ضيف الله مهدي
07-06-2005, 01:35 AM
[align=justify:d0f331a653]الأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان هذا المجتمع
كما يتميز المجتمع المسلم بعقائده وشعائره , ومفاهيمه ومشاعره , يتميز أيضا بأخلاقه وفضائله . فالأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان هذا المجتمع , فهو مجتمع العدل والإحسان والبر والرحمة , والصدق والأمانة , والصبر والوفاء , والحياء والعفاف , والعزة والتواضع , والسخاء والشجاعة , والإباء والشرف , والبذل والتضحية , والمروءة والنجدة , والنظافة والتجمل , والقصد والاعتدال , والسماحة والحلم ء والنصيحة والتعاون , والغيرة على الحرمات , والاستعلاء على الشهوات , والغضب للحق , والرغبة في الخير , والإيثار للغير , والإحسان إلى الخلق كافة , وبخاصة بر الوالدين , وصلة الأرحام , وإكرام الجار, ودعوة الناس إلى الخير , والأمر بالمعروف , والنهى عن المنكر . . وكل خصال الخير , وخلال المكرمات , ومكارم الأخلاق . وأولها : الإخلاص له , والتوبة إليه , والتوكل عليه , والخشية منه والرجاء في رحمته , والتعظيم لشعائره , والحرص على مرضاته , والحذر من مساخطه , إلى غير ذلك من المعاني الربانية التي يغفلها كثير من الناس حين يتحدثون عن الأخلاق في الإسلام , فليست الأخلاق ما يتعلق بما بين الإنسان والإنسان فحسب , وإنما تشمل ما بين الإنسان وخالقه أيضا . وهو في الجانب السلبي يحرم كل الرذائل , والأخلاق الرديئة , ويشتد في تحريم بعضها ء فيجعلها في مرتبة الكبائر . فيحرم الخمر والميسر , ويعدهما رجسا من عمل الشيطان , ويحرم الزنى وكل ما يقرب أو يعين عليه , ومثل ذلك الشذوذ الجنسي الذي هو علامة على انتكاس الفطرة وانهيار الرجولة , ويحرم الربا , وأكل أموال الناس بالباطل وخاصة إذا كانوا ضعفا ء كاليتامى , ويحرم عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام , والإساءة إلى الجار , وإيذاء الآخرين , باليا أو اللسان , ويجعل من خصال النفاق : الكذب والخيانة والغدر وإخلاف الوعد والفجور في الخصومة .
وكل رذيلة منكرها الفطر السليمة , والعقول الراشدة جاء الإسلام فأنكرها وألح في إنكارها
كما أن كل الأخلاق الفاضلة التي تعرفها الفطر والعقول ويسعد بسيادتها الأفراد والجماعات قد أقرها وأمر بها وحث عليها . والذي يتلو كتاب الله تعالى , أو يقرا أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , يرى أن هذه الأخلاق والفضائل من المقومات الذاتية للمجتمع المسلم , وليست من الأعراض الطارئة عليه , ولا من الأمور الهامشية في حياته , فهي في القرآن من الصفات الأساسية للمؤمنين والمتقين الذين لا يدخل الجنة غيرهم , ولا ينجو من النار غيرهم , ولا يسعد بالحياة الدنيا غيرهم .. وهي في السنة من شعب الإيمان , لا يتم الإيمان إلا بالتحلي بها , والتخلي عن أضدادها . ومن أعرض عنها فقد جانب أوصاف المؤمنين , وتعرض لسخط الله ولعنته , وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله .
ونعرض بعض ( اللوحات ) القرآنية للأخلاق الإسلامية تصورها النماذج الأمية حسب ترتيب المصحف :
1. (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون).
مزجت الآية الكريمة بين العقائد من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وبين الشعائر من الصلاة والزكاة , والأخلاق من إيتاء المال على حبه ذوى القربى واليتامى .. إلخ , والوفاء بالعهد والصبر على البأساء والضراء وحين البأس . وجعلت هذا المزيج الناس هو حقيقة البر , وحقيقة التدين وحقيقة التقوى كما يريدها الله.
2. (إنما يتذكر أولو الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار)
تميزت هذه اللوحة الأخلاقية بالمزج بين الأخلاق الربانية كخشية الله وخوف سوء الحساب , والأخلاق الإنسانية من الوفاء والصبر والصلة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة , إن صح هذا التمييز . فإن المتأمل في الآية يجدها قد وصلت الأخلاق كلها بالربانية , فالوفاء وفاء بعهد الله , والصلة هي لما أمر الله به أن يوصل , والصبر إنما هو ابتغاء وجه الله , والإنفاق هو مما رزق الله , فهي كلها أخلاق ربانه موصولة بالله , ولهذا قرنت بإقامة الصلاة , لأنها جميعا ضرب من العبادة , يتقرب به المؤمنون إلى الله , ويتلقون به ما عند الله .
3. (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)
في هذه اللوحة نجد الخشوع في الصلاة، والفعل للزكاة، والمحافظة على الصلوات- وهي معدودة في إطار الشعائر والعبادات- جنباً إلى جنب مع الإعراض عن اللغو، وحفظ الفروج عن الحرام، ورعاية الأمانات والعهود.
4. ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراماً، إنها ساءت مستقراً ومقاماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً، ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً، والذين لا يشهدون الزور وإذا أمروا باللغو مروا كراماً، والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً، والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً، خالدين فيها مستقراً ومقاماً)
5. ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يفغرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين).
والجديد في هذه اللوحة أو الباقة آمران في غاية الأهمية بالنظر إلى المجتمع المسلم :
الأول : تقرير مبدأ الشورى باعتباره عنصرا من العناصر الأساسية المكونة لشخصية المجتمع المسلم , ولهذا وضعت الشورى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المعبر عنه هنا بكلمة الإنفاق مما رزق الله , ولا يخفى على أحد مكانة الصلاة والزكاة في دين الإسلام , فما يوضع بينهما لا يكون من الأمور الثانوية أو الهينة في دين الله .
والأمر الثاني : هو الانتصار إذا أصابهم البغي , فليسر من شأن المسلم الخضوع للبغي أو الانحناء للظلم والعدوان . بل مقابلته بمثله ليزجر ويرتدع , إلا من عفا عن قدرة فأجره على الله .
من هذه اللوحات أو الباقات التي قدمناها يتبين لنا منزلة الأخلاق في الإسلام , ومكانها في تكوين المجتمع المسلم . وليست هذه كل ما في القرآن الكريم عن الأخلاق والفضائل , فالقرآن - مكية ومدنيه - ملئ بالآيات واللوحات التي تقدم لنا نماذج خلقية كريمة , تجمع بين المثالية والواقعية وتمزج الروحانيات بالماديات أو الدين بالدنيا , في اتساق والتئام , لم تعرفهما من قبل - ولا من بعده شريعة ولا نظام .
ويستطيع القارئ المسلم أن يرجع إلى سورة الأنعام فيقرأ فيها الوصايا العشر من أواخرها : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عيكم , ألا تشركوا به شيئا , وبالوالدين إحسانا . . ). الآيات أو يرجع إلى سورة الإسراء فيقرا الوصايا السبع عشرة : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) .. الآيات .
أو يرجع إلى سورة لقمان ويقرأ وصيته لابنه . . أو يرجع إلى سورة الدهر ويتلو فيها أوصاف الأبرار : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ). . . الآيات.
أو يرجع إلى سورة البقرة ويقرأ في أواخرها آيات الله في تحريم الربا ونذره لأكلة الربا , وكيف آذنهم بحرب من الله ورسوله إن لم يتوبوا ويكتفوا برؤوس أموالهم .
أو يرجع إلى سورة النسا ء , وكيف أوصت بالمرأة خيرا : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسا ء كرها , ولا تعضلوهن . . . …( الآية .
أو يقرأ في نفس السورة آية الحقوق العشرة : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً , وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم . . . ) الآية
أو يقرأ في سورة المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) , وكلمة ( الاجتناب ) لا يستعملها القرآن إلا مع الشرك وكبائر الإثم .
ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نتتبع موارد الأخلاق في آيات القرآن العظيم , فإن جل أوامر القرآن ونواهيه تتعلق بهذا الجانب الخطير من حياة الناس : جانب الأخلاق .
وربما يخالفنا بعض الناس في تسمية هذه الأمور ( أخلاقاً) وإنما يسميها أوامر ونواهي , وهذا خلاف في الاصطلاح والتسمية لا في الموضوع نفسه إثباتاً ونفياً . وقد قال علماؤنا قديما : لا مشاحة في الاصطلاح , ولا يضر الخلاف في الأسماء متى وضحت المسميات . وإنما اخترنا تسمية هذه الأمور التي جاء بها القرآن والسنة ( أخلاقاً ) لأن تعريف الأخلاق ينطبق عليها تمام الانطباق .
مهمة المجتمع المسلم مع الأخلاق
إن مهمة المجتمع بالنظر إلى الأخلاق والفضائل , كمهمته بالنظر إلى العقيدة والمفاهيم والشعائر والعواطف .
إنها مهمة ذات ثلاث شعب :
1 - التوجيه . 2 - التثبيت . 3 - الحماية .
فالتوجيه يكون بالنشر والدعاية ومختلف وسائل الإعلام والتثقيف , والدعوة والإرشاد . والتثبيت يكون بالتعليم الطويل المدى , والتربية العميقة الجذور , على مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة .
والحماية تكون بأمرين :
1. برقابة الرأي العام اليقظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر و يكره الفساد وينفر من الانحراف.
2. وبالتشريع الذي يمنع الفساد قبل وقوعه , ويعاقب عليه بعد وقوعه، زجرا للمنحرف وتأديباً للمستهتر , وتطهيراً لجو الجماعة من التلوث .
وبهذه الأمور من التوجيه والتثبيت والحماية تسود أخلاق الإسلام , تسرى فضائله في حياة المجتمع سريان العصارة الحية في الغصون والأوراق . فليس إذن بمجتمع مسلم ذلك الذي تختفي فيه أخلاق المؤمنين , لتبرز أخلاق الفجار .
وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تموت فيه أخلاق القوة , فتحيا وتنمو أخلاق الضعف . وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يشيع فيه خلق القسوة على الضعفاء , والخضوع للأقوياء .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تضمر فيه تقوى الله , ومراقبته تعالى , والخوف من حسابه , فنرى الناس يتصرفون وكأنما هم آلهة أنفسهم , وينطلقون وكأنما ليس هناك حساب ينتظرهم , وإنما هم في غفلة معرضون , وفي غمرة ساهون .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يسوده التواكل والعجز والسلبية , في مواجهة الأمور وإلقاء الأوزار على كاهل الأقدار
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يهان فيه الصالحون , ويكرم الفاسقون , ويكرم أهل الفجور , ويؤخر أهل القوى .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يظلم فيه المحق , ويحابى فيه المبطل , ويقال فيه للمضروب: لا تصرخ، ولا يقال للضارب : كف يدك .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تفسد فيه الذمم , وتشترى فيه الضمائر , ويقضى فيه كل أمر بالرشوة.
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي لا يوقر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير , ولا يعرف الذي فضل فضله . ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتميع فيه الأخلاق , فيتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تشيع فيه الفاحشة , ويفقد فيه الرجال الغيرة وتفقد النساء الحياء ..
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي لا يكاد الناس يتكلمون فيه أو يعملون أو يتصرفون إلا رياءً ونفاقاً ، وطلباً للشهرة والجاه , ولا تكاد ترى فيه جندياً مجهولاً، من المخلصين البررة , والأتقياء الأخفياء ، الذين إذا حضروا لم يعرفوا , وإذا غابوا لم يفتقدوا .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تسوده أخلاق المنافقين من كل من حدث فكذب , ووعد فأخلف , وائتمن فخان , وعاهد فغدر , وخاصم ففجر .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يهمل فيه الآباء الأبناء , ويعق فيه الأبناء الآباء , ويتجافى فيه الإخوان , وتتقطع فيه الأرحام , ويتناكر فيه الجيران , وتنفق فيه سوق الغيبة والنميمة وفساد ذات البين , وينهزم فيه البذل والإيثار أمام الشح والأنانية وحب الذات. فالمجتمع المسلم - ولا شك - ( مجتمع أخلاقي ) بكل ما تحمله كلمة ( الأخلاق ) من شمول وسعة , ليس مجتمعاً تسبره المنافع المادية , أو الأغراض السياسية , أو الاعتبارات العسكرية وحدها . كلا . . بل هو مجتمع تحكمه فضائل ومثل عليا , يلتزم بها , ويتقيد بحدودها مهما يكلفه ذلك من مشقات وتضحيات , ولا عجب في ذلك فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): «› إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . فلا انفصال في هذا المجتمع بين العلم والأخلاق , ولا بين الفن والأخلاق , ولا بين الاقتصاد والأخلاق , ولا بين السياسة والأخلاق , ولا بين الحرب والأخلاق , وإنما الأخلاق عنصر يهيمن على كل شؤون الحياة وتصرفاتها , صغيرها وكبيرها , فرديها وجماعيها .
من تقاليد المجتمع المسلم
إن هذه التقاليد والآداب والعادات أنشأها الإسلام في المجتمع المسلم , لتكون في خدمة عقيدته وشعائره , ومفاهيمه ومشاعره , وأخلاقه وفضائله .
فمن تقاليد المجتمع المسلم : أنه ينام مبكراً , ويستيقظ مبكراً , فيستمتع أفراده بالنوم الهادئ العميق ، في الليل الذي جعله الله لباساً , ويوفر صحة أبنائه وقوتهم التي يذبلها السهر الطويل , ويوفر ملايين الكيلوات من الطاقة الكهربائية التي تستهلك في السهر لغير ضرورة , ويتمتع الناس بعد ذلك بوقت البكور المبارك ونسيم الصباح المبكر ، وهذا التقليد الجميل المتميز إنما صنعته ( صلاة الفجر ) ووجوب الاستيقاظ لها , وأدائها في وقتها قبل أن تطلع الشمس .
ومن هنا نتبين أن تقاليد المجتمع المسلم لا انفصال بينها وبين مقوماته الأخرى . ومن تقاليد المجتمع المسلم : أن الرجل لا يجوز له أن يخلو بامرأة أجنبية دون حضور زوج ولا محرم لها , كما لا يجوز لها أن تسافر وحدها , بلا زوج ولا محرم , وأن المرأة المسلمة يجب عليها الاحتشام والتصون , فلا يجوز لها أن تبدى من زينتها إلا ما ظهر منها كالوجه والكفين , ويحرم عليها أن تتبرج تبرج الجاهلية , وأن تظهر ذراعها أو ساقها أو نحرها أو شعرها , أو غير ذلك مما يفعله نسا ء العصر تقليداً للحضارة الجاهلية : حضارة الغرب . إن هذا التقليد ليس عبثا ولا تحكما , ولكنه مبنى على نظرة الإسلام إلى كل من الرجل والمرأة , ونظرته إلى الأخلاق في المجتمع، و قيمة العفاف والتصوّن والحياء باعتبارها فضائل إنسانية رفيعة، واعتبار الزنا فاحشة وجريمة خطرة على الفرد وعلى الأسرة , وعلى بنا ء المجتمع كله , إذا شاعت وتطاير شررها .
فإن نتيجتها طغيان الشهوات , وفساد الشباب , وانتشار الخيانة , والشك بين الأزواج والزوجات , وشيوع الأمراض التناسلية , وكثرة اللقطاء وأولاد الحرام , واختلاط الأنساب , وانحلال الروابط والأخلاق . وصدق الله : (ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) .
فإذا كان الزنى فاحشة وسبيلاً سيئاً , لم يكن بد من إغلاق الطرق الموصلة إليه , فجاءت آداب الإسلام وتقاليده في التصوّن , والاحتشام , ومنع التبرج والإغراء وسد الذريعة إلى الفتن، ما ظهر منها وما بطن : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم , إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها, وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن..)الآية.
ومن تقاليد المجتمع المسلم : أن بين الولد وأبيه رابطة أبدية مقدسة , لا تنفصم عراها ببلوغ الابن رشده، أو باستقلاله الاقتصادي , أو بزواجه , كما هو عند الغربيين الذين يصبح الابن عندهم بعد أن يكبر ويتزوج كأنه شخص غريب عن أبويه , لا يكاد يعرفهما إلا في المناسبات إن عرفهما , بل إن الإسلام ليوسع دائرة الأسرة , حتى تشمل الأقارب من الأصول والفروع والعصبة وكل ذي رحم محرم من الرجال والنساء , فالأجداد والجدات والأحفاد والأسباط , والأعمام والعمات , والأخوال والخالات وأولادهم … كل هؤلاء أرحام يجب أن توصل , وقرابة يجب أن ترعى , ولها حقوق يجب أن تؤدى , من الزيارة والمودة والإحسان , إلى وجوب النفقة والرعاية بالمعروف : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام , إن الله كان عليكم رقيباً )، ( وأولوا لأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) .
ومن آداب المجتمع المسلم وتقاليده : أنه لا يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به , ولا يشرب الخمر والمسكرات , ولا يقدم شيئاً من ذلك على موائده . وهو يأكل ويشرب باليمين، ويبدأ طعامه باسم الله , ويختمه بحمد الله , ولا يأكل أو يشرب في إناء ذهب أو فضة . ومن آداب المجتمع المسلم : إفشاء السلام , وهو تحية السلمين فيما بينهم , وإلقاؤه سنة , ورده فرض كفاية , وقد أغناهم الله به عن تحايا الجاهلية من فعل كالسجود والانحناء , أو قول كـ( عم صباحا ) , أو ( عم مساء )، وقد وضع الرسول لهذه لتحية قواعد ضابطة , حتى لا يتواكل الناس في البدء بها إذا تلاقوا .فيسلم الصغير على الكبير, والقليل على الكثير , والمار على الجالس , وقال تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحييوا بأحسن منها أو ردوها ) . ومن آدابه ما ذكره القرآن بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها , ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا.فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم , وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا , هو أزكى لكم , والله بما تعملون عليم )
ومن آداب المجتمع المسلم : الإحسان إلى الجار , وإكرام الضيف , وتشميت العاطس , وعيادة المريض , وتشييع جنازة الميت , وتعزية المصاب , إلى غير ذلك من الآداب والتقاليد , التي تتفاوت في حكمها ما بين واجب مفروض , ومستحب مندوب .
من آثار التقاليد الإسلامية
إن هذه الآداب والتقاليد الإسلامية تحقق في المجتمع المسلم جملة من المزايا والآثار الطيبة , نذكر منها :
1. التميز : فهذه الآداب والتقاليد تجعل للمجتمع المسلم شخصية متميزة الملامح , واضحة التقاسيم , وتمسكه أن يذوب وينصهر في غيره من المجتمعات فيتقمص شخصيتها , ويقتبس عاداتها , وينقل تقاليدها , دون تفرقة ولا تمييز بين ما يجوز وما لا يجوز , وما يصلح وما لا يصلح , وهذا ما تورط فيه أكثر الشعوب المسلمة اليوم , إذ انسلخت من ذاتيتها , واتبعت حضارة الغرب وأخذت تقاليده جملة , بغير تمحيص . وهذا ما حذر منه ونبأ به الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) حين قال : ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشير , وذراعا بذراع , حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) ! قالوا : اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال : ( فمن ) ؟
2. الوحدة العملية : إن هذه الآداب والتقاليد تنشئ بين المسلمين - وان تناءت ديارهم، واختلفت ألسنتهم , وتباينت عروقهم , وتفاوتت مراكزهم وطبقاتهم - وحدة عملية واقعية، بجوار الوحدة العقدية والفكرية والشعورية التي أنشأها اتحاد العقيدة والشعائر , والأفكار والمشاعر. فحيثما نزلت بين قوم مسلمين في أي أرض كانت، حيوك بتحية الإسلام ( السلام ) , واستقبلوك بالإكرام والقرى، تبعا لأدب الإسلام في إكرام الضيف : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) . فإذا تناولت طعامك معهم , وجدتهم يبدأون طعامهم باسم الله , ويأكلون باليد اليمنى، وبختمون بالحمد لله , ولا يقدمون لك خنزيراً ولا خمراُ . فهناك قدر مشترك من التقاليد والعادات يشعر المسلم أنىّ ذهب أنه بين أهله وإخوانه وذويه , لا يفترق عنهم , إلا في جزئيات تفصيلية , نتيجة لاختلاف البيئات والأحوال .
3. البساطة والاعتدال : فإن تقاليد الإسلام وآدابه تقوم على مراعاة الفطرة , واحترام البساطة والسر , وتجنب التكلف والتعقيد، والبعد عن الاختيال والإسراف .
ومن شأن هذه البساطة والقصد والاعتدال , أن ييسر الأمور , ويقلل التكاليف , ويخفف من بعثرة الجهود والأوقات , والأموال , فيما لا يعود على المجتمع واقتصاده وأخلاقه ومثله إلا بالضرر والخسران .
إن تقاليد المجتمع المسلم في اللبس والتزين للمرأة المسلمة، تنافي هذا التهالك المحموم على كل بدع، وهذا السباق الشعور على أقرب الأزياء إلى الإثارة , وأقدرها على الإغراء , وتناقض هذا الإسراف المجنون , في التجمل والتجميل , من وصل الشعر ( الباروكة ) ونمص الحواجب , ووشر الأسنان و (جراحات التجميل ) وغير ذلك مما لعنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما فيه من تغيير خلق الله . ولم يعد يكفى المرأة أن تقوم بتجميل نفسها , فاحتاجت إلى من يجملها , ولم يعد القائم بالتجميل امرأة تأتى إليها في بيتها , كما كان يحدث في العصور السابقة أحيانا . بل أصبحت المرأة هي التي تخرج من بيتها لتذهب إلى محل رجل أجنبي ( كوافير ) يقوم بتجميلها وتزيينها ويتقاضى على ذلك أفحش الأجور .
مهمة المجتمع المسلم مع الآداب والتقاليد
إن مهمة المجتمع المسلم هنا - كما هي مهمته دائما - أن يبث هذه الآداب , ويربى عليها أبناءه وبناته , وينشئ عليها تلاميذه وتلميذاته، في كل مراحل التعليم ومستوياته وأنواعه , من الحضانة إلى الجامعة . . ويحببها إلى الشعب بكل وسيلة من وسائل التوجيه والإعلام , وبكل أسلوب من أساليب التأثير والبيان : بالمقالة والقصيدة , والقصة والمسرحية , والنشرة والكتاب , والمجلة والصحيفة , والنكتة والكاريكاتير , بالكلمة المقروءة والكلمة المسموعة والصورة المشاهدة . وأن تتعاون على ذلك كل المؤسسات : الدينية كالمسجد , والفنية كالمسرح، والتربوية كالمدرسة، والإعلامية كالتلفاز، ولا يجوز أن يبنى جهاز في جانب , وتهدم أجهزة أخرى في جوانب , كما قال الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟
وقال آخر : فلو ألف بان خلفهم هادم كفى فكيف ببان خلفه ألف هادم ؟ا
ولا سيما أن الهدم في عصرنا بالألغام لا بالمعاول . وهذا يصدق في الماديات و المعنويات . وواجب المجتمع المسلم في عصرنا أن ينقي آداب المجتمع وتقاليده مما دخل عليها من أمور غريبة عن طبيعته المتوازنة المعتدلة، سواء في ذلك ما أدخلته عصور الانحطاط الفكري , والتخلف الحضاري , الذي أصاب العالم الإسلامي لعدة قرون . وما زحفت به علينا الحضارة الغربية الحديثة من بدع منكرة في الأزياء والأثاث والمآكل والمشارب , والأعراس ومختلف المناسبات والعلاقات بين الرجال والنساء , وغير ذلك .
ولهذا نجد المجتمع الإسلامي الآن يضم فريقين من الناس يعيشان على طرفي نقيض .
فإذا أخذنا موضوع الأسرة مثلا . نجد هناك من لا يسمح لخاطب ابنته أن يراها مجرد رؤية , مع مخالفة ذلك للأحاديث الصحيحة , بل في بعض البلاد لا يرى الخاطب زوجته بعد أن يعقد عليها العقد الشرعي , وإنما يراها وتراه ليلة الزفاف فقط ! وفى مقابل هؤلاء من يدع للمخطوبة الحبل على الغارب , لتخرج مع خاطبها وحدهما , متأبطاً ذراعها، غادين أو رائحين , إلى المتنزهات أو السينمات، سحابة النهار أو زلفاً من الليل , حتى يسبر غورها , ويعرفها معرفة مخالطة ومعايشة . وهناك من الأزواج من يعامل امرأته كأنها قطعة أثاث في البيت , لا يستشيرها في أمر , ولا يعترف لها بحق , ولا يراعى لها شعورا , ويرى ذلك من الرجولة .
وعكس ذلك من جعل زمامه في يد امرأته , فلا شخصية له , ولا أثر لقوامته على الأسرة , بل تغدو الزوجة هي الآمرة الناهية , المتصرفة في المال , الموجهة لتربية الأولاد , المتحكمة في علاقات الزوج حتى بأمه وأبيه وذوى قرابته .
وهناك في مجال الميراث: من يحرم البنات من ميراثهن الشرعي الذي كتبه الله لهن , ليخص بذلك أبناءه الذكور، كأنما يستدرك على الله تعالى في حكمه.
وعلى النقيض من ذلك من يريد أن يسوى بين الابن والبنت , حلافاً لما فرض الله عز وجل في كتابه، ناسياً أن الشرع فاوت بينهما في الأنصبة , لأنه فاوت بينهما في الأعباء والتكاليف المالية . والأمثلة على ذلك كثيرة . وحسبنا ما ذكرناه . ثم على المجتمع أن يحمى هذه الآداب والتقاليد بعد ذلك بالقانون والسريع , فلا يترك الحبل على الغارب للذين يريدون أن يفسدوا آداب الأمة , ويمحوا معالم شخصيتها , ويدمروا تقاليدها , التي تلقتها من وحي ربها , وفرضها عليها شرعها . فإذا تهاون المجتمع في آدابه وتقاليده، وأطلق العنان للمخربين يفعلون ما يشاؤون , نفقد تخلى من رسالة المجتمع المسلم الحق .
ليس بمجتمع مسلم صادق الإسلام : ذلك الذي ينسلخ من تقاليده العريقة , وينفلت من آدابه الأصيلة , ليتقبل تقاليد دخيلة , وآداباً غريبة عنه، فتذوب شخصيته , وتمحى ذاتيته ويصح ذيلاً لغيره، وقد جعله الله رأساً. فترى أبناءه يأكلون بالشمال ويشربون بالشمال , ورجاله يتحلون بخواتم الذهب , ونسا ه يتشبهن بالكافرات في كشف الشعور , وتعرية الصدور , وإبداء البطون والظهور .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يختلي فيه الرجال بالنساء بلا زوج ولا محرم ولا رقيب ولا حسيب .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يختلط فيه الفتيان والفتيات - اختلاط تماس واحتكاك والتصاق - في المعاهد والجامعات , والمعسكرات والرحلات , ووسائل المواصلات .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تترك فيه المؤسسات المشبوهة : الصحفية والسينمائية والإعلامية , تخرب كيان الأمة، وتسلط عليها ريحاً سموماً فيها عذاب أليم، تدمر كل شئ بأمر سادتها من الصهاينة والمستعمرين والشيوعيين : بالمقالات المضللة، والأخبار الزائفة، والقصص الماجنة، والصور الفاجرة , والأغاني الخليعة , والمسرحيات الداعرة، و ( الأفلام ) الهابطة، والمسلسلات المطعمة بالأباطيل . إنما المجتمع المسلم حقاً : الذي يحامي عن آدابه الأصيلة، وتقاليده الثابتة , كما يحامي عن أرضه أن تحتل , وعن حرماته أن تنتهك , وعن ثرواته أن تنتهب , وعن كرامته أن تهان .
[/align:d0f331a653]
كما يتميز المجتمع المسلم بعقائده وشعائره , ومفاهيمه ومشاعره , يتميز أيضا بأخلاقه وفضائله . فالأخلاق والفضائل جزء أصيل من كيان هذا المجتمع , فهو مجتمع العدل والإحسان والبر والرحمة , والصدق والأمانة , والصبر والوفاء , والحياء والعفاف , والعزة والتواضع , والسخاء والشجاعة , والإباء والشرف , والبذل والتضحية , والمروءة والنجدة , والنظافة والتجمل , والقصد والاعتدال , والسماحة والحلم ء والنصيحة والتعاون , والغيرة على الحرمات , والاستعلاء على الشهوات , والغضب للحق , والرغبة في الخير , والإيثار للغير , والإحسان إلى الخلق كافة , وبخاصة بر الوالدين , وصلة الأرحام , وإكرام الجار, ودعوة الناس إلى الخير , والأمر بالمعروف , والنهى عن المنكر . . وكل خصال الخير , وخلال المكرمات , ومكارم الأخلاق . وأولها : الإخلاص له , والتوبة إليه , والتوكل عليه , والخشية منه والرجاء في رحمته , والتعظيم لشعائره , والحرص على مرضاته , والحذر من مساخطه , إلى غير ذلك من المعاني الربانية التي يغفلها كثير من الناس حين يتحدثون عن الأخلاق في الإسلام , فليست الأخلاق ما يتعلق بما بين الإنسان والإنسان فحسب , وإنما تشمل ما بين الإنسان وخالقه أيضا . وهو في الجانب السلبي يحرم كل الرذائل , والأخلاق الرديئة , ويشتد في تحريم بعضها ء فيجعلها في مرتبة الكبائر . فيحرم الخمر والميسر , ويعدهما رجسا من عمل الشيطان , ويحرم الزنى وكل ما يقرب أو يعين عليه , ومثل ذلك الشذوذ الجنسي الذي هو علامة على انتكاس الفطرة وانهيار الرجولة , ويحرم الربا , وأكل أموال الناس بالباطل وخاصة إذا كانوا ضعفا ء كاليتامى , ويحرم عقوق الوالدين وقطيعة الأرحام , والإساءة إلى الجار , وإيذاء الآخرين , باليا أو اللسان , ويجعل من خصال النفاق : الكذب والخيانة والغدر وإخلاف الوعد والفجور في الخصومة .
وكل رذيلة منكرها الفطر السليمة , والعقول الراشدة جاء الإسلام فأنكرها وألح في إنكارها
كما أن كل الأخلاق الفاضلة التي تعرفها الفطر والعقول ويسعد بسيادتها الأفراد والجماعات قد أقرها وأمر بها وحث عليها . والذي يتلو كتاب الله تعالى , أو يقرا أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) , يرى أن هذه الأخلاق والفضائل من المقومات الذاتية للمجتمع المسلم , وليست من الأعراض الطارئة عليه , ولا من الأمور الهامشية في حياته , فهي في القرآن من الصفات الأساسية للمؤمنين والمتقين الذين لا يدخل الجنة غيرهم , ولا ينجو من النار غيرهم , ولا يسعد بالحياة الدنيا غيرهم .. وهي في السنة من شعب الإيمان , لا يتم الإيمان إلا بالتحلي بها , والتخلي عن أضدادها . ومن أعرض عنها فقد جانب أوصاف المؤمنين , وتعرض لسخط الله ولعنته , وبرئت منه ذمة الله وذمة رسوله .
ونعرض بعض ( اللوحات ) القرآنية للأخلاق الإسلامية تصورها النماذج الأمية حسب ترتيب المصحف :
1. (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، أولئك الذين صدقوا، وأولئك هم المتقون).
مزجت الآية الكريمة بين العقائد من الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب والنبيين وبين الشعائر من الصلاة والزكاة , والأخلاق من إيتاء المال على حبه ذوى القربى واليتامى .. إلخ , والوفاء بالعهد والصبر على البأساء والضراء وحين البأس . وجعلت هذا المزيج الناس هو حقيقة البر , وحقيقة التدين وحقيقة التقوى كما يريدها الله.
2. (إنما يتذكر أولو الألباب، الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار)
تميزت هذه اللوحة الأخلاقية بالمزج بين الأخلاق الربانية كخشية الله وخوف سوء الحساب , والأخلاق الإنسانية من الوفاء والصبر والصلة والإنفاق ودرء السيئة بالحسنة , إن صح هذا التمييز . فإن المتأمل في الآية يجدها قد وصلت الأخلاق كلها بالربانية , فالوفاء وفاء بعهد الله , والصلة هي لما أمر الله به أن يوصل , والصبر إنما هو ابتغاء وجه الله , والإنفاق هو مما رزق الله , فهي كلها أخلاق ربانه موصولة بالله , ولهذا قرنت بإقامة الصلاة , لأنها جميعا ضرب من العبادة , يتقرب به المؤمنون إلى الله , ويتلقون به ما عند الله .
3. (قد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون)
في هذه اللوحة نجد الخشوع في الصلاة، والفعل للزكاة، والمحافظة على الصلوات- وهي معدودة في إطار الشعائر والعبادات- جنباً إلى جنب مع الإعراض عن اللغو، وحفظ الفروج عن الحرام، ورعاية الأمانات والعهود.
4. ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً، والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً، والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراماً، إنها ساءت مستقراً ومقاماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً، والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً، ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متاباً، والذين لا يشهدون الزور وإذا أمروا باللغو مروا كراماً، والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صماً وعمياناً، والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً، أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاماً، خالدين فيها مستقراً ومقاماً)
5. ( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يفغرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين).
والجديد في هذه اللوحة أو الباقة آمران في غاية الأهمية بالنظر إلى المجتمع المسلم :
الأول : تقرير مبدأ الشورى باعتباره عنصرا من العناصر الأساسية المكونة لشخصية المجتمع المسلم , ولهذا وضعت الشورى بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة المعبر عنه هنا بكلمة الإنفاق مما رزق الله , ولا يخفى على أحد مكانة الصلاة والزكاة في دين الإسلام , فما يوضع بينهما لا يكون من الأمور الثانوية أو الهينة في دين الله .
والأمر الثاني : هو الانتصار إذا أصابهم البغي , فليسر من شأن المسلم الخضوع للبغي أو الانحناء للظلم والعدوان . بل مقابلته بمثله ليزجر ويرتدع , إلا من عفا عن قدرة فأجره على الله .
من هذه اللوحات أو الباقات التي قدمناها يتبين لنا منزلة الأخلاق في الإسلام , ومكانها في تكوين المجتمع المسلم . وليست هذه كل ما في القرآن الكريم عن الأخلاق والفضائل , فالقرآن - مكية ومدنيه - ملئ بالآيات واللوحات التي تقدم لنا نماذج خلقية كريمة , تجمع بين المثالية والواقعية وتمزج الروحانيات بالماديات أو الدين بالدنيا , في اتساق والتئام , لم تعرفهما من قبل - ولا من بعده شريعة ولا نظام .
ويستطيع القارئ المسلم أن يرجع إلى سورة الأنعام فيقرأ فيها الوصايا العشر من أواخرها : ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عيكم , ألا تشركوا به شيئا , وبالوالدين إحسانا . . ). الآيات أو يرجع إلى سورة الإسراء فيقرا الوصايا السبع عشرة : ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ) .. الآيات .
أو يرجع إلى سورة لقمان ويقرأ وصيته لابنه . . أو يرجع إلى سورة الدهر ويتلو فيها أوصاف الأبرار : ( يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا ، ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ). . . الآيات.
أو يرجع إلى سورة البقرة ويقرأ في أواخرها آيات الله في تحريم الربا ونذره لأكلة الربا , وكيف آذنهم بحرب من الله ورسوله إن لم يتوبوا ويكتفوا برؤوس أموالهم .
أو يرجع إلى سورة النسا ء , وكيف أوصت بالمرأة خيرا : ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النسا ء كرها , ولا تعضلوهن . . . …( الآية .
أو يقرأ في نفس السورة آية الحقوق العشرة : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً , وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم . . . ) الآية
أو يقرأ في سورة المائدة : ( يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ) , وكلمة ( الاجتناب ) لا يستعملها القرآن إلا مع الشرك وكبائر الإثم .
ويطول بنا الحديث لو أردنا أن نتتبع موارد الأخلاق في آيات القرآن العظيم , فإن جل أوامر القرآن ونواهيه تتعلق بهذا الجانب الخطير من حياة الناس : جانب الأخلاق .
وربما يخالفنا بعض الناس في تسمية هذه الأمور ( أخلاقاً) وإنما يسميها أوامر ونواهي , وهذا خلاف في الاصطلاح والتسمية لا في الموضوع نفسه إثباتاً ونفياً . وقد قال علماؤنا قديما : لا مشاحة في الاصطلاح , ولا يضر الخلاف في الأسماء متى وضحت المسميات . وإنما اخترنا تسمية هذه الأمور التي جاء بها القرآن والسنة ( أخلاقاً ) لأن تعريف الأخلاق ينطبق عليها تمام الانطباق .
مهمة المجتمع المسلم مع الأخلاق
إن مهمة المجتمع بالنظر إلى الأخلاق والفضائل , كمهمته بالنظر إلى العقيدة والمفاهيم والشعائر والعواطف .
إنها مهمة ذات ثلاث شعب :
1 - التوجيه . 2 - التثبيت . 3 - الحماية .
فالتوجيه يكون بالنشر والدعاية ومختلف وسائل الإعلام والتثقيف , والدعوة والإرشاد . والتثبيت يكون بالتعليم الطويل المدى , والتربية العميقة الجذور , على مستوى الأسرة والمدرسة والجامعة .
والحماية تكون بأمرين :
1. برقابة الرأي العام اليقظ الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر و يكره الفساد وينفر من الانحراف.
2. وبالتشريع الذي يمنع الفساد قبل وقوعه , ويعاقب عليه بعد وقوعه، زجرا للمنحرف وتأديباً للمستهتر , وتطهيراً لجو الجماعة من التلوث .
وبهذه الأمور من التوجيه والتثبيت والحماية تسود أخلاق الإسلام , تسرى فضائله في حياة المجتمع سريان العصارة الحية في الغصون والأوراق . فليس إذن بمجتمع مسلم ذلك الذي تختفي فيه أخلاق المؤمنين , لتبرز أخلاق الفجار .
وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تموت فيه أخلاق القوة , فتحيا وتنمو أخلاق الضعف . وليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يشيع فيه خلق القسوة على الضعفاء , والخضوع للأقوياء .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تضمر فيه تقوى الله , ومراقبته تعالى , والخوف من حسابه , فنرى الناس يتصرفون وكأنما هم آلهة أنفسهم , وينطلقون وكأنما ليس هناك حساب ينتظرهم , وإنما هم في غفلة معرضون , وفي غمرة ساهون .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يسوده التواكل والعجز والسلبية , في مواجهة الأمور وإلقاء الأوزار على كاهل الأقدار
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يهان فيه الصالحون , ويكرم الفاسقون , ويكرم أهل الفجور , ويؤخر أهل القوى .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يظلم فيه المحق , ويحابى فيه المبطل , ويقال فيه للمضروب: لا تصرخ، ولا يقال للضارب : كف يدك .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تفسد فيه الذمم , وتشترى فيه الضمائر , ويقضى فيه كل أمر بالرشوة.
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي لا يوقر فيه الكبير ولا يرحم فيه الصغير , ولا يعرف الذي فضل فضله . ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تتميع فيه الأخلاق , فيتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تشيع فيه الفاحشة , ويفقد فيه الرجال الغيرة وتفقد النساء الحياء ..
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي لا يكاد الناس يتكلمون فيه أو يعملون أو يتصرفون إلا رياءً ونفاقاً ، وطلباً للشهرة والجاه , ولا تكاد ترى فيه جندياً مجهولاً، من المخلصين البررة , والأتقياء الأخفياء ، الذين إذا حضروا لم يعرفوا , وإذا غابوا لم يفتقدوا .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تسوده أخلاق المنافقين من كل من حدث فكذب , ووعد فأخلف , وائتمن فخان , وعاهد فغدر , وخاصم ففجر .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يهمل فيه الآباء الأبناء , ويعق فيه الأبناء الآباء , ويتجافى فيه الإخوان , وتتقطع فيه الأرحام , ويتناكر فيه الجيران , وتنفق فيه سوق الغيبة والنميمة وفساد ذات البين , وينهزم فيه البذل والإيثار أمام الشح والأنانية وحب الذات. فالمجتمع المسلم - ولا شك - ( مجتمع أخلاقي ) بكل ما تحمله كلمة ( الأخلاق ) من شمول وسعة , ليس مجتمعاً تسبره المنافع المادية , أو الأغراض السياسية , أو الاعتبارات العسكرية وحدها . كلا . . بل هو مجتمع تحكمه فضائل ومثل عليا , يلتزم بها , ويتقيد بحدودها مهما يكلفه ذلك من مشقات وتضحيات , ولا عجب في ذلك فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم ): «› إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) . فلا انفصال في هذا المجتمع بين العلم والأخلاق , ولا بين الفن والأخلاق , ولا بين الاقتصاد والأخلاق , ولا بين السياسة والأخلاق , ولا بين الحرب والأخلاق , وإنما الأخلاق عنصر يهيمن على كل شؤون الحياة وتصرفاتها , صغيرها وكبيرها , فرديها وجماعيها .
من تقاليد المجتمع المسلم
إن هذه التقاليد والآداب والعادات أنشأها الإسلام في المجتمع المسلم , لتكون في خدمة عقيدته وشعائره , ومفاهيمه ومشاعره , وأخلاقه وفضائله .
فمن تقاليد المجتمع المسلم : أنه ينام مبكراً , ويستيقظ مبكراً , فيستمتع أفراده بالنوم الهادئ العميق ، في الليل الذي جعله الله لباساً , ويوفر صحة أبنائه وقوتهم التي يذبلها السهر الطويل , ويوفر ملايين الكيلوات من الطاقة الكهربائية التي تستهلك في السهر لغير ضرورة , ويتمتع الناس بعد ذلك بوقت البكور المبارك ونسيم الصباح المبكر ، وهذا التقليد الجميل المتميز إنما صنعته ( صلاة الفجر ) ووجوب الاستيقاظ لها , وأدائها في وقتها قبل أن تطلع الشمس .
ومن هنا نتبين أن تقاليد المجتمع المسلم لا انفصال بينها وبين مقوماته الأخرى . ومن تقاليد المجتمع المسلم : أن الرجل لا يجوز له أن يخلو بامرأة أجنبية دون حضور زوج ولا محرم لها , كما لا يجوز لها أن تسافر وحدها , بلا زوج ولا محرم , وأن المرأة المسلمة يجب عليها الاحتشام والتصون , فلا يجوز لها أن تبدى من زينتها إلا ما ظهر منها كالوجه والكفين , ويحرم عليها أن تتبرج تبرج الجاهلية , وأن تظهر ذراعها أو ساقها أو نحرها أو شعرها , أو غير ذلك مما يفعله نسا ء العصر تقليداً للحضارة الجاهلية : حضارة الغرب . إن هذا التقليد ليس عبثا ولا تحكما , ولكنه مبنى على نظرة الإسلام إلى كل من الرجل والمرأة , ونظرته إلى الأخلاق في المجتمع، و قيمة العفاف والتصوّن والحياء باعتبارها فضائل إنسانية رفيعة، واعتبار الزنا فاحشة وجريمة خطرة على الفرد وعلى الأسرة , وعلى بنا ء المجتمع كله , إذا شاعت وتطاير شررها .
فإن نتيجتها طغيان الشهوات , وفساد الشباب , وانتشار الخيانة , والشك بين الأزواج والزوجات , وشيوع الأمراض التناسلية , وكثرة اللقطاء وأولاد الحرام , واختلاط الأنساب , وانحلال الروابط والأخلاق . وصدق الله : (ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) .
فإذا كان الزنى فاحشة وسبيلاً سيئاً , لم يكن بد من إغلاق الطرق الموصلة إليه , فجاءت آداب الإسلام وتقاليده في التصوّن , والاحتشام , ومنع التبرج والإغراء وسد الذريعة إلى الفتن، ما ظهر منها وما بطن : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم، ذلك أزكى لهم , إن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها, وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن..)الآية.
ومن تقاليد المجتمع المسلم : أن بين الولد وأبيه رابطة أبدية مقدسة , لا تنفصم عراها ببلوغ الابن رشده، أو باستقلاله الاقتصادي , أو بزواجه , كما هو عند الغربيين الذين يصبح الابن عندهم بعد أن يكبر ويتزوج كأنه شخص غريب عن أبويه , لا يكاد يعرفهما إلا في المناسبات إن عرفهما , بل إن الإسلام ليوسع دائرة الأسرة , حتى تشمل الأقارب من الأصول والفروع والعصبة وكل ذي رحم محرم من الرجال والنساء , فالأجداد والجدات والأحفاد والأسباط , والأعمام والعمات , والأخوال والخالات وأولادهم … كل هؤلاء أرحام يجب أن توصل , وقرابة يجب أن ترعى , ولها حقوق يجب أن تؤدى , من الزيارة والمودة والإحسان , إلى وجوب النفقة والرعاية بالمعروف : ( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام , إن الله كان عليكم رقيباً )، ( وأولوا لأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)، ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ) .
ومن آداب المجتمع المسلم وتقاليده : أنه لا يأكل الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به , ولا يشرب الخمر والمسكرات , ولا يقدم شيئاً من ذلك على موائده . وهو يأكل ويشرب باليمين، ويبدأ طعامه باسم الله , ويختمه بحمد الله , ولا يأكل أو يشرب في إناء ذهب أو فضة . ومن آداب المجتمع المسلم : إفشاء السلام , وهو تحية السلمين فيما بينهم , وإلقاؤه سنة , ورده فرض كفاية , وقد أغناهم الله به عن تحايا الجاهلية من فعل كالسجود والانحناء , أو قول كـ( عم صباحا ) , أو ( عم مساء )، وقد وضع الرسول لهذه لتحية قواعد ضابطة , حتى لا يتواكل الناس في البدء بها إذا تلاقوا .فيسلم الصغير على الكبير, والقليل على الكثير , والمار على الجالس , وقال تعالى : ( وإذا حييتم بتحية فحييوا بأحسن منها أو ردوها ) . ومن آدابه ما ذكره القرآن بقوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها , ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا.فيها أحداً فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم , وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا , هو أزكى لكم , والله بما تعملون عليم )
ومن آداب المجتمع المسلم : الإحسان إلى الجار , وإكرام الضيف , وتشميت العاطس , وعيادة المريض , وتشييع جنازة الميت , وتعزية المصاب , إلى غير ذلك من الآداب والتقاليد , التي تتفاوت في حكمها ما بين واجب مفروض , ومستحب مندوب .
من آثار التقاليد الإسلامية
إن هذه الآداب والتقاليد الإسلامية تحقق في المجتمع المسلم جملة من المزايا والآثار الطيبة , نذكر منها :
1. التميز : فهذه الآداب والتقاليد تجعل للمجتمع المسلم شخصية متميزة الملامح , واضحة التقاسيم , وتمسكه أن يذوب وينصهر في غيره من المجتمعات فيتقمص شخصيتها , ويقتبس عاداتها , وينقل تقاليدها , دون تفرقة ولا تمييز بين ما يجوز وما لا يجوز , وما يصلح وما لا يصلح , وهذا ما تورط فيه أكثر الشعوب المسلمة اليوم , إذ انسلخت من ذاتيتها , واتبعت حضارة الغرب وأخذت تقاليده جملة , بغير تمحيص . وهذا ما حذر منه ونبأ به الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) حين قال : ( لتتبعن سنن من قبلكم شبراً بشير , وذراعا بذراع , حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) ! قالوا : اليهود والنصارى يا رسول الله ؟ قال : ( فمن ) ؟
2. الوحدة العملية : إن هذه الآداب والتقاليد تنشئ بين المسلمين - وان تناءت ديارهم، واختلفت ألسنتهم , وتباينت عروقهم , وتفاوتت مراكزهم وطبقاتهم - وحدة عملية واقعية، بجوار الوحدة العقدية والفكرية والشعورية التي أنشأها اتحاد العقيدة والشعائر , والأفكار والمشاعر. فحيثما نزلت بين قوم مسلمين في أي أرض كانت، حيوك بتحية الإسلام ( السلام ) , واستقبلوك بالإكرام والقرى، تبعا لأدب الإسلام في إكرام الضيف : ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ) . فإذا تناولت طعامك معهم , وجدتهم يبدأون طعامهم باسم الله , ويأكلون باليد اليمنى، وبختمون بالحمد لله , ولا يقدمون لك خنزيراً ولا خمراُ . فهناك قدر مشترك من التقاليد والعادات يشعر المسلم أنىّ ذهب أنه بين أهله وإخوانه وذويه , لا يفترق عنهم , إلا في جزئيات تفصيلية , نتيجة لاختلاف البيئات والأحوال .
3. البساطة والاعتدال : فإن تقاليد الإسلام وآدابه تقوم على مراعاة الفطرة , واحترام البساطة والسر , وتجنب التكلف والتعقيد، والبعد عن الاختيال والإسراف .
ومن شأن هذه البساطة والقصد والاعتدال , أن ييسر الأمور , ويقلل التكاليف , ويخفف من بعثرة الجهود والأوقات , والأموال , فيما لا يعود على المجتمع واقتصاده وأخلاقه ومثله إلا بالضرر والخسران .
إن تقاليد المجتمع المسلم في اللبس والتزين للمرأة المسلمة، تنافي هذا التهالك المحموم على كل بدع، وهذا السباق الشعور على أقرب الأزياء إلى الإثارة , وأقدرها على الإغراء , وتناقض هذا الإسراف المجنون , في التجمل والتجميل , من وصل الشعر ( الباروكة ) ونمص الحواجب , ووشر الأسنان و (جراحات التجميل ) وغير ذلك مما لعنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لما فيه من تغيير خلق الله . ولم يعد يكفى المرأة أن تقوم بتجميل نفسها , فاحتاجت إلى من يجملها , ولم يعد القائم بالتجميل امرأة تأتى إليها في بيتها , كما كان يحدث في العصور السابقة أحيانا . بل أصبحت المرأة هي التي تخرج من بيتها لتذهب إلى محل رجل أجنبي ( كوافير ) يقوم بتجميلها وتزيينها ويتقاضى على ذلك أفحش الأجور .
مهمة المجتمع المسلم مع الآداب والتقاليد
إن مهمة المجتمع المسلم هنا - كما هي مهمته دائما - أن يبث هذه الآداب , ويربى عليها أبناءه وبناته , وينشئ عليها تلاميذه وتلميذاته، في كل مراحل التعليم ومستوياته وأنواعه , من الحضانة إلى الجامعة . . ويحببها إلى الشعب بكل وسيلة من وسائل التوجيه والإعلام , وبكل أسلوب من أساليب التأثير والبيان : بالمقالة والقصيدة , والقصة والمسرحية , والنشرة والكتاب , والمجلة والصحيفة , والنكتة والكاريكاتير , بالكلمة المقروءة والكلمة المسموعة والصورة المشاهدة . وأن تتعاون على ذلك كل المؤسسات : الدينية كالمسجد , والفنية كالمسرح، والتربوية كالمدرسة، والإعلامية كالتلفاز، ولا يجوز أن يبنى جهاز في جانب , وتهدم أجهزة أخرى في جوانب , كما قال الشاعر:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم ؟
وقال آخر : فلو ألف بان خلفهم هادم كفى فكيف ببان خلفه ألف هادم ؟ا
ولا سيما أن الهدم في عصرنا بالألغام لا بالمعاول . وهذا يصدق في الماديات و المعنويات . وواجب المجتمع المسلم في عصرنا أن ينقي آداب المجتمع وتقاليده مما دخل عليها من أمور غريبة عن طبيعته المتوازنة المعتدلة، سواء في ذلك ما أدخلته عصور الانحطاط الفكري , والتخلف الحضاري , الذي أصاب العالم الإسلامي لعدة قرون . وما زحفت به علينا الحضارة الغربية الحديثة من بدع منكرة في الأزياء والأثاث والمآكل والمشارب , والأعراس ومختلف المناسبات والعلاقات بين الرجال والنساء , وغير ذلك .
ولهذا نجد المجتمع الإسلامي الآن يضم فريقين من الناس يعيشان على طرفي نقيض .
فإذا أخذنا موضوع الأسرة مثلا . نجد هناك من لا يسمح لخاطب ابنته أن يراها مجرد رؤية , مع مخالفة ذلك للأحاديث الصحيحة , بل في بعض البلاد لا يرى الخاطب زوجته بعد أن يعقد عليها العقد الشرعي , وإنما يراها وتراه ليلة الزفاف فقط ! وفى مقابل هؤلاء من يدع للمخطوبة الحبل على الغارب , لتخرج مع خاطبها وحدهما , متأبطاً ذراعها، غادين أو رائحين , إلى المتنزهات أو السينمات، سحابة النهار أو زلفاً من الليل , حتى يسبر غورها , ويعرفها معرفة مخالطة ومعايشة . وهناك من الأزواج من يعامل امرأته كأنها قطعة أثاث في البيت , لا يستشيرها في أمر , ولا يعترف لها بحق , ولا يراعى لها شعورا , ويرى ذلك من الرجولة .
وعكس ذلك من جعل زمامه في يد امرأته , فلا شخصية له , ولا أثر لقوامته على الأسرة , بل تغدو الزوجة هي الآمرة الناهية , المتصرفة في المال , الموجهة لتربية الأولاد , المتحكمة في علاقات الزوج حتى بأمه وأبيه وذوى قرابته .
وهناك في مجال الميراث: من يحرم البنات من ميراثهن الشرعي الذي كتبه الله لهن , ليخص بذلك أبناءه الذكور، كأنما يستدرك على الله تعالى في حكمه.
وعلى النقيض من ذلك من يريد أن يسوى بين الابن والبنت , حلافاً لما فرض الله عز وجل في كتابه، ناسياً أن الشرع فاوت بينهما في الأنصبة , لأنه فاوت بينهما في الأعباء والتكاليف المالية . والأمثلة على ذلك كثيرة . وحسبنا ما ذكرناه . ثم على المجتمع أن يحمى هذه الآداب والتقاليد بعد ذلك بالقانون والسريع , فلا يترك الحبل على الغارب للذين يريدون أن يفسدوا آداب الأمة , ويمحوا معالم شخصيتها , ويدمروا تقاليدها , التي تلقتها من وحي ربها , وفرضها عليها شرعها . فإذا تهاون المجتمع في آدابه وتقاليده، وأطلق العنان للمخربين يفعلون ما يشاؤون , نفقد تخلى من رسالة المجتمع المسلم الحق .
ليس بمجتمع مسلم صادق الإسلام : ذلك الذي ينسلخ من تقاليده العريقة , وينفلت من آدابه الأصيلة , ليتقبل تقاليد دخيلة , وآداباً غريبة عنه، فتذوب شخصيته , وتمحى ذاتيته ويصح ذيلاً لغيره، وقد جعله الله رأساً. فترى أبناءه يأكلون بالشمال ويشربون بالشمال , ورجاله يتحلون بخواتم الذهب , ونسا ه يتشبهن بالكافرات في كشف الشعور , وتعرية الصدور , وإبداء البطون والظهور .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يختلي فيه الرجال بالنساء بلا زوج ولا محرم ولا رقيب ولا حسيب .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي يختلط فيه الفتيان والفتيات - اختلاط تماس واحتكاك والتصاق - في المعاهد والجامعات , والمعسكرات والرحلات , ووسائل المواصلات .
ليس بمجتمع مسلم ذلك الذي تترك فيه المؤسسات المشبوهة : الصحفية والسينمائية والإعلامية , تخرب كيان الأمة، وتسلط عليها ريحاً سموماً فيها عذاب أليم، تدمر كل شئ بأمر سادتها من الصهاينة والمستعمرين والشيوعيين : بالمقالات المضللة، والأخبار الزائفة، والقصص الماجنة، والصور الفاجرة , والأغاني الخليعة , والمسرحيات الداعرة، و ( الأفلام ) الهابطة، والمسلسلات المطعمة بالأباطيل . إنما المجتمع المسلم حقاً : الذي يحامي عن آدابه الأصيلة، وتقاليده الثابتة , كما يحامي عن أرضه أن تحتل , وعن حرماته أن تنتهك , وعن ثرواته أن تنتهب , وعن كرامته أن تهان .
[/align:d0f331a653]