P. R. Picasso
05-06-2005, 10:55 PM
'رواية بيروت' لألكسندر نجّـار بدأ كل شيء في ساحة البرج
[align=justify:deeec8b859]ماذا يعني أن تصدر الآن بالذات روايةٌ تسرد قصة بيروت، وقصصها، على مرّ 150 عاما من تاريخها وتاريخ شعبها؟ ماذا يعني أن تبدأ أحداث الرواية في ساحة البرج، وأن تتمحور كل حبكتها تقريبا حول هذه الساحة القدرية؟ يعني ذلك في الدرجة الأولى ضربة نرد موفّقة للكاتب اللبناني باللغة الفرنسية ألكسندر نجار - وإن غير مقصودة - إذ شاءت المصادفات أن يصدر عمله هذا في ظروف تجعله شديد الراهنية، كونها متلائمة معه ومؤاتية له الى أقصى الحدود، على المستويات السياسية والاجتماعية والانسانية والتاريخية والفكرية والثقافية والروحية. لكنه يعني ايضا وخصوصا فرصة لمراجعة ماضي هذه المدينة الفريدة من نوعها في ضوء الغليان الذي عاشته أخيرا: ماضيها المشعّ والمعتم على السواء، الطارد للمحتل والمتواطىء معه، البيّن كما الغامض، البطولي كما المشين. كأن رواية بيروت كانت تنتظر 14 آذار لترى النور، أو كأن 14 آذار خير خاتمة غير مكتوبة لقصّة بيروت هذه. هي رمية من غير رام إذا، بما أن ولادة العمل سبقت اندلاع الثورة الأخيرة بوقت قليل، ولم يكن الكسندر نجار ليشك في أنها ستتزامن مع ربيع بيروت الجديد الذي أعاد العاصمة الى قلب الحدث الدولي. وأن نقرأها اليوم يعني ان ندرك كم أن صرخة حرية سيادة استقلال هي صدى لصرخات كثيرة اخرى أطلقت أمس، ونواة صرخات كثيرة مقبلة لن تكف الساحة ولن يكف ابناؤها عن اطلاقها، حتى يتحقق فعلا ما يجب أن يتحقق، حتى يتحقق هو بالذات، لا نصفه، ولا مرادفه، ولا ظله، ولا نسخة ممسوخة عنه.
فكرة الوطن هي فكرة المدينة. ذلك الوطن الصغير هو الوطن الكبير والحقيقي والأوحد
جول رونار
أن نكتب التاريخ يعني أن نزوّره، فالتأريخ ينتمي الى الكتابة التخييلية بقدر الرواية ان لم يكن أكثر. التاريخ رواية من نوع آخر
روا باستوس
بيروت الأسطورة وبيروت الواقع، بيروت الفكرة والكائن الحيّ، بيروت الشفافة وتلك النابضة بالأسرار، بيروت استعارة الألق والشغف والوجع والجنون: تلك هي المدينة - الإمرأة التي تتعرّى امامنا صفحة وراء صفحة في رواية الكسندر نجار الجديدة، الصادرة لدى دار بلون الباريسية، عبر قصّة تتشابك فيها حقائق هذه العاصمة الجماعية وحيواتها المتنوعة منذ عام 1858 حتى عام 2000، مع حقائق الراوي وحقائق عائلته الفردية، فصلاً بعد فصل. الراوي الذي يُدعى فيليب، المولود عام 1923 والذي يناهز لحظة السرد الثمانين من العمر، عمل صحافياً طوال حياته في جريدة لوجور ثم في لوريان لوجور . «ستكون حكايتي طويلة ، يقول للكاتب في مستهلّ اللقاء، هل لديك الصبر لتستمع اليّ حتى النهاية؟»: وستكون حكايته طويلة فعلا، اذ تبدأ مع جدّه روكز الذي كان يعمل ترجماناً في القنصلية الفرنسية والذي شارك في ثورة طانيوس شاهين ضد الاقطاع وشهد مجازر 1860 والحرب العالمية الأولى، ولن تنتهي إلا على عتبة الألفية الثالثة وقيامة ساحة الشهداء من رمادها.
هكذا يروي لنا فيليب بيروته، واذ أقول يروي أعني يشعر او يتنفّس او يعيش . على مرّ الصفحات يمتزج الخاص مع العام، مقدّمة الخشبة مع الخلفية حتى تمحي الحدود بينهما، فيتزاوج تاريخ البلاد مع تاريخ بطل الرواية الشخصي، ويكتشف هذا حقيقته وأوهامها، والعكس بالعكس في هيكل متاهي وهندسة سردية متقنة تشبه الدمى الروسية: هنا التاريخ يحيل على الجغرافيا، والسياسة على الأدب، والحميم على الاجتماعي، كلّه في ذائقة أدبية رفيعة ونسق شعري جليّ في الاسلوب والايقاع، يظهر في ما يظهر أن نجار جاء الى الرواية من الشعر، او انه على الاصح في حركة ذهاب واياب مغنية بينهما. ورغم ان الغلبة تكون احيانا للنفس التأريخي على النفس السردي، إلا ان الروائي سرعان ما يستدرك ذلك ويوازنه بنقيضه، مما يجعل الرواية أيضا تقريرا دقيقا عن مئة وخمسين سنة من تاريخ البلاد وعاصمتها. بيروت الكسندر نجار تسلّم نفسها للقارىء منذ جملة كان يا ما كان الافتتاحية، ولكن لا التسليم بمعنى الكشف والتبسيط والإستسهال، بل بمعنى تحديد النبرة والمعالم منذ البدء، بلا مواربة ولا تمهيد.
على طول 150 عاما إذاً، يقيم نجار بيروت من رقادها، من خلال قصة عائلة لبنانية بأجيالها الثلاثة: الجد والوالد والابن. وهو إذ يفعل ذلك، يمزج التخييل والواقع برشاقة ومهارة، ويمسك جيدا بزمام اللعبة السردية والتأريخية في آن واحد، خصوصا انه قام بجهدٍ توثيقي هائل أثناء الكتابة، جهدٌ تشهد له البيبليوغرافيا المسهبة الواردة في آخر الكتاب والتي تضم لائحة طويلة من المصادر والمراجع حول بيروت، ابرزها كتاب تاريخ بيروت الاستثنائي للزميل سمير قصير. هكذا نتعرّف الى ثلاثة أجيال من عائلة لبنانية واحدة: الجدّ روكز، الترجمان في القنصلية الفرنسية، ومن الفاعلين في ثورة الفلاحين. ثم الوالد الياس، الطبيب المتسامح والانساني، الذي يؤدي من جهته دورا في الثورة على الانتداب الفرنسي ونيل البلاد استقلالها. فالابن فيليب، وهو الذي يعايش حرب 1975. وكم كان ليكون جميلا لو قرأنا في الرواية نفسها أيضا عن ابن جيل رابع، عاش منعطف 14 آذار 2005 التاريخي وساهم في تحقيقه: لكننا سنرى ذلك ربما في رواية مقبلة، وقد يكون بطل هذا الجيل الرابع ابن فيليب نفسه، رومان - كي لا نشذ عن العائلة المحور - وهو الابن الذي جاء ثمرة علاقته بامرأة فرنسية تدعى ماريان، والذي تعرف اليه فيليب متأخرا، كما نقرأ في الرواية.
تلك هي الشخصيات الثلاثة الرئيسية التي تمسك بخيط الأحداث، والثلاثة سكنت ساحة البرج، وتحديدا بناية سركيس فيها، التي ستمثل بتنوع سكانها نموذجا عن تنوع لبنان الطائفي، اذ تتجاور فيها عائلة فيليب المسيحية وعائلة صيداني المسلمة وصموئيل اليهودي والأرمني زاديغ. لكن تلك الشخصيات ليست الوحيدة التي تصنع النسيج السردي، فهناك أيضا أليس، والدة فيليب المتسلطة والتقليدية، وجو شقيقه الفنان الذي ينخرط في حزب الكتائب، ومنى شقيقته التي تقرر العيش في فرنسا، وحبيبته نور المناضلة الشيوعية التي يتزوج بها رغم كونها من طائفة اخرى.
عبر تلك الأجيال الثلاثة وأفلاكها، تترقرق قصة المدينة المزدانة بندوبها، والتي يقتفي نجار آثارها وذكرياتها ورموزها ببراعة ونضج، وبكثير من الحنين ايضا: فضاؤها ما قبل الحرب وبعدها، عنفها الدموي ورقتها الفادحة، وجهها البهي أيام العزّ ، كما وجهها البشع والشرير والقاسي: أي وجه الحرب والدمار والموت والخوف. ونجد في الرواية حقائق ومشاعر وردود فعل ومواقف من شأنها ان تنسج جغرافيا ثانية للمدينة، وسجلا حكائيا لأحداث ولقاءات ووقائع، وعرضا لأزمنة، وتحليلا لشخصيات ومحطات تاريخية بأسلوب مشوّق، لكنه ايضا وخصوصا شعري ومؤثر. نلتقي ببشارة الخوري وشارل ديغول وبيار الجميل والجنرال غورو وميشال شيحا والفرد سرسق وشارل قرم وسمير فرنجية وامين معلوف وفؤاد سليمان ورياض الصلح وغسان تويني وادوار صعب وشارل حلو، وبغيرهم كثيرين ممن صاغوا تاريخ هذه المدينة وتركوا بصمتهم فيها، أكانت ايجابية ام سلبية. تتجاور الشخصيات المخترعة مع الشخصيات الحقيقية، والوهم مع الواقع، وبينهما نقرأ عن اعلان لبنان الكبير وعن الانتداب الفرنسي والنضال الطالبي والصراع بين الاحزاب وهزيمة 1967 وحرب الايام الستة وموت عبد الناصر ومقتل كمال جنبلاط واجتياح بيروت واغتيال بشير الجميل... الخ: قصص حب وحرب وتشويق وانقاض فوق انقاض فوق انقاض...
بيروت امرأة متعبة ، يكتب نجار، لكنها فخورة ، وهو يروح ينقّب تحت أقنعتها التي لا تحصى عن حقيقتها: ولكن هل لبيروت حقيقة فعلا؟ أليست بيروت حلمنا ببيروت واوهامنا عنها واختراع رغباتنا وتخيلاتنا لها؟ في أي حال ليست هذه المرة الأولى يحاول الكاتب أن يخرج تاريخ البلاد من عتمة الماضي، من اجل أن يساهم في التأسيس لحياتها الجديدة، فهو فعل ذلك قبلا في مدرسة الحرب و عار الباقي على قيد الحياة . وهذا هو العمل الخامس عشر لنجار بين شعر ونثر وبحث وقصة وسيرة، وجدير بالذكر انه اختير على لائحة افضل الروايات في مجلة لو بوان . وجاء لافتا تطعيم الكاتب روايته بعبارات لبنانية عامية، صعّدت توهّج لغتها السلسة وزادتها صدقية والتصاقا بالواقع اللبناني.
سبعة فصول تتوالى فيها الحقب، من الثورة الى السلام ، وفي قلب هذه البانوراما الاجتماعية والسياسية والانسانية الشاملة، وبين تفاصيل هذه الجدارية المتعددة اللون والوجه التي تشهد على تحولات قرن ونيّف، نجد كم ان التاريخ يعيد نفسه غالبا، ونكتشف كذلك مراحل تطوّر المجتمع اللبناني وعاداته وتقاليده، وبنية لبنان الطائفية والاجتماعية والسياسية والعائلية، فضلا عن طريقة العيش في العاصمة، التي نلمس ايضا هندستها المدينية والانسانية: مجموعة من المباني الجميلة، ومن مبان أخرى بشعة، من الشوارع المنظمة، ومن أخرى في فوضى عارمة، من الأناس الطيبين، ومن آخرين مدعين وقتلة. انها بيروت الكوزموبوليتية وبيروت المتعصبة، بيروت الشرق والغرب، بيروت المنفتحة وبيروت المضمومة على جروحها، بيروت الحاقدة وبيروت الحنونة، بيروت التجار والفنانين، رجال الأعمال والزعماء السياسيين، الهامشيين والمثقفين، الرجال والنساء، النهار والليل، التظاهرات والبارات، بيروت الحداثة والتصلّب، والحرية والتطرف والنزق. بيروت النزق خصوصا.
تقول القصّة: بدأ كل شيء في ساحة البرج عام 1858، عندما قرر الموظف في القنصلية الفرنسية روكز أن يحضّ الفلاحين على التمرد للخلاص من ظلم الاقطاعيين. وفي ساحة البرج تلك، لم يزل كل شيء يبدأ حتى اليوم: دورة رواية بيروت ستظل مفتوحة اذا. لذا أكرّر: ماذا يعني لنا، نحن الذين نعيش بيروت اليوم، ان نعيد اكتشاف بيروت الامس هذه؟ الجواب، ربما، في هذه الجملة للروائي الإيطالي الكبير إيتالو كالفينو: إنّ الامور التي لا تـقولها قصةٌ ما هي أكثر من تلك التي تـبوح بها، لكننا سـنظل نكتب آملين أن نطرد شياطيننا، سنظل نكتب... لكي ننسى أن نموت .[/align:deeec8b859]
[align=left:deeec8b859]جمانة حداد[/align:deeec8b859]
[align=justify:deeec8b859]ماذا يعني أن تصدر الآن بالذات روايةٌ تسرد قصة بيروت، وقصصها، على مرّ 150 عاما من تاريخها وتاريخ شعبها؟ ماذا يعني أن تبدأ أحداث الرواية في ساحة البرج، وأن تتمحور كل حبكتها تقريبا حول هذه الساحة القدرية؟ يعني ذلك في الدرجة الأولى ضربة نرد موفّقة للكاتب اللبناني باللغة الفرنسية ألكسندر نجار - وإن غير مقصودة - إذ شاءت المصادفات أن يصدر عمله هذا في ظروف تجعله شديد الراهنية، كونها متلائمة معه ومؤاتية له الى أقصى الحدود، على المستويات السياسية والاجتماعية والانسانية والتاريخية والفكرية والثقافية والروحية. لكنه يعني ايضا وخصوصا فرصة لمراجعة ماضي هذه المدينة الفريدة من نوعها في ضوء الغليان الذي عاشته أخيرا: ماضيها المشعّ والمعتم على السواء، الطارد للمحتل والمتواطىء معه، البيّن كما الغامض، البطولي كما المشين. كأن رواية بيروت كانت تنتظر 14 آذار لترى النور، أو كأن 14 آذار خير خاتمة غير مكتوبة لقصّة بيروت هذه. هي رمية من غير رام إذا، بما أن ولادة العمل سبقت اندلاع الثورة الأخيرة بوقت قليل، ولم يكن الكسندر نجار ليشك في أنها ستتزامن مع ربيع بيروت الجديد الذي أعاد العاصمة الى قلب الحدث الدولي. وأن نقرأها اليوم يعني ان ندرك كم أن صرخة حرية سيادة استقلال هي صدى لصرخات كثيرة اخرى أطلقت أمس، ونواة صرخات كثيرة مقبلة لن تكف الساحة ولن يكف ابناؤها عن اطلاقها، حتى يتحقق فعلا ما يجب أن يتحقق، حتى يتحقق هو بالذات، لا نصفه، ولا مرادفه، ولا ظله، ولا نسخة ممسوخة عنه.
فكرة الوطن هي فكرة المدينة. ذلك الوطن الصغير هو الوطن الكبير والحقيقي والأوحد
جول رونار
أن نكتب التاريخ يعني أن نزوّره، فالتأريخ ينتمي الى الكتابة التخييلية بقدر الرواية ان لم يكن أكثر. التاريخ رواية من نوع آخر
روا باستوس
بيروت الأسطورة وبيروت الواقع، بيروت الفكرة والكائن الحيّ، بيروت الشفافة وتلك النابضة بالأسرار، بيروت استعارة الألق والشغف والوجع والجنون: تلك هي المدينة - الإمرأة التي تتعرّى امامنا صفحة وراء صفحة في رواية الكسندر نجار الجديدة، الصادرة لدى دار بلون الباريسية، عبر قصّة تتشابك فيها حقائق هذه العاصمة الجماعية وحيواتها المتنوعة منذ عام 1858 حتى عام 2000، مع حقائق الراوي وحقائق عائلته الفردية، فصلاً بعد فصل. الراوي الذي يُدعى فيليب، المولود عام 1923 والذي يناهز لحظة السرد الثمانين من العمر، عمل صحافياً طوال حياته في جريدة لوجور ثم في لوريان لوجور . «ستكون حكايتي طويلة ، يقول للكاتب في مستهلّ اللقاء، هل لديك الصبر لتستمع اليّ حتى النهاية؟»: وستكون حكايته طويلة فعلا، اذ تبدأ مع جدّه روكز الذي كان يعمل ترجماناً في القنصلية الفرنسية والذي شارك في ثورة طانيوس شاهين ضد الاقطاع وشهد مجازر 1860 والحرب العالمية الأولى، ولن تنتهي إلا على عتبة الألفية الثالثة وقيامة ساحة الشهداء من رمادها.
هكذا يروي لنا فيليب بيروته، واذ أقول يروي أعني يشعر او يتنفّس او يعيش . على مرّ الصفحات يمتزج الخاص مع العام، مقدّمة الخشبة مع الخلفية حتى تمحي الحدود بينهما، فيتزاوج تاريخ البلاد مع تاريخ بطل الرواية الشخصي، ويكتشف هذا حقيقته وأوهامها، والعكس بالعكس في هيكل متاهي وهندسة سردية متقنة تشبه الدمى الروسية: هنا التاريخ يحيل على الجغرافيا، والسياسة على الأدب، والحميم على الاجتماعي، كلّه في ذائقة أدبية رفيعة ونسق شعري جليّ في الاسلوب والايقاع، يظهر في ما يظهر أن نجار جاء الى الرواية من الشعر، او انه على الاصح في حركة ذهاب واياب مغنية بينهما. ورغم ان الغلبة تكون احيانا للنفس التأريخي على النفس السردي، إلا ان الروائي سرعان ما يستدرك ذلك ويوازنه بنقيضه، مما يجعل الرواية أيضا تقريرا دقيقا عن مئة وخمسين سنة من تاريخ البلاد وعاصمتها. بيروت الكسندر نجار تسلّم نفسها للقارىء منذ جملة كان يا ما كان الافتتاحية، ولكن لا التسليم بمعنى الكشف والتبسيط والإستسهال، بل بمعنى تحديد النبرة والمعالم منذ البدء، بلا مواربة ولا تمهيد.
على طول 150 عاما إذاً، يقيم نجار بيروت من رقادها، من خلال قصة عائلة لبنانية بأجيالها الثلاثة: الجد والوالد والابن. وهو إذ يفعل ذلك، يمزج التخييل والواقع برشاقة ومهارة، ويمسك جيدا بزمام اللعبة السردية والتأريخية في آن واحد، خصوصا انه قام بجهدٍ توثيقي هائل أثناء الكتابة، جهدٌ تشهد له البيبليوغرافيا المسهبة الواردة في آخر الكتاب والتي تضم لائحة طويلة من المصادر والمراجع حول بيروت، ابرزها كتاب تاريخ بيروت الاستثنائي للزميل سمير قصير. هكذا نتعرّف الى ثلاثة أجيال من عائلة لبنانية واحدة: الجدّ روكز، الترجمان في القنصلية الفرنسية، ومن الفاعلين في ثورة الفلاحين. ثم الوالد الياس، الطبيب المتسامح والانساني، الذي يؤدي من جهته دورا في الثورة على الانتداب الفرنسي ونيل البلاد استقلالها. فالابن فيليب، وهو الذي يعايش حرب 1975. وكم كان ليكون جميلا لو قرأنا في الرواية نفسها أيضا عن ابن جيل رابع، عاش منعطف 14 آذار 2005 التاريخي وساهم في تحقيقه: لكننا سنرى ذلك ربما في رواية مقبلة، وقد يكون بطل هذا الجيل الرابع ابن فيليب نفسه، رومان - كي لا نشذ عن العائلة المحور - وهو الابن الذي جاء ثمرة علاقته بامرأة فرنسية تدعى ماريان، والذي تعرف اليه فيليب متأخرا، كما نقرأ في الرواية.
تلك هي الشخصيات الثلاثة الرئيسية التي تمسك بخيط الأحداث، والثلاثة سكنت ساحة البرج، وتحديدا بناية سركيس فيها، التي ستمثل بتنوع سكانها نموذجا عن تنوع لبنان الطائفي، اذ تتجاور فيها عائلة فيليب المسيحية وعائلة صيداني المسلمة وصموئيل اليهودي والأرمني زاديغ. لكن تلك الشخصيات ليست الوحيدة التي تصنع النسيج السردي، فهناك أيضا أليس، والدة فيليب المتسلطة والتقليدية، وجو شقيقه الفنان الذي ينخرط في حزب الكتائب، ومنى شقيقته التي تقرر العيش في فرنسا، وحبيبته نور المناضلة الشيوعية التي يتزوج بها رغم كونها من طائفة اخرى.
عبر تلك الأجيال الثلاثة وأفلاكها، تترقرق قصة المدينة المزدانة بندوبها، والتي يقتفي نجار آثارها وذكرياتها ورموزها ببراعة ونضج، وبكثير من الحنين ايضا: فضاؤها ما قبل الحرب وبعدها، عنفها الدموي ورقتها الفادحة، وجهها البهي أيام العزّ ، كما وجهها البشع والشرير والقاسي: أي وجه الحرب والدمار والموت والخوف. ونجد في الرواية حقائق ومشاعر وردود فعل ومواقف من شأنها ان تنسج جغرافيا ثانية للمدينة، وسجلا حكائيا لأحداث ولقاءات ووقائع، وعرضا لأزمنة، وتحليلا لشخصيات ومحطات تاريخية بأسلوب مشوّق، لكنه ايضا وخصوصا شعري ومؤثر. نلتقي ببشارة الخوري وشارل ديغول وبيار الجميل والجنرال غورو وميشال شيحا والفرد سرسق وشارل قرم وسمير فرنجية وامين معلوف وفؤاد سليمان ورياض الصلح وغسان تويني وادوار صعب وشارل حلو، وبغيرهم كثيرين ممن صاغوا تاريخ هذه المدينة وتركوا بصمتهم فيها، أكانت ايجابية ام سلبية. تتجاور الشخصيات المخترعة مع الشخصيات الحقيقية، والوهم مع الواقع، وبينهما نقرأ عن اعلان لبنان الكبير وعن الانتداب الفرنسي والنضال الطالبي والصراع بين الاحزاب وهزيمة 1967 وحرب الايام الستة وموت عبد الناصر ومقتل كمال جنبلاط واجتياح بيروت واغتيال بشير الجميل... الخ: قصص حب وحرب وتشويق وانقاض فوق انقاض فوق انقاض...
بيروت امرأة متعبة ، يكتب نجار، لكنها فخورة ، وهو يروح ينقّب تحت أقنعتها التي لا تحصى عن حقيقتها: ولكن هل لبيروت حقيقة فعلا؟ أليست بيروت حلمنا ببيروت واوهامنا عنها واختراع رغباتنا وتخيلاتنا لها؟ في أي حال ليست هذه المرة الأولى يحاول الكاتب أن يخرج تاريخ البلاد من عتمة الماضي، من اجل أن يساهم في التأسيس لحياتها الجديدة، فهو فعل ذلك قبلا في مدرسة الحرب و عار الباقي على قيد الحياة . وهذا هو العمل الخامس عشر لنجار بين شعر ونثر وبحث وقصة وسيرة، وجدير بالذكر انه اختير على لائحة افضل الروايات في مجلة لو بوان . وجاء لافتا تطعيم الكاتب روايته بعبارات لبنانية عامية، صعّدت توهّج لغتها السلسة وزادتها صدقية والتصاقا بالواقع اللبناني.
سبعة فصول تتوالى فيها الحقب، من الثورة الى السلام ، وفي قلب هذه البانوراما الاجتماعية والسياسية والانسانية الشاملة، وبين تفاصيل هذه الجدارية المتعددة اللون والوجه التي تشهد على تحولات قرن ونيّف، نجد كم ان التاريخ يعيد نفسه غالبا، ونكتشف كذلك مراحل تطوّر المجتمع اللبناني وعاداته وتقاليده، وبنية لبنان الطائفية والاجتماعية والسياسية والعائلية، فضلا عن طريقة العيش في العاصمة، التي نلمس ايضا هندستها المدينية والانسانية: مجموعة من المباني الجميلة، ومن مبان أخرى بشعة، من الشوارع المنظمة، ومن أخرى في فوضى عارمة، من الأناس الطيبين، ومن آخرين مدعين وقتلة. انها بيروت الكوزموبوليتية وبيروت المتعصبة، بيروت الشرق والغرب، بيروت المنفتحة وبيروت المضمومة على جروحها، بيروت الحاقدة وبيروت الحنونة، بيروت التجار والفنانين، رجال الأعمال والزعماء السياسيين، الهامشيين والمثقفين، الرجال والنساء، النهار والليل، التظاهرات والبارات، بيروت الحداثة والتصلّب، والحرية والتطرف والنزق. بيروت النزق خصوصا.
تقول القصّة: بدأ كل شيء في ساحة البرج عام 1858، عندما قرر الموظف في القنصلية الفرنسية روكز أن يحضّ الفلاحين على التمرد للخلاص من ظلم الاقطاعيين. وفي ساحة البرج تلك، لم يزل كل شيء يبدأ حتى اليوم: دورة رواية بيروت ستظل مفتوحة اذا. لذا أكرّر: ماذا يعني لنا، نحن الذين نعيش بيروت اليوم، ان نعيد اكتشاف بيروت الامس هذه؟ الجواب، ربما، في هذه الجملة للروائي الإيطالي الكبير إيتالو كالفينو: إنّ الامور التي لا تـقولها قصةٌ ما هي أكثر من تلك التي تـبوح بها، لكننا سـنظل نكتب آملين أن نطرد شياطيننا، سنظل نكتب... لكي ننسى أن نموت .[/align:deeec8b859]
[align=left:deeec8b859]جمانة حداد[/align:deeec8b859]