عرض الإصدار الكامل : أقـــبـــضـــوا عــلـى الـمـــثـــقـــفــــيـــن


P. R. Picasso
05-06-2005, 10:50 PM
أقـــبـــضـــوا عــلـى الـمـــثـــقـــفــــيـــن

[align=justify:c30fbb1a52]أمامنا حدثان أساسيان، واحد لبناني وآخر سوري. الأول يتمثل في الانتخابات النيابية ودور المثقفين فيها، والثاني يتمثل في قمع منتدى جمال الأتاسي واعتقال بعض المثقفين السوريين.

الحدثان مختلفان لكنهما يلتقيان حول نقطة واحدة: مسؤولية المثقف ودوره في صناعة الكينونة غير القطيعية للذات والمجتمع، وفي اختراع الدروب وشقّها لتكون دروباً نحو الحرية والديموقراطية والعلمانية.

أمام السلطات، ليس للمثقف سوى أن يضطلع بمسؤوليته الجوهرية وأن يمارس دوره غير القابل للمساومة. وهذا يعني في ظل السلطات الغاشمة، إما أن يتمكن المثقف من تغيير المعادلات المستتبة وإما أن يجبر السلطات على القبض عليه.

السلطات الغاشمة لن تقبل بالتغيير طوعاً. هذا يناقض طبيعة السلطات وآليات عملها وخصوصاً في الأنظمة الديكتاتورية.

المثقف إذاً، مدعوّ الى حمل السلطات الغاشمة على الانصياع لآليات التغيير، بالانتخاب أو بوسائل الضغط الديموقراطي المنظم. هنا في لبنان، وهناك في سوريا على مقربة. وكلانا، على قول الشاعر، كلانا في الهمّ شرق .

الفنان، يقول سارتر، شخص مشتبه فيه. كائناً من يكن يستطيع أن يستجوبه، أن يوقفه، وأن يجره الى المحاكم. أقواله، أعماله، كلها وجميعها يمكن أن تُستخدَم ضده.

بدل الفنان تحديداً أقول المثقف، وأقصد أهل الرأي وخصوصاً منهم أصحاب المواقف الطليعية والخلاقة، الجريئة الصريحة والحرة.

الاستشهاد بقول لجان بول سارتر، هو على خلاف معناه الظاهري التحذيري ، دعوة شخصية مني الى المثقف، كل مثقف، لبنانياً أكان أم سورياً أم مجهول الهوية، دعوة غير قابلة للتفاوض والمجاملة ومراعاة الظروف الموضوعية ، تطلب منه بتحريض كامل أن يكون شخصاً مشتبهاً فيه في نظر السلطات الغاشمة، كل السلطات الغاشمة، وفي كل مكان. الآن خصوصاً.

شرف المثقف في هذا المعنى، وفي كل معنى، أن يكون موضع شبهة، وأن يكون ملاحَقاً، ومطارَداً، وأقلوياً، وهامشياً، لأن دوره يتمثل في أن يكون عضواً معلوماً وواضحاً و مرئياً ومسموعاً، بل في أن يكون مزعجاً ومزلزلاً، وأن يخالف السائد والمستتب، بحثاً عن التغيير وصوناً له حين ينوجد ويُعرَف.

هذه هي مهمة المثقفف: أن يكون. أن يكون فحسب.

كينونة المثقف هذه تتجسد أكثر ما تتجسد في التعبير عن الرأي الأصعب والأخطر والأقل شعبية ، وخصوصاً في اللحظة التي لا يكون أحدٌ فيها مستعداً للاستماع الى رأي أو قادراً على الاعتراف به. فكيف حين يكون هذا الرأي مختلفاً ومخالفاً وعكس التيار!

الاختلاف والمخالفة ليسا مطلوبين في ذاتهما. إنهما ما يجعل الإنسان، المثقف خصوصاً، شيئاً أكثر من مجرد كونه حادثاً عرضياً في الكون (أندره مالرو). شيئاً ما يمكّنه من أن يكون أكثر من مجرد رقم وعدد وإضافة في هذا القطيع الكوني المتراص.

وهذا أكثر ما نحتاجه الآن نحن اللبنانيين والسوريين والعرب. أقول الآن لأن اللحظة الوطنية التي نعيشها هي لحظة كينونة. وأيضاً هي لحظة اختلاف ومخالفة. وبقدر ما نكون قادرين على إحداث الشروخ النوعية داخل الكينونة القطيعية الجماعية، نكون نتخطى مجرد كوننا حادثاً عرضياً (أو غلطة أو أصطداماً) في الكون .

وهذا يتطلب من المثقف، إذ يختلف ويخالف، أن يخترع كينونته، لا أن يتلقاها أو يرثها. الثقافة لا يمكن أن تورَث. تُكتسَب فحسب. وهي تُكتسَب بعرق الجهاد و الاختراع . أي بأن يخترع المثقف طريقه (هذا القول هو أيضاً لسارتر)، وأن يمشي هذا الطريق. على أن يخترعه ويمشيه برأس مرفوع وبهامة عالية، وأن يكون أنوفاً (لا متعالياً) من أجل ان يستنشق قيم الهواء العالي وجموح الحرية.

هنا في لبنان، نحن الآن أمام امتحان كبير: امتحان ان نكون وأن نصير أشخاصاً مشتبهاً فينا على الصعيد الوطني. وهذا هو مشتهانا وطموحنا. أي أن نخترع طريقنا ضد السلطات الغاشمة، وأن نختاره بأنفسنا، وأن نمشيه بإباء، وتمايز، باختلاف ومخالفة، وعلى طريقة النهر العاصي.

وأن نفعل هذا وغيره بالعزم الذي لا يخشى التهميش والتنكيل.

الانسجام حين يندرج في القطيعية، يكون عملية قتل واستئصال هادئة وطويلة الأمد للمثقف والثقافة. بل وللحياة أيضاًً.

لهذا السبب ربما، أضاف سارتر على معنى اختراع الطريق واختياره، أن يتمكن الإنسان مطلقاً وفي كل الظروف من أن يختار حياته بالذات، وأن ويخترعها، لا أن يكتفي باختراع طريقه واختياره فحسب.

وهما اختراع واختيار يجب أن يتجسدا كل يوم. وهذا هو شرط المصير الإنساني مطلقاً.

هذا الاختراع الدائم، اختراع الإنسان الدائم لنفسه ولحياته ولطريقه، هو ما يجعله يُحدث كوة ضوئية في دهليز المصير البشري المعتم. هذه الكوة وحدها تخلخل الكينونة القطيعية وتفتح أثلاماً وشروخاً داخل المستتب الفردي والكوني.

الحياة إذاً، حياتنا بالذات، هي التي يجب أن تُختار وتُخترَع.

المثقف الخلاّق والحر، المخالف والمختلف، المزعج والمثير لشغب القلق، هو الذي يخترع لنا الحياة ويقترح الدروب ويشقّها. إنه كينونة واختراع، وهذان لا يكونان إلا بإحداث الشروخ داخل الذات الفردية. بل وأيضاً داخل الكينونة القطيعية، السياسية والمجتمعية.

الآن، في لبنان وسوريا، المثقف مدعوّ أكثر من كل وقت مضى الى أن يكون ذاته والى أن يخترعها ويشقّ الدروب إليها وأمامها.

المثقف مدعوّ، على غرار الضحايا، الى أن يتمرد على جلاّديه. إذ ليس أكره من الضحايا الذين يحترمون جلاّديهم (سارتر).

هذا التمرد لا يكون مثمراً إلاّ بطلب الحرية الكاملة، وإن يكن ذلك يتطلب من المثقف أن يغامر بتحدي السجن الصغير الكبير: أن يغامر بالخروج من السجن... وإن بالدخول إليه من أجل تحطيمه.[/align:c30fbb1a52]


[align=left:c30fbb1a52]عقل العويط[/align:c30fbb1a52]