محمد مصطفى محمود
10-06-2005, 04:20 PM
هل تصبح المهنة معاناة نفسية لصاحبها؟
من المؤكد أن المهنة التي يمارسها الإنسان تؤثر في شخصيته وأساليبه وتفكيره، وأيضًا في أمراضه واضطراباته..الجسدية منها والنفسية.
ومن المعروف أن هناك أمراضًا مهنية يتعرض لها الأشخاص الذين يمارسون مهنة معينة بنسب تفوق معدلات هذه الأعراض عند عموم الناس. حيث يتعرض مثلاً العاملون في المواد الكيميائية وعمال المناجم لأمراض صدرية انسدادية وسرطانية واعتلالات في الكلية والدم وغيرها، وذلك بسبب الغازات والغبار اللذين يتعرضون لهما في أثناء عملهم، كما يتعرض العاملون في تربية المواشي ونقلها وذبحها لعدد من الالتهابات الخاصة بسبب انتقال العدوى لهم من الحيوانات، مثل مرض الحمى المالطية (Brucellosis) وغيرها.
ü الغموض لا يزال يكتنف الكثير من أسباب الاضطرابات النفسية
ü الكثير من المهن تتطلب حدًا أدنى من الصحة الجسدية واللياقة النفسية لأدائها بشكل سليم
ü دراسات تؤكد انتشار مرض الفصام بنسب كبيرة بين أصحاب المهن المتدنية الدخل
الحقيقة أن معدل إصابة الإنسان بمختلف الأمراض الجسمية والنفسية له ارتباطات بعدد من العوامل العامة: كالعضوية والعمر والجنس والعرق والوراثة وأيضًا البيئة الطبيعية التي يعيش فيها (ريف ـ مدينة ـ جبال ـ ساحل ـ صحراء ) والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها ( طبقة ـ مهنة ـ دين ـ عادات وتقاليد ـ ثقافة) والتكوين النفسي والتربوي الشخصي الذي يتميز به.
وفي الممارسة الطبية اليومية نجد أنه من الضروري الإلمام بالمعلومات الخاصة بالمريض، وهو ما يساهم في تفهم الحالة المرضية بشكل ناجح ويساعد في وضع التشخيص الصحيح السريع. مثلاً يمكن للطبيب أن يصل إلى التشخيص بسرعة أكبر في حالة فحصه لمريض يشتكي من أعراض التهابية شديدة إذا سأل عن مهنة المريض، حيث يتوجه الطبيب في تشخيصه إلى أمراض معينة تصيب الإنسان ناتجة من عدوى من خلال عمل المريض في تربية المواشي.
الاضطرابات النفسية
وفي ميدان الأمراض والاضطرابات النفسية المتنوعة ومدى علاقتها بالمهنة نجد أن هناك عددًا من الملاحظات العامة في الدراسات الغربية حول ذلك. ويمكننا القول أن هناك اختلافًا واضحًا في ميدان الطب النفسي عن ميادين الطب الأخرى في موضوع الأسباب المرضية وتحديدها.
ولا يزال الغموض يكتنف كثيرًا من أسباب الاضطرابات النفسية، وإن كانت النظرة العامة المتوازنة تؤكد وجود عوامل عضوية ونفسية واجتماعية (Biopsychosocical Theory ) في ظهور الاضطرابات النفسية وتطورها. وفي بعض الاضطرابات تؤدي العوامل العضوية الكيميائية والوراثية دورًا حاسمًا، وفي بعضها الآخر تبرز أهمية الأسباب النفسية والاجتماعية في ظهور المرض أو في شدته واستمراريته.
ومما لا شك فيه أن مثل هذه الدراسات تواجهها صعوبات كبيرة بعضها يعود إلى صعوبات نظرية وعلمية وبعضها يعود إلى صراعات اقتصادية واجتماعية تتعلق بتركيبة المجتمع وفئاته ومصالحه المتناقضة.
وأيضًا فإن «الوصمة السلبية» «Stigma» المرتبطة بالاضطرابات النفسية والتي لاتزال واسعة الانتشار في معظم المجتمعات تساهم في صعوبة إجراء الدراسات على (أصحاب مهنة معينة) ومعرفة مدى (صحتهم النفسية واضطرابهم) حيث يشترط في ممارسة معظم المهن بشكل صريح أو ضمني خلو المتقدم للمهنة من أي سجل (لأي اضطراب نفسي) بما لا يتناسب مع الحياة الواقعية وانتشار الاضطرابات النفسية بمختلف أنواعها ودرجاتها.
وبالطبع فإن العديد من المهن يتطلب توفر حد أدنى من الصحة الجسمية، كما أن اللياقة الصحية النفسية تؤدي دورًا حاسمًا في أداء بعض المهن. ولكن المشكلة تكمن في الحساسية السلبية لكل ما هو (نفسي) وفي التعميمات الخاطئة والمبالغات غير الواقعية، وأيضًا في تعريف مفهوم اللياقة الصحية ومدى نسبيتها.
الدراسات تؤكد
وقد دلت الدراسات على أن (مرض الفصام) (Schizophrenia) ينتشر بنسبة أكبر في (الطبقات الاجتماعية المتدنية) وبالتالي في مهن خاصة وأعمال ذات مردود مالي أقل مقارنة بين المرضى وآبائهم. ولايعني ذلك أن الفقر يسبب الفصام بل لأن المرض نفسي يؤدي إلى تدهور الشخصية وقدراتها وطموحها وهو ما يجعل المرضى المصابين يتدهورون في السلم الاجتماعي والمهني.
ولكن من جهة أخرى، يمكن للأزمات الحياتية المتنوعة (Life events) ومنها الفقر والبطالة والخسائر المادية أن تساهم في ظهور الفصام عند من يحمل استعدادات عضوية أو كيماوية أو وراثية، أو أن تساهم في انتكاسة المرض أو إزمانه.
وينتشر اضطراب (الهوس الاكتئابي الدوري) (Manic depressive Disorder) في (الطبقات الاجتماعية العليا) مثل التجار ورجال الأعمال وغيرهما وربما يكون ذلك بسبب ازدياد النشاط والتفاؤل والطموح وروح المغامرة والثقة بالنفس والسلوك الاجتماعي الواسع، الذي يميز بعض مراحل هذا الاضطراب ولاسيما الدرجات الخفيفة منه.
ويرتبط الانتحار (Suicide) بالطبقات الاجتماعية المتدنية بنسب مشابهة للطبقات الاجتماعية العليا، كما أنه يقل في الطبقات الاجتماعية المتوسطة، ويتبين ذلك من خلال (المهن الموازية لهذه الطبقات).
ولقد وجد أنه في (المهن الطبية) يزداد (عدم التوافق الزوجي) و(الطلاق) وتبلغ نسبة الانتحار أعلاها لدى الأطباء اختصاصيي التخدير ثم يليهم أطباء العيون ثم الأطباء النفسيون، وفقًا لبعض الدراسات. وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها أنه ربما يكون للنصيب الأقل الذي يحظى به طبيب التخدير مقارنة مع الطبيب الجراح من حيث التقدير بمختلف أشكاله في العمليات الجراحية الناجحة إضافة إلى تحمله العبء الأكبر في حالات العمليات الفاشلة، دور في ذلك.
اكتئاب أدبي
وفي (المهن الأدبية الإبداعية) تزداد نسبة (الاضطرابات الاكتئابية) (Depression) بشكل واضح مقارنة مع مجموع الناس. وتشمل هذه المهن كتاب الرواية والقصة والمسرح وكتاب النثر والشعراء. بينما تتقارب نسبة النوبات الاكتئابية الشديدة لدى العلماء والسياسيين والمؤلفين الموسيقيين والرساميين من النسب العامة للاكتئاب في المجتمع.
وتتعد تفسيرات ذلك، ومنها طبيعة العمل الإبداعي الأدبي نفسه من حيث الحساسية الخاصة التي يمتلكها الكتاب لأشكال المعاناة المختلفة وتوحدهم (Identification) مع شخصيات أعمالهم، وأيضًا تعرضهم لأنواع الإحباط المختلفة، والاستعداد الشخصي وغير ذلك.
وفي عدد من الدراسات على (ربات البيوت) (House wives) تبين أن الاكتئاب يزداد لديهن مقارنة مع النساء العاملات في مهن و أعمال أخرى.
وتزداد (الاضطرابات التحويلية الهسيتريائية) (Conversion ) والاضطرابات التجسيمية (الشكاوى الجسمية المتعددة نفسية المنشأ) لدى الأشخاص ذوي الثقافة التعليمية المتدنية وبالتالي في المهن والأعمال الموازية لذلك.
ويندر الاضطراب الوسواسي القهري (Obssessive compulsive disorder) في المهن الأدبية الإبداعية. وربما يزداد في المهن الدينية. ويزداد الاضطراب الهذياني (الشك ـ الزور) (Delusional Disorder) لدى (أسرى الحرب) وفي (السجون) ولاسيما في حالات السجن الانفرادي، وغير ذلك.
وفي مجموعة أخرى من الاضطرابات النفسية التي تسمى (اضطرابات التكيف) ( Adjustment disorder) والتي تأخذ أشكالاً من القلق والاكتئاب، الأعراض الجسمية والسلوكية والأشكال المختلطة بينها، نجد أن هذه الاضطرابات هي بالتعريف ناتجة من سوء في التكيف لظروف معينة تتميز بالتوتر والشدة لكن في (حدود متوسطة) وليست استثنائية أو نادرة مثل الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.
ومن الناحية العيادية نجد أن مثل هذه الاضطرابات يطلق على الشكاوى التي يبديها الأشخاص في ظـروف مهنية صعبة، أو عند البدء في عمل ما، أو الانتقال إلى ظروف جديدة في مجال المهن أو غيره في العلاقات الزوجية أو الشخصية أو المهنية. من المفهوم والواضح أنه كلما زادت صعوبات المهنة وظروفها القاسية زادت هذه الاضطرابات النفسية انتشارًا.
التعلم يحسن من المزاج النفسي
البروفيسور (جون باينر) مدير مركز الأبحاث في معهد التعليم البريطاني ـ وهو من المؤسسات التربوية العريقة في بريطانيا ـ يرى أن المنافع الاقتصادية الضيقة تهيمن منذ زمن طويل على التعليم، لذلك فإن إهمال الحكومات للمنافع الأخرى الواسعة للتعليم ليس مضرًا بالفرد وحسب، وإنما بالمجتمع كله كما أثبته هذا البحث الصادر عن المعهد. ففي الوقت الذي يعرف أكثر الناس أن التحصيل العلمي يجلب معه عادة المناصب العليا والرواتب العالية، فإن الدراسة التي قام بها معهد التعليم في بريطانيا تشير إلى أن التأثيرات العاطفية والنفسية والجسدية للتعليم تحمل قدرًا مماثلاً من الأهمية، ويقول الباحثون: إن التعليم يساعد الأفراد على إدارة حياتهم بشكل أفضل، كما يساعد على التغلب على المشكلات التي تعترضها مثل البطالة والطلاق ووفاة الأقرباء والأصدقاء.
كشف البحث عن أن المتعلمين يتمتعون بصحة جيدة، وأنهم أحسنوا استخدام الخدمات الطبية الوقائية بشكل أفضل والتزموا بالقيود الغذائية التي تفرضها المتطلبات الصحية فضلاً عن أنهم يعاملون معاملة أفضل من قبل الأطباء مقارنة بالأشخاص غير المتعلمين، أو الذين يحملون مؤهلات علمية أدنى، ومن ناحية أخرى فإنه كلما كان تحصيل المسنين العلمي في الماضي والحاضر أعلى أصبح استعدادهم للتدهور العقلي أقل. ورغم أن المتعلمين يؤخرون الزواج وإنجاب الأطفال عادة، لكن ذلك لا يعدّ من مزايا التعليم كما ذكر البحث بدليل أنه أشار إلى أن بعض النساء بقين دون أطفال، أو أنهن خاطرن بالحمل المتأخر الذي شكل مخاطرة صحية للأم أو للطفل.
ويقول البروفيسور (باينر) من المهم جدًا تشجيع كل أفراد المجتمع على التعلم لأن هناك الكثير من المنافع الإضافية غير الاقتصادية التي يحصل عليها المتعلم، ومن الضروري إزالة كل العقبات التي أعاقت نجاح الناس في الدراسة سابقًا والاهتمام بتوفير الفرص التعليمية للناس وجعلها أكثر توفرًا، وأكثر سهولة وقربًا إليهم.
ويختم البروفيسور (باينر) بأن من الضروري تحديد بعض العوامل التي تكمن وراء نتائج البحث، ويستدرك بأنه ما من أحد يعلم ما هي علاقة الصحة العقلية بالمؤهلات العلمية؟
المصدر :- أضغط هنا (http://www.sfh.med.sa/Magazine/magazine91/080.htm)
لا تنسونا من الدعاء
محمد مصطفى محمود
من المؤكد أن المهنة التي يمارسها الإنسان تؤثر في شخصيته وأساليبه وتفكيره، وأيضًا في أمراضه واضطراباته..الجسدية منها والنفسية.
ومن المعروف أن هناك أمراضًا مهنية يتعرض لها الأشخاص الذين يمارسون مهنة معينة بنسب تفوق معدلات هذه الأعراض عند عموم الناس. حيث يتعرض مثلاً العاملون في المواد الكيميائية وعمال المناجم لأمراض صدرية انسدادية وسرطانية واعتلالات في الكلية والدم وغيرها، وذلك بسبب الغازات والغبار اللذين يتعرضون لهما في أثناء عملهم، كما يتعرض العاملون في تربية المواشي ونقلها وذبحها لعدد من الالتهابات الخاصة بسبب انتقال العدوى لهم من الحيوانات، مثل مرض الحمى المالطية (Brucellosis) وغيرها.
ü الغموض لا يزال يكتنف الكثير من أسباب الاضطرابات النفسية
ü الكثير من المهن تتطلب حدًا أدنى من الصحة الجسدية واللياقة النفسية لأدائها بشكل سليم
ü دراسات تؤكد انتشار مرض الفصام بنسب كبيرة بين أصحاب المهن المتدنية الدخل
الحقيقة أن معدل إصابة الإنسان بمختلف الأمراض الجسمية والنفسية له ارتباطات بعدد من العوامل العامة: كالعضوية والعمر والجنس والعرق والوراثة وأيضًا البيئة الطبيعية التي يعيش فيها (ريف ـ مدينة ـ جبال ـ ساحل ـ صحراء ) والبيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها ( طبقة ـ مهنة ـ دين ـ عادات وتقاليد ـ ثقافة) والتكوين النفسي والتربوي الشخصي الذي يتميز به.
وفي الممارسة الطبية اليومية نجد أنه من الضروري الإلمام بالمعلومات الخاصة بالمريض، وهو ما يساهم في تفهم الحالة المرضية بشكل ناجح ويساعد في وضع التشخيص الصحيح السريع. مثلاً يمكن للطبيب أن يصل إلى التشخيص بسرعة أكبر في حالة فحصه لمريض يشتكي من أعراض التهابية شديدة إذا سأل عن مهنة المريض، حيث يتوجه الطبيب في تشخيصه إلى أمراض معينة تصيب الإنسان ناتجة من عدوى من خلال عمل المريض في تربية المواشي.
الاضطرابات النفسية
وفي ميدان الأمراض والاضطرابات النفسية المتنوعة ومدى علاقتها بالمهنة نجد أن هناك عددًا من الملاحظات العامة في الدراسات الغربية حول ذلك. ويمكننا القول أن هناك اختلافًا واضحًا في ميدان الطب النفسي عن ميادين الطب الأخرى في موضوع الأسباب المرضية وتحديدها.
ولا يزال الغموض يكتنف كثيرًا من أسباب الاضطرابات النفسية، وإن كانت النظرة العامة المتوازنة تؤكد وجود عوامل عضوية ونفسية واجتماعية (Biopsychosocical Theory ) في ظهور الاضطرابات النفسية وتطورها. وفي بعض الاضطرابات تؤدي العوامل العضوية الكيميائية والوراثية دورًا حاسمًا، وفي بعضها الآخر تبرز أهمية الأسباب النفسية والاجتماعية في ظهور المرض أو في شدته واستمراريته.
ومما لا شك فيه أن مثل هذه الدراسات تواجهها صعوبات كبيرة بعضها يعود إلى صعوبات نظرية وعلمية وبعضها يعود إلى صراعات اقتصادية واجتماعية تتعلق بتركيبة المجتمع وفئاته ومصالحه المتناقضة.
وأيضًا فإن «الوصمة السلبية» «Stigma» المرتبطة بالاضطرابات النفسية والتي لاتزال واسعة الانتشار في معظم المجتمعات تساهم في صعوبة إجراء الدراسات على (أصحاب مهنة معينة) ومعرفة مدى (صحتهم النفسية واضطرابهم) حيث يشترط في ممارسة معظم المهن بشكل صريح أو ضمني خلو المتقدم للمهنة من أي سجل (لأي اضطراب نفسي) بما لا يتناسب مع الحياة الواقعية وانتشار الاضطرابات النفسية بمختلف أنواعها ودرجاتها.
وبالطبع فإن العديد من المهن يتطلب توفر حد أدنى من الصحة الجسمية، كما أن اللياقة الصحية النفسية تؤدي دورًا حاسمًا في أداء بعض المهن. ولكن المشكلة تكمن في الحساسية السلبية لكل ما هو (نفسي) وفي التعميمات الخاطئة والمبالغات غير الواقعية، وأيضًا في تعريف مفهوم اللياقة الصحية ومدى نسبيتها.
الدراسات تؤكد
وقد دلت الدراسات على أن (مرض الفصام) (Schizophrenia) ينتشر بنسبة أكبر في (الطبقات الاجتماعية المتدنية) وبالتالي في مهن خاصة وأعمال ذات مردود مالي أقل مقارنة بين المرضى وآبائهم. ولايعني ذلك أن الفقر يسبب الفصام بل لأن المرض نفسي يؤدي إلى تدهور الشخصية وقدراتها وطموحها وهو ما يجعل المرضى المصابين يتدهورون في السلم الاجتماعي والمهني.
ولكن من جهة أخرى، يمكن للأزمات الحياتية المتنوعة (Life events) ومنها الفقر والبطالة والخسائر المادية أن تساهم في ظهور الفصام عند من يحمل استعدادات عضوية أو كيماوية أو وراثية، أو أن تساهم في انتكاسة المرض أو إزمانه.
وينتشر اضطراب (الهوس الاكتئابي الدوري) (Manic depressive Disorder) في (الطبقات الاجتماعية العليا) مثل التجار ورجال الأعمال وغيرهما وربما يكون ذلك بسبب ازدياد النشاط والتفاؤل والطموح وروح المغامرة والثقة بالنفس والسلوك الاجتماعي الواسع، الذي يميز بعض مراحل هذا الاضطراب ولاسيما الدرجات الخفيفة منه.
ويرتبط الانتحار (Suicide) بالطبقات الاجتماعية المتدنية بنسب مشابهة للطبقات الاجتماعية العليا، كما أنه يقل في الطبقات الاجتماعية المتوسطة، ويتبين ذلك من خلال (المهن الموازية لهذه الطبقات).
ولقد وجد أنه في (المهن الطبية) يزداد (عدم التوافق الزوجي) و(الطلاق) وتبلغ نسبة الانتحار أعلاها لدى الأطباء اختصاصيي التخدير ثم يليهم أطباء العيون ثم الأطباء النفسيون، وفقًا لبعض الدراسات. وتتعدد تفسيرات ذلك ومنها أنه ربما يكون للنصيب الأقل الذي يحظى به طبيب التخدير مقارنة مع الطبيب الجراح من حيث التقدير بمختلف أشكاله في العمليات الجراحية الناجحة إضافة إلى تحمله العبء الأكبر في حالات العمليات الفاشلة، دور في ذلك.
اكتئاب أدبي
وفي (المهن الأدبية الإبداعية) تزداد نسبة (الاضطرابات الاكتئابية) (Depression) بشكل واضح مقارنة مع مجموع الناس. وتشمل هذه المهن كتاب الرواية والقصة والمسرح وكتاب النثر والشعراء. بينما تتقارب نسبة النوبات الاكتئابية الشديدة لدى العلماء والسياسيين والمؤلفين الموسيقيين والرساميين من النسب العامة للاكتئاب في المجتمع.
وتتعد تفسيرات ذلك، ومنها طبيعة العمل الإبداعي الأدبي نفسه من حيث الحساسية الخاصة التي يمتلكها الكتاب لأشكال المعاناة المختلفة وتوحدهم (Identification) مع شخصيات أعمالهم، وأيضًا تعرضهم لأنواع الإحباط المختلفة، والاستعداد الشخصي وغير ذلك.
وفي عدد من الدراسات على (ربات البيوت) (House wives) تبين أن الاكتئاب يزداد لديهن مقارنة مع النساء العاملات في مهن و أعمال أخرى.
وتزداد (الاضطرابات التحويلية الهسيتريائية) (Conversion ) والاضطرابات التجسيمية (الشكاوى الجسمية المتعددة نفسية المنشأ) لدى الأشخاص ذوي الثقافة التعليمية المتدنية وبالتالي في المهن والأعمال الموازية لذلك.
ويندر الاضطراب الوسواسي القهري (Obssessive compulsive disorder) في المهن الأدبية الإبداعية. وربما يزداد في المهن الدينية. ويزداد الاضطراب الهذياني (الشك ـ الزور) (Delusional Disorder) لدى (أسرى الحرب) وفي (السجون) ولاسيما في حالات السجن الانفرادي، وغير ذلك.
وفي مجموعة أخرى من الاضطرابات النفسية التي تسمى (اضطرابات التكيف) ( Adjustment disorder) والتي تأخذ أشكالاً من القلق والاكتئاب، الأعراض الجسمية والسلوكية والأشكال المختلطة بينها، نجد أن هذه الاضطرابات هي بالتعريف ناتجة من سوء في التكيف لظروف معينة تتميز بالتوتر والشدة لكن في (حدود متوسطة) وليست استثنائية أو نادرة مثل الحروب والكوارث الطبيعية وغيرها.
ومن الناحية العيادية نجد أن مثل هذه الاضطرابات يطلق على الشكاوى التي يبديها الأشخاص في ظـروف مهنية صعبة، أو عند البدء في عمل ما، أو الانتقال إلى ظروف جديدة في مجال المهن أو غيره في العلاقات الزوجية أو الشخصية أو المهنية. من المفهوم والواضح أنه كلما زادت صعوبات المهنة وظروفها القاسية زادت هذه الاضطرابات النفسية انتشارًا.
التعلم يحسن من المزاج النفسي
البروفيسور (جون باينر) مدير مركز الأبحاث في معهد التعليم البريطاني ـ وهو من المؤسسات التربوية العريقة في بريطانيا ـ يرى أن المنافع الاقتصادية الضيقة تهيمن منذ زمن طويل على التعليم، لذلك فإن إهمال الحكومات للمنافع الأخرى الواسعة للتعليم ليس مضرًا بالفرد وحسب، وإنما بالمجتمع كله كما أثبته هذا البحث الصادر عن المعهد. ففي الوقت الذي يعرف أكثر الناس أن التحصيل العلمي يجلب معه عادة المناصب العليا والرواتب العالية، فإن الدراسة التي قام بها معهد التعليم في بريطانيا تشير إلى أن التأثيرات العاطفية والنفسية والجسدية للتعليم تحمل قدرًا مماثلاً من الأهمية، ويقول الباحثون: إن التعليم يساعد الأفراد على إدارة حياتهم بشكل أفضل، كما يساعد على التغلب على المشكلات التي تعترضها مثل البطالة والطلاق ووفاة الأقرباء والأصدقاء.
كشف البحث عن أن المتعلمين يتمتعون بصحة جيدة، وأنهم أحسنوا استخدام الخدمات الطبية الوقائية بشكل أفضل والتزموا بالقيود الغذائية التي تفرضها المتطلبات الصحية فضلاً عن أنهم يعاملون معاملة أفضل من قبل الأطباء مقارنة بالأشخاص غير المتعلمين، أو الذين يحملون مؤهلات علمية أدنى، ومن ناحية أخرى فإنه كلما كان تحصيل المسنين العلمي في الماضي والحاضر أعلى أصبح استعدادهم للتدهور العقلي أقل. ورغم أن المتعلمين يؤخرون الزواج وإنجاب الأطفال عادة، لكن ذلك لا يعدّ من مزايا التعليم كما ذكر البحث بدليل أنه أشار إلى أن بعض النساء بقين دون أطفال، أو أنهن خاطرن بالحمل المتأخر الذي شكل مخاطرة صحية للأم أو للطفل.
ويقول البروفيسور (باينر) من المهم جدًا تشجيع كل أفراد المجتمع على التعلم لأن هناك الكثير من المنافع الإضافية غير الاقتصادية التي يحصل عليها المتعلم، ومن الضروري إزالة كل العقبات التي أعاقت نجاح الناس في الدراسة سابقًا والاهتمام بتوفير الفرص التعليمية للناس وجعلها أكثر توفرًا، وأكثر سهولة وقربًا إليهم.
ويختم البروفيسور (باينر) بأن من الضروري تحديد بعض العوامل التي تكمن وراء نتائج البحث، ويستدرك بأنه ما من أحد يعلم ما هي علاقة الصحة العقلية بالمؤهلات العلمية؟
المصدر :- أضغط هنا (http://www.sfh.med.sa/Magazine/magazine91/080.htm)
لا تنسونا من الدعاء
محمد مصطفى محمود