عرض الإصدار الكامل : أزمات الشعوب النفسية


ريحانة الدهر
28-06-2005, 09:27 PM
في ذكرى ميلاد المفكر الكبير
عباس محمود العقاد
في 28/6/ 1889

من كتاب /
على الأثير





سمينا عصرنا هذا بأسماء كثيرة تنطبق عليه سميناه عصر النور لأنه العصر الذي انتشرت فيه العلوم التجريبية وسميناه عصر الكهرباء لأنه عصر القوى الكهربائية وسميناه عصر الطيران وعصر المرأة وعصر الدهماء ونسميه اليوم عصر الذرة وعصر الرادار ولا نتعدى الواقع في هذه التسمية ولكننا إذا سميناه عصر النفسيات لن نخطأ لذلك سببا كأقوى ما تكون أسباب الأسماء لأن البحث في علم النفس لم ينتشر في عصر من العصور كما انتشر في هذا العصر الحديث .
طبقنا علم النفس على الفرد في جميع حالاته : على الفرد الصحيح وعلى الفرد المريض : على الفرد العظيم وعلى الفرد الحقير على الفرد وهو طفل ، وعلى الفرد وهو رجل وعلى الفرد في جميع المعارض والأعمال ثم طبقنا علم النفس على الجماعات من أمم وطوائف وطبقات وتوسعنا في بيان الفروق بين النفس الجماعية والنفس الفردية فاتفقت الأقوال على أن الظواهر النفسية تختلف بين الفرد والجماعة أو تختلف بين الفرد على حدة والفرد في المجموع والزحام لكننا نريد أن نلمس في هذا الحديث جوانب الشبه بين الفرد والجماعة في حالة واحدة في حالة الأزمات النفسية فإن التقريب والتبسيط في هذه الأمور يفيد فائدتهما الكبرى ويدنوان بنا من حصر العلة وتوحيد ملاحظتها وكلما نجحنا في توحيد الأسباب نجحنا في الوصول إلى السبب الصحيح هناك ظواهر كثيرة تتشابه فيها ( الأزمات النفسية ) بين الفرد والجماعة كل التشابه ونستطيع أن نفهمها هنا وهناك على نحو واحد ونلم في هذا الحديث ببعض الأمثلة على تلك المشابهات من تلك الظواهر أن الأزمات النفسية ترجع في الجماعة كما ترجع في الفرد إلى الحيرة ولا ترجع إلى سوء الحال وحده فمهما اشتد سوء الحال فهو لا يفضي بالجماعات ولا بالأفراد إلى أزمة نفسية ما لم تصحبه حيرة تمتنع فيها سبيل الهداية ، هناك مثلا رجل فقير جائع عار محروم ولكنه قانع صابر أو شاعر بأنه مستحق للفاقة والحرمان فلا أزمة هناك .
متى تبدأ الأزمة النفسية ؟ تبدأ حين يحار بين الصبر والقناعة وبين طلب الرزق من طريق لا يستقر عليه من طريق السرقة أو المخاطرة أو التفريط في الشرف والكرامة أو الخروج على المألوف والعادة ، فتوجد الأزمة النفسية مع الحيرة ولا يكفي لإيجادها مجرد سوء الحال ولهذا يثور رجل يكسب 20 قرشا في اليوم ولا يثور رجل يكسب 10 قروش ، لأن الفرق بينهما فرق في الحيرة وليس في العسر أو الحرمان أو لهذا يشعر الناس في الجيل الحاضر بالأزمات النفسية ولم يشعر الناس قبل جيل أو جيلين بأمثال هذه الأزمات لأنهم يضيقون اليوم ويحارون وكانوا بالأمس يضيقون ويصبرون كذلك الأمم في أزماتها النفسية تشعر بالأزمة حين ترتاب وتحار وليس من الضروري أن تشعر بها حين تشتد بها الحال أو تضيق بها أسباب المعاش تشعر الأمم بالأزمات النفسية حين تتردد بين نظام ونظام وبين خطة وخطة وبين عقيدة وعقيدة ولا تشعر بالأزمات النفسية وهى ترى أمامها طريقا واحدا لا تعدوه تشعر بالأزمات النفسية حين تتردد بين ديمقراطية والسلطة الفردية أو بين الحرية والديكتاتورية أو بين زعامة العلية وزعامة الدهماء ولكنها لا تشعر بالأزمات النفسية إذا استطاعت أن تختار بين طريقها أو عرفت كيف تختاره ولو تفرقت بها الطرق أحزابا أحزابا أو جماعات جماعات فهذه ظاهرة لا تختلف فيها أزمات الفرد وأزمات الجماعة وهى ظاهرة الحيرة في الحالتين وظاهرة أخرى أن الأزمة النفسية تتراخى في الفرد والجماعة بالتعبير وإزالة الأسباب فالرجل الذى يشكو ويعلم ما يشكوه ويستطيع أن يعبر عن شكواه لا يقال أنه في أزمة نفسية والأمة التي تملك حرية التعبير تعالج الأزمات النفسية بالتفريج والتنفيس ولكن التعبير في الحالتين علاج مخفف موقوت ولا يحسم الداء كل الحسم إلا العلاج الصحيح وهو العلاج الذي يقتلع الأسباب من جذورها ويغني الأمة عن طلب التفريج والتنفيس .







[marq=right:229d738e72]أمة الله [/marq:229d738e72]
[marq=left:229d738e72] ريحانة الدهر [/marq:229d738e72]http://www.4banat.com/photo2/i18.jpg

marolin99
29-06-2005, 12:41 AM
سلمت يداك يا ريحانة الدهر

وجزاك الله كل خير 0