عرض الإصدار الكامل : كتاب نظرات في مسيرة العمل الإسلامي


محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:48 PM
نظرات في مسيرة العمل الإسلامي

فضيلة الشيخ محمد الغزالي

المقدمـــــــة

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، الذي ابتعثه الله رحمة للعالمين قال تعالى: (وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) والذي جعله ـ وحده محل الأسوة والقدوة، لأنه مسدد بالوحي ومؤيد به، وليس هذا لأحد سواه فرداً كان أو جماعة أو دولة، فكل إنسان يؤخذ من كلامه ويرد إلاّ صاحب هذا القبر كما يقول الإمام مالك رحمه الله.
وبعــــد:

فهذا الكتاب الثامن في سلسلة (كتاب الأمة ) ـ التي تصدرها رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية ـ بدولة قطرـ (نظرات في مسيرة العمل الإسلامي ) يأتي استجابة لرغبات كثير من الإخوة الذين كتبوا إلينا يطالبون بضرورة إصدار (كلمة الأمة ) ضمن سلسلة (كتاب الأمة ) سواء ما جاء منها برسائل مستقلة أو ما تضمنته استمارات استطلاع الرأي..
ونسارع إلى القول: بأنها نظرات أو وجهات نظر، تأتي في إطار المحاولة الإسلامية للإصلاح وتسديد الخطا وتصويب المسيرة والتأكيد على أن العمل الإسلامي اليوم قد لا ينقصه الإخلاص ـ في كثير من الأحيان ـ وإنما الذي ينقصه ولا يزال يفتقد إليه هو الصواب كشرط فني لازم، وأحد طرفي المعادلة التي لا تتحصل النتيجة إلا بتحققه، ولا يتأتي هذا إلاّ بالتعرف على السنن التي شرعها الله لحكم الحياة والأحياء، وحسن التعامل معها، والتحول من عقلية التبرير والتسويغ إلى منهج دراسة الخلل، وبيان أسباب ومواطن التقصير، وإغناء ساحة العمل الإسلامي بالدراسات النقدية التقويمية.
وحسبها أنها نظرات أو تأملات اجتهادية تقع في إطار المحاولة الإسلامية كما أسلفنا ـ وليست هي الإسلام المعصوم، فإن أصابت فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فبسبب من ضعف البشر وقصورهم، ولا يجوز أن يحمل الخطأ على الإسلام بحال من الأحوال.
ونقصد بالعمل الإسلامي كل أصحاب الفاعلية الموجودين على الساحة الإسلامية، الذين يرون في الإسلام طريق الخلاص ويؤدون دورهم ويستشعرون مسؤوليتهم تجاه ذلك بمختلف الوسائل المشروعة بمواقعهم المختلفة سواء انتظمتم جماعات أو جمعيات أو مؤسسات ذات نظم معينة، أو لا .. بل قد نرى الإنسان المسلم مهما اختلف موقعه ـ إن كان يتمتع بفاعليةـ أحق بصفة العمل الإسلامي من الآخر الذي انطفأت فاعليته مهما كانت صفته لأن القضية اليوم قضية فاعلية مبصرة على الساحة الإسلامية وليست قضية رسوم وأشكال، ذلك أن التنظيمات والجماعات والمؤسسات إنما هي وسائل ترجو أن تكون أكثر كسباً للقضية الإسلامية وإثارة للاقتداء وليست غاية بحد ذاتها أو مراكز احتكار للإسلام أو ساحة أقضية لإصدار الأحكام على الناس.. إن مهمتها الهداية وليست الجباية.. وهنا لابد من الإشارة إلى بعض الملاحظات التي نراها ضرورية بين يدي الكتاب.
• تركت الافتتاحيات (كلمة الأمة ) ـ التي تم اختيارها كما هي دون أية مداخلة من زيادة أو نقصان حفاظاً على قيمتها التاريخية والظروف التي أوحت بها والاعتبارات التي حكمتها.
• لم يلتزم في ذلك الترتيب الزمني لكتابتها وإنما آثرنا الاختيار لما يمكن أن يقع ضمن إطار معين ويعالج قضايا متقاربة وأكثر إلحاحاً.
• لا شك أن لكل (كلمة ) شخصيتها المتميزة المستقلة، لكن يشفع لها أنها جميعها ـ ينتظمها سلك واحد وتعالج قضايا ضمن إطار المحاولة الإسلامية وفي ساحتها من هنا فإنها بطبيعتها تختلف عن الكتب المؤلفة ابتداء من بعض الوجوه.
• قد يلمح القارئ فيها عودة لإلقاء أضواء إضافية أو لتعميق بعض الأبعاد بالنسبة لكثير من المفهومات، ولا نعتبر ذلك من قبيل التكرار بقدر ما هو من طبيعة الكلام في القضايا المنهجية.
• ونرى أنه من الأمور الضرورية للعاملين في الحقل الإسلامي ـ بعد أكثر من نصف قرن ـ أن تكون لهم وقفات للمراجعة واختبار المنهج ووسائل العمل وإخضاع العمل لنوع من التخطيط والدراسة وحساب الاحتمالات..
ونعتبر أن ما قدمناه في هذا السبيل لا يشكل أكثر من نافذة أو خطوة على الطريق وليس لنا أن ندّعي أننا بهذا نغطي قضايا العمل الإسلامي وجوانبه المتعددة ومشكلاته الكثيرة والمتشعبة كما قد يوحي بذلك العنوان، وإنما هي بداية نرجو أن تكتمل بجهود إخوة ممن تهمهم القضية الإسلامية ويستشعرون مسؤوليتم في المناصحة.
ولعل من نافلة القول أن نُذَكِّر بحقنا في المناصحة وإغناء الموضوع بالملاحظات التي يمكن أن تستدرك في الطبعات القادمة.. ولسوف نتابع إصدار (كلمات الأمة ) ضمن السلسة مستقبلاً إن شاء الله. والله نسأل أن يلهمنا رشدنا ..

عمر عبيد حسنة
الدوحة: [ذو الحجة 1404هـ ـ ايلول ( سبتمبر)1984م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:49 PM
تقديم : بقلم فضيلة الشيخ محمد الغزالي

ارتقت وسائل الإعلام في العصر الحاضر وقطعت آماداً فسيحة في اجتذاب النفوس وصياغة الأفكار، وتوسلت بها مذاهب مفلسة أتقنت فن الداعية حتى بدت وكأنها في جانب كبير من اليسار..!

والغريب أنك تبحث عن الإعلام الإسلامي وسط هذا السباق المحموم فلا تجد إلا نفراً قلائل يتحركون بدأب، ويتحملون بجلد، ويستميتون في عرض الحق وسط ميدان كثرت فيه ألاعيب السحرة، وغابت عنه عصا موسى ..

ولذلك تسمع طنيناً للباطل لا ينتهي، وأنيناً للحق لا ينقطع.. وكان المفروض أن يكون الإعلام الإسلامي أندى صوتاً وأرحب ساحة لأنه يقوم بدءاً على كتاب معجز البيان، ورسول أوتي جوامع الكلم واختُصرت له المعاني اختصاراً..

والواقع أن المدّ الإسلامي الأول كان وحياً يصنع الرجال، وتعليماً يفتق الألباب، وريادة نفسية واجتماعية تفرش أشعتها على مساحات رحبة ومساحات بعيدة بين أيدي المسلمين، كما تكشف الطريق مصابيح السيارة المنطلقة، فهي تمضي إلى غايتها على بصيرة..

وقد بلغ من نجاح الإعلام الإسلامي قديماً أن الأعداء كانوا ينهزمون أمامه على مسيرة شهر! وأن جلال الإيمان قَسّمهم على أنفسهم فما يلقونه إلا وأمرهم فرط وأفئدتهم هواء..

إن سيطرة الإسلام على الأفكار والمشاعر سبقت قدرته الحربية على مقارعة الضلال، ومن ثم أحسَّ معارضوه أن مقاومة تشبه مقاومته النهار الطالع، أو إمساك الليل المدبر! ألا ما كان أعظم هذا النجاح..

إنه نجاح أسهمت في إحرازه أجهزة الدولة وقوى الأمة معاً، وقد كانا في صدر تاريخنا كياناً واحداً، وبقي هذا النجاح متفاوت الألق قرابة ألف عام، وإن كان نصيب الشعوب الإسلامية في استبقائه أكثر وأرجح من السلطات الرسمية..

حتى جاءت القرون الأخيرة فإذا نحن مع الناس كما قال الطغرائي:

تقدمتني أناس كان شأوهم * وراء خطوي لو أمشي على مهل!

ولا مكان لمفاخرة أو منافرة! فإن الدعايات الناجحة لا تنطلق من فراغ، وإنما تساندها جماهير تكدح، وصفوة ترسم وتقود، وذاك ما أعوز أمتنا في عصرها الحاضر.

أما خصومنا فقد استقامت أمورهم على نحو مثير، وليس يرجح تفوقهم العسكري إلا تفوقهم المدني، وليس يشبه حماسهم لأسباب القوة إلا حماسنا نحن لأسباب الضعف!

ولقد برعوا في خدمة مواريثهم ونحن لا ندري ما الكتاب ولا الإيمان؟ فكيف نحسن الجهاد لهما وما أحسنا معرفتهما ؟؟

كانت الصحف التي تخدم التنصير والاستشراق قوية الأداء، وكانت المقالات التي تنشر في صحف أخرى شديدة المكر مكينة الحقد، أما الكتابات الدينية عندنا فكان ينقصها الموضوع والأداء جميعاً! ولا أذكر أنه في شبابي الباكر كانت هناك صحافة دينية ذات وزن..

نعم، ولدت مجلات أدبية رفيعة المستوى كمجلة (الرسالة ) بيد أن تيارات الغزو الثقافي كانت أقوى منها فعصفت بها وبمثيلاتها، وخلت الأسواق للصحف (العلمانية ).

ولنعترف بأنها صحف غنية بفنون القول والتوجيه، فيها المقال، والخبر، والتعليق، وفيها القصة والعبرة والصورة، وتستطيع أن تقرأ السطور وما بين السطور! بل تستطيع أن ترى العالم أمامك بجده وهزله وخيره وشره..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:50 PM
ومن خلال هذه الصحافة الذكية استطاعت الجماعات المشرفة عليها أن تلف كتل الجماهير حول ما تريد، وأن تمحو وتثبت كيف تشاء، وأن تنجح قضايا وتحبط أخرى، وأن تصنع الحماس حيناً والبرود حيناً آخر حتى انتهت أمتنا الكبرى إلى ما انتهت إليه!

ربما وجدت في الميدان الديني صحف تنشر بحوثاً علمية متخصصة، وربما وجدت صحف تكترث بالنقد وتهتم بما ظهر واستتر من مآسي المسلمين، إلا أن هذه وتلك لم تكن تشبع القارئ أو تغنيه..

وأكره المواربة في وصف عللنا، إن عدداً من المحررين المسؤولين كان حسن الإيمان ولم يكن حسن الفقه، لعله كان مخلصاً للإسلام، لكن جراثيم التخلف الفكري السارية في دمه كانت تجعله يهزم الإسلام، ويصدّ عنه..

ومع ذلك فإن الصحافة الدينية ارتقت خلال ربع القرن الأخير، وبلغت مكاناً لا بأس به ..

والصحافي القدير غير الكاتب القدير، فإن فنّ الإبراز والعرض وتلوين الأداء وتنويع المادة المقروءة، ومواكبة الأحداث الجارية موهبة لا يقدر عليها كل كاتب..

وقد كان (العقاد ) راسخ القدم مهيب القلم إلا أنه لم يكن صحافياً، أما (سيد قطب ) فقد كان مؤلفاً ضخماً وكان كذلك صحافياً عظيماً، وقد عاصرته، أو اقتربت منه وهو يخرج مجلة (الفكر الجديد ) فأحسست بأنه مكين أمين.

والأستاذ (عمر عبيد حسنه ) من أولئك الذين جمعوا بين الكتابة والصحافة، وأحسنوا صياغة العقل الإسلامي في كلا الميدانين..

والعراك الآن محتدم بين شتى الملل والمذاهب، كل يريد اجتذاب الجماهير إليه واستهواءها إلى مبادئه! وقد افتنَّتْ الصحف المتنافسة في بلوغ غاياتها وتنوعت وسائلها وربما كانت الصورة الساخرة أنكى من كلمة صريحة، والتعليق اللاذع أسرع طعنة من نافذة، والمقال الذي يستغرق ربع عمود أجدى من كتاب مسهب، ووضع الخبر في مكان أخطر من وضعه في مكان آخر، وإبراز بعض الإحصاءات الميدانية أهم من حَبْك الأدلة النظرية، وقد يكون التفاهم مع بعض الخصائص النفسية والمصالح الاجتماعية أخصر طريق إلى المقصود !!

إن الصحافة سلاح أفتك من أسلحة البر والبحر والجو في أحيان كثيرة، ويسرنا أن الإسلاميين عرفوا هذه الحقيقة أخيراً، وبدأت صحافتهم تشق طريقها إلى الأمام..

ولا ريب أن مجلة (الأمة ) قد أحرزت نجاحاً مبيناً في خدمة الإسلام وكانت نجدة حقيقية للمتعلقين به والداعين إليه، ولا ريب أن ممن كانوا وراء هذا النجاح الأستاذ (عمر عبيد ) واقتداره في التأليف والتنسيق، والعطاء المشبع والرؤية البعيدة..

ومجلة (الأمة ) تصدرها دولة قطر، وكان المفروض أن يرى القراء فيها ملامح العمل الرسمي وتحفظه! بيد أن المجلة برزت في طابع شعبي صادق شجاع إلى حد بعيد، وأقبل عليها عشرات الألوف، وكان يمكن أن يقبل عليها مئات الألوف، وليس من دافع لهذا الإقبال إلاّ أنهم يرون فيها ما يريدون ويقرؤون ما يحبون..

وما أهمتهم قضية إلا وجدوا لها صدى بين صحائف المجلة التي أضحت وجهاً إسلامياً جميلاً لا لقطر وحدها بل لدول الخليج كلها، ولولا التقشف الذي فرض نفسه على هذه الدول لبلغ توزيع المجلة ألف ألف أو يزيد ..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:51 PM
والسؤال الذي نجيب عنه هنا: كيف تم هذا النجاح؟

إن أسرة التحرير تعاونت تعاوناً مثمراً على تحقيقه، والكتاب المنتقون بعناية لهم دور مقدور كذلك ..

وفي حديث الشهر الذي يحرره الأستاذ (عمر ) أمور نحب إلقاء ضوء عليها، فما أكثر الغموض الذي يكتنف العمل الديني عندنا، وما أحوج الإسلام إلى إزالة هذا الغموض ..!

إن أعداداً من الدعاة لا يدرون (جغرافية ) الميدان الذي يقاتلون فيه، ولا آماد الانحراف الذي يقاومونه، ويحسب كثير منهم القوى الإسلامية_ أعني المحسوبة على الإسلامـ قوى خالصة مجدية! وأن القوى الأخرى هم خصم مناوئ يجب القضاء عليه! وقد يقولون: من ليس منا فهو علينا!

ومنهم من يحسب إقامة الإسلام تتم بانقلاب عسكري! وأن دور الإعداد التربوي والبناء العقائدي يجيء في المرحلة التالية!!

وأغلب العاملين في الحقل الإسلامي لا يريد الاعتراف بالأولويات التي يتوزع عليها الاهتمام وتتضافر حولها الجهود..

وقد تشغله نافلة عن فريضة، بل قد تشغله سنة عادية، أو تقليد متوارث عن معاقد الإيمان..

وشيء آخر يثير الحسرة: رفض دراسة الأخطاء التي تورط فيها بعضنا، ولحقتنا منها خسائر جسيمة!

إنني أسارع إلى القول بأن الأخطاء لا تخدش التقوى، وأن القيادات العظيمة ليست معصومة، ولا يهزّ مكانتها أن تجيء النتائج عكس تقديرها.. إنما الذي يطيح بالمكانة تجاهل الغلط، ونقله من الأمس إلى اليوم وإلى الغد، وادعاء العصمة، والتعمية على الجماهير المسترسلة..

إن هذه الكبرياء لا تقل دمامة عن العوج الذي نحاربه في صفوف خصومنا، ونزدريهم من أجله!!

وقد لاحظت أن الأستاذ (عمر عبيد ) في توجيهه الشهري يبرأ من الآفات التي أومأت إليها، وأنه يلمح بذور الخير في أي ميدان فيبرزها وينميها ويوجهها لخدمة الإسلام.

ويلمح الأخطاء فيحاصرها في صمت ويمنع تكاثرها ويأخذهافي نقصها من أطرافها..

وهو يبحث عن الخير بين من هو معه ومن هو ضده، ويستعين به على بلوغ هدفه، ولا يتجاهل الشر وإن وقع بين الأقربين منه، وإنما يعمل بأدب ورفق على حسمه وحماية المسلمين من غوائله..

والرجل يتحاشى الحدّة في خصامه وفي سلامه، وقد أعانه هذا الهدوء الفكري على المضّي في طريقه يبني ولا يهدم ويصل ولا يقطع، ويستفيد من إمكانات يعجز عنها أصحاب المشاعر المهتاجة أو الأبصار الكليلة..

وقد سرني أن تخرج رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية بقطر توجيهاته الشهرية في سلسلة كتاب الأمة، وأملي أن يكون هذا الكتاب تصويراً حسناً لحاجات الصحوة الإسلامية في مرحلتها الحاضرة، وهي مرحلة لها ما بعدها في مستقبل الإسلام وجهاده ضد المتربصين به، وما أكثرهم..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:53 PM
الالتزام بالمنهج ضرورة لسلامة الطريق

(وأنّ هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السُّبُلَ فتفرق بكم عن سبيله ) (الأنعام: 153)

من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله لعباده، وأنه يمثل الكمال والاكتمال للرسالات السماوية جميعاً، قال تعالى:

(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) (المائدة:3) ذلك أن الإسلام يمثل مرحلة الرشد الإنساني بعد هذه الرحلة الطويلة من ميراث النبوة من لدن آدم عليه السلام وحتى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، وتحضير الجنس البشري لاستقبال المنهج الأخير..

فرسالة محمد صلى الله عليه وسلم هي الرسالة الخاتمة، قال تعالى:

(ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النَّبيين.. ) (الأحزاب:40). ومن طبيعة الرسالة الخاتمة ومن لوازمها أيضاً أن تستمر سليمة بعيدة عن التحريف والتأويل والنقص أو الضياع، ومن حق الأجيال المتعاقبة أن تتلقى رسالة السماء كما أنزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يكون خطاب التكليف سليماً صحيحاً في كل حين، حتى يمكن أن تترتب على ذلك شرعياً ومنطقياً قضية الثواب والعقاب، أي حتى يتم التكليف وتترتب المسؤولية، والله تعالى يقول:

(وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) (الإسراء:15).

فما ذنب المكلفين من المخلوقين وما مدى مسئوليتهم إذا لم يصلهم خطاب التكليف سليماً؟ وبالتالي فسوف لا تكون الاستجابة لهذا التكليف صحيحة، إذ السلوك الصحيح لا يعدو أن يكون ثمرة للتصور السليم الذي يتحصل من التلقي السليم للرسالة الصحيحة، التي لم يلحق بها ما لحق بالرسالات السماوية السابقة على يد أصحابها من المغالين وخصومها المعادين، ولئن كان ذلك حصل بالنسبة لرسالات الأنبياء السابقين ـ ورسالاتهم مرهونة بأزمان محدودة وأقوام معينين ثم يكون تتابع الرسل ومتابعة التصويت ـ فإن ذلك يستحيل بالنسبة للرسالة الخاتمة.

ومن هنا كانت كفالة الله للرسالة الخاتمة بالحفظ (إنَّا نحنُ نزلنا الذكر وإنَّا لهُ لحافظون ) (الحجر:9). بينما أوكل حفظ الرسالات السماوية السابقة لأهلها (بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء.. ) (المائدة: 44)

القرآن الكريم الوثيقة الدينية الوحيدة التي نقلت بالتواتــر

ولقد حذَّرنا الله سبحانه وقص علينا علل التدين التي أصابت الأمم السابقة حتى لا نسقط فيها ولتستمر الرسالة سليمة طرية ندية كما أنزلت، يتلقاها كل جيل من أجيال الإنسانية دون حواجز أو التباس.

قال تعالى:

(فبما نقضهم ميثاقهم لعنَّاهم وجعلنا قلوبهم قاسيةً يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به ) ( المائدة:13) (إنًّ كثيراً منَ الأحبار والرُّهبانِ ليأكلون أموال الناس بالباطل ) ( التوبة:34).

(اشتروا بآياتِ اللهِ ثمناً قليلاً فصدوا عن سبيلهِ إنهم سَاءَ ما كانوا يعملون ) (التوبة:9).

وكان أن أناط الله بالمسلمين الذين هم أوعية الحفظ في نهاية المطاف هذه المهمة يقومون بأوامر الله، وكان من المستحيل شرعاً اجتماعهم على الخطأ وتواطؤهم على الكذب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله )، وقال: ( لا تجتمع أمتي على ضلالة، وفي رواية على خطأ ).

من هنا نستطيع القول: بأن القرآن الكريم من هذه الوجهة يعتبر الوثيقة الدينية التاريخية الوحيدة التي وردت بالتواتر والتي تفيد علم اليقين بينما اختلطت نصوص الأديان السابقة بكلام البشر، ولم ترق إلى سوية الأمور الظنية..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:54 PM
التحذير من علل التدين

والأمر المفزع حقاً هو تسلل علل التدين السابقة إلى بعض قطاعات في عالم المسلمين .. أقول بعض القطاعات وليست الأمة بمجموعها لأن هذا يتناقض مع طبيعة الرسالة الخاتمة كما قدمنا.

إن ظهور هذه العلل على شكل تشوّه تارة، وانحراف أخرى في بعض قطاعات الأمة المسلمة أمر طبيعي في حدوثه ووجوده، مفزع وخطير في تطوره واستمراره، طبيعي لأنه يتسلل من خلال طبائع البشر وما جبلت عليه نفوسهم، وهو من العلل المزمنة التي حذَّر الله منها، والتحذير دليل إمكانية الوقوع (وخير الخطائين التوابون ) والشر من لوازم الخير على كل حال.

لقد حذَّر الله من تحريف الكلم، وحذَّز من الأكل بكتاب الله، كما حذَّر من أكل أموال النَّاس بالباطل، ولاشك أن لكل ظاهرة من ظواهر الشذوذ والانحراف أسبابها وجذورها العميقة، وإن رصد هذه الظواهر واستقراءها إنما يكون وسيلة للتعرف عليها واكتشاف أسبابها، وبالتالي معالجة الأسباب التي أدَّت إليها، وعدم الاكتفاء بمعالجة الأعراض، وعدم الاكتفاء بالحكم على الصورة ورجمها بالحجارة عن إدراك الحقيقة وحسن تناولها.

والأمر الذي يلفت النظر بالنسبة لعالم المسلمين اليوم، الاكتفاء بالإحساس والعجز عن الإدراك، ورؤية الصورة، وغياب الحقيقة، ومعالجة الأعراض وإهمال الأمراض بعدم القضاء على أسبابها.

إن الصورة الكثيرة التي يلمسها الإنسان اليوم للتدين والتي بدأت تتسلل إلى أكثر من مستوى في حياة الأمة تشكل بمجموعها نذر خطر وأمارة سقوط في علل التدين التي أدركت الأمم السابقة، وكانت سبب انقراضها، وهنا لا بد من العزمة الأكيدة على إخضاع هذه العلل للدراسة والتحليل ومعرفة الأسباب، ومن ثم معالجتها من خلال المنهج الإسلامي نفسه، إنها صورة سلبية خطيرة في حياة المسلمين وعلى أكثر من مستوى فإلى أي مدى تستطيع الأمة المسلمة بما تملك من مناهج وضوابط ومقاييس أن تقف فتنتفع بهذه الظواهر السلبية في عمليات التحصين ؟

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين )، وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يجمل في هذا الحديث الجامع العلل والتحديات التي لا تخرج في نهاية الأمر عن هذه الأمور الثلاثة:

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:56 PM
تحريف الغلاة ـ انتحال أهل الباطل ـ تأويل أهل الجهل.
تحريف الغلاة، هؤلاء الذين يتشكلون في الأمة على وضع بعيد عن التوازن والاعتدال. بسبب من ردود الفعل أو ضغوط المجتمع غير المسلم من حولهم فيقرؤون الإسلام من خلال أوضاعهم النفسية وظروفهم الحياتية، فينحرفون به عن وجهته الصحيحة ويحملون عليه ما ليس منه، ولكل عصر غلاته وخوارجه.

وليست خطورة نحل أهل الباطل ومحاولة تطويع الإسلام لتصوراتهم المسبقة بأقل خطورة من تحريف الغلاة باسم الدين، بل هما على قدم المساواة من حيث الخطورة، أما تأويل الجاهلين والجرأة على الفتوى وإصدار الأحكام بدون امتلاك الأداة المطلوبة فلنا معه وقفة أخرى إن شاء الله ..

حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من هنا كانت حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي صانت الرسالة المحمدية والأمة المسلمة في تاريخها الطويل من الانحراف، وحملتها على الولاء للمنهج، وعدم التحريف للدين والشذوذ الجماعي، والعثرات المردية على طريقها الطويلة، ورحلتها الشاقة في ميادين الاجتهاد والاستنباط، وإنارة السبيل للسالكين، وحفظ القادة والزعماء والمفكرين والعلماء من الافتتان بالرأي والإعجاب بالنفس، من ادعائهم أو ادعاء أتباعهم العصمة لهم، وحفظت الأمة من أن تقع فريسة لغلو أو تطرف أو شذوذ أو تعثر، لذلك شددت الشريعة الإسلامية على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بهما في كل زمان ومكان، وحذَّرت من التواني فيهما والمحاباة لأهل الوجاهة والسلطة،وجعلت كلمة حق عند سلطان جائر أفضل الجهاد، وكانت هذه الحسبة، وكان اللعن لبني إسرائيل على لسان الأنبياء السابقين لأنهم عطلوا هذه الحسبة في حياتهم، قال تعالى: (لُعِنَ الذَّين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوهُ لبئسَ ما كانوا يصنعون ) ( المائدة:78).

هذا وقد تختلط حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بعض الأذهان فتتوهم أنها تتعارض مع مصلحة الإسلام والمسلمين في عصر من العصور، ويكون هذا التوهم من تلبيسات الشيطان ليضمن استمرا الانحراف ومتابعة الانزلاق..

ولو أخذ المسلمون في اعتبارهم في الماضي أن حسبة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تؤدي إلى إحداث تشويش واضطراب في صفوف المسلمين، وكفوا عن التنبيه عن الزلل والخطأ، والانحراف والمغالاة، والتطرف والرفض والخروج، لا نقطع هذا المؤشر الحيوي، وهذا الضابط اللازم عن واقع الأمة الاجتماعي ومسلكها الخلقي، وكان ما يعقب ذلك من التباس الأمور على أهل العلم والرأي وانجراف عامة النَّاس للتيارات البعيدة عن هذا الدين باسم الدين واختفاء كثير من الحقائق عن ساحة التصور الإسلامي السليم .

إن التستر على الأخطاء باسم المصلحة العامة، وحفظ الكيان، والتوهم بأن الحسبة في الدين تؤدي إلى البلبلة والتمزق أمر خطير، ومفسدة فظيعة تدفع الأمة ثمنها الدماء الغزيرة، وليس هذا فقط، بل قد يؤدي هذا إلى ذهاب الريح وافتقاد الكيان أصلاً فالأمة بدون هذه الحسبة وهذا التناصح تعيش لوناً من التوحد يشبه إلى حدٍ بعيد الورم الممرض.

من هنا كانت صورة المسلم الحق عدم التحجر والتزمت على صورة مهما كانت طبيعتها، بل هو على استعداد دائم للانتقال من النافع إلى الأنفع، ومن الصالح إلى الأصلح، وقبول الحق إذا اتضح، والدليل إذا وضح، وعدم السقوط في الحزبية القاتلة، والعصبية المدمرة.

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:57 PM
الرسول صلى الله عليه وسلم .. وحده الأسوة الحسنة

وعلى طريق حمل هذا الدين والقيام بأمره.. هناك حقيقة على غاية من الأهمية، كانت ولا زالت معلمة من معالم التفكير الإسلامي والثقافة الإسلامية، وكانت دائماً ملازمة للحياة الإسلامية ليصح التصور وينضبط السلوك، وهي: أنه لا يجوز أن يُعتمد أحدٌ كائناً من كان معياراً للحق أو أن يُظن أنه أعلى من أن يناله أحد بالنقد أو يجد فيه مأخذاً، كما أنه لا يجوز لأحد أن يخضع لآخر عقلياً أو فكرياً إلاّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال الله في حقه: ( لقد كان لَكُم في رسُولِ الله أُسْوةٌ حَسَنةٌ .. ) الأحزاب: 21) .

إن المقياس الإلهي المجرد الذي تجسم في حياة الرسول وسيرته هو المقياس الذي يوزن به الأشخاص ويأخذ كل إنسان حقه ومكانه من هذا المقياس الذي يستحقه.

ومن هنا فالالتزام إنما يكون دائماً وأبداً بالمنهج الإسلامي، بالفكرة، بما شرعه الله لنا، وليس الالتزام بالأشخاص، أو التنظيمات، أو الجماعات ، أو الحكومات التي هي دائماً محلٌ للخطأ والصواب.

والكارثة والخلل والأمراض والعلل تتسلل إلى الحياة الإسلامية من خلال العدول عن هذا المقياس، أو محاولة استلابه من يد الإنسان المسلم، ومن ثم تكون العصمة الكاذبة التي تخلع على بعض الأشخاص، والمبررات المضحكة التي توضع لتصرفاتهم وأخطائهم، وهذا بدء مرحلة السقوط حيث تبدأ عملية تخديم الأهداف والقيم لا خدمتها، وقد يكون هذا من طبيعة البشر عندما تسيطر عليهم فترات الضعف، أو تستبد بهم حالات اليأس، أو تمارس عمليات الإرهاب الفكري أو الفساد السياسي، فتفصل الأحكام على الأشخاص، وتؤصل الحيل الشرعية حتى يصبح لها مؤلفات، وتنمو طبقة فقهاء السلطان، سواء أكان سلطان المال أم الحكم أم الجاه، وتؤول الأحاديث والآيات على مقتضى الأهواء.

ولا يجوز أن يظن أحد أن الدعوة إلى التزام المنهج مقياساً وميزاناً للحق والباطل، وعدم الالتزام بالأشخاص الذين يخطئون ويصيبون ارتداد إلى الفردية، وبعثرة للجهود، وابتعاد عن جماعة المسلمين كافة، فهذا ليس من الأمور الاختيارية بالنسبة للمسلم. وإنما هو في حقيقته تصويب لمسيرة حياة المسلمين الجماعية وإلغاء للقطاعات البشرية من حياة الناس والتزام بالإسلام الذي بيَّنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:

(.. ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا على ذلك وافترقا عليه ) فالاجتماع على المنهج وليس على الأشخاص والافتراق أيضاً على المنهج وليس على الأشخاص. إلا في حالة العمى العقلي وعدم الإبصار الصحيح بسبب التعصب لفئة أو شخص أو عرق أو قوم في حالة عدم وجود العزمة الأكيدة على الالتزام بهذا الدين .

الطاعة المبصرة

من هنا أيضاً ومن لوازم هذا الدين أن تكون الطاعة مبصرةً وأن يكون المقياس منضبطاً. وليس من البدع والأمور المحدثة، بل هو طريق مسلمي خير القرون.

فهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الخليفة الراشد وثاني اثنين إذ هما في الغار والذي أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم باتباع سنته يقول للمسلمين في أول كلمة من فوق منبر المسؤولية :

( أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم ).

وفي هذا تربية للفرد المسؤول في مركز القيادة والحكم والسلطان، فلا يضمن الطاعة له إلاّ بطاعة أوامر الله والتزام المنهج . وتربية للفرد العادي أيضاً لتستيقظ حواسه جميعاً ويمتلك البصيرة الكاملة للمنهج، فلا يحق له الطاعة إلاّ بالمعروف .

ومن هنا أيضاً كان الإسلام لكل المسلمين، وكان مجتمع المسلمين مجتمعاً مفتوحاً يتألق بالحقيقة والاستقامة واستنشاق الهواء النظيف بعيداً عن سياط الإرهاب الفكري دينياً كان أو سياسياً، لا عصمة فيه لطبقة من حكام أو رجال دين يحتكرون المعرفة أو يتحدثون باسم الله فيصبح قولهم هو القانون وهو الدين وتصبح أشخاصهم هي المقياس، فيتسلل الإكليروس من جانب والحكم الثيوقراطي ( الديني ) الذي مارسته الكنيسة في القرون الوسطى من جانب آخر إلى حياة المسلمين، وبذلك يكون الفساد والإفساد.

[جمادى الأولى: 1402هـ ـ آذار (مارس): 1982م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:58 PM
دعوة للمراجعة وتجديد الانتماء

(لنجعلها لكم تذكرةً وتعيها أُذن واعية ) ( الحاقة:12 )
لا نستطيع أن نتهم عالم العرب والمسلمين بعدم المعرفة للنوايا اليهودية والمخططات الصهيونية، وقد أخذ الكلام عن بني إسرائيل وبيان نواياهم وما تنطوي عليه نفوسهم المساحة الأكبر في القرآن الكريم، وما قدمته الدراسات والبحوث ومراكز المعلومات، والمؤلفات في هذا الموضوع عن ممارساتهم وأهدافهم لم يعد خافياً على أحد، لكن الذي نستطيع قوله: إننا نعاني من حالة العجز عن توظيف هذه المعرفة وامتلاك الإرادة المستقلة للاستفادة منها والقدرة على الالتزام بأخلاق المعرفة وكأننا بمراكز الدراسات والمعلومات والمؤلفات التي ننشئها إما نمارس عملية التقليد للشكل والصورة التي نراها عند الآخرين في الدول المتقدمة دون القدرة على توظيفها، نقف عند حدودها فقط لا نتعداها.. ولو أننا أحصينا ورصدنا ما تخرجه المطابع العربية في يوم واحد من أيام نصف القرن الماضي لكان وحده كافياً لتعريفنا بعدونا ونواياه ووسائله في الوصول إلى هذه النوايا وتحقيقها، وقدرته المستمرة على نقل المعركة من موقع إلى آخر بشكل مدروس ومحسوب ينسي العرب والمسلمين الموقع السابق، ويصرف جهودهم إلى المشكلات الجديدة التي صنعتها لهم إسرائيل لينشغلوا بحلها، وتنفرد هي بتحقيق أهدافها كاملة في المواقع السابقة التي احتلتها، وهذا يلحظ بوضوح ابتداءً من قيام الكيان الصهيوني عام 1948م. وانتهاءً بغزو لبنان لإنهاء المقاومة الفلسطينية، وإشعال الألغام الطائفية، واحتلال الجنوب اللبناني والبدء بتهويده..

ولقد استطاعت إسرائيل بشكل أو بآخر أن تحضر الظروف الملائمة لقيام الفتن الداخلية وإشعال الحروب الحدودية بين العرب والمسلمين في أكثر من موقع، حتى بات الإنسان يسمع أصوات النشاز تقول: إن الطريق إلى تحرير فلسطين لا بد أن يمر بالعاصمة العربية الفلانية أو الفلانية ؟! .. ولو صمدنا أمام إسرائيل كصمودنا في واحدة من معارك اقتتالنا لكانت كافية لمواجهة إسرائيل واسترداد الحق وتحقيق العدل، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إن الدماء التي تسيل في معركة واحدة يمكن أن تكون كافية لتحرير فلسطين ..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:59 PM
خلل في البنية الفكرية

ولا شك بأن الذي يراقب اقتتالنا وضحايانا وإصرارنا على إراقة دمائنا، وشدتنا وصمودنا في هذه المعارك سوف لا يصدق أننا الذين هزمهم يهود ولا يزالون يعانون من هزيمتهم..

ولا شك عندنا أيضاً أن هذا الواقع الذي صرنا إليه دليل على وجود خلل في البنية الفكرية والطروحات العقيدية التي أثمرته مهما كانت دعاوانا عريضة، وأصواتنا مرتفعة بالادعاء أننا على النهج السليم، والدفاع عنه والقتال في سبيله؛ إنها عقيدية مدفوعة بالواقع الحزين، وإن استمرار قبولنا بها يعني قبولنا بهذا الواقع الذي نشكو منه جميعاً، وعلى المستويات كلها، ومن أبسط الأمور في عالم العقلاء القيام بعمليات المراجعة بعد كل مرحلة نجاح أو إخفاق لتحديد أسباب النجاح للاحتفاظ بها وتنميتها والدفاع عنها، واستبيان أسباب الإخفاق ومواقع الخلل لاجتنابها.. إنه الاعتبار الذي أنعم الله به على الإنسان العاقل، وحرمه الحيوان الأعجم، إنه الاعتبار الذي لا بد من حضوره على مستوى الأفراد والجماعات والأمم والحكومات، ونحن أمة لم تنشأ من فراغ، ولم تتحرك طيلة تاريخها في فراغ أيضاً، لكن ممارسات سلخها عن تاريخها وإقصائها عن عقيدتها من الاستعمار وجيل الاستعمار تركها في حالة العجز عن الاستفادة من هذا التاريخ والاعتبار بحوادثه، وعن الالتزام بالعقيدة والاستجابة لمتطلباتها، والحكم على الأمور من خلال مقاييسها..

لقد قرىء تاريخنا لنا بأبجديات غريبة عنه، خاطئة في تفسيره، حتى كاد يصبح التاريخ الذي هو أحد عوامل تكوين الأمة بعد هذه القراءات المغلوطة عامل تمزيق وتفتيت، حيث إننا لم نر من تاريخنا إلاّ النقاط السود، ولم نبعث منه إلاّ الفتن غذاء يقتات به أعداء هذه الأمة التي سقطت فريسة لتعدد الانتماءات وتعدد الولاءات، وأصبح بأسها بينها شديداً..

الانتماء والالتزام

ولقد أُصبنا في تاريخنا الطويل بنكسات ونكبات وأيام سود وسنين عجاف، وضعف التزامنا بهذا الدين، وبالرغم من هذا كله بقيت لنا وحدة الانتماء، وبقي لنا الإيمان بهذا الانتماء الذي كان مرتكز القادة والمفكرين والمصلحين وحاملي لواء التجديد والتغيير الاجتماعي..

هُزم المسلمون سياسياً وعسكرياً وبقي الإسلام علماً وحضارة وتاريخاً فكان درع صمود وعامل مواجهة، أما حالنا اليوم، فإننا لا نعاني، من فقدان الالتزام وبقاء الانتماء، وإنما من التذويب والذوبان الذي يقذف بنا إلى الضياع والمغالطات الفكرية والعقيدية والقراءة التاريخية الشاذة التي تفقدنا الالتزام والانتماء معاً، فيكف نواجه الحالة الصعبة التي نحن عليها؟ حيث تختلف مرحلة سقوطنا الحضاري وانكسارنا العسكري، وتعدد انتماءاتنا عن مراحل الهزائم التاريخية، ولعل الطريق إلى الخلاص، الذي لا طريق سواه، إنما يكون بتصويت المسار، وتجديد عملية الانتماء لهذا الدين بشكل عام، والاعتزاز بقيمه، والالتزام بأحكامه، والانضباط بشرعه، والاستفادة من تاريخه..

إن الإسلام الموحّد الفاعل، الإسلام الذي صنع خير أمة أخرجت للناس، الذي فهمه السلف الصالح، فكان ما كان، هو بالتأكيد غير الفهم الذي نحن عليه بواقعنا الراهن؛ فلا بد إذن من عودة الجماهير المسلمة إلى فهم وإدراك إسلامها بعد أن مارست عملية الانسلاخ عنه وبعد أن طال البعد وكثرت الدروس وقلَّ الاعتبار.. وإلا فسوف نستمر في الطريق المسدود، ولسوف تستمر إسرائيل في قضم أطراف الجسم الإسلامي طرفاً بعد آخر، وتنقلنا من معركة إلى أخرى، وتنسنا جراحاتنا السابقة، وتشغلنا بجراحات جديدة..

ولا نريد هنا أن نتكلم عمّا أسمته إسرائيل بعملية أمن الجليل واجتياح لبنان تحت سمع العالم وبصره، وتعقب المقاومة الفلسطينية لإنهائها أو لإلغاء مقدرتها وتمزيقها، وإخراجها من لبنان، ومن ثم إشعال الألغام الطائفية ليبدأ تفجيرها هنا وهناك، وتسيل الدماء أنهاراً، ويكون من بعض وقودها المقاومة الفلسطينية للقضاء على البقية الباقية منها.. لأن الكلام عن ذلك كثر كثيراً، ومحاولات التدخل لإيقاف القتال أو إشعاله كثرت أيضاً على المستوى العربي والدولي، ونفرح وفرِحْنا للوصول إلى وقف إطلاق النار التي أشعلناها بأيدينا، وفي أثناء ذلك كله ـ بين الإشعال والإطفاء ـ يخلو الجو لإسرائيل لتمارس عمليات التهويد، ولتمكن احتلالها للجنوب اللبناني ليشكل الضفة الشمالية بالنسبة ليهود، وتصبح القضية الجديدة: خروج يهود من لبنان أو من جنوبي لبنان بعد أن كانت القضية وجود يهود بفلسطين، وقبول العرب بالتقسيم، وانسحاب إسرائيل من سيناء عام 1956م. والمطالبة بعودة إسرائيل إلى حدود ما قبل عام 1967م. ومواجهة الاستيطان بغزة والضفة الغربية، أما الحديث عن التهويد الرسمي للجولان، والتهويد الثقافي للتعليم الذي يعد الأخطر في مجال التهويد والاحتلال والاستيطان فحديثه يطول..

سوف لا نتكلم عن الاقتتال الطائفي في لبنان، وهو الصورة التي صنعتها إسرائيل، وهي الأكثر سخونة الآن، وإنما نعرض للوجه الآخر للموضوع الذي غيبته عن الساحة أحداث لبنان واقتتاله الطائفي، نعرض لبعض أطماع يهود في جنوبي لبنان..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:01 PM
الأطماع اليهودية في الجنوب اللبناني

لقد بدأ يهود في التطلع إلى مصادر المياه في جنوبي لبنان في وقت مبكر، وبدأوا بشراء الأراضي بأثمان مغرية، وسقط في شركهم بعض كبار الملاك، وقد كتب (هرتزل ) في مذكراته حول هذا الأمر فقال:

(هؤلاء الذين يتعلقون عادة بالأرض هم الملاك، إن كبار الملاك يغترون بالأسعار ) ومارست بعض البنوك الأمريكية والسوفيتيةـ واليهود من ورائهاـ شراء بعض الأراضي، ولقد استطاعت المنظمة الصهيونية أن تعدل من الحدود بين لبنان وفلسطين لأول مرة سنة 1923م. باتفاق بين الدولتين المنتدبتين: فرنسا وانجلترا..

وبعد قيام الكيان الصهيوني أصبحت الأطماع الصهيونية في المياه اللبنانية تأخذ طابعاً أكثر وضوحاً، ففي عام 1951م صرح وزير خارجية إسرائيل لصحيفة(جيروزاليم بوست ):

(إننا لسنا من المهتمين بالنيل والفرات ـ الآن ـ ولكننا نولي الأردن ومنابعه كل اهتمام ) وهذا يعني النية في احتلال حاصبيا وراشيا ومرجعيون وجزء من البقاع الغربي..

ومن أبلغ التصريحات التي تكشف عن نوايا إسرائيل في الاستيلاء على مياه الليطاني ما قاله ( ليفي أشكول ) لصحيفة ( لوموند ) الفرنسية في السابع من تموز (يوليه ) 1967م:

(.. إن إسرائيل العطشى لا يمكنها أن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى مياه الليطاني تذهب هدراً إلى البحر، إن القنوات باتت جاهزة في إسرائيل لاستقبال مياه الليطاني )

وفي رسالة (بن جوريون ) إلى الرئيس الفرنسي ( ديجول ) يقول: (.. إن أمنيتي في المستقبل جعل الليطاني حدود إسرائيل الشمالية ) وبعد حرب 1967م صرح (موشيه دايان ) قائلاً: (.. إن حدود إسرائيل أصبحت طبيعية على جميع الجبهات باستثناء لبنان ).

وتواصل إسرائيل قضم الأراضي اللبنانية تحت شعار عملية السلام للجليل وتحقيق الأمن لحدودها الشمالية، والحقيقة أنها تهدف إلى تحقيق مطامع دينية توراتية واقتصادية حيوية في الأرض والمياه، وهذه العملية هي استكمال لما بدأته عام 1948م إذ اقتطعت أرضاً من العديسة ودير المياس وكفر كلا وجولا وميس الجبل..

وفي جنوبي لبنان تقيم إسرائيل تحصينات تذكَّر بخط (ماجينو ) فضلاً عن الرادارات ومحطات الإنذار المبكر التي تمتد من أعالي جبل الباروك حتى مصب نهر الأوَّلي، إلى جانب المطارات العسكرية والتحصينات الأخرى، كما تحاول الآن شق طريق يصل قرية بسهي بجبل السيخ وصولاً إلى عين شمس في مرتفعات الجولان المحتلة، ويمر هذا الطريق بمشغرة وحاصبيا في البقاع الغربي، ويلاحظ أن أكثرية السكان في المنطق التي يمر بها الطريق هم من الدروز، وبذلك يتحقق ما تعمل له إسرائيل من وجود الأحزمة الطائفية حولها..

والأخطر من ذلك كله: عملية التهويد العملي التي تمارسها إسرائيل في الجنوب، فهي تقوم بإعادة كتابة أسماء القرى هناك باللغة العبرية، وتطمس الأسماء العربية لها، كما تقوم وحدة تابعة للجيش الإسرائيلي تدعى (وحدة المساعدات المدنية ) بفتح المدارس لتعليم اللغة العبرية، وفي بعض المدارس الرسمية يفرض الإسرائيليون تدريس اللغة العبرية من قبل معلمين يكلفونهم بذلك ..

لقد تحول اسم الجنوب اللبناني في لغة الأحزاب الدينية الإسرائيلية إلى (إسرائيل العليا ) وفي لغة السياسيين إلى (الضفة الشمالية ) والقليل من المراقبين يصدقون أن إسرائيل يمكن أن تنسحب من جنوبي لبنان بعد الآن ..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:02 PM
الشعور بالتحدي
ونحن لا نريد بما عرضنا له أن نساهم بصورة اليأس والتشاؤم التي بلغت مداها في عالمنا العربي، لكن الأمر الذي نقصد إليه هو بيان صور التحدي والكشف عن حقيقة هذا التحدي الذي يواجه الأمة، لأن الشعور بالتحدي يوقظ الحس، ويلهب المشاعر، ويذكي الروح، ويجمِّع الطاقات النفسية والمادية لتبدأ عملية الإقلاع من جديد، ولندعو الأمة لمراجعة الحساب وإعادة النظر بالوسائل والأهداف على المستويات كلها، ذلك أن الأمة الإسلامية قد أصيبت في تاريخها بالكثير الكثير من المآسي والنكبات، لكنها كانت دائماً قادرة على تجاوز المحن حال عودتها إلى أصولها تستمد منها مصادر القوة بعد أن تُسقِط جميع الصور المشوهة والزائفة التي سببت هذه المآسي..

ونعتقد أن وجود إسرائيل سيبقى وجوداً عارضاً مهما طال به الزمن، ولنا من بعض المواقف والشعارات المؤمنة في معركتنا الحديثة مع يهود نافذة كافية للدلالة على ما نقول، وأن أعمار الأمم لا تقاس بجيل أو جيلين، وقوة الأمة لا يحكم عليها من خلال فترات المرض التي تعاني منها، وأن قضية فلسطين ليست ملكاً لجيل بعينه يساوم عليها أو يتهاون في المواجهة والدفاع عنها، وإنما هي ملك الأمة بكل أجيالها وتاريخها وعقيدتها..

إن قيام إسرائيل على الرؤية التوراتية يجب أن يكون باعثاً لنا على العودة إلى عقيدتنا، درع صمودنا وعدة جهادنا، لكن للأسف ابتلعنا الطعم الذي أُلقي لنا وسقطنا في الشرك، وكانت فرية التفريق بين اليهودية والصهيونية، والأمر الذي ساهم إلى حد بعيد بتكريس انسلاخنا عن إسلامنا، واستمرار المغالطة، ولم نجن من قيام إسرائيل انبعاث الروح الإسلامية كما استيقظت في الحقبة الصليبية والهجمة المغولية، وإنما الذي جنيناه ظهور النزعات الطائفية واستيقاظ أحقادها التي تزيد من إنهاكنا وتمكن ليهود في أرضنا..

يقول ( بن جوريون ):

(.. علينا أن نتذكر أنه من أجل قدرة الدولة اليهودية على البقاء لا بد أن نكون جيراناً للبنان النصراني من جهة، وأن تكون أراضي النقب القاحلة من جهة أخرى، وكذلك مياه الأردن والليطاني وثلوج جبل الشيخ داخل حدودنا.. )

لقد استطاعت إسرائيل أن تزرع ـ وهذا من لوازم وجودها ـ ألغاماً طائفية وتستمسك بفتيلها لتفجرها في الوقت الذي تريد، ولقد استطاعت أن تنجح في إقامة كيانات طائفية، ظاهرة ومقنعة، تلك الطائفيات التي كانت ولا تزال جسراً يعبر من خلال أعداء هذه الأمة في تاريخها الطويل ..

ولسنا الآن بسبيل التذكير بالحملات الصليبية ومن كانوا ادلاَّءها وأعوانها في العالم الإسلامي ولا الهجمات التترية المغولية ومن كانوا عملاءها وعيونها، ولا الاستعمار الحديث ومن كان معتمده ومرتكزه..

وبعد: فإن فهمنا الصحيح ووحدة انتمائنا للإسلام الذي وسع الجميع بعدله، وضمن لهم حرية المعتقد، هو الطريق الوحيد، تاريخياً وحضارياً وواقعياً، لحل المشكلات التي نعاني منها على مختلف الأصعدة.

[صفر: 1404هـ ـ تشرين الثاني - نوفمبر): 1984م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:03 PM
تأملات في مسيرة العمل الإسلامي (1)

كنتم خير أمة أُخرجتْ للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالَّله )
(آل عمران: 110 )
من الحقائق الثابتة التي لا يختلف عليها اثنان من الناحية الشرعية، أن غاية الإنسان المسلم في هذه الحياة هي تحقيق معنى العبودية لله سبحانه وتعالى في ذاته ومجتمعه بالمعنى الشامل الذي يعني أول ما يعني القيام بأعباء الاستخلاف في الأرض بأبعاده المتعددة ونشاطاته المتنوعة، وتعمير الكون وفقاً لمنهج الله، الذي أوقفنا عليه الرسل، وكان مسلكهم وسيرتهم أنموذجاً عملياً للسائرين على الطريق، وتعاملهم مع السنن التي تحكم الحياة والأحياء هو المنهج المنوط بالمؤمن سلوكه في عمليات الهداية والتغيير للوصول بالبشرية التائهة إلى تحقيق معنى العبودية في حياتها التي خلق الإنسان من أجله.. أداءً لأمانة المسؤولية التي حملها الإنسان بعد أن أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها.

قال تعالى:

(وما خلقت الجِنَّ والإِنْس إلاّ ليعبدون ) ( الذاريات :56)، وقال: ( إنّا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان )

(الأحزاب:72).

إذاً الإنسان هو أساس التغيير في التصور الإسلامي، والتزام طريق النبوة في الحركة هو منهجه، والوصول إلى تحقيق العبودية والفوز برضا الله تعالى هو هدفه.

وهذا لا بدا له من نية وهي اقتناع العقل وعزم القلب وانبعاث الهمة، والعمل الذي هو الاستجابة السلوكية والتعبير الإيجابي عن القناعة العقيدية والنفسية والفكرية ودليل صدقها . قال تعالى:

(إنّ الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون ) (فصلت: 30) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيّات وإنما لكل امرئ ما نوي ) .

لذلك اختلفت النبوة عن الفلسفة وجاء عطاء الأنبياء مختلفاً تماماً عن نظرات الفلاسفة ومعارفهم الباردة العاجزة. وقافلة النبوة في الهداية والعطاء مستمرة تكتسب كل يوم مواقع جديدة. حيث لم يبق لنظرات الفلاسفة إلاّ بعض القيمة التاريخية التي لم تتجاوز الكتب والمكتبات ولم يكن لها نصيب يذكر من التغيير الاجتماعي. من هنا نقول:

وسائل لا غايات
إن الحكومات والجماعات والجمعيات والتنظيمات وصور التكتلات جميعاً التي يسعى إليها الناس إنما هي وسائل لتحقيق الأهداف وليست غايات بحد ذاتها، إنما تشرف هذه الوسائل بشرف غاياتها وتقصد للحصول على قدر أكبر من تحقيق تلك الغايات التي يقصر عنها الجهد الفردي فتكون الجماعة ويكون التجمع وتكون القيادة.

وبالتالي فلا يجوز بحال من الأحوال أن تنقلب هذه الوسائل إلى غايات بحد ذاتها وإنما يجب أن تبقى وسائل محكوماً عليها بمقدار ما تحقق من الغايات التي سبقت الإلماحة إليها وهي تحقيق العبودية لله تعالى والفوز برضاه.

فليست غاية الدعوة إلى الله والعمل الإسلامي بصوره المختلفة الأساسية، الوصول إلى الحكم والسلطة بأشخاصه وبمختلف الطرق الشرعية وغير الشرعية وينتهي الأمر، وإنما الحكم بحد ذاته لا يعدو في نظر المسلم أن يكون من وسائل تحقيق معنى العبودية ونشر الدعوة وحمايتها في مدىً أوسع ومساحة أشمل؛ ذلك أن المهم في نظر المسلم أن تتحقق المعاني التي يريدها الإسلام، وليس المهم أن يحكم أشخاص أو جماعات بأعيانهم .

ومن هنا يفترق منهج العمل الإسلامي عن المناهج الأرضية كافة التي تنحصر أهدافها وتتحقق عند الوصول إلى السلطة وتكون أقصى غاياتها الاحتفاظ بها وتقسيم الغنائم على الأنصار لضمان ولائهم ودعمهم وعبوديتهم. لأنهم أصحاب المصلحة الحقيقية في الحكم والثورة كما يسمونهم، ومطاردة الخصوم لأنهم مكمن الخطر الدائب على ما حصلوا عليه من مكاسب شخصية، أما العمل الإسلامي فيتابع سيره وتلقى على عاتقه مسؤوليات جديدة ويتسع معنى تحقيق العبودية ويعظم التكليف. قال تعالى:

(الذين إنْ مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ) ( الحج: 41).

إنها الأمانة والمسؤولية التي تبدأ بعد الحكم وليس الاسترخاء والقعود عن أداء تلك الأمانة.

والمسلم كفرد والمسلمون كجماعة مطلوب إليهم دائماً أن يكونوا في مستوى إسلامهم بناءً؛ استجابة لخطاب التكليف، وفي مستوى عصرهم فهماً وحركة وإدراكاً لطبيعة المتغيرات التي لا تتوقف عند حد لتكون وسائلهم في العمل الإسلامي في مستوى العصر .

وإن الهاجس الدائم للمسلم الحق الذي يورث الفاعلية التي لا تنطفئ محاولة ارتياد آفاق أفضل، والحصول على نتائج أشمل، وامتلاك وسائل أكثر تطوراً وجدوى في مجال الدعوة إلى الله.

إن القعود عن التفكير بالتغيير والاستسلام لواقع الحال بسبب من الفهم القاصر للقضية الإسلامية والجمود على الوسائل المعروفة والوقوف عندها والاكتفاء بها وإعطائها صفة القداسة قضية أقل ما يقال عنها أنها تنافي الخلود لهذا الدين ومخاطبة الناس على قدر عقولهم ومطابقة الكلام لمقتضى الحال، إنه القبول بالواقع الإسلامي الذي لا نحسد عليه والذي بات لا يرضي إلا المنتفعين به بشكل أو بآخر، إن قبولنا بالصورة التي يقوم عليها الواقع الإسلامي الآن يعني التوقف حيث تتبدل مواقع الأفراد والجماعات في المجتمع الحاضر بين يوم وآخر، تبعاً لتبدل الوسائل وطرق المواجهة.

إن وسائل العمل الإسلامي وطرائقه وأساليبه وهياكله وعناوينه التي أصبحت عند بعضهم ديناً لا يمكن تجاوزه إنما هي أمور اجتهادية تخضع لقانون التغيير والاستبدال وليست لها صفة القداسة والثبات، ذلك أن الأهداف الإسلامية من الثوابت، والوسائل لتحقيق هذه الأهداف من المتغيرات؛ بشرط واحد أن تكون أوعية هذه الوسائل شرعية ومحكومة بضوابط الشريعة أيضاً فالغاية لا تبرر الوسيلة ، الأمر الذي بدأ يتسلل إلى بعض النفوس بسبب من الاجتهاد المريض والرؤية القاصرة.

ويمكن أن تكون لبعض الوسائل جدوى في عصر معين، وقد تكون إنما جاءت استجابة لمواجهة مشكلات معينة في مجتمع له ظروفه واهتماماته.

أما وقد تبدل الزمان وتغيرت المشكلات وصورة المجتمع؛ فإن الجمود على وسائل بعينها في العمل وعدم القدرة على تجاوزها إنما هو حرب في غير معركة، وانتصار بغير عدو، ويخشى أن يكون مضيعة للعمر والأجر معاً.

لا بد أن تكون عمليات المراجعة وإعادة النظر دائمة على ضوء المستجدات ولا بد من الاستمرار باتهام أنفسنا بالتقصير عن إدراك الصور المثلى، ويبقى شعارنا أن عدم تحقيق النتائج هو بسبب منا: ( قُل هُو من عند أنفسكم ) .
ومن يظن أنه علم فقد جهل، فالعمل الإسلامي مدعوٌ دائماً لتغيير مواقعه التي تصبح عاجزة عن مواكبة الحياة إلى مواقع جديدة أكثر فاعلية على ضوء الإمكانات المتوفرة والفرص المتاحة، وتجديد وسائله واستبدالها لتكون القدرة على العطاء في كل الظروف والأحوال.

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:06 PM
فتح باب الحوار والمناصحة

وفي تقديرنا حتى نصل إلى الصورة الأفضل لوسائل العمل الإسلامي لا بد من فتح الباب على مصراعيه؛ بل وفتح النوافذ أيضاً في العمل الإسلامي لعمليات الحوار والنقد والمناصحة، وليس فقط فتح الباب أمام ذلك وإنما التدريب عليه في أجواء العمل الإسلامي لتصب كل الخبرات في مجرى الحياة الإسلامية، ويستفاد من كل الطاقات، وتسدد كل الثغرات ويستشعر الأفراد جميعهم مسؤولية الرقابة على العمل التي تحققها ممارسة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن العاملين للإسلام نواة المجتمع الإسلامي المنشود أحق بذلك من المجتمع بشكل عام بشرط أن تلتزم القاعدة التي تقول من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بمعروف .. ونستطيع القول:

إنه من فساد النظر: الاعتقاد بأن عملية النقد والمناصحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحدث تشويشاً في الصف الإسلامي واضطرابات في العمل.. ذلك أن الصف أو الجماعة التي تخشى من الحوار وتخاف من المناصحة، ويلبس الشيطان على بعض أفرادها بأن الأمر بالمعروف ومحاربة المنكر يهدد كيانها، جماعة لا يوثق بها ولا تستحق البقاء، ولا تستأهل حمل رسالة الإسلام التي من أولى متطلباتها الأمر بالعروف والنهي عن المنكر، ففاقد الشيء لا يعطيه

إن مطاردة عمليات المناصحة ومحاصرتها والقضاء عليها تنطوي على خطورة كبيرة تودي بأصل القضية في سبيل استقباء الصورة الشكلية للعمل والدعوة، حيث تنقلب الوسيلة ـ التعاون في إطار الجماعة للوصول إلى قدر أكبر من الخيرـ غاية بحد ذاتها.

إن التسلط الفردي والإرهاب الفكري الذي يقع فيه أحياناً بعض العاملين للإسلام ـ عندما يغيب عن ساحة العمل البعد الإيماني الغيبي وما يقتضيه من خفض الجناح ولين الجانب والخلق الكريم ـ يؤدي إلى لون من التشرذم وضرب من الطائفيات الجديدة، تتمزق معها رقعة التفكير وتنمو الجزئيات وتغيب الكليات ويضطرب سلم الأولويات ويضيع تصنيف المشكلات ويتوقف العمل المنتج وتنقلب الوسائل إلى غايات ـ كما أسلفنا ـ وتتمحور الصورة الإسلامية حول أشخاص لا ترى القضية الإسلامية إلا من خلالهم وينقلب جهد العمل إلى صناعة المبررات وتتغلب عملية صناعة التبرير على عقلية دراسة أسباب التقصير، ولا تعالج هذه القضية إلاّ من خلال ممارسة الحرية الفكرية والحوار الشامل والتزام أدب الخلاف الإسلامي، وجعل المشروعية للمبادئ والأفكار وليس للوسائل والأشخاص.

إن العقيدة مقرها القلب ولا سلطان لأحد عليه إلاّ سلطان الدليل، والقناعة بالشيء هي الدافع لممارسته، والله خاطب النبي صلى الله عليه وسلم بأن الغاية من ابتعاثه إلحاق الرحمة بالعالمين .

قال تعالى: ( وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين ) ( الأنبياء: 107)، وقال : (لست عليهم بمسيطر ) ( الغاشية: 22)، وقال مخاطباً نبيه أيضاً: ( ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك ) ( آل عمران 199). وهذه من الأبجديات الأولى في الدعوة إلى الله وإلحاق الرحمة بالعالمين .

التربية بالقدوة
إن الخلق الحسن والسلوك الخيّر هو الذي يٌغري الناس بالإسلام وليس السوط والأثرة وحظوظ النفس.. فهل نعيد قراءة سلوكنا في العمل الإسلامي وطرائقنا في الدعوة إلى الله فيكون شعارنا ( واخفض جناحك للمؤمنين ) فقد نقع على الطريق في علل الجوارح كما وقع أبونا آدم ونتوب ولا ضير فهذا من طبيعة البشر، لكن الخطورة كل الخطورة أن نقع في علل النفوس من الكبر والعجب بالنفس كما سقط إبليس عندما قال: ( أنا خيرُ منهُ ).

العمل الإسلامي تفاعل لا ينقطع وتدافع بين الحق والباطل لا يتوقف. قال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرنَّ الله من ينصُرُهُ إن الله لقوي عزيز ) (الحج: 40).

ومنهج الدين الحكيم أن يكون ذلك جدالاً لا قتالاً وتسلطاً، وحواراً لا حرباً واقتتالاً، قال تعالى: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن ) فإذا كان هذا أدب الجدال مع أهل الكتاب فكيف يجب أن يكون مع المسلمين المخالفين بوجهة النظر.

وطريقة هذا الدين الدفع بالتي هي أحسن والصبر الجميل والصفح والمسامحة حتى على الكيد والأذى. ومجتمعه وتجمعه هو مجتمع البلاغ المبين، ونجاة العاملين لا تتحقق بالانسحاب من المجتمع والاستعلاء عليه، والنكوص عن عملية البلاغ المبين والنزول إلى المخابئ وتغييب سياسة الدعوة وممارسة العاملين وسلوكهم عن الأنظار الأمر الذي يعطل عملية البلاغ المبين ويؤدي إلى النمو غير الطبيعي، ويوقف الحوار ويعطل عملية الرقابة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باسم أمن الدعوة.

إن قضية الدعوة السرية لحماية الدعوة من أعدائها والتي توضع لها عادة بعض المسوغات والفلسفات المرضية نظرياً ولا تلبث أن تزحف لتمارس على الدعوة نفسها وتحول دون أداء وظيفة التصويب الأساسية والرقابة العامة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وبذلك يتكرر خرق السفينة من المستهمين فيها لعدم رؤيتهم والأخذ على أيديهم، ثم تنتهي إلى الغرف.

إن الدعوة إلى السرية لم تقتصر على مواجهة أعداء الدعوة ولم تتوقف عند عتبة الدعوة الإسلامية وإنما تسللت تحت اسم المصلحة إلى أجوائها فأصبحت ممراً لتقديم الولاءات وإبعاد الكفاءات عن مواطن الحل والعقد .

وكان أول ضحايا الدعوة إلى السرية مقومات العمل الإسلامي وليس أعداؤه .

إن سياسة الخفاء كوسيلة من وسائل الدعوة ونشر هذا الدين إلى جانب أنها تتعارض مع عملية البلاغ الميبن مسؤولية المسلم التي بها نجاته كما أسلفنا ـ فهي تتعارض مع الهدي النبوي حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لتجمعات الناس ويعرض دعوته على الوفود في موسم الحج وغيره ، ويحتمل في سبيل ذلك الأذى وهو الأحوج إلى الأمن، ذلك أن إيذاء المشركين والمبطلين لدعاة الإسلام من لوازم الحق، وهو الثمن الذي لا بد منه للعقيدة، وفرق كبير بين من يدفع ثمن ثباته على العقيدة وبين من يقبض ثمن العقيدة، ولا نزال نذكر من سيرته صلى الله عليه وسلم عندما جمع المشركين عند الصفا ليقول لهم: إني رسول الله إليكم بين يدي عذاب أليم .. فقال أبو لهب: تبـًا لك .. ألهذا جمعتنا ؟

وهديه في بيان أعظم الجهاد الذي هو إظهار الحق وقولته أمام الإمام الظالم هكذا جهاراً نهاراً لا خفاء فيه .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من أعظم الجهاد قولة حق عند سلطان جائر ) .

إن مسؤولية المسلم تتحدد بإظهار الحق والثبات عليه ولو كان ثمن ذلك حياته وليس شيئاً آخر .

ويجب أن لا يغرب عن بالنا ما ألحقت الدعوات السرية والباطنية بالإسلام من كيد، وما لحق فكرها من انحراف وعقيدتها من زيغ، لأنها مشت في الأنفاق المظلمة ولم يكن هناك سبيل للتصويب والحوار ورصد نتائجه باسم الحفاظ على الكيان والسرية والأمن .؟

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:26 PM
الاحتساب وعدم الاحتراف بالإسلام

ولعل من أهم الشروط لنجاح عملية البلاغ المبين والوصول بالدعوة إلى نفوس الناس امتلاك الدعاة خصائص وصفات متفوقة حتى يستطيعوا أداء المهمة المنوطة بهم، وقد يكون من أهمها الاحتساب والزهد بما في أيدي الناس والابتعاد عن مزاحمتهم على ما هم فيه وعدم الاحتراف بالإسلام. قال تعالى محذراً أتباع الرسالة الخاتمة: (يأيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل.. ) ( التوبة : 34) لقد كان فساد ـ القلب ـ الأحبار والرهبان سبباً في فساد الجسد وسقوط الأمم السابقة وجعلها وسائل إيضاح للأمة الإسلامية التي تحمل الرسالة الخاتمة فلا تنتقل إليها العلل التي أصابت الأديان السابقة على يد أتباعها ودعاتها.

وما من الأنبياء نبي إلا كانت له حرفة وكان شعار الأنبياء جميعاً: (وما أسألكم عليه من أجرٍ إنْ أَجري إلاّ على رب العالمين ) (الشعراء:109).

ذلك أن الاحتراف بالإسلام وتوظيف الإسلام لمآرب شخصية يشوه وجه العاملين لهذا الدين، ويقيم جداراً نفسيـًا يحول دون وصول دعوة الله واستنقاذ البشر مما هم فيه لدرجة قد تساهم مساهمة سلبية في إيذاء الدعوة وتحنيط الدعاة.

لذلك كان لا بد من التدليل عملياً على أن مجتمع الدعوة الإسلامية مجتمع الدعوة الإسلامية مجتمع عطاء وليس مجتمع أخذ .. مجتمع واجبات قبل أن يكون مجتمع حقوق.. مجتمع هداية وليس مجتمع جباية.. مجتمع الإيثار وليس مجتمع الأثرة، وأن هذه القضية لا تتحقق بشعار يرفع أو بزمن بسيط بل لا بد من ممارسة من العاملين ليصبح ذلك خلقاً، ومن اختبارات من الناس ليقفوا على الحقيقة ويتجاوزوا صور التضليل والتشويه التي تمارس على العاملين للإسلام حتى يكون ذلك منهج دعوة وليس وسيلة دعاية .

وبمجرد أن يخرج العمل الإسلامي عن هدف الاحتساب فإن أعداءه أقدر على دفع الثمن واحتواء العمل الإسلامي، ولا يعدم عمل من الأعمال منتفعين به ومستغلين له.
جماعة المسلمين
من الخطأ العقيدي والتاريخي والحضاري الاعتقاد بأن الإسلام حكراً على جماعة بعينها إلى درجة تعلن معها أنها جماعة المسلمين أو أنها تمتلك الحق المحض وغيرها يعيش على الباطل المحض. ومن هنا يبدأ الانحراف وتتسع زاويته ويبدأ التعسف في إصدار الأحكام على الناس إلى درجة قد تصل إلى تكفير من لا ينسلك في طريقها ولا يرى رأيها، كما أن الإسلام ليس حكراً على طائفة أو حزب أو جنس بشري وإنما هو دين الله الخاتم ورسالته الخالدة للبشرية جميعاً وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو وحده محل القدوة والأسوة ومصدر التلقي.

قال تعالى:
(لقد كان لكم في رسول الله أسوةً حسنة. ) وأن أي إنسان أو جماعة أو طائفة أو جنس بشري لا يمتلك ذلك، مهما علا شأنه، فإنه يبقى متبعاً وليس بمبتدع، ويبقى الإسلام هو الحاكم على سلوكه ولا يجوز بحال من الأحوال أن يكون سلوكه هو المنهج والمقياس، وأن نصيب المسلمين أفراداً وجماعات من نصرة الإسلام متفاوت بمقدار ما يقدم كل منهم للدعوة وبمقدار ما يقترب بسلوكه من المثل الأعلى محمد صلى الله عليه وسلم .

والإسلام دين جماهير الأمة وأمل الجماهير وهدفها والله تعالى يقول: (إنما المؤمنون أخوة ) والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ) من هنا يمكن القول:

إن الجماعات والجمعيات التي تدعو للإسلام ليست مراكز احتكارات له بعيدة عن جماهير الأمة ومنفصلة عن جسمها وهدفها، وإنما هي مجموعات ترجو أن تكون أكثر كسباً للقضية الإسلامية وأشد اهتماماً بها، يجب أن تكو ن مراكز متقدمة تتمثل الإسلام وتعطي أنموذجاً عملياً للحياة الإسلامية، وتدرب على المعاني الإسلامية، وتمثل الإسلام بصورة عملية لتغري بسلوكها الجاهلين بحقيقة هذا الدين وتكون لهم دليلاً ومرشداً ولا تحتكر الخير وتنتهي إلى تشكل غريب في جسم الأمة بعيد عن حمل أهداف الجماهير المسلمة والدفاع عنها، والتحمل في سبيلها متمثلة قوله تعالى: ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) (آل عمران: 104).

[جمادى الأولى: 1404 ـ شباط (فبراير): 1984]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:30 PM
تأملات في مسيرة العمل الإسلامي(2)

(لا خير فيهم إن لم يقولوها.. ولا خير فينا إن لم نسمعها )

[عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]

نرى أنه لا بد من أن نقرر ابتداء أن عمليات النقد والمناصحة والتقويم والمراجعة، ووسائل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ـ بهدف التصويب ـ ليست بالأمر الجديد أو المبتدع في المجتمع الإسلامي.

المنهج القرآني.. في التصويب والتسديد
إن المنهج القرآني والتدريب النبوي بلغ في ذلك المدى الذي لم يدع مجالاً لشك أو التباس أو غموض، حتى إن عمليات التصويب والتسديد تناولت الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم في بعض ما اجتهد فيه، فقال تعالى:

(ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يُثخنَ في الأرض تُريدُونَ عرض الدنيا والله يُريد الآخرة والله عزيز حكيم. لو لا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (الأنفال: 67 ـ68)، وقال: (عفا الله عنك لِم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين ) (التوبة:43).

وعندما رأى صلى الله عليه وسلم عدم استقبال عبد الله بن أم مكتوم، وتولى عنه ليستقبل كبراء قريش، اجتهاداً منه بأن في ذلك مصلحة الإسلام والمسلمين، نزل قوله تعالى:

(عبس وتولى أن جاءه الأعمى.. وأما من جاءك يسعى وهو يخشى. فأنت عنه تلهى. كلا إنها تذكرة.. ) (عبس: الآيات1ـ11).

كما أن القرآن الكريم عرض لكثير من الغزوات والأعمال عندما كان يربي الجيل الأول على الإسلام؛ ليكون (الجيل القدوة )، وعرض كثيراً من جوانب الخطأ والتقصير على المستوى الفردي والجماعي؛ حتى وصل في أعقاب بعض المواقف إلى القول: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ).

ففي غزوة بدر الكبرى جاء قوله تعالى: (كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يُساقون إلى الموت وهم ينظرون ) (الأنفال:6)

وفي غزوة أحد جاء قوله تعالى:
( ولقد صدقكم الله وعدهُ إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون ولا تلوون على أحدٍ والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غماً بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم )
(آل عمران : 152 ـ 153).

وفي غزوة تبوك جاء قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلا تنفروا يُعذبكم عذاباً أليماً.. ) (التوبة: 38 ـ 39).

وفي غزوة حنين جاء قوله تعالى:
(.. ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين.. ) ( التوبة: 25).

ولسنا الآن بسبيل استقصاء هذا، وتكفي نظرة اطلاعية وليست استقصائية لكثير من أسباب النزول، وكثير من أخبار السير والمغازي لتؤكد أن حراسة القضية الإسلامية، وبناء قاعدة المجتمع الإسلامي الصلبة، وتربيتها على الإسلام الصحيح إنما كانت بالتسديد الدائم والتبصير بالأخطاء ليتم استدراكها فتصوب المسيرة..

إنه المنهج القرآني والآيات القرآنية الخالدة تتلى على الأجيال، جهاراً نهاراً، لتبصر منهج حركتها، وتتجنب الخطأ في مسيرتها، وتلتزم المناصحة لا تحيد ولا تنصرف عنها لأي سبب أو توهم، وقد مارسها جيل القدرة على أعلى المستويات وأدناها، فالدين النصيحة في الإسلام وهي لله ورسوله وأئمة المسلمين وعامتهم..

توقف عمليات النصح والتقويم

ولا بد لنا أن نعترف أيضاً أن كثيراً من العاملين للإسلام اليوم ليسوا بمنأى عن الإصابة بالأمراض والعلل التي أصابت مجتمعاتهم المختلفة، فهم قد يتميزون عن غيرهم بفكرهم وعقيدتهم لكنهم يشاركون مجتمعاتهم بممارساتهم وأعمالهم إلى حد بعيد .. لذلك ونتيجة للسقوط تحت وطأة وضغط هذه المجتمعات أقفلت مجالات الحوار التي شرعها الإسلام، وتوقفت عمليات المناصحة والنقد والدراسة والتقويم بالحجم والقدر المطلوب، وسادت عمليات التبرير والإطراء والمديح، فتكرست الأخطاء، وافتقدنا الصواب والتصويب ـ مسؤولية كل مسلم ـ وقد أشرنا سابقاً إلى توقف عملية الرقابة العامةـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ باسم الخوف على الصف الإسلامي من التخلخل وحدوث التشويش نوع من التوهم.. فالخوف إنما يكون من استمرار المعاصي والأخطاء وليس في معالجتها ليصبح العمل سليماً معافى، خاصة وأن تجربة الرقابة العامة في المجتمع الإسلامي القدوة غنية أيما غنى ..

ولا شك عندنا أن كثيراً من الإخوة، الذين تحفزهم الغيرة على المصلحة الإسلامية، والإخلاص للعمل الإسلامي لا يرون أن تتم عمليات النقد والمناصحة للعمل الجماعي بشكل ظاهر واضح بحجة أن ذلك يمكن أن يمكِّن العدو من معرفة عيوب العمل الإسلامي وأخطائه وتقصيره، وبالتالي يحاول التسلل إليه من هذه الفتوق، ويشتد في إنهاكه والغارة عليه، في الوقت الذي نرى من شراسته وعدوانه ما لم يدع استزادة المستزيد، فيخشى والحالة هذه أن تنقلب عمليات النقد والمناصحة إلى مساهمة سلبية في إنهاك العمل.. وتختلط في ذهنهم طرائق مناصحة الفرد لتصويب بعض أخطائه والتي يجب أن تتم في إطاره وإلا خرجت إلى لون من التشهير، وطرائق مناصحة الجماعات ذات التوجه العام والقاعدة العريضة المتباعدة، حيث يجب أن تتم مناصحة الجماعات على شكل معلن لتأتي عامة فيراها الجميع وتكون ملكاً لهم ..

ونحب أن نوضح لهؤلاء الإخوة أن الأعداء الذين نالوا منّا ما نالوا أعرف بأخطائنا منا، لأنهم كانوا ولا يزالون يتسللون من خلالها، ويحققون إصاباتهم من قبلها، ويستميتون في تكريسها واستمرارها وعدم قدرتنا على إبصارها، وتخويفنا من معالجتها، والواقع الذي لا نحسد عليه دليل ما نحن بصدده، فأعداء الإسلام يعرفون أخطاءنا وتقصيرنا، والذي لا يعرفها أو لا يحب أن يعترف بها هو فقط نحن، لأننا مصرون عليها، عاجزون عن معالجتها وتجاوزها، وقد تكون كتابات الأعداء ووثائقهم التي يفرج عنها مصدراً لمعرفتنا بها في كثير من الأحيان لكن بعد فوات الأوان ..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:31 PM
خطورة الإبقاء على الأخطاء وتعطيل الحوار والمناصحة

إن السبب على الإبقاء لسبب أو لآخر، وعدم كشفها وتبصير الجيل بها، ومن ثم معالجتها هو أشبه ما يكون بوجود الألغام الموقوتة التي تزرع في الجسم الإسلامي، وقد يكون فتيلها في يد العدو يفجرها بين حين وآخر لتودي بالعمل الإسلامي كلما حاول النهوض وكاد أن يستوي على سوقه.. لذلك فإن فلسفة التبرير وتوقف المناصحة وتعطيل الحوار وعدم دراسة جوانب التقصير لا يقتصر على تكريس هذه الأخطاء ونموها، وإنما يؤدي إلى تكرارها.. ولا بد أن يدرك دعاة الإسلام على مختلف مواقعهم أن الخطورة، كل الخطورة في التستر على الخطأ والقبول بالإبقاء عليه، فتنمو العلل في جسمنا، وليست الخطورة في بيانه ومعالجته.

إننا لا نشك في إخلاص كثير من الذين يحذرون من عمليات النقد، وغيرتهم على العمل الإسلامي، ولكننا نشك في إدراكهم وصوابهم، حيث لا يكفي الإخلاص لبلوغ العمل غايته بل لا بد من الإدراك؛ وعمليات التصويب ـ كأمر مطلوب ـ لا تقل أهمية عن الإخلاص إن لم تكن هي الإخلاص أيضاً، بل لا بد منها ليأتي الإخلاص بالثمرة بإذن الله تعالى..

لقد كان هذا هو منهج علماء الحديث الذين أخذوا على عاتقهم القيام بالمحافظة على سُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا العمل الضخم، وضع أصول الجرح والتعديل ونقد السند.

والمتن، الأمور التي لو التزمها المسلمون في حياتهم وممارساتهم اليومية لكانوا أقرب إلى الصواب وأبعد عن الخطأ، فبعض الرواة، على الرغم من أنهم على مرتبة من العبادة والإخلاص لا يتطرق إليها شك، ومع ذلك لم تقبل روايتهم لعدم قدرتهم على الضبط، ولسيطرة الغفلة عليهم..

ولقد وصل الإخلاص ببعضهم، عن حسن نية في مجال الترغيب والترهيب إلى وضع زيادات لم ترد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما سئلوا عن ذلك والرسول صلى الله عليه وسلم يقول : ( من كذب عليَّ عامداً متعمداً فليتبوأ مقعده من النار ) .

قالوا:

(إننا كذبنا له ولم نكذب عليه ).. فكان هذا محل رفض من علماء الحديث، فإن الكذب له بمرتبة الكذب عليه، ولو كان دافع الكذب عليه: الزندقة وكراهية الإسلام؛ ودافع الكذب له: الترغيب في الخير والترهيب من الشر..

إننا نعتقد أن هؤلاء المخلصين كالأم التي تصل غيرتها ومحبتها لوليدها الوحيد إلى عدم تقويم سلوكه وتربيته على تحمل المسؤولية، حفاظاً على شعوره فتصنع منه إنساناً هشاً عاجزاً عن مواجهة مشكلاته، وقد تؤدي محبتها له وحرصها عليه إلى موته، لأنها تحول دون تسليمه للطبيب خشية أن يخاف من مقابلته أو يتألم من بعض علاجه دون أن تدري أنها آلام موقوتة تضمن له الصحة والعافية والحصانة ضد الأمراض ..

لكن تبرز هنا قضية على غاية من الأهمية لا بد من التنبه لها: إنها قضية الالتزام بأدب الإسلام في الحوار والخلاف في وجهات النظر، والجدال بالتي هي أحسن، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، ومخاطبة الناس على قدر عقولهم حتى لا يكذب الحق؛ وإعطاء الآخرين الحق نفسه في إبداء الرأي، والتزام منهج النبوة في أن ينصرف التقويم والتصويب والنقاش للأعمال والأفكار والبعد عن تناول الأشخاص والهيئات والجماعات، فالرسول صلى الله عليه وسلم الذي يعتبر سكوته تشريعـًا وإقراراً لم يكن يسكت عن أي تقصير أو انحراف لكنه كان يعمم النفع على مجتمع المسلمين ويشيعه فلا يقعون بما وقع به صاحب الخطأ، فيقول: (ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا.. يقولون كذا وكذا.. ) ذلك أنه من كان آمراً بالمعروف فليكن أمره بمعروف، فإذا لم يُلتزم الأدب والخُلُق الإسلامي تنقلب المناصحة والنقد إلى لون من التشهير والجلد يوقع في ردود الفعل حيث يتصلب المخطئون ويزيد استمساكهم بخطئهم، لكن الخطأ في المعالجة وغياب الحكمة في عمليات النقد والمناصحة لا يجوز بحال من الأحوال أن يودي بأصل القضية ويقود إلى إلغاء المناصحة بحجة فقدان الحكمة وجهل وفظاظة الذين يمارسونها، وإنما يتطلب إلغاء الوسيلة غير المجدية أو تهذيبها أو استبدالها، والاحتفاظ بضرورة استمرار القضية للمجتمع الإسلامي والعمل الإسلامي .

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:32 PM
حتى لا تكرر الأخطاء

ولعل من أبرز الظواهر لغياب عمليات المراجعة والنقد والدراسة والتقويم التي يلمحها الإنسان في مسيرة العمل الإسلامي ومجال العاملين: العجز المزمن أو عدم القدرة على الاستفادة من تجربة العمل الإسلامي الواحد، أو من تجارب العمل الإسلامي على الساحة الإسلامية بشكل عام، لذلك فإن تكرار الأخطاء أصبح وكأنه ضربة لازب وضريبة مستمرة مطلوب إلينا أن نقدمها في كل بلد إسلامي، أو حتى في البلد الواحد نفسه؛ وهذا الأمر ليس سراً بل نرى تأكيده من الجميع، ونسمع الشكوى منه من الجميع؛ وترفع شعارات هنا وهناك بضرورة أن يستفيد العمل الإسلامي من تجاربه الخاصة ومن تجارب العاملين للإسلام بشكل عام طول العالم وعرضه حتى لا تتكرر الإصابات.

ولعل عدم القدرة على معالجة ذلك من أشد حالات العجز التي يمكن أن تصيب الدعاة وتحاصر منطلقاتهم، وتحول بينهم وبين تحقيق أهدافهم، وتدعهم هكذا يرواحون في مكانهم، ذلك أن المفروض بالمسلم أن يكون قادراً على الاستبصار والاعتبار بالتاريخ العام وبعبر الحوادث من حوله، فكيف إذا كان عاجزاً عن الاعتبار بتاريخه الخاص وتجنب العثرات التي سبق له السقوط فيها؟!

إن هذه العثرات والأخطاء تتكرر دائماً، والكل يشكو، والكل ينتهي عند عتبة هذه الشكوى وكأنها العلاج !! ولو طلب إلى أحدنا أن يأتي على ذكر الآيات القرآنية التي تدعو إلى النظر والاعتبار وتعرض لتطبيقات ميدانية من تاريخ الأمم السابقة لأتى عليها بسهولة، ولأمكنه ذلك بمجرد اطلاعه على مادتها اللغوية في ( المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) لكننا جميعاً، إلا من رحم الله، نبقى عاجزين عن إعمالها في حياتنا ومشكلاتنا، فنقع بعملية الهجرة والعقوق لقرآننا التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من الوقوع فيها، قال تعالى:

(وقال الرسول يا رب إنَّ قومي اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ) (الفرقان: 30) والهجرة لا يعني: عدم التلاوة والقراءة فقط، وإنما يعني أيضاً العجز عن وضع خطاب التكليف في مكانه المطلوب من حياتنا، وحكمنا على الأشياء من خلال قيم الكتاب والسنة.. فإلى متى يتكرر اللدغ من الجحر نفسه أو من الجحور المماثلة، ويركبنا الصلف، ونقرر أن الهزائم انتصارات، أو نصر على السير في الطريق المسدود، ونحول دون أية عملية مراجعة أو تقويم ؟!

وفي تقديرنا أن لذلك أسباباً عديدة، ونحن هنا لسنا بسبيل استقصائها ووضع دراسة في هذا الموضوع على ضرورتها وأهميتها، وإنما نرى من مهمتنا في هذا المجال أكثر من إثارة للموضوع ووضع ملامح رئيسة وتأملات يمكن أن تفيد على الطريق إلى العمل الإسلامي السديد، ويمكن أن يكون أحد أبرز هذه الأسباب:

عدم وضع دراسة تقويمية نقدية لكل تجربة ومرحلة في مسيرة العمل والدعوة، وبيان السلبيات والإيجابيات، كما يقولون، وتحديد جوانب الإخفاق وأسبابه، وجوانب النجاح وعوامله لتكون دليلاً للجيل المسلم الذي يقف على الأرض نفسها، أو يتعامل مع الظروف لتكون ذاتها، أو للجيل القادم الذي يمكن أن تعرض له مشكلات مماثلة فيحسن اختيار الموقع الفاعل إسلامياً كما يحسن قراءة الظروف وحسن التعامل معها ويختصر التجربة.

ونستطيع أن نقول: إن المكتبة الإسلامية الحديثة تكاد تكون خالية أو شبه خالية من الدراسات النقدية التقويمية للمراحل التي مرت بها الدعوة الإسلامية والتجارب التي عانتها رغم كثرتها، التي تبصر الجيل بتاريخه، وتعرفه بالأخطاء، وتدربه على حسن المواجهة مع أعداء الإسلام والمسلمين.. إن المكتبة الإسلامية الحديثة غنية بكثير من الدراسات التي تحمل طابع الكلام عن الإيجابيات ووضع المبررات، وكيل المديح بلا حساب، أما الدراسات الناقدة والأصوات الناقدة، فتكاد تكون غائبة تماماً، فكيف لا يتكرر الخطأ والحالة هذه؟!.

لقد مرت على العالم الإسلامي أحداث جسام شكلت منعطفات كبرى في تاريخه الفكري والسياسي، وكان للدعوة الإسلامية في ذلك مواقف ، فإلى أي مدى كانت هذه المواقف صائبة أو خاطئة ؟ ما هي جوانب الخطأ والصواب في ذلك ؟ وهل تحققت الأهداف المرسومة إسلامياً ؟ لتكون لدراسات صوى على طريق الجيل المسلم تمكنه من قراءة تاريخه الحديث، وتبصره وتفتح أبصاره صوب مستقبله؛ تقول للجيل المسلم: استفد من التجربة، وأحذر الوقوع في الخطأ..

إن معرفة الخطأ والصواب من حق كل العاملين في حقل الدعوة الإسلامية الذين يقفون على أرض المواجهة نفسها ليكونوا على بينة من أمرهم، فلا يكرورن المشكلة نفسها.. وحصر ذلك في طبقة أو مجموعة على افتراض وجوده يحمل الكثير من الخطورة على العمل الإسلامي ومستقبله..

ويمكن أن لا يكون السبب في ذلك ـ فقدان الدراسات الناقدة ـ عدم وجود المؤهلات والقدرات المدربة فقط ، وإنما قد تكون المشكلة أن العمل الإسلامي ما يزال يضيق ذرعاً بالدراسات النقدية التقويمية تحت شتى العناوين وبشتى المعاذير، وقد تكون هذه المواقف عند كثير من العاملين عن حسن نية والتي لا تخلو من كثير من الغفلة، كما أسلفنا، إلى درجة قد تستخدم معها هذه الغفلة لمطاردة ومحاصرة الأصوات الناصحة الداعية إلى المراجعة وإعادة النظر.. ويمكن أن نفسر ظاهرة الانفصال والنزف المستمرة عن بعض صور العمل الإسلامي بسبب من ضيقه بالحوار وضيقه من تعدد النظر..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:33 PM
التعسف في التفسير الإسلامي والتعصب الحزبي

وقد يكون السبب : الخطأ في الأصل: التسليم بعصمة الأشخاص أو في مشكلة الولاء للأشخاص، التي لا بد لها من فلسفة ومبررات ملازمة لاعتقاد عصمتهم عن الخطأ، فيصبح غاية الجهد إيجاد المبررات ونفي الأخطاء، أمراً لازماً للصورة، فلا بد من الحفاظ عليهم، أحسنوا أم أساؤوا، الأمر الذي يكرس الخطأ، ويوقف المناصحة، ويستبدل بالناصحين غيرهم ممن لا يزالون في مرحلة التمييز ودون سن الرشد.

وقد يكون السبب هو التعسف في التفسير الإسلامي، ذلك أن بعض الجماعات والأشخاص قد تعرض لهم ظروف خاصة في أزمان خاصة فيحاولون تفسير الإسلام وإسقاط مدلول آياته وأحاديثه على ظروفهم والقطع بما ذهبوا إليه ، ، وعدم الاكتفاء بذلك وإنما تعميم هذا التفسير على عالم المسلمين وعالم العاملين للإسلام بشكل عام والذي لا يرى تفسيرهم هذا يمكن أن يكون خارجاً عن الطاعة ومفارقاً للجماعة التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عنه، إلى درجة قد تستبيح دمه..

وبالمناسبة يجب أن لا يغيب عن بالنا أنه من العلل الكبيرة التي أصابت أصحاب الأديان السابقة، لتكون لنا وسائل إيضاح وتجربة، فلا نقع بما وقعوا فيه، إنما كانت بممارسة الإرهاب الديني والتحكم بمصائر الناس، ومطاردة الأفكار المخالفة وتحريق كتبها، وإن أمكن قتل أصحابها، إلى درجة غيبت الحقيقة وأظهرت الخرافة..

وقد يكون من أسباب تكريس الخطأ: وقوع بعض النماذج في العمل الإسلامي في حمأة التعصب الحزبي نتيجة لضغط المجتمعات وردود الأفعال، وتحويل الآراء الاجتهادية إلى مذاهب سياسية، والتجمعات الإسلامية إلى طوائف حزبية .. أو بمعنى آخر الارتكاس في مدلول المناصرة والعودة إلى المفهوم الجاهلي بسبب من غفلةٍ وغياب للبعد الديني الإيماني، وبذلك يكرس الظلم ويكرس الخطأ، وينتصر بعضنا ويتحزب لمن يواليه مظلوماً أو ظالماً بدل أن يأخذ على يديه .

وقد أشرنا سابقاً أنه من الخطأ العقيدي والتاريخي والثقافي والحضاري، والدعوي، إن صح التعبير، ربط الإسلام بجنس أو لون أو عرق أو جماعة أو جيل أو زمان معين، وإنما لا بد من التأكيد أن الرسول صلى الله عليه وسلم وحده هو محل الأسوة والقدوة الذي تربى على عين الله عز وجل وتسديد وحيه؛ وأن القيم هي المقياس وليس الأشخاص، والسبيل إلى الصواب والتصويب أن نعرف الحق لنعرف رجاله، وأن يبقى ميزاننا الحق وليس الرجال..

[جمادى الآخرة: 1404هـ آذار (مارس): 1984م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:37 PM
حتى نكون على مستوى المسؤولية

(بل الإنسانُ على نفسه بصيرةٌ ولو ألقى معاذيرهُ ) (القيامة : 14 )

نستطيع أن نقول: إن الدعوة الإسلامية الحديثة استطاعت وإلى حد بعيد الانتصار في المعركة الأساسية، وهي تحقيق الذات الإسلامية، وتحديد معالم الشخصية الإسلامية وبيان مقوماتها وطرحها على الساحة من جديد، والتحقق بالتميز الإسلامي على مستوى التصور، وإن كان هذا التميز لا يزال بأشد الحاجة إلى الرشد.. ولعل صور الصراع المحتدم بين الإسلام وخصومه، وشراسة المواجهة، مؤشر واضح على تحقق الوجود الإسلامي على الساحة، سواء نُظر لذلك من خلال المؤمنين به المضحين في سبيله، أو من خلال الخصوم واشتدادهم بالمواجهة.

كما أن الدعوة الإسلامية الحديثة استطاعت الانتصار أيضاً في معركة التحدي الحضاري، والصراع الفكري، وتخليص الجماهير المسلمة من مركب النقص أمام الحضارة الأوربية الغازية المتفوقة ماديـًا وتجاوز المشكلات التي قُذف بها العالم الإسلامي ليكون ذلك وسيلة ومدخلاً لاسترداد الحلول الاستعمارية لعالم المسلمين وادعاء عجز الإسلام عن المواجهة وتنظيم أمور الحياة ..

وحدة العالم الإسلامي
وهذا لا يعني بالطبع التخلص النهائي من بعض الشراذم والأعشاب الضارة التي ما تزال تعيش في الحقل الإسلامي، وتمارس عملية النفاق الاجتماعي لإخفاء حقيقتها وتعمل لمصلحة غير المسلمين، لأن الشرّ من لوازم الخير، قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً من المُجرمين وكفى بربك هادياً ونصيراً ) ( الفرقان: 31) كما استطاعت الدعوة الإسلامية الحديثة الاحتفاظ بشعور المسلمين بوحدة العالم العربي والإسلامي وإقناعهم بأن ذلك دين لا يجوز التفريط فيه، قال تعالى: ( إنْ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدونِ )

( الأنبياء: 92) فالأمم أقوى من الحكومات، والمبادئ أبقى من السياسات رغم واقع التجزئة الذي جاء به الاستعمار الحديث ليثأر لهزيمة الحروب الصليبية بعد أن أجمع على تقطيع أوصال دولة الخلافة، وأمعن في تفتيت وتذويب العالم العربي ـ قلب الأمة الإسلامية ودماغها ـ وفرض واقع التجزئة وأقام الكيانات الإقليمية والد ويلات مستخدماً كل النزعات القبلية والعشائرية والعائلية والجنسية والقومية، وبعث كل الفوراق من مرقدها لتكون حواجز في وجه الأمة الواحدة على شكل لم يحدث له مثيل في العالم حتى بعد الاقتسام الاستعماري لتركه الرجل المريض !! ذلك أن التمزيق لم يأت بحسب جنسية الاستعمار، وإنما مزقت البلاد العربية والإسلامية شر ممزق، وقُطِّعت إرباً رغم أن العلم الاستعماري كان واحداً، فالبلاد العربية التي كانت تابعة للاستعمار البريطاني وواقعة تحت انتدابه، كالعراق وفلسطين والأردن، جعل لكل منها كيانها الخاص، وفي مناطق أخرى من العالم العربي كانت واقعة تحت الحماية البريطانية حيث بلغت التجزئة وعدد الدويلات صورة لا يقبلها العقل.. كما قسم الاستعمار الفرنسي سورية ولبنان، وجعل المغرب العربي مغارب، ورسم الحدود وضمن حراستها، وأقام السدود والحواجز حتى بات العربي المسلم اليوم قادراً على التحرك في معظم أنحاء العالم إلاّ في وطنه العربي.. وكذلك حاول الاستعمار إيجاد البدائل الفكرية والسياسية والتربوية على الأرض الإسلامية على شكل لم يحدث ما يشبهه في مختلف مناطق الاستعمار في العالم، ونبش القبور وقرأ الحجارة والصخور في محاولة يائسة لتثبيت الكيانات ودعم الدويلات باسم الفن الشعبي والفلكلور، وغير ذلك كثير من المصطلحات..
المواجهة المكلفة
لذلك نقول إن الدعوة الإسلامية الحديثة خاضت معارك متعددة الجوانب، وكانت المواجهة مكلفة خلال نصف قرن من الزمان .

إنه قدر هذه الأمة في هذه المرحلة من الحياة، كما أنها قدمت تضحيات وخاضت معارك ضد الظلم والاضطهاد والاستعمار والاستعباد أعادت للذاكرة صور الجهاد الأولى، ودقت ناقوس الخطر اليهودي والتبعية الثقافية بشكل مبكر، ومبكر جداً،فلعلنا ندفع اليوم ثمن الانسلاخ عن الإسلام، وضريبته من التفرقة والتخلف.

نعود إلى القول : إن الدعوة الإسلامية الحديثة، رغم كل محاولات التفتيت، استطاعت الاحتفاظ بشعور المسلمين بوحدة العالم الإسلامي، وعملت على تنمية هذا الشعور، وبدأت بإقامة بعض المؤسسات الجامعة على مستوى العالم الإسلامي، وعقد المؤتمرات الشعبية التي تعاظم أمرها إلى درجة اضطر معها الرسميون في عالم المسلمين إلى رفع شعارات الوحدة العربية،والوحدة الإسلامية، بعد أن كاد بعث الكيانات الإقليمية يعصف بها، ويهدد تاريخ الأمة، ويمزق رقعة تفكيرها، ويقضي على وحدتها الشعورية الجامعة..

كما أنها استطاعت أن تعيد الجماهير المسلمة إلى الاعتزاز بالإسلام، والاستعلاء بالإيمان، وتجديد الأمل بقدرة الدين على مواجهة المشكلات المعاصرة بما له من تاريخ وتجربة، ولقد ساعد على ذلك عوامل كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، لعل من أهمها: سقوط الحضارة الغربية الأوروبية وعجزها عن الإجابة عن مشكلات الإنسان وإخفاق خريجي المدارس الاستعمارية وتلامذتها، الذين مكّن لهم الاستعمار، من تحقيق أي أمل أو تقديم أي عمل للجماهير المسلمة، وأن ما طرح من شعارات وبدائل فكرية لم تخرج في الحقيقة عن أن تكون أقنعة اختبأت خلفها الطائفيات والإقليميات التي تحمل الكيد التاريخي للإسلام، أو وسائل للابتزاز السياسي وممارسة سلخ الجماهير عن إسلامها، أو الأمرين معاً؛ رغم المحاولات المستميتة لجعل الهزائم انتصارات، وتقديم المبررات، فقد تكرس الانفصال وبوركت التجزئة، وقامت المعارك بين العرب والمسلمين بعضهم بعضاً.

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:38 PM
حل المعادلة الصعبة بين العلم والدين

ولعل من الإنجازات الكبيرة على المستوى الفكري: استطاعة الدعوة الإسلامية حل المعادلة الصعبة التي توهمتها الجماهير المسلمة بين العلم والدين حتى كادت تسقط في فرية أن العلم من لوازم الإلحاد، ذلك أن البعثات التي تمت تحت رقابة الاستعمار، أو ضمن مناخه اختيرت غالباً من المارقين والمترفين، ومن البيوتات المفتونة بالحضارة الغربية المادية إلا من رحم الله، ليعودوا إلى قيادة المجتمع ويبرهنوا عملياً أنهم إنما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من الحصول على الشهادات والمراتب العلمية بسبب انفصالهم عن الدين.. فقدمت الدعوة الإسلامية نماذج إسلامية رفيعة على أرقى ما يكون الانتماء والالتزام، وجاءت في الوقت نفسه على أرقى المستويات في التخصص العلمي.

ولسنا الآن بسبيل أن نعرض لحصاد الدعوة الإسلامية خلال نصف قرن من تفويت لأغراض الاستعمار وإفساد لمخططاته، وحسبنا في ذلك الهجوم الشرس ومحاولات التصفية الجسدية التي توقع على المسلمين من أعداء الإسلام بعد أن سقطوا فكرياً وحضارياً ووطنياً، ولم يبق أمامهم إلا اللجوء إلى القوة والعضلات، شأنهم في ذلك شأن أسلافهم في مواجهة النبوة الذي قصَّه علينا الله تعالى في عديد من آياته:

(حَرِّقُوهُ وانصروا آلهتكم ) (الأنبياء:68) ( وقال الذين كفروا لِرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملّتِنا ) (إبراهيم:13).

إن الدعوة الإسلامية استطاعت أن تقدم هذا الرصيد، رغم عمليات المطاردة والمحاصرة وعدم إعطائها الفرصة والحرية لإثبات وجودها والبرهنة على قدرة الإسلام على حل مشكلات الأمة.. وقد أشرنا بأنه لا يعنينا هنا أن نعرض لحصاد الدعوة الإسلامية خلال نصف قرن إنما الذي يعنينا ما يمكن أن نهتدي إليه من عيوب ـ رحم الله امرءاً أهدى إلى عيوبي ـ يأتي التنبه إليها مسدداً للعمل وآخذاً بيده إلى سبيل الرشاد، وتكاد تكون المشكلة المطروحة الآن على العاملين للإسلام، وعلى القيادات الإسلامية بشكل خاص، أو القضية المطلوبة الآن بعد أن آمنت الجماهير بالإسلام وتوجهت صوب مبادئه من جديد، بعد أن آمنت به مبادئ عامة ومثلاً وقيماً ثابتة، وبدأت رحلة العودة وتجديد الانتماء، فهل يعني هذا أن العمل الإسلامي أدى مهمته؟

من مرحلة المبادئ إلى مرحلة البرنامج

إن الخطورة كل الخطورة تكمن في عملية التوقف عند حدود هذه الخطوة، خطوة الاكتفاء بالإيمان بالإسلام مبادئ ومثلاً ثم الاسترخاء وخداع النفس بالأماني والاستسلام لنوم عميق، وعدم القدرة على تجاوز هذه الخطوة إلى مرحلة ترجمة المبادىء إلى برنامج، أو بعبارة أخرى: الانتقال بالدعوة الإسلامية من مرحلة المبادىء إلى مرحلة البرنامج، الانتقال من مرحلة الخطب وزعامة المنابر إلى مرحلة الخطط ودراسة الاحتمالات ووضع الحسابات الدقيقة لكل حركة، أي : وضع الخطط المرحلية على ضوء رؤية شاملة للظروف المحيطة والإمكانات المتاحة، وإعطاء الزمن الكافي لإنضاج كل مرحلة وعدم استعجال الثمرة، ولا يتحقق هذا إلا بالإدراك الكامل لمفهوم الوسع في التكليف القرآني (.. لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها.. ) (البقرة: 286) حيث لا يجوز أن نكلف أنفسنا بما لا يكلفنا الله به، فنقع في احباطات وارتكاسات تعيق نمو العمل وتقوده إلى المهالك وتقتل الأمل في نفوس الجماهير المسلمة.

لا بد من الالتزام بمصلحة وحركة هذه الجماهير التي آمنت بمبادئ الإسلام، والاعتراف بأنها مرحلة الاختبار الصعب، ذلك أن المبادئ أثبتت مصداقيتها تاريخياً، وكان دورنا تجديد ذاكرة المسلمين تجاهها، لكن يبقى اختبارنا الصعب هو ترجمة هذه المبادئ إلى برامج، والآراء إلى مواقف وهو الوجه الآخر للقضية.

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:39 PM
وجود الرأي وفقدان الموقف

وفي اعتقادنا أن من المشكلات المهمة التي يعاني منها العمل الإسلامي اليوم: مشكلة وجود الرأي وفقدان الموقف، فالكثير الكثير من دعاة الإسلام اليوم يتمتعون بآراء على غاية الأهمية والسداد، لكنها الآراء التي تفتقد إلى المواقف الضرورية لمسيرة العمل الإسلامي، فهل نوبخ آراءنا بمواقفنا ؟! لذلك أن العجز عن الالتزام بمصلحة الجماهير المسلمة وحسن قيادة حركتها وفق المبادئ الإسلامية يخشى أن يذهب بحصيلتنا كلها ..

إن التوقف عند مرحلة الآراء والمبادئ وتركها معلقة على المنابر، أو حبيسة الكتب دون تنزيلها إلى واقع المسلمين يحمل من الخطورة الكثير إلى درجة قد نساهم معها بإجهاض هذه المبادئ وحرقها على أيدينا إذا عجزنا عن تمثلها، وبذلك لا نختلف عن غيرنا في نظام حياتنا ووسائل كسبنا وطرق إنفاقنا ..

إن العجز عن ترجمة المبادئ والآراء إلى برامج ومواقف، وعدم القدرة على ربط الأسباب بالنتائج، وعدم القدرة أيضاً على دراسة الاحتمالات، وغياب الحسابات الدقيقة والأمينة هو أزمة العمل الإسلامي اليوم أو أزمة القيادات الإسلامية بشكل عام، ذلك أن عدم القدرة على ترجمة المبادئ والآراء إلى برامج ومواقف وربط الأسباب بالنتائج ودراسة الاحتمالات والحسابات الدقيقة يعني من وجه آخر الحكم على هذه المبادئ أنها أقرب في طبيعتها إلى المثالية البعيدة عن متناول البشر، والخيالية الفلسفية التي قد ترضي العقل وتذكي العاطفة لكنها لا ترشد السلوك وتنظم الحياة، وبذلك يدخل علينا أعداء الإسلام من النافذة من جديد بعد أن طردناهم من الباب بحجة أن الإسلام مثالي لا يمكن تطبيقه في مجتمعات اليوم، وأنه كان يصلح لفترة معينة ولجيل بذاته، أما الآن فأين هذا من واقع الأمة الذي يقتضي مبادئ من نوع آخر تمتلك آخر القابلية للتطبيق.. ومن هنا ندرك أهمية تربية الجيل الأول وكيف أن الصحابي كان لا يتعلم الآية ما لم يعمل بالتي سبقتها..

قد يكون صحيحاً إلى حد بعيد أن الهجمة الشرسة واستمرارية المدافعة وتعدد آفاقها فوَّت الكثير من الفرص التي كان بالإمكان الإفادة منها في مجال ترجمة المبادئ إلى برامج، لكن يبقى الإلقاء بالتبعة كلها على غيرنا يعني في جملة ما يعني أننا دون سوية المعركة، ودون سوية التعامل معها، وذلك بعدم القدرة على امتلاك زمام المبادهة فيها واستنفاد الجهد كله بالمواقع الدفاعية والتحرك في إطار الفكر الدفاعي..

ومع اعترافنا بأنه لا بد من الاستمرار في الدفاع عن المواقع الإسلامية المهددة، والاستمرار في تحرير الأفكار الإسلامية المستهدفة لاستمرار الهجوم، يقول تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا .. ) (البقرة:217).

لكن هل المفروض على عالم المسلمين أن تبقى المعركة دائرة على أرضهم، ويستمر الإسلام في معركة الدفاع عن النفس إلى ما لا نهاية، وكلما رددنا تهمة ودحرنا شبهة ألقى إلينا أعداد الإسلام بأخرى لنتوجه صوبها دون إمهال، أم أن (استراتيجية ) المعركة بين الإسلام وخصومه تقضي بنقلها إلى أرض العدو، فيكون خير وسيلة للدفاع الهجوم، ونقل الإسلام من موضع الاتهام إلى موقع التحدي للمبادئ والأفكار التي عجزت عن حل قضية الإنسان؟!

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:45 PM
من المواقع الدفاعية إلى المواقف الفاعلة

إن الدفاع عن النفس المسلمة وصيانتها إنما هو في حقيقته وسيلة لتكون قادرة على عطاء معين من نوع آخر.. إلى جانب أهمية التحديد الدقيق لمعركة الدفاع ومساحتها ووسائلها، الأمر الذي يجوز له أن يستغرق جهودنا ويستنفد طاقاتنا، فإن المواقف الدفاعية والاستمرار في مواقع الفكر الدفاعي لا تعني تقدماً ولا بصارة بالأمور، ولا شمولية في الرؤية، وإنما تعني مراوحة في المكان الواحد ولو بذل كل الجهد، وتعني عجزاً في تقدير الأمور ودراسة نتائجها، إنها تعني انفعالاً ولا تعني فعلاً، تعني إثارة ولا تعني ثورة تغييرية للواقع غير الإسلامي، قد تعني شدة بالصُّرعة لكنها لا تعني أبداً ضبط النفس عند الغضب، ومن حسن التصرف واختيار الموقع الفاعل، وعدم استنزاف الطاقة والقدرة على التحكم..

إن الاستمرار في حالة الدفاع يجعل الزمام في يد أعداء الإسلام والمسلمين، ويبقى التحكم بالمعركة في صالحهم زماناً ومكاناً ومضموناً، فيكون الاستنزاف، ويكون الإنهاك، ويتحقق الاستهلاك، وقد يتقن العدو اللعبة فيحسن إثارة المشكلات في الوقت المناسب ويتحكم بمسار المسلمين الفكري والكتابي..

وقد يلجئهم إلى مواقع يضطرون معها إلى بعض الممارسات التي هي محل نظر ابتداء من الناحية الشرعية تحت شعار: الضرورات تبيح المحظورات ؛ وبذلك نقع في أزمة الفكر المنكوس ألا وهو: الاحتكام إلى النتائج والالتزام بها دون القدرة على مناقشة المقدمات التي أدت إليها ، أو نبصر المقدمات الخاطئة بعد أن نسقط في النتائج حيث لا يفيد الندم والبكاء على الأطلال..

فإلى متى نفتقد زمام المبادرة في الطرح، ونستمر في معالجة رد ومواجهة ما يطرح على ساحتنا، ونعجز عن الطرح ؟! وإلى أي مدى يجب أن تبلغ المعركة الدفاعية التي كثيراً ما تكون خطة ذكية تصرفنا عن معالجة قضايانا الأصلية فنبقى نرواح في مكاننا، خاصة عندما ينحصر جهدنا في استرداد المعارك القديمة والدخول فيها بعد أن استنفدت جهدنا ولا تزال، وقد يكون ما قدم إليها فيه الكفاية، كقضية العامية والمرأة وتحديد النسل والحجاب والسفور.. وقد أشبعها أسلافنا بحثاً ودرسـًا ، ورُدَّت على أعقابها ؟!

إن المعركة التي دارت بين طه حسين والرافعي ما تزال مستمرة إلى اليوم، وما يزال كثيرون منا يعانون من عقدة طه حسين !!، والمفروض أن تكون قد انتهت ولم يبق منها إلاّ القيمة التاريخية.. وبذلك نكون قد ساهمنا شئنا أم أبينا، ومن حيث ندري أو لا ندري بصقل خصومنا، وعملقة أعدائنا وتكبيرهم لكثرة ما عاودنا مناقشة أفكارهم وتجديدها، الأمر الذي بناها وصلّبها، وكأننا ما زلنا نحس بالغلبة في داخلنا، وكثيراً ما تواطأ أعداء الإسلام في الخفاء على اصطناع وإثارة قضايا ومشكلات، وطرح مؤلفات انتهى الرأي فيها تاريخياً، وهم لا يزالون يبعثونها من مرقدها ليصرفوا جهد العالمين للإسلام إليها، وتكون فرصة لهم لتوظيف هذا لإنهاك عدوهم الذي يعارضون؛ وكثيراً ما اصطنعت المعارضات السياسية غير الإسلامية قضايا في المعاهد والمدارس والجامعات في العالم الإسلامي لإثارة دعاة الإسلام، ومن ثم توظيف رفضهم وإدانتهم لأغراض سياسية ينهكون بها عدوهم، أو يثيرونهم باتجاه قضية جزئية ليمرروا ما يشاؤون من أمور كبرى تتعلق بأمن البلاد وحياة العباد، وقد تتطور الأمور أكثر فأكثر لتصبح الدماء الإسلامية محلاً لتصفية الحسابات الدولية.. إن الكثير من القضايا غير الإسلامية تصفى اليوم في عالم المسلمين على حساب الدماء المسلمة، فهل نعيد النظر في حساباتنا ودراسة معاركنا وجدواها، ونضع استراتيجية صحيحة لمعركتنا، وننتقل من معركة تحقيق الذات إلى مرحلة تفتيش الذات وتقويم الذات، قال تعالى:

(بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره ) ( القيامة : 14: ـ 15)

[شعبان: 1404هـ ـ أيار (مايو): 1984م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:46 PM
تراجع إلى مواقع الفكر الدفاعي

(ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ) [حديث شريف ]

الفكر الدفاعي أو الأدب الدفاعي، كما يحب أن يسميه بعضهم، هو مرحلة طبيعية تمر بها الأمة في معركة تحقيق الذات حضارياً، وانتزاع الاعتراف بها، وتحديد وجودها، والدلالة على أن ما تمتلكه من المقومات لا يقل عما تمتلكه الأمم المتقدمة في المجال الإنساني، كما أنه ينسجم مع واقع الحياة المتطورة ولا يتخلف عنها، وهو سلاح الأمة الوحيد بعد مرحلة السقوط الحضاري تشهره في وجه أعدائها لتدافع عن وجودها الثقافي، وتثبت به هويتها، وتبرز ذاتيتها، وتعلن استقلاليتها، وتخلص أبناءها مما يمكن أن يترسب في نفوسهم من عقدة النقص نتيجة للهزائم الداخلية في مرحلة القابلية للاستعمار، والمناخ الذي يخلفه افتتان المغلوب المتخلف بالغالب المتقدم، خاصة عندما تكون مهمة الغالب وبغيته تذويب الأمة واغتيال وجودها التاريخي، والقضاء على معالم أفكارها، حيث يبدأ الغالب ـ وهذا أمر طبيعي ـ باستلام زمام المبادهة، فيقذف الأمة بمجموعة من المشكلات والقضايا، قد لا تعاني منها أصلاً، يحتجز نشاطها، ويستوعب فاعليتها، ويستهلك جهدها، ويتحكم بمساراتها العقلية ونشاطاتها الثقافية، أي أنه يسيطر على ساحة الفاعلية، ويتحكم بعطائها مسبقاً.

والأمر الذي لا شك فيه أن سلاح الأدب الدفاعي، أو الفكر الدفاعي، بحجمه الطبيعي وكونه واقعاً ضمن إرادة الأمة ومتروكاً لاختيارها واختبارها، أمر طبيعي.. وواقع مستمر ولازم لبقاء الأمة واستمرارها..

ذلك أن ديدن الأعداء هو باستمرار الهجوم الدائب، ومحاولة التفتيش عن المواقع الضعيفة للتسلل منها، ونحن بحاجة دائمة إلى حراسات متيقظة ترابط في المواقع الحضارية للأمة، لضمان سلامتها، وحفظ ثقافتها، ورد كيد المبطلين عنها.

لكن المشكلة، كل المشكلة، تكمن في هذه الحرب الحضارية القائمة على الاستنزاف المستمر للطاقات الفكرية، والاستهلاك الدائم للنشاطات الذهنية لمجموع الأمة بحيث لا يترك لها من الوقت ما هو كافٍ للنظر في مشكلاتها الحقيقية والقدرة على تصنيفها، ومن ثم صرف الجهود إلى معالجتها والتفرغ لها، بحيث إنها كلما حاولت الانتصار على مشكلة أو كادت، قذف إليها بغيرها لتبدأ من جديد في مواجهة الخروق الجديدة التي قد تكون موهومة في كثير من الأحيان، كما أسلفنا، تطرحها مراكز متخصصة لصناعة الاهتمامات على العالم المتخلف لإبقائه على الساحة الفكرية نفسها، يرواح فيها ولا يستطيع تجاوزها..

إن الأدب الدفاعي في نهاية المطاف يمكن أن يحقق مرحلة التمييز نوعاً ما، لكنه على كل حال يبقى عاجزاً عن البلوغ بها إلى مرحلة الرشد، إنه قد يحفظ الطاقات، أو يحافظ عليها، لكنه يبقى دون مرحلة التحكم بها وترشيدها وتحقيقها للغايات المنوطة بها..

نعود إلى القول بأن المواجهة الدفاعية يمكن أن تشكل مرحلة من حياة الأمة، وهذا أمر طبيعي وسليم، وأن يكون سلاح المواجهة مستمراً كأحد أسلحة المعركة الحضارية، فهذا أمر سليم أيضاً، لكن أن تكون مرحلة الأدب الدفاعي هي البداية والنهاية، ويكون السلاح الدفاعي هو كل ما تستخدم الأمة من أسلحة، فهنا تكمن المشكلة وتحصل الخطورة التي نحذر منها، والتي أقل ما يقال فيها: إنها عمليات لإلهاء الأمة عن مشكلاتها الحقيقية، واستمرارية التحكم بنشاطها الثقافي وإنتاجها الفكري، وصرف فاعليتها إلى الساحات التي يرسمها العدو ابتداءً بحيث تنتهي الأمة التي تشعر بالخطر، ولا تستطيع أن تقدره حق قدره، إلى التصرف بضرب من ردود الفعل لا تملك معها من أمرها شيئاً، وكلما حاولت الانتصار في موقع، فتح العدو عليها المعركة في موقع آخر ليصرفها إليه، ويحنط جهدها في المكان الذي يحدده مسبقاً..

ومن هنا يأتي القول بخطورة هذه المعركة، واتساع مساحتها التي تستغرق جهد الأمة وكل طاقتها، ويكون الحصاد هشيماً..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:48 PM
التحكم الثقافي

لقد غدت القضية الآن من الخطورة بمكان، ذلك أنها في الماضي كانت مجرد ثمرة لافتتان المغلوب بالغالب، ومحاولة التقليد والمحاكاة فيما يمكن أن يسمى: (مرحلة الانضباع الحضاري ) أما اليوم، وبعد أن أصبحت الدراسات الإنسانية تخضع لمختبرات نفسية واجتماعية، وبدأت بعض المراكز المتقدمة عالمياً بدراسة تاريخ الشعوب وعقائدها وعاداتها وتقاليدها، ومن ثم رسم المداخل الحقيقية لشخصيتها، وتحديد الدليل الثقافي للتعامل معها، فقد أصبحت القضية سياسية مرسومة لإبقاء الأمة في مرحلة التخلف والعجز الحضاري..

لقد أصبح في العالم المتفوق الآن مراكز متخصصة لصناعة الاهتمامات عند الشعوب، يخضع لمعطياتها: السياسيون والإعلاميون والخبراء في جميع المجالات، ولم تعد الأمور عفوية كما يتصور كثير من الناس.. إن عملية التحكم الثقافي لها مؤسساتها ومختبراتها ودراساتها ووسائلها التي لا تقل أهمية عن عمليات التحكم العسكري، والتفوق الاستراتيجي، والتخطيط لمعارك هنا وهناك يحسبها البسطاء طبيعية، ويقرؤونها ببدائية عجيبة.

لقد وصلت مرحلة الأدب الدفاعي قمتها بعد سقوط الخلافة أو إسقاطها، إن صح التعبير، ومحاولة الدول الاستعمارية تصفية الحساب مع البقية الباقية من الوجود الإسلامي، وطرح بعض الشعارات والمفاهيم التي باتت تشكل الأوثان الجديدة للمجتمعات المعاصرة، كمفاهيم: الحرية والديمقراطية، والعدالة، والعقد الاجتماعي، وحقوق المرأة، والعلمانية، وفصل الدولة عن الدين .. التي كانت سبباً في النهضة الأوروبية وتخليصها من سلطان الكنيسة، والتي اعتبرت من المسلمات التي يجب أن تقاس بها كل نهضة، وتسلكها كل أمة لتتخلص من واقعها المتخلف وقُذف بها إلى عالم المسلمين حيث زعم أنه يعيش في فراغ، فكان أن نهض بمهمة الدفاع عن الأمة وعقيدتها، ومحاولة رد التهم عنها ـ بعد أن أدخل الإسلام قفص الاتهام، وحُمَّل أوزار الكنيسة التي مارستها خلال القرون الوسطى، كما حُملت إليه وسيطرت على مناخ العالم الإسلامي آثار المعركة بين الدين والعلم ـ علماء ومفكرون .

ويمكن لنا أن نعتبر أن مدرسة الشيخ جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده كانت تمثل هذه المرحلة ، لقد انطلقوا في كتاباتهم وأعمالهم الإسلامية من نقطة رد التهم الموجهة، وإبراز محاسن الإسلام وبيان أن عقيدته ومبادئه لا تقل عن ما طرح على الساحة من شعارات، فالشورى التي جاء بها الإسلام كقيمة سياسية تشريعية هي الديمقراطية عينها التي تنادي بها أوروبا، ونظرية العقد الاجتماعي ـ لروسو ـ هي ما أعلنه الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته الأولى ( أطيعوني ما أطعت الله ) .. الخ.

وكان لهذه المدرسة من الإيجابيات الأمور الكثيرة، ذلك أنها دافعت عن الوجود الإسلامي، وبذلت جهدها لإثبات عظمة الإسلام بشريعته وعقيدته ومحاسنه للغرب الأوروبي ليحوز الرضى، ويلاقي القبول، ولم يتوان أصحاب هذه المدرسة من الاستشهاد بأقوال الغربيين من فلاسفة ومستشرقين، الذين كانوا في غالب الأحيان لا يرون مندوحة من بعض المديح للإسلام وتاريخه ليشكل ذلك غطاء ومظلة لتسللهم وسمومهم، لكن هذه المرحلة ـ مرحلة الأدب الدفاعي ـ لم تخل من كثير من السلبيات، وهذا قد يكون طبيعياً إلى حد بعيد، ذلك أن الذي يواجه من مواقع الدفاع قد لا تتاح له الفرصة الكاملة لاختيار وسائل دفاعه، ومعرفة أرض المعركة ليحسن التعامل معها..

من هذه السلبيات: الانطباع الذي ساد الساحة الثقافية من اعتبار أن ما جاءت به الحضارة الأوروبية هو الحق المطلق، والمقياس الثابت الذي لا يتسرب إليه الخلل، الصالح لكل الأمم في كل الأمكنة، فبدأت قولبة الإسلام وصبه في القوالب الحضارية الأوروبية ، حتى أدى الأمر إلى التعسف في تفسير بعض آيات القرآن الكريم وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وإخضاعها لمعان مسبقة: فالطير الأبابيل مثلاً: جراثيم الحمى . والشيطان : جرثومة تنمو في الإناء المثلوم. والشورى هي الديمقراطية التي جاء بها الغرب. والنبوة : عبقرية ..

وأدى الأمر كذلك إلى تمييع الإسلام بحجة صلاحيته لكل زمان ومكان، واستبدال تشريعات بشرية به تحت عنوان: فأينما وجدت المصلحة فثم شرع لله ..

وأخذت المؤلفات لوناً من التدجين لمبادئ الإسلام، وقياس واقع العالم الإسلامي ليس على الأصول الإسلامية، بل على أصول حضارة غريبة عنه، هي الحضارة الإغريقية والرومانية التي تشكل الأصول الحقيقية للحضارة الأوروبية، فالحضارة الأوروبية كانت منطقية في هذا مع نفسها لأنها نمت على أصولها، أما هذه المدرسة، أو بعض أفرادها فقد حاول قياس الواقع الإسلامي على غير أصوله، كما قدمنا، ومن ثم كان لا بد أن تبدأ مرحلة التمييز الإسلامي نوعاً ما ، فجاءت هذه المرحلة بكثير من المؤلفات تحاول تنقية المناخ الثقافي بكتابة عن شمول الإسلام لجميع جوانب الحياة، وخلوده وعدم اقتصاره على تنظيم العلاقة بين الفرد وربه، كما أريد له، وأنه دين ودولة، وأن المعركة بين الدين والعلم هي في حقيقتها معركة بين الكنيسة والعلم، وأن الإسلام دين العلم، وأن العلم يدعو للإيمان، وأن علماء الدين في الإسلام ليسوا طبقة معينة تشكل إكليروساً له رسومه وأشكاله، يحرم ويحلل على هواه، ويحتكر العلم الديني، وإنما هم العلماء المتخصصون، ومن عرف حجة على من لم يعرف، وهم بشر يخطئون ويصيبون، ويؤخذ من كلامهم ويرد، ومعيار القبول والرد موافقة الكتاب والسنة.. وأن المشكلات التي يقذف بها إلى العالم الإسلامي مشكلات وهمية لا وجود لها وإنما هي مشكلات مصنوعة لا بد من إثارتها للتمهيد لاستيراد الحلول (في مرحلة استيراد المشكلة واستيراد الحل لها )

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:49 PM
القابلية للتراجع

ثم أعقب ذلك مرحلة الاعتزاز بالإسلام، والاستعلاء بالإيمان، وتبدلت المواقع، وانتقل المسلمون من مرحلة الدفاع هذه إلى مرحلة التحدي، وخرج الإسلام منتصراً لتدخل الحضارة الأوروبية المادية قفص الاتهام، حيث بدأ سقوطها، وظهر زيفها، وباتت عاجزة عن تحقيق إنسانية الإنسان،.. فالإسلام دين الفطرة، والإسلام هو الحضارة، والمستقبل لهذا الدين، وهو الطريق لخلاص البشرية من الطواغيت، وتحررها من العبوديات وتسلط الإنسان على الإنسان، والذي مُورس تحت شتى العناوين والشعارات الزائفة، ليس على المستوى الإسلامي فقط ، وإنما على المستوى الإنساني أيضاً..

وفي تقديرنا أن المشكلة، كل المشكلة، تكمن الآن في محاولة إرجاع المسلمين إلى مواقع الفكر الدفاعي من قبل خصوم الإسلام مجتمعين على ما بينهم من تناقض، لأنهم أحسوا بأن الجسم الإسلامي بدأ يتحرك من جديد بعد هذا السبات الطويل، وبدأ يخرج عن وصايتهم ويهدد مصالحهم، والمشكلة الأكثر خطورة الآن هي: القابلية النفسية عند بعض المسلمين للتراجع إلى مواقع الفكر الدفاعي، ذلك أن مراكز صناعة الاهتمامات في العالم مستمرة في عملها، والتحذير من الصورة الإسلامية والصحوة الإسلامية أصبح ظاهرة ملفتة للنظر، وأن طرح المشكلات ووضع بعض التصرفات الشاذة تحت المجهر أصبح واضحاً لكل ذي عينين، وذلك لإعادة المسلمين إلى مواقع الفكر الدفاعي..

ولسنا الآن بسبيل الاستقصاء للنماذج والأمثلة الكثيرة المطروحة على الساحة الإسلامية، من العودة إلى قضايا المرأة وحقوقها وعملها، والطلاق والتعدد، والهجوم على اللغة العربية بأكثر من أسلوب وفي أكثر من بلد إسلامي، لأن ذلك لا مجال به في هذه العجالة التي تفترض الإشارة إلى القضايا والمشكلات، وإثارة الأذهان باتجاهها فقط ، من هنا كان لا بد من الوقوف عند بعض النماذج .

خصصت مجلة تايم في عددها الصادر يوم 16 نيسان (أبريل ) 1979م موضوع الغلاف لصورة مؤذن يدعو المؤمنين إلى الصلاة، وجاء الموضوع تحت عنوان: (عودة المجاهد ) وبعد الحديث عن ظاهرة انتشار الإسلام، والتحذير من هذه الظاهرة في أكثر من منطقة، وأنها تمثل روح التعصب والعودة إلى همجية القرون الوسطى، قالت المجلة: إن الشعب المصري قد عاد من جديد إلى التلفظ بكلمات إسلامية مثل: إن شاء الله، وبسم الله، والحمد لله، عندما يركب السيارة أو يأكل.. إلخ.. ويقول الكاتب: إن الظاهرة لا يقودها إلاّ الشباب!! .

وفي الجزائر: الصبي البالغ من العمر 14 سنة على اتصال دائم خمس مرات يومياً بجماعة تشرف عليه في المسجد..

وفي تونس: الطلاب يشنون حرباً على الشر والرذيلة، وذلك بطلاء الصور العارية على الجدران، وكتابة آيات قرآنية..

وفي مصر: مئات من الطالبات الجامعيات يتحجبن ويطالبن بعدم الاختلاط ..

حتى في ( إسرائيل ) هناك إقبال على الإسلام من قبل الشباب . يقول ( رافي إسرائيلي ) وهو محاضر للدراسات الإسلامية في الجامعة العبرية في القدس:

إن هناك اتجاهاً جديداً عند الشباب المسلم نحو الإسلام، مليء بالبهجة والسرور، إذ أصبح الإسلام قصة هذا القرن.

وتقول (مارفن زونيس ) الخبيرة اليهودية في جامعة شيكاغو : الإسلام يستعمل كوسيلة مدرعة لرد الضربة الثانية على الغرب، فقد بدأ المسلمون يحسون أن الغرب كان متحكماً فيهم خلال المائة والخمسين سنة الماضية ..

وفي عدد آخر يقول مراسل المجلة نفسها في القدس دافيد أيكمان: يلاحظ الزائر لجامعة

(بير زيت ) في الضفة الغربية المحتلة العديد من اللوحات واللاصقات والبيانات التي تبدأ بعبارة : بسم الله، من هنا نبدأ.. وتختتم المجلة تحقيقها قائلة:

يبدو أن السلطات الإسرائيلية في الوقت الحاضر تدرك مدى معارضة الجماعات الإسلامية للاحتلال الإسرائيلي، وأنها ستجعل من هذا الاحتلال على المدى البعيد عملية صعبة.

ويقول مسؤول إسرائيلي في الضفة الغربية: إذا نمت وتطورت هذه الجماعات فإنها ستكون ناراً علينا..

وجذور هذه القضايا، والتخويف منها، والهجوم عليها لتشويه الصورة الإسلامية ليس غائبـًا عن كثير منا، فلا يزال أكثرنا يذكر أو يتذكر الضجة الرهيبة الرعيبة التي أثارتها الصحافة في الغرب في أعقاب نكبة حزيران 1967م من التحذير من عودة الجهاد إلى المنطقة، أو عودة ما يسمى بالتطرف أو التعصب الديني..

فالعدوان الإسرائيلي ليس قضية، واحتلاله الأرض ليس مشكلة، وترويع الآمنين لا يحرك ضميراً، وإقامة (إسرائيلي ) على الحقد والتعصب والعنصرية ليس أمر ذا بال، إنما المشكلة، كل المشكلة، تكمن في عودة التعصب الديني للمسلمين ؟!! وانبعاث روح الجهاد من جديد في الجسم الإسلامي!!. وفي هذا ما فيه من الخطورة على المصالح الأجنبية.

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:50 PM
صناعة التطرف

وما يزالون وراء هذه القضية يجندون لها الكتاب والصحفيين، والدبلوماسيين والسياسيين ويستنفرون لها أتباعهم من كتاب وصحف ومجلات، ويضعون المظاهر الشاذة منها تحت المجاهر يوجهون إليها الأنظار ويغرون بها، وقد تكون إلى حد بعيد من صنعهم، حتى أصبحت مشكلة مطروحة ذات أبعاد ودلالات لا بد من مواجهتها، تفرد لها الملفات ويستدعى لها الكتاب والمفكرون، وتحدد لهم مسبقاً الجوانب التي يعالجونها والمساحات المطلوب إليهم التحرك فيها، وهنا نرى أيضاً أن بعض الكتاب والمفكرين أخضعوا لمحاضر تحقيق، لكن من نوع آخر، هي سلطة بعض رجال الصحافة بأسئلتهم المحددة، وليست سلطات الأمن، لو ضعهم في موضع آخر من مواقع الفكر الدفاعي.. وكم كانت الدهشة كبيرة عندما سألت أحدهم، وهو عالم فاضل ثقة ذو فقه ودراية: لماذا لم تعرض لأسباب المشكلة وأنت من أدرى الناس بذلك ؟ فقال: هذا الجانب الذي طُلب مني معالجته، وأُعتذر إليّ عن الوجه الآخر بحجة أنه أنيط بغيري !!

وأصبح التطرف الديني مصطلحاً شائع الاستخدام في وسائل الإعلام، وعلى ألسنة الناس، وكثيراً ما يستخدم بهدف إيجاد حالة من الرعب والإرهاب الفكري لشل حركة الدعوة إلى الله التي تخضع لمعايير منضبطة مشروعة من الله عزَّ وجل لا يد للإنسان فيها.. والأمر المستغرب حقاً أن هذا الاصطلاح استعمل أول ما استعمل في ( إسرائيل ) عندما بدأ الشباب المسلم في الأرض المحتلة يعي ذاته بعد أن أخفقت التجمعات الشيوعية ومن يدور في فلكها من أن تقدم شيئاً للقضية، والتي لم تخرج في حقيقتها عن وسيلة من وسائل يهود لامتصاص النقمة وتنفيس الطاقات للحيلولة دون انفجارها، والتسلل من خلالها إلى العالم العربي، من هنا بدأت توجهات الشباب من جديد لتلمس الشخصية الحضارية للأمة والعودة إلى المسجد..

فالإسلام دين التوسط والاعتدال، ولا شك عندنا أن الغلو والتطرف أمر مرفوض شرعاً، ومهما كانت المبررات والأسباب، وليس من الإسلام، وهو ظاهرة أصيب بها اتباع الأديان السابقة وكانت سبب دمارهم، وهي من علل المتدينين التي قصها الله علينا ليحذرنا منها فلا نقع بما وقع فيه غيرنا من الغلو والتطرف والتحريف والتأويل الفاسد وما إلى ذلك..

ونحن لا ننكر أيضاً أن الغلو والتطرف يمكن أن يتسرب إلى بعض جوانب الحياة الإسلامية، ومن السهل على الناظر في التاريخ الإسلامي أن يتعرف أن فترات الرفض والتطرف والخروج هي رؤوس الفتن ذات النقاط السود في تاريخنا التي أنهكت الأمة، وشلَّت قواها، وشغلتها عن عدوها، وعن متابعة رسالتها الإنسانية، لكن المشروعية العليا في حياة المسلم كانت دائماً للكتاب والسنة، وهما المعيار الدقيق والمقياس المنضبط الذي يجب أن يحكم الأمور.. كل الأمور، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) فالذي يحكم على السلوك هو الإسلام وليست الأمزجة الشخصية.

والمشكلة الخطيرة الآن، والتي قد تزيد الأمور سوءاً: أننا نحاول معالجة آثار الظاهرة ولا ننظر في أسبابها، إلاّ لمسات خفيفة قد لا تسمن ولا تغني من جوع، ولا شك أن تنقية الواقع الثقافي للجيل المسلم وترشيده، والأخذ بيده لالتزام المقياس الإسلامي في الحكم على الأشياء ضرورة وعهدة شرعية من العلماء العدول الذين أخبر عنهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله:

(يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين .. ) وكلمة (العدول ) هنا ذات دلالة واضحة، فالذي يتصدى لعملية مواجهة التطرف والغلو هم العلماء العدول والذين هم موضع ثقة من حيث العلم، ومن حيث الغيرة الإسلامية، والذين لهم من سلوكهم وجهادهم ما يؤهلهم لحمل العلم ونفي الانحراف، وليس الكتَّاب الذين يعوزهم الحد الأدنى من الفكر والسلوك الإسلامي، والذين يقيمون من أنفسهم أوصياء على الحياة الإسلامية، ولا (بعض علماء الدين الرسميين ) لأنهم يتكلمون ويصدرون الأحكام، ويطبقون في هذه القضايا قانون السير ذي الاتجاه الواحد، ولا يرون إلاَّ بعين واحدة، فالانحراف والظلم والقمع ومصادرة الحريات لا يقولون فيه كلمة، ولا يأمرون بمعروف أو ينهون عن منكر، ولا يسمعون إلاّ من طرف واحد، وينطلقون غالباً في معالجاتهم، ويشكلون قناعاتهم من محاضر تحقيق سلطات الأمن، فكيف يستطيعون تقويم اعوجاج أو معالجة قضية تعتبر من أخطر القضايا، ومن أوائل الشروط لمعالجتها نزع أزمة الثقة.. وتقوى الله في التناول.

والأمر الخطير حقاً هو أن عقدة التطرف الديني هذه تسللت إلى أجواء الدعوة الإسلامية، تشل حركتها، وتشكك بوسائلها، وتحيطها بجو من الإرهاب لتحنطها وتعطل مسارها والأمر الأخطر أيضاً هو التراجع إلى مواقع الدفاع الذي أصاب كثيراً منا، وأصبح ما يطرحه الأعداء مسلمات غير قابلة للنقاش لشل الذهن وإنهاك القوى، والتحكم بالمسارات العقلية والنشاطات الثقافية، والتخويف من الدعوة الإسلامية، فإلى متى نتوقف عند مرحلة ( درء المفاسد ) ولا تأخذ مرحلة (جلب المصالح ) المساحة المطلوبة في حياتنا الإسلامية؟ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

[جمادى الآخرة:1402هـ ـ نيسان (ابريل): 1982م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:52 PM
مواقف في غزوة الأحزاب

(وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين )

(آل عمران:159 )

هذه مواقف مختارة من غزوة الأحزاب. ليس المطلوب لها الاستقصاء التاريخي، ذلك أن سير الحوادث التاريخية متوفر في مظانه من كتب التاريخ والسير والمغازي، وإنما هي محاولة لقراءة معاصرة لبعض قضايا هذه الغزوة من خلال المعاناة التي يعيشها الجيل المسلم اليوم، مساهمة منا في تصويب المسار، والسعي وراء تأصيل بعض المفهومات التي كادت تغيب عن حياة المسلمين، أو تستغلق على شكل معين يمكن أن يُكتشف بعض خطئه بإعادة المقايسة والمقارنة، والمسلم مطالب دائماً بعملية المراجعة، وعملية المقايسة خشية أن يكون من الأخسرين أعمالاً الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، فيضيع الأجر ويتبدد العمر، ويتخلف النصر في الدنيا، ونصاب بالعجز والانكسار، وقد لا نجد مهرباً من ذلك إلا بإلقاء التبعة على الخارج، على الآخرين: الاستعمار وأعوان الاستعمار، لنعفي أنفسنا من المسؤولية، ونحول دون ممارسة التصويب أو القدرة عليه، وقد ينسحب بعضنا من المجتمع لعدم القدرة على التعامل معه، ينسحب إلى الماضي، يفاخر فيه، ويطرب لإنجازاته، ولا يستطيع الاغتراف منه وإخصاب تصوره والعودة إلى مجتمعه بما يصلحه ويسدد خطاه، بل يكتفي بترديد شعارات لا تفسر ظاهرة اجتماعية وتدرس أسبابها، ولا تبدل موقعاً إسلاميا إلى موقع آخر أكثر جدوى وفائدة للإسلام والمسلمين، ولا تستبدل وسيلة فاعلة بأخرى متخلفة..

والذي لا بد لنا من الاعتراف به ابتداءً أن السيرة النبوية في حياة الناس ـ إلا من رحم الله ـ لا تعدو أن تكون فترة زمنية أو حلقة تاريخية انتهت بأشخاصها وأحداثها، غير قادرة على تقديم الأطر والقواعد لمشكلات الإنسان المعاصر، سواءً في ذلك من يتنكر بقوله وعمله أم من يسلك مسلكاً آخر ممن ينتصر لها عاطفياً ويبقى عاجزاً عن تحقيق النقلة، وتعدية الرؤية، وحسن البصارة لمواطن الخطأ والصواب؛ تبقى النتيجة واحدة، ولا يختلف الفريقان إلاّ بالعناوين، وقد يكون أحد الفريقين سقط في مخادعة نفسه ومخادعة الناس، وكان موقفه العاجز دليل فشل مقولته، وجاء واقعه مخالفاً لشعاراته، لذلك فهو يساهم مساهمة سلبية في إجهاض الرؤية الإسلامية، ويكون حاجزاً سميكاً بين الناس وبين هذا الإسلام العظيم، وقد لا يكون المطلوب من مسلم اليوم أن يكون قادراً من خلال رصيده التاريخي وتراثه الثقافي وقيمه الأصلية في الكتاب والسنة، قد لا يكون المطلوب منه فقط القدرة على(التفسير ) للحوادث المعاصرة، وإنما تجاوز ذلك إلى (التغيير ) ودقة تحديد موقعه الفاعل، لأن (التفسير ) هنا هو مقدمة لـ (التغيير ) وكفاية لمسلمي اليوم الوقوف عند عتبة المقدمات وعدم تجاوزها إلى النتائج.. فهل نستطيع في هذه العجالة إثارة الذهن المسلم تجاه بعض المواقع والمرتكزات التي لا نزال نشهد آثارها، ولا تزال تتكرر في عالم المسلمين من خلال بعض المواقف التي نعرض لها في غزوة الأحزاب ؟

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:53 PM
يهود وراء تحزيب الأحزاب

المعلوم من أخبار هذه الغزوة أنها على بعض الروايات كانت في ذي القعدة ولكن معظم الروايات تعتمد زمن حدوثها شهر شوال، وقد امتد الحصار فيها شهراً تقريباً، فقد تكون ابتدأت في شهر شوال ولما تنتهي إلا في ذي القعدة.. من السنة الخامسة للهجرة، وذلك أن يهود بني النضير خرجوا حتى قدموا قريشاً في مكة فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا سنكون معكم حتى نستأصله.
فقالت لهم قريش ـ التي جربت الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأُحد واكتوت بنارهاـ : يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه ؟! قالوا: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه .. وشهدوا لقريش أن أصنامها أولى بالاتباع من إله محمد صلى الله عليه وسلم، فهم الذين أنزل الله فيهم: ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ) ( النساء:51).

فسَرَّ ذلك قريشاً، ونشطوا لما دعوهم إليه، واجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج يهود حتى جاؤوا غطفان، وهكذا طافوا على بقية القبائل عارضين عليها مشروع غزو المدينة المنورة وموافقة قريش على ذلك.

وهذه ليست حادثة تاريخية عابرة، خاصة في هذا العصر بعد أن أصبحت الشعوب تحاكم إلى تاريخها، ولم يعد سراً أن يهود كانوا ولا يزالون وراء تحزيب الأحزاب في معظم المراحل، ابتداء من الحملات الصليبية على عالم المسلمين ذلك أن اليهود ركبوا الحصان الأوروبي بشكل مبكر حيث استقرت هجراتهم في أوروبا تاريخياً، ووجهوه الوجهة التي يريدون.. فكانت الحروب الصليبية وكان الاستعمار، ويركبون وليده الأمريكي الآن والنتائج ماثلة للعيان..

كما أنه لم يعد سراً أنهم كانوا وراء تقويض الخلافة الإسلامية، وصناعة الأحزاب ذات الدعوات الإقليمية وتقديم البدائل الفكرية عن الإسلام بعد مرحلة سقوط الخلافة.. والشهادة لهذه البدائل أنها أهدى من الإسلام سبيلاً؛ كما أنهم وراء تحزيب بعض الكتاب الذين انتهوا إلى مناخ الثقافة اليهودية التلمودية، ولا همَّ لهم إلا الانتقاص من الإسلام والمسلمين، وتسقط العورات وتتبعها والتخصص فيها، والقدرة العجيبة على البجاحة في الكلام عن الحرية والديمقراطية، وهم من سدنة الظلم والظالمين، في الوقت الذي يدفع المسلمون دمائهم في أكثر من موقع دفاعاً عن الإنسان وانتقاص حقوق الإنسان، لكنه العوار العقلي!!.

لقد تم التحالف الوثني اليهودي القبلي ضد المسلمين، كانت يهود وقريش وغطفان من أهم أعضائه، واتقوا على شروط، من أهمها: أن تشارك غطفان بستة آلاف مقاتل، وأن يدفع اليهود لها كل ثمار خيبر لسنة واحدة؛ وحشدت قريش أربعة آلاف مقاتل فكانوا عشرة آلاف.. إن هذا التحالف لم يتوقف لحظة واحدة في تاريخ المسلمين الطويل وإن تغيرت أسماؤه وتبدلت وسائله.. والمال اليهودي يمده على أكثر من مستوى ..

إن المال اليهودي الذي اشترى غطفان وحركها صوب المدينة هو الذي امتد إلى السلطان عبد الحميد، فلما أبى ذلك تقدم المال اليهودي لشراء رجال جمعية الاتحاد والترقي، الذين كانوا الجسر الحقيقي لوصول يهود إلى فلسطين، وإن التحالف الوثني الصليبي اليهودي الجديد هو الذي تقاسم مناطق النفوذ، واقتسم تركة الرجل المريض، وفرق عالم المسلمين، وأسكن يهود في فلسطين، لقد أسقط الحلفاء في الحرب العالمية كل وعودهم للعرب، والتزموا بكل وعودهم ليهود، ولا يزال العالم الإسلامي يعاني من مسألة ( الشرق الأوسط ) أو (المسألة الشرقية ).. ولا يزال يعاني من لعبة الوفاق الدولي في فلسطين وإريتريا وأو غادين وكشمير وأفغانستان ولبنان وغيرها.. ويراد للمسلمين أن يكونوا في ذلك أدوات، توظف دماؤهم في عملية الوفاق الدولي، ولا يسمح لحركاتهم الجهادية أن تتجاوز المدى المرسوم لها مسبقاً والحجم المقرر لها سلفاً .

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:54 PM
تأصيل الشورى

لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بزحف الأحزاب إلى المدينة، وعزمها على استئصال شأفة المسلمين، استشار المسلمين، وقرروا بعد الشورى: التحصن في المدينة والدفاع عنها، وأشار سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق، وقال: يا رسول الله، إنًّا بأرض فارس إذا تخوفنا الخيل خندقنا علينا.. فأمر بحفر الخندق، واستمر الحصار نحو شهر تقريباً، كما قدمنا وعظم البلاء وانخلعت القلوب وشاع النفاق، وظن بالله كل ظن، وبلغت القلوب الحناجر، ونكتفي هنا بمثال واحد: قال بعض المنافقين (معتب بن قشير ): كان محمد يعدنا بكنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

وقال (أوس بن قيظي ) على ملأ من رجال قومه: يا رسول الله، إن بيوتنا عورة، وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنَّا، فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا..

فلما اشتد البلاء على الناس، وحقناً لدماء المسلمين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن، وإلى الحارث بن عوف المري ـ قائدي غطفان ـ يعطيهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، وأحضرت الصحيفة والدواة ليكتب عثمان بن عفان رضي الله عنه الصلح، وهموا بكتابته، ولم تقع الشهادة ولا عزيمته إلا المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله، أمر تحبه فنصنعه ؟ أم شيء أمرك الله به لا بد لنا من العمل به ؟ أم شيء تصنعه لنا؟ قال؛ بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب،فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما .

فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرىَ أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطهم أموالنا والله ما لنا من حاجة.. والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأنت وذلك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا فيها من الكتاب، ثم قال ليجهدوا علينا.

إن ما يلمحه الإنسان في هذه الغزوة وفي غيرها من حوادث السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنزل الشورى منزلتها وأصّلها في حياة الأمة، إذ لا بد من توسيع قاعدة الرأي، والحاجة إليها إنما تكون خاصة في الشدائد والقرارات المصيرية والملمات على غاية من الأهمية، حيث يكون الخطأ قاتلاً، فالشورى استفادة من كل الخبرات والتجارب، واجتماع للعقول في عقل، وقضاء على الاستبداد والفردية في الرأي، وبناء يساهم الجميع في إقامته، ومن ثم تكون أعلى أنواع التضحية والبذل في الدفاع عنه.

والرسول صلى الله عليه وسلم مستغن عن الشورى بالوحي، فهو المؤيد بالوحي، وهو المسدد به، لا حاجة به إلى الشورى، لكن لا بد من تأصيلها لتكون أصلاً من أصول الحكم ل يملك المجتمع المسلم أن يحيد عنها، كما لا يملك الحاكم المسلم أن يتجاهلها أو يعتدى عليها، ويقظة المسلم دائمة في العمل لها وعدم التنازل عنها، لأن ذلك إلى جانب كل مضاره في الدنيا مدعاة لسخط الله الذي جعلها من سمات مجتمع المسلمين بقوله : (وأمرهم شورى بينهم ) (الشورى :38)، ومع ذلك لا يزال في عالم المسلمين اليوم من يستهويه الاستبداد، ويتصيد الوقائع التاريخية، ويجهد نفسه في تفسير النصوص ليخرج على المسلمين بأن الشورى ليست ملزمة للحاكم ، وإنما هي معلمة له فقط، وأن الحاكم بالخيار إن شاء عمل بها وإن شاء تركها، وأعطي الحاكم في الدولة وأُعطي المسؤول عن أية جماعة مسلمة من العصمة ما لم يعطه النبي المرسل صلى الله عليه وسلم عندما سأله سعد بن معاذ وسعد بن عبادة: شيء أمرك الله به لا بدّ لنا من العمل به، أم شيء تصنعه لنا؟

وإذا كانت إلزامية الشورى أو إعلاميتها اجتهاداً يمكن أن يخطئ ويصيب، كما هو الحال في سائر الاجتهادات، فما هو المسوغ للاستمساك بعدم إلزامية الشورى والدفاع عن ذلك بعد هذه الانهيارات الرعيبة وألوان الاستبداد في عالم المسلمين، وهذا التردي والتصرف الفردي في بعض الجماعات التي تعمل للإسلام ؟!

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:55 PM
البيعة العامة

وهناك قضية أخرى تشكل الوجه الآخر لاجتهاد واعتقاد أن الشورى معلمة وليست ملزمة، وهي قضية هامة مطلوب إعادة النظر فيها بإلحاح، وهي قضية البيعة العامة، وما يترتب عليها من أحكام شرعية وقضايا سلوكية، وكيف أن البيعة العامة في الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تكون إلاّ لأمير المؤمنين الذي يمتلك من الصلاحية والمسؤولية ما يجعله قادراً على إقامة الدين وإنفاذ الأحكام، وتنفيذ العقوبات الشرعية، وإعلان الحرب، والجنوح إلى السلم، وما إلى ذلك مما هو مختص بأمير المؤمنين في التصور الإسلامي، وأن كل الزواجر التي وردت في شق عصا الطاعة ومفارقة الجماعة وما إلى ذلك هي في هذا المجال.

أما البيعة الخاصة فهي عهد على تنفيذ مهمة معينة من خلال الظروف المتاحة والإمكانات المتوفرة، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم )، لتنظيم الحياة الاجتماعية، ولضبط السلوك في البنية الاجتماعية كائنة ما كانت ، وبالتالي فلا يكمن لنا أن نجير أحكام البيعة العامة الفقهية لبعض مسؤولي الجمعيات والجماعات، لأن المقومات الأصلية مفقودة، فهو ليس أمير المؤمنين، ولا يمتلك من ذلك شيئاً، فكيف والأحكام ثمرة لذلك، فنفتقد الأصل ونستمسك بالفرع ؟! لذلك لا بد من التحري في ذلك لأنه محل نظر من الناحية الشرعية، وقد سبب الكثير من الارتكاسات من ناحية السلوك العملي.

فالشورى ليست ملزمة! والبيعة عامة! والمقومات مفقودة، والنتائج كما نرى، فكيف يجوز أن يستعملا سيفاً مسلطاً على رقبة الفرد يحولان دون مناقشة الخطأ تحت عنوان: (في عنقه بيعة، والشورى غير ملزمة )!!

تحديد الموقع الفاعل
وبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما كان من الشدة والبلاء من الخارج، وشكوك المنافقين وإشاعتهم الرعب في النفوس من داخل الصف:

(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فَنُجِي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) (يوسف:110)

وقد بلغت المحنة غايتها، جاء نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت ، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة )، فأتى بني قريظة فقال: قد عرفتم ودّي إيّاكم، لا تقاتلوا محمداً مع قريش وغطفان حتى تأخذوا منهم رُهُنا، فإنهم إن لم يصيبوا نهزة لحقوا ببلادهم وخلّوا بينكم وبينه ببلدكم، ولا طاقة لكم به.. قالوا صدقت.

فأتى قريشاً فأظهر لهم إخلاصه ونصحه، وأخبرهم بأن يهود قد ندموا على ما فعلوا، وسيطلبون منهم رجالاً من أشرافهم تأميناً للعهد، وسيسلمونهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيضرب أعناقهم.. وقال لغطفان مثل ما قال لقريش، فكان كلا الطرفين على حذر، وطلب أبو سفيان ورؤوس غطفان معركة حاسمة بينهم وبين المسلمين، فتكاسل اليهود وطلبوا منهم رهائن من رجالهم، فتحقق لقريش وغطفان صدق حديث نعيم وامتنعوا عن تحقيق مطلب يهود، وبذلك تحقق اليهود من صدق نعيم كذلك.. وتوغرت صدورهم على يهود، ودبت الفرقة بين الأحزاب،

وهكذا تمزق الشمل، وتفرقت الكلمة، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، هنا لا بد من وقفة وإن كانت هذه الوقفة، مهما كانت طويلة لا تعطي قضية نعيم حقها: (إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة ) لقد وضعه الرسول صلى الله عليه وسلم على الجادة، وأحسن نعيم السير.. أسلمت ولم يعلم قومي بإسلامي، فمرني بما ترى.. أية قدرة هذه في تحقيق الموقع الفاعل للعمل الإسلامي من القائد! وأية قدرة على التصرف وحسن التحرك من خلال الظروف والإمكانات من المسلم؟ لم يعلم أحد بإسلامي ـ الحرب خدعة..

إن القدرة على التصرف من خلال الظروف المتاحة والإمكانات المتوفرة،وتحديد موقع العمل الفاعل بدقة واختيار وسيلته المجدية هي مشكلة العمل الإسلامي اليوم..

إن السلوك النبوي في مرحلة الدعوة والإنجاز النبوي في مرحلة الدولة يمدنا برؤية زاخرة تبتدئ عتبتها من قوله تعالى: ( إلاّ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان.. ) (النحل:110) في مرحلة الدعوة، واشتداد الظلم، وفضل الصبر، وتنتهي إلى قوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنةٌ ويكون الدين كله لله ) (الأنفال:39). إنها القدرة كل القدرة على تحديد مواقع العمل من خلال هذه السلسلة الطويلة من الآفاق المتعددة.. ولعل العجز عن الرؤية هنا يأتي قاتلاً، فقد نحنط أنفسنا أو يحنطنا أعداء الإسلام في موقع لا نستطيع أن نبصر غيره ـ وقد نتجاوز المواقع الممكنة والمجدية، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، إلى المواقع المستحيلة فنكلف أنفسنا بما لم يكلفنا الله به ـ ونرتاد مواقع لا نملك إمكاناتها، الأمر الذي يوقعنا في الإحباط والانكسار، وقد يلجئنا إلى محاضن مرفوضة شرعاً تحت شعار: (الضرورات تبيح المحظورات )..

إنها الضرورات التي صنعناها بأيدينا لتأتي النتائج المترتبة عليها أشبه بمسلمات تحكم العمل الإسلامي لا تجوز مناقشتها..

[ذو القعدة 1403 هـ - آب (أغسطس)1983م]

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 05:58 PM
المسلم ومسؤولية البلاغ المبين

قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحدا إلاّ بلاغا من الله ورسالاته )

(الجن: 22 ـ 23 )

لا شك أن قضية الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وتخليص الناس من كل ألوان العبوديات، وإخراجهم من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، واستنقاذهم من حياة الضنك نتيجة إعراضهم عن منهج الله تعالى، وإلحاق الرحمة بهم، ووضع إصراهم والأغلال التي عليهم هي من أخص خصائص المسلم وأبرز مسؤولياته، وهي الأمانة التي قبل حملها عندما رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً الذي كانت الغاية من إرساله، ومن رسالته: إلحاق الرحمة بالعالمين، قال تعالى:

(وما أرسلناك إلاّ رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107)، فكانت مهمته الأولى البلاغ المبين:

(ما على الرسول إلا البلاغ .. ) (المائدة:99).

(وما على الرسول إلاّ البلاغ المبين ) (النور:54).

العكوف على تربية الذات

لذلك يبقى الأمر المطروح دائماً على المسلم الذي يسير على قدم النبوة أن يبدأ بتنمية نفسه وتزكيتها بالإسلام ليكون على مستوى خطاب التكليف، قال تعالى:

(قد أفلح من زكاها وقد خاب من دسَّاها ) (الشمس: 10).

وأن يطور وسائله في الدعوة إلى الله ليكون في مستوى المهمة التي يتطلبها إسلامه وعصره على حد سواء قال تعالى:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (النحل: 125)، وقال:

(ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه وليٌ حميم )(فصلت:34)..

فالمسلم مطالب دائماً أن يمارس عملية العكوف على الذات لتربيتها على أمر الله، وأخذها بشرع الله، ولا نعني بذلك ضرباً من السلبية والهروب من الحياة، وفقدان التوازن الاجتماعي وذلك بالانسحاب من المجتمع، والانقطاع إلى الرياضات الروحية في الكهوف والجبال، وممارسة الزهد الأعجمي بترك التعامل مع الحياة، وإنما نرى أن ميدان تربية الذات وتزكيتها أكبر من ذلك بكثير، إنه الحياة بكل ما فيها من جوانب الخير والشر؛ إنها التربية الميدانية التي لا تتم إلا من خلال الممارسة والمعيشة الاجتماعية، والمعاناة اليومية والتحديات المحيطة، واستشعار هذه التحديات، وعدم الذوبان والسقوط أمامها، وإنما الصلابة والاستيعاب وحسن المواجهة، وإن اختلفت فيها مساحة الكر والفر حسب الظروف ومقتضى الحال، ذلك أن التربية الذاتية، أو العكوف على تربية الذات بهذا المعنى هو الذي تفرد به الإسلام عن سائر الأديان، بزهدها ورهبانيتها، وسلبياتها..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 06:00 PM
البلاغ المبين.. من أبرز خصائص التربية الميدانية

وقد يكون من أبرز خصائص التربية الميدانية التي أشرنا إليها، ومن أولى ثمراتها: عملية البلاغ المبين المهمة التي ابتعث من أجلها الرسول صلى الله عليه وسلم قال تعالى: (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ) (آل عمران:20)، (فإنما عليك البلاغ ) (الرعد:40)، (وما على الرسول إلا البلاغ المبين ) (العنكبوت: 18) إلى آخر هذه الآيات الكثيرة، والكثيرة جداً، التي تحصر مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم، بل رسل الله جميعاً عليهم الصلاة والسلام بإبلاغ الناس شريعة الله، وحمل البشارة إليهم إن هم استقاموا على الطريقة..

ولما كان الرسول صلى الله عليه وسلم محل الأسوة والقدوة بالنسبة للمسلم، فإن مهمة المسلم في هذا العصر، كل عصر، تتحدد بقدرته على تحمل الإسلام وتربية نفسه عليه وأخذها به، وعلى الأداء وذلك بالقيام بعملية البلاغ المبين، فهي حياته في الدنيا ونجاته في الآخرة:

(قل إني لن يُجيرني من الله أحد ولن أجد من من دونه ملتحداً إلاً بلاغاً من الله ورسالاته ، ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ً)(الجن:22 ـ23).

إن فهم عملية البلاغ وإدراك أبعادها، والصبر عليها، والحكمة في أدائها، والقدرة على إبصار وإنضاج وسائلها وما يمكن أن يترتب عليها من مسؤوليات وتكاليف قضية على غاية من الأهمية، إنه الإدراك للقضية الإسلامية عامة، والقدرة على القيام بالمسؤوليات وأداء الأمانة للخروج من عهدة التكليف.. وقد يسارع بعضهم هنا، وبفهم مبتسر، إلى الظن بأننا بدعوتنا إلى إدراك أبعاد عملية البلاغ، وامتلاك وسائلها، وتحصيل الحكمة في ممارستها إنما ندعو إلى إيثار الراحة وركوب المركب الهين السهل، والهروب من تكاليف الدعوة إلى الله ومسؤولياتها وما يمكن أن يترتب عليها من تضحيات، أو يعتبر ذلك رد فعل لواقع معين أو لاجتهاد معين، ولا يستطيع أن يتجاوز فهمه هو للإسلام الذي اختاره وانتهى إليه حتى أصبح المقياس الذي تقاس به فهوم الناس جميعاً والحقيقة التي يجب أن تكون واضحة ابتداء: أن عملية البلاغ هي مهمة الأنبياء، من لدن آدم إلى محمد عليه الصلاة والسلام، وأن التضحيات والمسؤوليات التي تحملها الأنبياء ومن يسيرون على طريقهم نتيجة لذلك دليل على أنه الطريق الصحيح والمركب المأمون إلى الآخرة.. وأن الهروب منها أو العدول عنها وعدم القدرة على الصبر عليها بدعوى اختصار الطريق، أو تسريع السير، أو الحصول على وفرة في النتائج هو في حقيقته: العدول عن الطريق الصحيح والقفز من فوق سنن الله، وعدم القدرة على التعامل معها، وعدم الطاقة على الالتزام بها، والهروب منها والانخداع بالفجر الكاذب..

إن قضية الإيمان بالله ونبذ العبوديات، ومن ثم القيام بعملية البلاغ المبين قد تكلف صاحبها حياته، بسبب من شراسة الذين استحوذ عليهم الشيطان فأضل أعمالهم فينقموا من المؤمن الداعي إلى الله لا لشيء وإنما لإيمانه، قال تعالى: (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) (البروج:8)، (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلاّ أن يقولوا ربنا الله ) ( الحج:40).

قال صلى الله عليه وسلم: (إن من أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ) وقال: (سيد الشهداء حمزة ثم رجل قام إلى إمام ظالم فأمره ونهاه فقتله ) أمره ونهاه: بلّغه الحق ونهاه عن الباطل، قام بعملية البلاغ التي كلفه الله بها ولم يتجاوزها فكان مصيره القتل..

الإعلام من أقوى الأسلحة المعاصرة

إن عملية البلاغ والقيام بمهمة الأنبياء ليست من السهولة بالقدر الذي يتراءى لبعض الناس، خاصة في هذا الوقت الذي أصبح فيه الإعلام أقوى الأسلحة التي تمتلكها الدول وتحرص عليها وتتسابق في ميدانها، والتي يمكن أن تكون أشد فتكاً من أسلحة الدمار والتدمير كافة، ذلك أن الإعلام لم يكتف بعمليات التضليل وقلب الحقائق إلى أباطيل وإنما تجاوز ذلك إلى مرحلة زرع الاهتمامات وإعادة صياغة الإنسان.

لقد أًصبح فناً خطيراً، وظَّف الكثير من العلوم لخدمته، سواء في ذلك العلوم والدراسات الإنسانية كعلم النفس وعلم الاجتماع أو العلوم والدراسات التجريبية ، حيث أصبحت التكنولوجيا كلها في خدمته تقريباً.. ونحن لا نزال نرى عملية البلاغ المبين بوسائلها البسيطة والساذجة، وأنها من الأمور السهلة التي لا يميل إليها إلاّ من يؤثرون الراحة ويفرون من المسؤولية والتضحية.. وقد يفهمها بعض المسلمين فهماً ساذجاً بسيطاً لا تزيد أبعاده عن ارتداء لباس معين، والخروج والنوم في العراء، في هذا العصر الإعلامي المعقد!!

فإذا عرفنا أن علم النفس وعلم الاجتماع وغيرهما من العلوم جاءت تاريخياً ثمرة لعمليات التنصير، حيث كان لا بد للمنصّرين من المعرفة المسبقة بعادات ونفسيات الأمم التي يمارسون عليها التنصير، وعرفنا الخلفية الحقيقية لعمليات الاستشراق التي كانت تدرس مكونات الشعوب وثقافتها وعقائدها وتراثها ومسارها الحضاري، ذلك أن المستشرقين ينتجون المواد والمنصَّرون يُسوِّقونها ويمارسون عملهم على أساسها، وحسبنا أن نقول: إن كثيراً من دراساتهم لا تزال إلى الآن مرجعاً لكثير من باحثينا لفقر المكتبة الإسلامية إلى أبحاث ناضجة في هذا المجال، ومع ذلك لا نزال نعتقد أن عملية البلاغ التي ابتعث من أجلها الرسل عليهم الصلاة والسلام عملية بسيطة.. وكثير منا لا يقدر عليها ويحاول القفز من فوق السنن، ويظن أن عملية التغلب على الخصم إنما تتم بشدخ رأسه والقضاء عليه، بينما النبوة والدنيا من حولنا تمارس تغييره من الداخل..

أين يمكننا أن نصنف صورة وواقع عملية البلاغ اليوم التي ابتعث من أجلها الرسل، وأنيطت بمن يسيرون على دربهم من المسلمين، من صورة الإعلام العالمي بكل طاغوته وطغيانه والمراحل التي قطعها صوب الإنسان حتى أوقعه في أسره، والوسائل المتخلفة التي نمارسها نحن المسلمين، ويحلو لبعضنا أن يطلق عليها تسمية ( الإعلام الإسلامي ) وكأن هذه الصور الهزيلة والبدائية المتخلفة هي الإعلام الإسلامي والبلاغ المبين التي أرادها الله للسائرين على طريقه!! وقد تكون الخطوة كبيرة والآثار خطيرة أن نأتي لصور من تخلَّفنا ونفضِّل عليها أثواباً ونرفع فوقها عناوين وشعارات لتصبح هي الإسلام!!

والحقيقة أننا لا نزال دون سوية خطاب التكليف في قضية البلاغ المبين التي مضى على التكليف بها أربعة عشرة قرناً، وتخلفنا فيها لا يغتفر، وأن الكثير منا عدل عنها، أو هوّن من شأنها ظناً منه بإمكانه القفز من فوقها..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 06:02 PM
حسن اختيار الوسيلة

ما هي وسيلة الدعوة (التي هي أحسن ) والتي تعبدنا الله تعالى بالاستمساك بها لتؤدي عملية البلاغ المبين آثارها التغييرية، قال تعالى:

( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) (فصلت: 34)، إنه بحسن اختيارنا للوسيلة المناسبة، وحسن استعمالنا لها نغيره من الداخل، فبعد أن كان عدواً لدوداً فإذا به صديق مناصر ودود.. إنه التغيير من الداخل الذي يمارسه الإعلام علينا صباح مساء، فيرسم في أذهاننا الصورة التي يختارها، ويصنع لنا الاهتمامات التي يريدها، ويأخذنا إلى المواقع التي يحددها، ونسلب كل قدرة على المواجهة بالمثل إلاّ قدرة التبعية والتلقي..

لقد شوّه الإعلام صورة المسلم اليوم، وشكك بدعوة المسلم اليوم، واستطاع أن يلتقط من واقع المسلمين صوراً مشوهة قدمها على أنها هي الإسلام، وأن هؤلاء هم دعاة الإسلام ليخدم أغراضة ويدلل عليها.. أليس من العجيب، بعد أربعة عشر قرناً، أن تكون وكالات الأنباء العالمية التي أصبحت تمتلك الاختصاص في صياغة الخبر وأدائه، وتأخذ برقاب العباد وتتصرف بمقدراتهم، جميعاً صهيونية أو صليبية، أو شيوعية، وليس للإسلام والمسلمون فيها نصيب ؟!

ونحن إزاء ذلك مصابون بالعجز، ليس عن إبلاغ دعوتنا ونشرها وإيصالها للناس، وقد تجاوز العجز ذلك إلى عدم القدرة على تقديم الحماية لصورتنا الإسلامية الصحيحة.. ولا يعوزنا المال في العالم الإسلامي ولكننا بحاجة إلى الإنسان المستشعر للمسؤولية.

أين هي الحكمة التي افتقدناها في عملية البلاغ والدعوة التي أمرنا الله بها بقوله( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) (النحل: 125) ؟

أين هي الحكمة ضالة المؤمن وهاجسه الدائم ليكون في مستوى إسلامه وعصره، والتي قرنها تعالى بالكتاب ـ القرآن ـ لضرورتها وأهميتها ؟! فإذا افتقدناها فقد أقمنا الجدران النفسية بين الناس وبين الكتاب، قال تعالى: (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) (النساء:113)، حتى إن بعض المفسرين يرى أن الحكمة تعني السنة، وقد يكون الحق في هذا ولا ضير، فمن أقدر من الرسول القدوة صلى الله عليه وسلم على وضع الأمور بمواضعها، ووزنها بموازينها، وهو المسدد من ربه (ومن يُؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيرا ً) (البقرة:269).

والحكمة أهلية رفيعة المستوى، ومنحة من الله لأهل التقوى من خاصة خلقه، يمكن أن تتحقق بالاكتساب من النظر والتدبر في كتاب الله تعالى والالتزام بسنة رسوله وطريقته في البيان، إنه الرسول الذي أمر أن يخاطب الناس على قدر عقولهم، وأخذ الناس بأحكام التشريع شيئاً فشيئاً، حتى إن القرآن الكريم استمر نزوله ثلاثة وعشرين عاماً، ولا يخفى ما في هذا التدرج من الجوانب التربوية، ومكث الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى الله ويبلغ الناس أمر ربه، ويسلك لذلك كل مسلك حتى تستبين صورة الإسلام والدعوة الجديدة، وكان في مكة يومها (360 ) صنماً تقريباً تعبد من دون الله، وتملأ على الناس حياتهم ودروبهم، وما كان شيء أبغض للرسول صلى الله عليه وسلم من اللات والعزى، ومع ذلك لم يتعرض لهذه الأصنام طليلة فترة الدعوة في مكة، إلا أنه بعد مرحلة الدولة ـ بعد فتح مكة ـ لم يقبل بها لحظة واحدة، بل كان أول عمل قام به: كنس الأصنام من البيت الحرام..

إنها الحكمة في عملية إبلاغ دعوة الله تعالى والأخذ بيد الناس إلى الخير، فهو الرحمة المهداة، انظر الحكمة في قوله لعائشة رضي الله عنها: ( لولا أن قومك حديثو عهد بالإسلام لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم عليه السلام ) !!

الإرهاب الفكري والتغيير

إن عمليات التغيير لا يمكن أن تتم بجو يسوده الإرهاب الفكري والتعصب الديني، وتسرب علل الأديان السابقة إلى الإسلام والمسلمين، وقد بين الله ذلك لرسوله المعصوم ليكون تحذيراً للمسلمين بقوله: (فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر )

(الغاشية: 21 ـ22 )، وقوله: (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (يونس:99)،

وقوله: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) (ق:45 )، وقوله تعالى للمؤمنين:

(يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضَلَّ إذا اهتديتم ) (المائدة: 105) طبعاً بعد القيام بعملية البلاغ كما يفيد سبب النزول، وكما بين أبوبكر الصديق رضي الله تعالى عنه..

من هنا كان الصحابة رضوان الله عليهم ثمرات لهذه الحكمة، يقول علي رضي الله عنه: (خاطبوا الناس على قدر عقولهم، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله ؟! ) ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه بعد أن أطال الصلاة: (أفتَّان أنت يا معاذ ؟! ).

فالإسلام دين الفطرة، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولذلك شرعت الرخصة في السفر والمرض.. إن العقيدة مقرها القلب، ولا سلطان لأحد عليه إلا سلطان الحق والدليل، والإحسان الذي كتبه الله في كل شيء، وحسن التعامل معه.. فلا مجال في الإسلام لصور الإرهاب الديني والفكري التي مارسها أصحاب الأديان السابقة، والتي يمارسها بعض الناس باسم الإسلام.

وقد يكون من صور الفشل في عملية البلاغ المبين بدؤها ببيان صورة الإسلام العقابي، والذي نريد له أن يكون واضحاً أن العقوبات في الإسلام لا تقيم مجتمعاً إسلامياً وإنما تحمي المجتمع الإسلامي من الشذوذ والانحراف، والحروب في الإسلام لا تقيم دولة إسلامية، وإنما تحمي الحدود من الاعتداء، وتزيح الطواغيت من طريق عملية البلاغ المبين، وتهيئ المناخ السليم لانتشار الدعوة وإبلاغها إلى الناس..

محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 06:03 PM
تحديد الموقع الفاعل
إن لجوء المعلم في العملية التربوية لسلم العقوبات ـ مع تناسي أن العملية التعليمية والتربوية قائمة على الحوافز والمكافآت، وأن مشروعية العقوبات إنما تكون لحماية العملية التربوية التعليمية ـ عجز وفشل تربوي وعدم إدراك لأصل المهمة.. لذلك لا بد من تغيير صورة المسلم الداعية التي رسمها أعداء الإسلام في أذهان الناس على شكل معين، ذلك أن التضليل الإعلامي ترك الناس ضحايا القلق مما يعرفون عن الإسلام والمسلمين، وما يقدم لهم من صور ساهمنا بتقديمها لخصومنا، كما أسلفنا ـ وقد يكون ذلك عن إخلاص وحسن نية، بعيداً عن الإدراك والصواب.

والحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها أن الخطأ القاتل الذي ابتلينا به في هذا العصر هو العجز عن التحديد بدقة لموقع العمل الإسلامي والدعوة إلى الله الذي يمكننا معه أن نمتلك الفاعلية والتأثير، والخلط المخزن بين الأمنيات والإمكانات من خلال صورة المجتمع، وذلك لانعدام الرؤية الدقيقة لسلم المشكلات والاستسلام لأحلام اليقظة.. إن إعادة النظر من حين لآخر بسلم المشكلات وإعادة تصنيف هذه المشكلات وترتيب الأولويات حماية للجهد، واغتنام لفرصة العمر وتوفر الطاقات، والموازنة الدقيقة بين الحاجات والإمكانات، وإعادة النظر بالموقع الذي يمكن أن يكون فيه الفرد المسلم والعاملون للإسلام، وإعادة النظر أيضاً بوسائل الدعوة وتطويرها حسب حاجات العصر، ومن خلال مشكلاته، وعدم القفز من فوق السنن والنكوص في عملية البلاغ، وإهمال شرائط النهوض بها ووسائل الإبانة عنها التي هي وظيفة المسلم الرئيسة، وقضيته المحورية، والتقدم في قضية الدعوة (البلاغ المبين ) واكتشاف المنابر المؤثرة والمواقع الجديدة التي أخذت مكاناً في ال