادق صديق ابراهيم خليل الله بقعة الحرم الشريف معبداً له، فكان يقدم ذبائحه على موضع الصخرة المشرفة، وبذلك يكون العرب الكنعانيون اقدم من قدس وتعبد في هذه البقعة، صلوا فيها ودعوا ربهم عندها وذلك قبل ان يقوم سليمان بن داود ببناء ما يسمى بالهيكل بما يقرب من الف سنة.
لقد ذكر اسم القدس عند الاكاديين باسم «اورسالم» وعند المصريين القدماء «اورشاميم» وعند اليونان والرومان «هيروساليم» وعند الاوروبيين «جيروزاليم» وعند العرب «إيليا» «والقدس» وبيت المقدس.
ولما دخل ابراهيم ارض كنعان لم يدخلها غازياً او محارباً بل هارباً من ظلم قومه ويريد ملجأ آمناً، وكانت اول اقامة له في نابلس، حيث تقول التوراة: «واجتاز ابرام في الارض الى مكان شكيم الى بلوطة ممراً» ولم يرد ذكر اورشليم في هذا السياق. وحين جاء ذكرها كان حين التقى ابراهيم بـ ملكي صادق ملك اورشليم، ثم مضى ابراهيم في حال سبيله.. الى مدينة جرار قرب غزة ثم الى مصر.. ثم عاد فاستقر في منطقة الخليل ليدفن زوجته سارة فيها ثم مات فدفن في الخليل.
واختيار ارض كنعان لهجرة سيدنا ابراهيم لم يكن اختياراً بشرياً تم من قبل ابراهيم بل كان اختياراً ربانياً ايمانياً ، وان هذا الاختيار الرباني للتاريخ القادم والذي شهد ويشهد صراعاً مريراً بين التوراتيين الذين يدعون نسبهم الى ابراهيم وبين العرب المسلمين الذين اتبعوا ملة ابراهيم ودينه وهم اصحاب الارض الشرعيين والتي حصل الصراع بسببها بين تمام الحق وتمام الباطل.
واذا عدنا الى حقيقة التقديس اليهودي نرى ان المسألة لا تعدو كونها مسألة ارتباط جغرافي استيطاني، اما ان هناك تقديساً الهياً سبق التصور البشري للارتباط، فهذا لم يأت عليه كتاب التوراة، ولم تنص عليه النصوص الاولى في العقيدة اليهودية ، ولو كان القدس يشكل لهم جميعاً المركز القدسي الروحي الاوحد لتمثل ذلك بطقوس معقدة لها قوانينها وقام بها داود والاتباع من الطرفين ، لكن المقدس اليهودي لا يزال الى ذلك العهد مقدساً متمثلاً بتابوت العهد اي بصندوق العهد الذي حفظت فيه بقية تعاليم التوراة مع عصا ونعلي موسى .. وحول هيكل سليمان.. فلو افترضنا عبثاً ان هيكلاً ما بناه سليمان فهل يمثل هذا الهيكل وهو بمثابة القصر الملكي في زماننا اي مقراً للحكم وليس معبداً لعبادة الله مقدساً الهياً خاصاً باليهود ويبيح لهم الاستيلاء على القدس والصراخ صباح مساء بانها العاصمة الابدية للكيان الصهيوني المحتل لا بالحجة والمنطق والبرهان والدليل بل بقوة السلاح. لعمري انه لمنطق عجيب. خلال خمسين سنة وهم يحفرون وينقبون علهم يعثرون على حجر واحد او اثر واحد لهذا الهيكل ولكن جهودهم هذه ذهبت وستذهب ادراج الرياح. انه وهم يعيش في عقولهم وحدهم وليتركوا القدس لاهلها العرب. وساكينها منذ الاف السنين.
لقد مات سليمان وانقسمت المملكة الى مملكتين، مملكة يهوذا ومملكة السامرة وتتالى على مملكة السامرة، الملك آخاب 850 869 ق.م فانتشرت عبادة البعل بتشجيع من زوجته ايزابيل وكانت كنعانية حيث اصبحت حامية لعبادة بعل وعشتروت وامرت بهدم جميع المعابد والمذابح المرتبطة بالاله اليهودي يهوه وقتلت الكهنة اليهود باستثناء النبي ايليا «الياس» الذي هرب.
وكان 450 من انبياء البعل و 400 من انبياء السواري الكذبة يأكلون على مائدة ايزابيل، وقد قام النبي ايليا بعملية تحد افضت الى مقتل هؤلاء الكذبة جميعاً. سفر الملوك 18،19و40.
وبعد موت آخاب تولى العرش ابنه اخزيا الذي مرض مرضاً عضالاً، وفي يهوذا اعتلى العرش يوشيا بن آمون 640 ق.م وحاول اعادة عبادة يهوه وتدمير كل الاوثان التي ترمز الى البعل وعشتروت.
وفي عام 605 ق.م زحف نبوخذ نصر البابلي فوصل القدس واخضع ملكها «يهوياقيم» ولما ثار يهوياقيم على اسياده الجدد دخل نبوخذ نصر وجيشه القدس وعين عليها مكانه اخاه يهوياكين 598 597 ولكن السيد البابلي وجد انه لا بد من سبي هؤلاء العصاة فاخذ الملك وعائلته ورؤساء اليهود وبعض ما يسمى خزائن بيت الرب والمدينة الى بابل.
وكان عدد المنفيين يتراوح بين 3040 الفاً. وفي سنة 539 ق.م تمكن كورش وتسميه التوراة اخشويرش من الاستيلاء على بابل بمساعدة اليهود بعد ان تزوج من اليهودية «استر» فالتمسوا منه العودة الى فلسطين فوافقهم على ذلك. وفي سنة 332 ق.م استولى الاسكندر المقدوني على فلسطين ودخل القدس. وفي سنة 63 ق.م استولى القائد الروماني بومبي على القدس. ونصب الرومان في سنة 37 ق.م هيرودس الادومي ملكاً على الجليل والقدس وبقي يحكمها حتى السنة 4 م حيث ولد السيد المسيح عليه السلام في هذه الفترة. وفي سنة 26 م تولى بيلاطس حكم القدس فكان بداية للحكم الروماني المباشر وفي زمن هذا الوالي تشهد فلسطين والقدس تبشير السيد المسيح بتعاليمه وانجيله.
لقد بدأ السيد المسيح عليه السلام دعوته للعودة الى التوحيد فاغضب بذلك كهنة اليهود.. يقول انجيل لوقا: 19/4547 ولما دخل الهيكل اخذ يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون فيه قائلا لهم:
« مكتوب ان بيتي بيت الصلوات وانتم جعلتموه مغارة لصوص ، وكان يعلم كل يوم في الهيكل وكان رؤساء الكهنة والكتبة مع وجوه الشعب يطلبون ان يهلكوه».
وفي انجيل متى 21/12و13:
« ودخل يسوع الى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل، وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام وقال لهم مكتوب ان بيتي بيت الصلاة يدعى. وانتم جعلتموه مغارة لصوص»..
ومن الواضح ان ما يسمى بالهيكل ظل على حاله منذ ايام سليمان كما تقول التوراة لقد كان مكاناً تعبد فيه الالهة الوثنية ثم صار مكاناً لجماعة اللصوص وابناء الافاعي.. لم تبق اورشليم بل دمرت تدميراً كاملاً وقد تم هذا وفقاً لتحذير السيد المسيح:« ثم خرج يسوع ومضى من الهيكل فتقدم تلاميذه لكي يروه ابنية الهيكل فقال لهم يسوع : ما تنظرون الحق اقول لكم انه لا يترك ههنا حجر على حجر لا ينقض».
وبقيت اورشليم خربة مدة طويلة لا يسكنها الا حامية رومانية، خربة بسبب اعمال اليهود وفسادهم وغضب الله عليهم بعد الاذى والعناء الرهيب الذي سببوه للطاهر كليم الله وهو في المهد وكلمة الله التي مثلته بشراً في بطن امه العذراء الطاهرة حتى عملوا على صلبه ليصبح المخلص..
ثم دمرت المدينة نهائياً زمن حاكمها الروماني «هدريان» وحرث موقعها التي كانت عليه قائمة، وقتل عدداً كبيراً من اليهود وسبى عدداً يتجاوز عدد القتلى وامر بمنعهم من دخول القدس وحرم عليهم السكن فيها بل ومن الاقتراب منها، بينما سمح لاتباع يسوع ان يقيموا فيها على الا يكونوا من اصل يهودي وسمى المدينة ايليا كابيتولينا. وهو اسم الملك.
كما سمح لليونانيين بسكنى المدينة فبنوا على باب الهيكل المهدم والذي يقال له باب البهاء برجاً ووضعوا فوقه لوحاً كبيراً وكتبوا اسم الملك ايليا. ومنذ ذلك الوقت سميت بيت المقدس، واعتقد هنا ان هذا الاسم الذي يرمز الى القدسية جاء من ولادة المسيح ونشر تعاليم فيها والمسيح نفسه من الروح القدس، اي روح الله القدوس.
قام الملك فبنى هيكلاً للمشتري وثن آشوري على انقاض هيرودس ونصب تمثاله بالقرب من الصخرة المشرفة. وعندما اعتنق الامبراطور قسطنطين المسيحية 306 337 م جعل الديانة المسيحية هي الرسمية في فلسطين وجاءت امه هيلانة عام 326 م للعثور على الحوادث المهمة التي حدثت للسيد المسيح ولبناء الكنائس تذكاراً لهذه الحوادث، فامرت بهدم هيكل المشتري والتماثيل التي اقامها هدريان وقامت ببناء كنيسة القيامة التي يعتقد الاخوة المسيحيون انها ضمت قبر السيد المسيح قبل رفعه الى السماء وقد تم تدشين هذه الكنيسة عام 335م. اما كنيسة العذراء فقد بنيت عام 529 م في موقع الهيكل.
بقيت القدس متمتعة بسلام طويل وهي مدينة السلام وذلك منذ طرد اليهود منها عام 135 م الى سنة 614 حيث هاجمتها جيوش الفرس وطرد الرومان حيث انضم الى الفرس 20 الف يهودي فاشعلوا النيران في كنيسة القيامة وسويت مع الارض فقتل من المسيحيين في القدس اكثر من 60 الفاً دفن منهم 500 في «ماملا» ثم عادت القدس الى الرومان عام 626م.
وفي عام 636 زحف العرب المسلمون فحرروا بلاد الشام كلها في معركة اليرموك وكذلك حرروا القدس من الاستعمار الروماني ، ولقد بدا واضحاً ان ما يسمى الهيكل وهو الهيكل الثاني الذي بناه اليهود بعد عودتهم من السبي البابلي لم يعد له اثر في الوجود بعد بقاء الرومان في فلسطين زهاء خمسمائة سنة يضاف اليها اربعة عشر قرناً في ظل الحكم العربي الاسلامي.
اين آثار هذا الهيكل بعد الفي سنة واين معبد يهوه ؟
ولا بد من الاطلاع على الوثيقة العمرية التي اعطاها عمر بن الخطاب لاهل القدس وكان اسمها ايلياء كما مر معنا، وليقارن القارئ واي انسان موضوعي عاقل بين دخول العرب المسلمين للقدس ، وبين دخول الارهابي المجرم موشي دايان اليها في 5 حزيران 1967 وكان وزيراً للدفاع الصهيوني دخلها تحت وابل من نيران المدفعية والرشاشات وقد عمل جيشه الباغي قتلاً وتخريباً في اهلها وتدنيساً للمقدسات المسيحية والاسلامية تماماً كما فعل التتري المغولي هولاكو في بغداد عام 1258م.
الوثيقة العمرية
عن كتاب « الفاروق عمر » ص 255 جاء ما يلي:
وبينما عمر بن الخطاب بالجابية فزع الناس الى السلاح اذ رؤوا خيلاً مقبلة، عليها الفرسان في ايديهم السيوف، فتبسم عمر لمرآهم وقال: « مستأمنة لا تراعوا وأمنوهم. وكان هؤلاء رسل سفرنيوس اسقف بيت المقدس جاؤوا يتمون الصلح مع أمير المؤمنين ، وصالحهم عمر على صلح دمشق ، بل على صلح أكثر منه سخاء، وكتب معهم كتاباً أورد الطبري نصه كما يلي:
« بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اعطى عبد الله عمر امير المؤمنين اهل إيلياء من الامان، اعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم ، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها ، أن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا من حيزها ولا من صليبهم ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن ، وعليهم أن يخرجوا منها الروم واللصوص. فمن خرج منهم فإنه آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان بها من أهل الأرض ، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ماعلى أهل ايلياء من الجزية ومن شاء سار مع الروم ومن شاء رجع الى أهله، وأنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصد حصادهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذي عليهم من الجزية »..
وختم عمر الكتاب بتوقيعه كما شهد عليه خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان...
وجاء في صفحة 258: « ولعل صفر نيوس لم يضن على عمر فذكر له ما كان معروفاً من قصص هذه المعابد وهو كثير. وبينما الرجلان بكنيسة القيامة أدرك عمر موعد الصلاة فطلب البطريرك إليه ان يصلي بها فهي من مساجد الله
فاعتذر عمر بأنه إن يفعل يتبعه المسلمون على تعاقب القرون إذ يرون عمله سنة مستحبة ، فإذا فعلوا أخرجوا النصارى من كنيستهم وخالفوا عهد الأمان ، واعتذر عمر للسبب نفسه عن الصلاة بكنيسة قسطنطين المجاورة لكنيسة القيامة.
وكانوا قد مدوا له عند بابها بساطاً يصلي عليه، وانما صلى في مكان قريب من الصخرة المقدسة. وفي هذا المكان شيد المسلمون من بعد مسجداً فخماً هو المسجد الأقصى.
أما في عهد عمر فقد كان هذا المسجد بسيط البناء يشبه مسجد النبي بالمدينة يوم أقيم...
لسنا بحاجة للتعليق على دخول العرب المسلمين إلى دار المحبة والسلام « القدس » ودخول اليهود إليها مرات عديدة وماذا فعلوا بها والذين أطلق عليهم المسيح عليه السلام:
جعلوا من المعبد مغارة لصوص كما وصفهم بأبناء الأفاعي..
هي قدس مقدسة صلى فيها ابن مريم وصلى فيها الانبياء الذين قتلهم بنو اسرائيل وصلى فيها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم...
وهي أولى القبلتين بالنسبة للمسلمين وثالث الحرمين الشريفين
ولعل مكانة القدس تأخذ أبعادها من خلال تتابع رسالة التوحيد التي بدأت منذ آدم وانتهت عند رسول الله محمد..
وعندما ندقق بنهج الدعوة عند كافة الانبياء نراه منهجاً واحداً وهو الدعوة لديانة التوحيد والأخلاق الاجتماعية الرفيعة والسلوك الانساني المتميز. وقد اختارهم الله من بين البشر واصطفاهم على غيرهم ليكونوا خاصته وأنبياءه ليبلغوا الرسالة التي لم تنقطع دعوتها حتى خاتم الانبياء.
واذا دققنا في نصوص التوراة ونصوص الانجيل ونصوص القرآن الكريم لوجدنا ان الانبياء جميعهم ساروا على منهج واحد في الدعوة وهو منهج عقيدة التوحيد ذاته..
لقد وردت قدسية القدس في القرآن الكريم كما ورد في سورة الاسراء الآية (1): « سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله»...
وكلمة باركنا حوله ذات معنى واضح ماذا حوله؟ مدينة القدس باركها الله وبارك كل الأماكن المقدسة فيها وكل المؤمنين الذين يعبدون الله.. ولم يبارك القتلة، اليهود قتلة الانبياء والمرسلين..
رأينا مافعله امير المؤمنين عمر لما دخل القدس
لنر ماذا فعل الفرنجة..
بدأ الزحف عليها في نيسان 1099 م بقيادة ريمون سان جيل وتانكريد وكورت هوز ثم لحق بهم غوفروا بويون فوصلوا في السابع من حزيران الى تل يطل على مدينة القدس ، بدأ الهجوم في 13 حزيران ولكنه أخفق.. وفي 13 و14 تموز 1099 م اعطي الأمر بالهجوم العام وتم دخولها وجرت مذبحة مروعة فقتل من المسلمين نحو 70 الفاً ونهب المسجد الأقصى وحوّل إلى كنيسة وحولت الأماكن الإسلامية الباقية إلى مرابط خيول وحانات وأمكنة لنوم الجنود..
التجأ المسلمون إلى المسجد الأقصى لكنهم ذبحوا عن آخرهم..
وبعد 90 عاماً استردها صلاح الدين الأيوبي 1187 م فهل فعل بالصليبيين الغربيين كما فعلوا بالعرب المسلمين؟
لم يفعل ذلك بل أمنهم وخرجوا سالمين كما أمنهم عمر من قبل..
وتمضي الايام ويحتل الانكليز فلسطين في العقد الثاني من القرن العشرين فيرتكبون اكبر مؤامرة بحق عروبة فلسطين وعروبة القدس بإصدارهم وعد بلفور 1917 م.. وجلب اليهود الصهاينة الى الارض المقدسة، وتقوم الثورات وتستأنف عملية الاستشهاد فاستشهد القسام قائد ثورة 1936 ويستشهد البطل عبد القادر الحسيني في معركة القسطل وغيرهم ، ومن أجل القدس حصراً ظل الشعب العربي يقدم دماء أبناء مسلميهم ومسيحييهم وعاد الصهاينة ليحتلوا الجهة الغربية من القدس اثناء نكبة 1948..
وعجزوا عن احتلال القدس الكبرى التي تحوي الاماكن المقدسة المسيحية والاسلامية. وفي حزيران 1967م وقعت القدس أسيرة حزينة بيد قوات الصهاينة.
سقوط القدس يعني للصهيونية ولليهود تحقيقاً لنبوءات العهد القديم كما يعني الهجمة العبرانية من جديد وانتصار يوشع على أهل فلسطين.. وحتى يزول المسجد الأقصى أقدم الصهاينة على حرقه عام 1968م وتكررت محاولات نسفه حتى بلغت العشرات. وراحت الجرافات والحفارات تقيم حوله الحفريات الكبيرة تصل الى أعماق الأرض بحثاً عن سراب هيكل سليمان المزعوم.
يرتكبون أبشع المجازر بحق عرب القدس وفي كل مجزرة يذهب عشرات الأبرياء ضحايا الرصاص اليهودي.
ومن أجل عروبة القدس قدم الشعب العربي الفلسطيني أبناءه شهداء وجرحى ومجاهدين
واليوم وقد بلغ السيل الزبى تعلو وتعلو صرخة القدس لتصل الى العرب والمسلمين وأحرار العالم جميعاً ويغلي المرجل ويأتي الصدى من لبنان المجاهد البطل ويجبر الصهاينة على الفرار ويلحق بهم هزيمة نكراء في 20 أيار عام 2000 وتهدي المقاومة اللبنانية بكل فئاتها حكومة وشعباً هذا النصر لشعب فلسطين..
ويقوم مؤتمر كامب ديفيد الثاني في تموز 2000 وبضغط من الولايات المتحدة والصهاينة على المفاوض الفلسطيني لكي يتنازل عن القدس ويرفض الفلسطينيون ذلك..
ولايملك اي انسان حق التفريط بالقدس ومهما ردد الصهاينة مقولتهم بأن القدس عاصمتهم الأبدية،
فان القدس ستبقى عربية خالصة وعاصمة دولة فلسطين العربية وإن غداً لناظره قريب.
منقول مع تصرف بسيط.