المساعد الشخصي الرقمي

عرض الإصدار الكامل : أبعاد الحرب النفسية في فلسطين


إنسان
01-04-2002, 11:26 PM
إن الظروف القاسية والضغوط الهائلة التي يعاني منها الانسان في الأراضي المحتلة والتي تفوق طاقة الاحتمال الانساني التي بدت مظاهرها لكل من يتابع الموقف المتدهور هناك‏,‏ ويمكن رصد بعض هذه المظاهر بعين الطب النفسي في هذه النقاط‏:‏
‏*‏ المشاهد التي يتم بثها إعلاميا بصفة يومية حتي صارت مألوفة مثل مراكب جنازات الموتي في نعوش يحيط بها المتظاهرون يوميا بما فيها من تعبيرات عن الغضب والحزن والتحدي‏.‏

‏*‏ المواجهات غير المتكافئة بين أطفال سلاحهم الحجارة وجنود يحملون أحدث الأسلحة ونقل مايحدث في هذه المواجهات عبر الإعلام إلي كل العالم لما لايحتاج إلي شرح أو ترجمة‏.‏

‏*‏ الآثار النفسية للعدوان والقمع علي الوجوه الباكية لأمهات فقدن الأبناء أو زوجات فقدن شريك الحياة‏.‏

‏*‏ بث مشاهد تدمير البيئة في الأراضي الفلسطينية مثل القصف وهدم المنازل واقتلاع الأشجار وتجريف المزارع‏,‏ وكل هذا لايمثل فقط خسائر اقتصادية بل صدمات نفسية لاتحتمل لأصحاب هذه الممتلكات وللانسان في هذه الأماكن‏.‏
إن المحصلة النهائية لهذه الحرب النفسية بجانب الحرب الفعلية وحصيلتها من الشهداء والجرحي وماتؤدي إليه من ضغوط نفسية هائلة وخبرات أليمة تفوق طاقة الاحتمال الانساني هو مزيد من الاصابات بحالات الاضطراب النفسي التي تؤدي في النهاية إلي الانهيار والإعاقة النفسية لنسبة كبيرة من الناس‏,‏ كما تؤكد مراجع الطب النفسي الحديث أن الاصابة باضطراب الضغوط التالية للصدمة‏PTSD‏ التي تمثل نوعا حادا من الاضطرابات النفسية يصل نسبة الاصابة بها‏25%‏ في المتوسط من الأشخاص الذين يتعرضون لمثل هذه الضغوط النفسية من ظروف قاسية وعنف وقمع‏,‏ وتدمير للبيئة المحيطة‏,‏ والممتلكات‏,‏ والحياة وسط مظاهر الدمار‏.‏
وفي هذه المناسبة فانني ـ كطبيب نفسي عربي وواحد من الملايين الذين تصدم مشاعرهم كل يوم بمشاهد العنف والقمع التي ينقلها الإعلام للعالم أدعو إلي وقفة إيجابية لمواجهة هذه الحرب النفسية التي يتعرض لها الانسان في فلسطين بجانب العنف المباشر الذي يتمثل في القتل والإيذاء البدني والقمع والتدمير‏..‏ وهنا نعرض بعض النقاط‏.‏

‏*‏ هناك حاجة ماسة لاظهار التضامن والمواساة مع الفلسطينيين تحت الاحتلال وتقديم كل أنواع الدعم والمساندة المادية والمعنوية في رسالة واضحة لهم تقول‏:‏ لستم وحدكم نحن معكم‏,‏ وعلينا أن نمد يد العون عمليا‏,‏ مع الاهتمام بتضميد الجراح النفسية كأحد الأولويات‏.‏

‏*‏ الرفض والاحتجاج بكل الوسائل علي مايحدث ومايتعرض له الانسان في الأرض المحتلة‏,‏ ويجب أن نحول الصدمة بما نراه ونسمعه ويهز مشاعرنا إلي انفعالات إيجابية ولانسمح لأنفسنا أن نتعود علي هذا الواقع مع مرور الوقت‏.‏

‏*‏ اقترح هنا أن يستمر الإعلام العربي في المحافظة علي صور المقاومة حية في الأذهان عن طريق مواصلة وضعها في مقدمة الأولويات‏..‏ إن مجرد بث صور اغتيال الطفل الدرة في أحضان والده من المشاهد الكافية للتعبير عن الوضع بأكمله وإثارة مشاعر قوية مضادة للحرب النفسية التي يمارسها العدو‏.‏

‏*‏ لابد أن نصر علي التخلص من الخوف من العدو‏,‏ أو الاستسلام لدعايته بأنه القوة الأعلي المسيطرة التي لاتقاوم‏,‏ فلا أساس لذلك‏,‏ والدليل هو تعبيرات الخوف والحذر والذعر التي يمكن لنا أن نقرأها بوضوح في وجوه الجنود الإسرائيليين وهم يواجهون الأطفال والشباب الذي يقذفون الأحجار بكل الجرأة والتحدي‏.‏
وأخيرا فان أحدا لايعلم مايحمله المستقبل لكن الثبات والصبر وإرادة الحياة والتمسك بالحق والتضحية من أجل المبدأ العادل رغم التعرض للعنف والظلم ونزيف الخسائر والمواقف الصعبة والحرب النفسية‏..‏ كل ذلك لابد أن يغير هذا الواقع الأليم الذي يعيشه الانسان في فلسطين‏..‏ ولابد أن تشرق الشمس يوما علي المنطقة بواقع جديد يتم فيه تصحيح هذه الأوضاع‏,‏ وتعود الطمأنينة والسلام‏,‏ ونتمني أن يأتي هذا اليوم قريبا باذن الله‏.‏


بقلم: د‏.‏لطفي الشربيني
استشاري الطب النفسي