عرض الإصدار الكامل : كتاب المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري د / محسن عبد الحميد
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:36 PM كتاب المذهبية الإسلامية والتغيير الحضاري
الدكتور / محسن عبد الحميد أحمد
تقديم : بقلم : عمر عبيد حسنة
الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وبعد:
فهذا الكتاب السادس في سلسلة "كتاب الأمة " التي اعتزمت رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية إصدارها مساهمة في تحقيق الوعي الثقافي، والحصانة الفكرية، وإعادة بناء الشخصية المسلمة الفاعلة بعد أن انطفأت فاعليتها أو كادت بسبب من السقوط الحضاري، والانكسار العسكري، والوهن الخلقي، الأمر الذي أفقدها الرؤية الشمولية والتوازن الاجتماعي، واستشعار التحدي الذي يوقظ الحس ويلهب المشاعر ويذكي الروح ويجمِّع الطاقات النفسية والمادية لتبدأ عملية النهوض من جديد، ونقل المسلمين إلى الموقع الذي يجعلهم في مستوى إسلامهم تكليفاً وإرادة، وفي مستوى عصرهم قدرة وعطاء وقيادة.
ولا بد لنا بين يدي التقديم للكتاب، وقد اختار مؤلفه مصطلحاً، يمكن أن يكون جديداً على الساحة الفكرية الإسلامية "المذهبية الإسلامية " من القول: إنه إلى جانب المعارك الكثيرة والمتعددة التي تدور رحاها على الأرض الإسلامية في إطار الاستعمار ومحاولات الاحتواء الثقافي هناك معركة يمكن أن تكون الأخطر في مجال الصراع الحضاري، هي معركة المصطلحات، حيث تُقذف مجتمعاتنا يومياً عن طريق وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية بكثير من المصطلحات السياسية والفكرية والجغرافية [الديمقراطية، الوجودية، العلمانية، الماركسية، اليمين واليسار، الشرق الأوسط، الشرق الأدنى، حوض المتوسط. . . الخ ] البديلة لما ألفنا وعرفنا إلى درجة الإغراق لتخرجنا عن مواقعنا الفكرية، وتستلب شخصيتنا الحضارية، وتطارد مصطلحاتنا وتحدد لها المعاني التي تريدها، حتى أصبح الكثير منا يخاف من طرحها أو من مجرد الانتساب إليها، كمصطلح "السلفية" ومصطلح "التراث " الخ. . . مع العلم أن "السلفية " أول ما تعني الانتساب لجيل القدوة، خير القرون، ((خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاس ِ)) بناة الحضارة الإنسانية، ولا تعني بحال من الأحوال التحجر والجمود والانقطاع عن التواصل الحضاري، وعدم استيعاب منجزات العصر من خلال الرؤية الإسلامية السليمة، ذلك أن السلفية الصحيحة دافع للإفادة وليست مانعاً منها.
وكذلك مصطلح "التراث " حيث تفرض علينا مدلولات معينة أرادها أصحاب المذاهب المادية والعلمانية، الأمر الذي أخرجنا عن مدلول القضية وأصلها في المصطلح الإسلامي، يقول تعالى : ((ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير ُ)) [فاطر:32].
ويقول أبو هريرة رضي الله عنه :
". . . أنتم هنا، وميراث محمد صلى الله عليه وسلم يوزع في المسجد ".
فإذا كان مدلول التراث يعني النبوة وعطاءها "الكتاب والسنة " الذي ورثته الأمة، فنحن تراثيون؛ وإذا كان المدلول: فهوم المسلمين غير المعصومة للكتاب والسنة، مما يقع في دائرة الاجتهاد، فهذا أمر قابل للفحص والاختبار، ومن ثم للصواب والخطأ. . . وقد تكون المشكلة أو الكارثة - إن صح التعبير - أن معظم المثقفين في عالمنا الإسلامي اليوم أصبحوا أسرى المصطلحات والأفكار الأوروبية بشكل عام، ينطلقون منها، ويفكرون من خلالها، ومن الصعوبة البالغة التحرر منها لأنها صورة من صور الاحتواء الثقافي نتيجة الإصابة بمركب النقص أمام التحدي الحضاري الغربي، وقد ينتصر بعض البسطاء عاطفياً للإسلام، فيحاول إسقاط المفاهيم والمصطلحات الغربية على المفهومات الإسلامية فتعييهم عملية التوفيق، ولكن كثيراً من الخبثاء يحاولون الالتفاف حول القضية، ويتسللون إلى الشخصية الإسلامية من خلال إسقاط هذه المصطلحات على المفهومات الإسلامية، أو يمارسون الخداع لجماهير المسلمين بادعاء أن هذه المصطلحات ليست غريبة عن طبيعة الإسلام ووجهته ليخفوا بذلك حقيقة أمرهم ودعوتهم في المجتمع الإسلامي، ذلك أنهم أدركوا أن بوابة العالم الإسلامي ستبقى موصدة أمام كل دعوات التغريب ومصطلحاتها بعد التجارب والمحاولات الكثيرة، فكان لا بد لهم من تغيير استراتيجيتهم في ذلك ومحاولة التسلل إلى عالم المسلمين من خلال المعاني الإسلامية نفسها حيث يسقطون عليها مصطلحاتهم، ويوهمون السذج والبسطاء أنهم ليسوا غرباء عن فكر الأمة في ادعاءاتهم، فالديمقراطية هي الشورى، والرأسمالية هي مبدأ إقرار الملكية في الإسلام، والاشتراكية هي العدالة الاجتماعية، والصراع من أجل السيطرة الاقتصادية هو الفتح الإسلامي، والصدام الحتمي بين اليمين الرجعي واليسار التقدمي هو التفسير لبعض المشكلات الداخلية في المجتمع والتاريخ الإسلامي. . .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:37 PM قد تكون المشكلة عند معظم مثقفينا، جيل ما بعد الاستعمار العسكري، ادعاء العصمة لحضارة الغربية الأوروبية (1) بسبب من التفوق الغربي والتخلف في عالم المسلمين، وجعلها مقياساً لكل حضارة وتقدم، وتطبيق المعايير المادية الأوروبية على الإسلام ومحاكمة تاريخه على ضوء التاريخ الأوروبي، وعدم قياس الحضارة الإسلامية بمقاييسها وردها إلى أصولها، وإنما ردها إلى أصول حضارة غريبة عنها، مادية في أصولها، وهذا بلا شك أوقع الكثيرين في عملية التخليط في النظر إلى أحكام العقل واجتهاده القابل للخطأ والصواب، وأحكام الوحي ونصوصه الثابتة المعصومة. . . وأن مقاييس الفصح والاختبار التي يخضع لها حكم العقل لا يمكن بحال من الأحوال أن تطبق على حكم الوحي، وإنما يقتصر دور العقل في ذلك على التأكد من ثبوت النصوص من حيث السند وسلامة مدلولاتها فقط، لأن الأمر قائم على قاعدة التسليم بالنبوة ابتداءً.
لقد ظهرت على الساحة الفكرية كتابات كثيرة كانت صدىً لمشكلات فكرية إنسانية، وكان أن تناول الحديث في هذه القضايا كتَّاب ومفكرون من اتجاهات مختلفة، ونحن لا بد أن نعترف أننا مسبوقون إلى طرح كثير من القضايا بعد أن توقف المجتمع الإسلامي عن النمو، والعقل الإسلامي عن العطاء، لذلك جاءت أكثر كتاباتنا في إطار ما يسمى "الفكر الدفاعي" بسبب من طرح غيرنا، وهنا انبرى للمواجهة الثقافية من يحسنها ومن لا يحسنها من الذين يفتقدون الثقافة الإسلامية الأصيلة، فوقعوا بمغالطات فكرية واصطلاحية ساهمت بتكريس التخلف والضياع، وأثقلت الذهن الإسلامي وزادت من عجزه. . .
من هنا كان لا بد من التنبيه إلى ضرورة المحافظة على المصطلحات في الأمة، والاحتفاظ بمدلولاتها، والعمل على وضوح هذه المدلولات في ذهن الجيل لأن هذه المصطلحات هي نقاط الارتكاز الحضارية والمعالم الفكرية التي تحدد هوية الأمة بما لها من رصيد نفسي ودلالات فكرية، وتطبيقات تاريخية مأمونة، إنها أوعية النقل الثقافي وأقنية التواصل الحضاري، وعدم تحديدها ووضوحها يؤديان إلى لون من التسطيح الخطير في الشخصية المسلمة والتقطيع لصورة تواصلها الحضاري. .
وقد نبه القرآن الكريم لهذه القضية الخطيرة عندما أرشد المسلمين إلى ضرورة استخدام مصطلح (انظرنا ) ونهى عن مصطلح (راعنا ) الذي كان يستعمله يهود ليحققوا فيه أغراضاً في نفوسهم، قال تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) [البقرة:104].
إن أهمية المصطلح، وقضية الوضوح في دلالته، أمر ذو أهمية بالغة إلى درجة أصبح معها كثير من المؤلفين يفردون صفحات في مؤلفاتهم لمعجم المصطلحات المستعملة والدلالات التي أرادوها من استعمال هذه المصطلحات، وهي طريقة محمودة فكرياً وثقافياً حتى يتحقق الوضوح ولا يحمَّل الكلام أكثر مما يحتمل. . .
ومن الأمور التي تسترعي الانتباه أن قضية المصطلحات أخذت من الأخ المؤلف عناية مشكورة، ومساحة لا بأس بها، وقد كانت مناقشة المصطلح مدخله إلى الكتابة حينما اقترح أن تكون التسمية "المذهبية الإسلامية " بدل "الفكر الإسلامي " أو "التصور الإسلامي " وخطَّأ من ذهب إلى اصطلاح "الفكر الإسلامي " و "التصور الإسلامي " لأنه تخوف أن يخلط بسبب ذلك بين إفرازات العقل واجتهاداته وبين الكتاب والسنة كوحي معصوم، ونحن نعتقد أن التنبيه إلى هذا لدفع احتماله ذو أهمية في المجال الفكري الإسلامي، وإن كنا لا نعتقد حصول مثل هذا الالتباس عند أصحاب المصطلحين، وعند الكثير من قرائهم، على كل تبقى وجهة نظر تغني العقل الإسلامي وتسهم بإيضاح الصورة ودفع الالتباس. . . ولا شك أن مصطلح "المذهبية الإسلامية" الذي ارتضاه المؤلف سوف يذهب ببعض الناس سريعاً إلى الساحة الفقهية ويصنع لهم حاجزاً نفسياً، وقد يسرع باتخاذ موقف تجاهه، ولا يستسيغه بتلك السرعة حتى يتحقق من التحديدات والمقارنات التي أوردها المؤلف، ووجهة نظره في الاختيار. . .
نعود إلى القول: إن هذا الكتاب جاء مساهمة طيبة في مجال إنهاء حالة العطالة التي وقع فيها كثير من المسلمين في مواجهة التغيير الاجتماعي بسبب من التصور المحزن، من أن مشيئة الله تعني السلبية وتعطيل الأسباب دون أن يعلموا أن الله هو الذي شرع الأسباب وأمر الناس بالتعامل معها للوصول إلى النتائج، وأن هذه الأسباب هي إرادة الله ومشيئته، وأن عملية الاستخلاف لا تؤدي ولا تتحقق إلا بالتماسها، وقد جعل الله لكل شيء سبباً، وأن التزام هذا والتعرف عليه هو غاية التكليف، ودور النبوة في ذلك هو الهداية والتدريب ومسئوليتنا حسن التأسي وسلامة الاقتداء.
كما أن الكتاب ساهم وإلى حد بعيد بتحقيق قسمات الذات الحضارية المسلمة ،ذلك أنه على الرغم من الكلام الكثير عن التميز الحضاري الإسلامي وضرورته لنهوض الأمة، لا يزال الأمر في حدود الشعار، بعيداً عن الممارسة، لأن كثيرين من دعاة التميز يعيشون ضمن الأطر الغربية في حياتهم ومعاشهم ووسائلهم. . . ذلك أن ترميم بعض المفاهيم والأفكار من خلال القراءة الجانبية والانتصار العاطفي للإسلام لا يكفي لنقل المثقف المسلم إلى الخط الإسلامي الصحيح والمنظومة الحضارية الإسلامية ومصطلحاتها. . .
والله نسأل أن يسدد الخطا ويجزل مثوبته للأخ الدكتور محسن عبد الحميد أحمد وينفع به، إنه حسبنا ونعم الوكيل.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:38 PM تحـــديد المـصطلـــح
إن تحديد المصطلحات التي يستعملها الباحث أمر في غاية الأهمية، إذ بدونه سندور مع المؤالفين والمخالفين في حلقة مفرغة، ولا نستطيع أن ننطلق من مفاهيم واضحة نتفق عليها، للوصول إلى حل أي مشكل.
ولقد درج المفكرون والباحثون على استعمال كلمة "الأيديولوجية" بمعنى العقيدة. وهم يقصدون العقائد الإنسانية، أي ما يصل إليه الإنسان بفكره لتأسيس مفاهيمه الأساسية التي تشكل إطاراً فكرياً لنظرته الكلية إلى الوجود.
حاول كثير ن الكتاب الإسلاميين أن يستعملوا "الفكر الإسلامي " (1) أو "الفكرة الإسلامية " بمعنى الإسلام. غير أن هؤلاء مع فضلهم قد وقعوا في خطأ كبير، دون أن يتقصدوا ذلك. إذ كيف يمكن أن يكون الوحي الإلهي مظهراً للفكر الإنساني؟.. فالفكر إفراز عقلي لإدراك ما حوله من وجود. وإذا كان هذا المعنى: "الفكر الإسلامي " يصح على ما أنتجه الفكر المسلم الذي ينطلق من الإسلام في مضامير الحياة كلها، فإنه أبداً لا يجوز أن يُستعمل للدلالة على الوحي الإلهي (للإسلام ) حتى لا يؤدي إلى الخلط بين الوحي والفكر. فالإسلام معصوم كله، بينما الفكر الإسلامي، ليس معصوماً ولا مقدساً، يحتمل الخطأ والصواب والمراجعة في عصره وفي العصور التالية.
وحاول بعض مفكري الإسلام أن يضع بدل "الفكر الإسلامي " مصطلح "التصور الإسلامي " (2) وهذا خطأ مثله. لأن التصور عملية فكرية محضة، تحتمل الصدق والكب كما هو ثابت في علم المنطق، فلا يمكن أن يستعمل التصور بمعنى كليات الوحي الإلهي، بل قد يستعمل بمعناه الثاني الذي يدل على أنه إفراز للعقل، وليس معصوماً ولا مقدساً.
وذهب عدد من الكتاب الإسلاميين في السنوات الأخيرة إلى استعمال "المذهبية "(3) للدلالة على ما ذهب إليه الإسلام في أمور الكون وخالقه والحياة والإنسان، أي القضايا التي تتعلق بالكليات وليست الجزئيات.
والحق أن هذه اللفظة زيادة على أنها دالة على معناها لغة، يمكن أن تتحول إلى اصطلاح يحقق هدف الإسلاميين من إطلاقهم لفظ "الفكر الإسلامي " الذي رفضناه بالمعنى الذي استعمل فيه (الوحي ) كتاباً وسنة. ثم إنه يخصنا بلفظة تميزنا وتحول بيننا وبين استعمال كلمة "الأيديولوجية " الأجنبية بمعنى الأصول والكليات الإسلامية.
وقد يقول قائل: لماذا لا نستعمل "العقيدة الإسلامية" للدلالة على المعنى الذي نريد، حتى نتخلص من المصطلحات الأخرى.
نقول: إن "العقيدة الإسلامية " مصطلح مستعمل منذ القديم، يشمل الإلهيات والنبوات والمعاد والقضاء والقدر فقط، بينما نحن نريد مصطلحاً أشمل من هذا. فـ "المذهبية الإسلامية " تشمل العقيدة الإسلامية وتشمل غيرها من الكليات التي ارتضاها الإسلام في العالم المادي لضبط حركته، سواء في الحياة عموماً أو في المجتمع، أو داخل عالم الإنسان من حيث هو فرد.
إن علماء الكلام عندما حصروا كليات الإسلام في دائرة الموضوعات الأربعة، وسموها "العقيدة الإسلامية" أو "علم الكلام " أو "التوحيد " انطلقوا من واقع الصراع الفكري في عصرهم، وحددوا مواقف الإسلام ن خلال الكتاب والسنة واجتهاداتهم في فهمها، في القضايا المذكورة، التي كانت مثار النقاش يومئذ مع الفلاسفة ولا هوتيِّي أهل الملل والنحل الأخرى.
أما اليوم فقد تبدلت ظروف الصراع الفكري، فالمذاهب الأخرى تقدم كلياتها في القضايا التي تتعلق بأصول عقائدها وفكرها في إطار الكون وخالقه والحياة والمجتمع والإنسان.
وبما أن الإسلام قد حدد مواقفه التفصيلية من أصول القضايا الكبرى في الحياة والمجتمع والإنسان، فلا بد أن نضيف تلك التفصيلات على الأصول العقائدية الأخرى، حتى تتأصل عندنا "المذهبية الإسلامية " بشمولها، كي تستطيع أن تواجه المذهبيات الأخرى، في كل ما تتعرض له من أصول أفكارها. لأن تلك المذهبيات قد غزتنا في عقر دارنا، فنحن لا نستطيع تجاهلها، ونبقي على الموضوعات المثبتة في علم اللام شكلاً ومضموناً. لأن علم الكلام بشكله القديم لم يعد يفيدنا في صراعنا العصري. زد على ذلك أن علم الكلام القديم قد خلط في تقديم العقيدة الإسلامية بين الوحي الإلهي والاجتهاد العقلي في تصور تلك العقيدة. ونحن لا نريد أن نرتكب اليوم هذا الخطأ الكبير، إذ من الضروري جداً في صراعنا الفكري اليوم وفي محاولتنا تغيير وجهة حياتنا الحضارية، أن نفصل بين الوحي الإلهي والاجتهاد العقلي، كي لا تتحول الاجتهادات العقلية إلى أصول ثابتة، تحسب على الوحي المعصوم نفسه، فتعيق حركتنا العقلية الحاضرة، وتسلب حرية مراجعتنا لاجتهادات أسلافنا. ثم تحول بيننا وبين الحركة باتجاه تأصيل حياتنا الفكرية في ضوء التغييرات التي تحدث في عالمنا المعاصر.
وقد يقال: إن "المذهبية الإسلامية " قد تلتبس بالمذهبية الفقهية، نقول: لا يحصل هذا الالتباس إن شاء الله، لأن المذهبية الفقهية تستعمل في إطار محدود جداً، ثم لم يصفها أحد إلى الآن بالمذهبية الإسلامية. فإطلاق هذا المصطلح الجديد واضح يشهد عليه سياقه، وتدل عليه الموضوعات التي تعالج ضمن حدوده.
وفي رأيي أن كثرة استعمال مصطلح "المذهبية الإسلامية " ستركزه في الأذهان، وسترفع عنه كل التباس أو غرابة، وستنقذنا من استعمال المصطلح الأجنبي "الأيديولوجية ". وسنضع باستعماله حداً فاصلاً بينه وبين مصطلح "الفكر الإسلامي " أو "التصور الإسلامي " اللذين لهما معنى آخر، هو المعنى الاستنباطي أو الاجتهادي الذي تحدثنا عنه.
إذن فالإسلام دين الله الخالد الثابت وحياً في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، و "المذهبية الإسلامية" هي كليات الإسلام في الوجود كله، و "الفكر الإسلامي " هو ما أنتجه المسلمون في ظل الإسلام من فكر بشري في الفلسفة والكلام والفقه وأصوله والتصوف والعلوم الإنسانية منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم إلى اليوم.
وأما التصور الإسلامي، فيمكن أن يستعمل بمعنى الفكر الإسلامي لأنه مثله عملية عقلية بحتة.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:40 PM المذهبية الإسلامية بين الوحي والفكر
إن منهج التغيير الإسلامي المنبثق أساساً من المذهبية الإسلامية في الوجود، لا بد أن يضع خطاً فاصلاً واضحاً بين ما هو وحي إلهي وبين ما هو جهد بشري، أو فكر بشري أو تصور بشري لمسائل حول الوحي الإلهي وتفسيره وشرحه في إطار قواعده وأصوله وفي ضوء المراحل التاريخية المتتابعة.
إن تسمية الوحي وما حوله من فكر، بالفكر الإسلامي أو الفكرة الإسلامية لدى كثير من الإسلاميين أنفسهم خطأ كبير شجع أرباب المذاهب المادية والعلمانيين على الجرأة في تسميتهما معاً بـ "التراث ". فهؤلاء عندما يريدون أن يراجعوا هذا التراث، يراجعونه من حيث هو كل في نظرهم لا يتجزأ. والنتيجة الطبيعية عند هؤلاء أن الوحي الإلهي يخضع للمرحلة الزمنية، فهو من التراث الذي يتعلق بالماضي. والحال أن الوحي من حيث هو علم الله الكامل لا يمثل ذلك الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل، بل هو يمثل الحقيقة الأزلية التي لا ترتبط بالزمن ولا تخضع له. فهو ليس تاريخاً للبشرية أو حركة حضارية تختص بمرحلة من مراحل تطور تاريخ أمة من الأمم.
وإذا كان من الممكن أن يقول قائل: إن الشرائع التي جاءت قبل الإسلام، كانت مراحل تتصل بالفترات بين الأنبياء والمرسلين. فإن هذا - في عقيدة المسلم - لا يصح أساساً بالنسبة للإسلام، لأن الله تعالى قد ارتضى للبشرية شريعة متكاملة متوازنة لم تختص بمرحلة تاريخية معينة، وإنما هي شريعة خالدة إلى يوم الدين، إذ لا نبي بعد رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم .
((مَا كَانَ مُحَمَدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّيين َ)) [الأحزاب:40].
وهذه الشريعة العامل لها جانبان؛ جانب دستوري عبارة عن نصوص قاطعة سواء أكانت في بيان أصول العقائد أو ما يتصل بأسس تنظيم الحياة البشرية في كلياتها وبعض جزئياتها المهمة. وجانب آخر يتعلق بتفاصيل ذلك التنظيم وبجزئياتها المتصلة بتغير الحياة الإنسانية في مظاهرها المتنوعة. وهذا الجانب هو الفقه الإسلامي الذي يمثل اجتهادات العلماء أو أحكام العلماء، وليس بالضرورة أحكام الله سبحانه وتعالى. ولذلك فإن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم والمجتهدين الذين جاءوا من بعدهم كانوا لا يقبلون قول القائل في المسائل الاجتهادية، هذا حكم الله، بل كانوا يقولون على سبيل المثال: هذا ما حكم به "أبو بكر "، وهذا ما قضى به "عمر "، وذلك ما رآه علي رضي الله عنهم أجمعين.
ويتحصل عندنا من هذه المقدمة أمر مهم هو أن الفترة التي أعقبت الوحي المحمدي عليه الصلاة والسلام إلى اليوم وإلى قيام الساعة، ليست فترة معصومة مقدسة، وإنما هي فترة خاصة باجتهاد العقل الإنساني في مناحي الحياة كلها. فتح الإسلام فيها أمام البشرية أبواب الحركة والتغيير والاجتهاد في إطار القوانين الضابطة لحركة الفكر والحضارة التي سماها علماء الإسلام بعلم "أصول الفقه " الذي يُعد بحق المنهج الحقيقي لأصول البحث العلمي والعقلي، والذي يشكل صمام الأمان للاطمئنان على توازن تلك الحركة وعدم خروجها على سنن الخالق التي أودعها في الوجود كله.
وإذن فما يتقوله الذين يريدون أن يعتمدوا على الفلسفات المادية والعلمانية (4) في إحداث التغيير في العالم الإسلامي، لا سيما العربي منه، من أن الإسلاميين تراثيون أو أنهم ينظرون نظرة تراثية يجهلون أو يتجاهلون حقيقتين مهمتين. .
• (أولاهما ) : استقلال الإسلام من حيث هو وحي إلهي عن الزمان والمكان، ومن حيث خلوده لأنه لا دين بعده ولا نسخ لعقائده وأحكامه.
• (وثانيهما ) : جهلهم المركب بحقيقة أن علماء الإسلام ومفكريه وفقهاءه العظام أدركوا تمام الإدراك، أن ما في التاريخ الإسلامي من الاتجاهات والمذاهب الفكرية، لا يدخل في المفهوم الأول، بل هو تاريخ الاجتهاد المناسب للمراحل الزمنية يمكن تجاوز أية جزئية أو قضية فيه وإخضاعها من جديد إلى المناقشة وعرضها على مدى تحقيقها للمصالح الحاضرة المضبوطة.
ولقد نبه إلى ذلك مفكرو الحركة الإسلامية الحديثة في كل ما كتبوا، ولكن مصيبة التيارات غير الإسلامية، أنها لا تريد أن تقرأ الإسلام وحقائقه، متعمدة ومتجاهلة لجمودها العقائدي، ولعدم طلبها الحق لذاته، فهم إما ملاحدة ما ديون ينكرون أصل الإسلام وجميع الأديان، ويرفضون معه عقيدة الألوهية، ومن هؤلاء من ليست لهم الجرأة لإظهار ذلك الإنكار صراحة، فيلجئون إلى طريقة حشره ضمن مصطلح "التراث " لإعادة النظر فيه ومحاربته جميعاً باعتبار قدمه ومحاربة دوره في الوقت الحاضر. ومن هؤلاء من يتراجعون أمام زحف التيار الإسلامي بمنطقة العقلي العصري، خشية الاصطدام ثم الموت، لأن المجتمع الإسلامي اليوم يرفض الإلحاد رفضاً قاطعاً من خلال منطق العلم ومعرفة حقيقة الإسلام. فداعي الإلحاد لا مكان له اليوم في العالم الإسلامي.
ومن هنا فهو يقول: ماذا سأخسر إن قلت: إن الإسلام ديننا وتراثنا، لأن هذا واقع من جهة، ولا يترك أثراً في الحياة الحاضرة من جهة أخرى. فالمذاهب المادية إذا تقدمت في ضوء تلفيقها مع التراث، ستسيطر على المجتمع كله، والتراث عندئذ لا يكون مكانه إلا في كتب التاريخ ومعالجة التراث سهلة عند ذلك، لأنه سيسقط ماديته على التراث كله، بدعوى البحث عن الجوانب المشرقة في التراث، فالنتيجة أن التراث في ظل هذه المعانقة سـ "يتمركس " على سبيل المثال من دون إثارة مشكلة الإلحاد أصلاً في العالم الإسلامي.
وأما العلمانيون فإنهم يحتفظون باسم الإسلام، ولكنهم توجهوا إلى دراسة تلك الفلسفات قبل دراستهم للإسلام فآمنوا بها ودعوا إليها على أساس أنها أنظمة دنيوية لا تصطدم مع إسلامهم، لأن الإسلام يدعو إلى العدل ويرحب بتحقيق كرامة الإنسان وهذه المبادئ تحقق ذلك.
وهؤلاء كلما درسوا الإسلام أكثر اقتربوا منه أكثر، فهم يبدءون من عملية التلفيق والدمج، ثم ينتهون إلى عملية الاستفادة.
أما عملية التلفيق فيقصدون أننا يمكن أن نأخذ الجانب الروحي من الإسلام مع الماركسية من حيث هي منهج علمي للنضال على حد تعبيرهم، ويقولون: إن مشكلة الإلحاد في الماركسية لا تخصنا إنما تخص الصراع الأوروبي بين العلماء والمناضلين وبين الكنيسة، ولكننا نختلف عنهم لكون ذلك الصراع ليست له علاقة بتاريخنا (5).
ولجأ هؤلاء إلى المصادر الإسلامية ليستخرجوا منها الآيات والأحاديث والوقائع التاريخية التي تدعو إلى عدم التمايز والمساواة وإيثار المصلحة العامة وتحقيق العدل الاجتماعي، لكي ينتهوا إلى أن الماركسية لا تقول بأكثر من ذلك فلماذا لا نستفيد منها؟.
وهذا التلفيق والامتزاج بين الإسلام والمبادئ الماركسية مرفوض للأسباب التالية:
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:41 PM - الأول:
لأن الإسلام دين الله الحق الكامل الشامل، له "مذهبية" تفصيلية في الوجود كله، تقوم على الحق والعدل والميزان، تنبثق منه أسس وقواعد أنظمة عدة، مترابطة، يربط بينها منطق داخلي دقيق، بحيث يشكل نظاماً واحداً متشابكاً لا يمكن فصل جزء منه عن جزء، فدعوى أخذ جانب منه مع جانب آخر من الرأسمالية أو الماركسية أو الاشتراكية إخلال بتوازنه وتفكيك لمنطقة الداخلي الموحِّد، وطعن صريح في كماله، وهذا يعني أن الإسلام بقواعده وأصوله من خلال العقل المسلم لا يستطيع رفد الزمان والمتتابع بما يحتاج إليه من ضوابط التغيير وحلوله وأنظمته التفصيلية. في الوقت الذي يتضح لكل دارس منصف أن الإسلام بمنطقه الداخلي وعن طريق أصوله وقواعده ومن خلال حركة العقل المسلم المدرك لسنن الله في الوجود والعمران، يستطيع إحداث حركة التغيير الجذري الشامل في كل عصر، وتحقيق كل ما يعود إلى الإنسان من خير وصلاح واستقامة وعدل.
ومن المؤسف أن أقول: إن جهل كثير من أبناء الإسلام بهذه الحقائق الإسلامية وعدم طلبهم الحق لذاته من خلال العقد الشعورية واللاشعورية التي أصيبوا بها ضد الإسلام ظاهراً أو ضمناً، ومن أرضية الخضوع لرواسب الثقافات الأجنبية التي صنعت شخصياتهم، يحول بينهم وبين إدراك تلك الحقائق.
وياليتهم فعلوا مثل ما فعل الفيلسوف الفرنسي المسلم (رجاء غارودي ) فلقد كان غارودي من أكابر مثقفي الماركسية في هذا العصر ثم وجد من خلال تجربة فكرية معقدة، وممارسة واقعية قاسية، أن الماركسية لا تمثل أوجه الحقيقة كلها، وإنما تمثل وجهاً واحداً منها، فدعا إلى المبدأ البديل في كتابه (البديل ) واقترح للإنسانية نظاماً على أساس روحية الدين ممزوجاً بتحقيق حرية الإنسان في المذهب الديمقراطي الغربي ملفقاً مع الاقتصاد الماركسي. ثم تقدمت بغارودي الدراسة، فاكتشف أنه من المستحيل أن يتم هذا التلفيق لأننا نأخذ عندئذ جزءاً مترابطاً مع كل في كل قضية، ونريد أن نمزجه مع جزأين آخرين من كلّين مختلفين، فغدت عندنا ثلاث قضايا ملفقة في الظاهر، ولكن تفتقد إلى منطق ذاتي داخلي يربط بينها.
وتقدم غارودي لسنوات طويلة خطوة فخطوة يريد اكتشاف المنطق الموحِّد. من خلال دراسة عميقة للإسلام التي بدأها منذ أيام ماركسيته، وانتهى إلى الاكتشاف العظيم في كتابه "ما يعد به الإسلام ".
فلقد وصل غارودي هذه المرة إلى المذهبية الإسلامية الشاملة، ومنطقها الكوني الذي جمع بين ظواهره بقانون داخلي رابط، يشكل دين الإسلام، فذابت عنده في هذه السبيل، عملية تلفيق المبادئ ودمج المنظومات المختلفة، وأعلن إسلامه بكل وضوح ورآه الطريق الوحيد لإخراج الإنسان من أزمته الحضارية الخانقة في هذا العصر.
لم يتراجع غارودي عن إيمانه بالحرية، ولا بتحقيق كرامة الإنسان، ولم يتخل عن عشقه للعدل الاجتماعي وانحيازه الكامل للمسحوقين والمستضعفين في المجتمعات البشرية، ولكن تراجع وتخلى فقط عن التفسير الإلحادي الماركسي للتاريخ ثم عن المنهج الخاطئ، منهج التلفيق والدمج.
لقد رأى غارودي كل آماله في هذا الدين الخاتم ومذهبيته الكونية الشاملة المترابطة، وأدرك أن طريق النضال الوحيد أمام البشرية هو الإيمان بالإسلام ومبادئه الفطرية المنسقة في الكون والمجتمع والإنسان.
وكذلك يا ليتهم فعلوا مثل ما فعل الكاتب العربي الأستاذ "منير شفيق " فلقد قضى في الماركسية سنوات طويلة، مؤمناً بها مدافعاً عنها، مناضلاً في سبيل تمكينها في المجتمع العربي المسلم، ثم تهيأت له سبل دراسة الإسلام فدرسه دراسة واعية مُنصفة عميقة، فظهرت أمامه الحقيقة واضحة جليَّة. ولم يحاول أن يلفق بين الإسلام والماركسية، لأنه أدرك أن من يحاول أن يأخذ من الإسلام جانباً منه ويترك منظومته المتكاملة سينتهي إلى شيء آخر غير الإسلام. ولذلك فإنه ترك الماركسية إلى غير رجعة وألَّف كتابه النفيس "الإسلام في معركة الحضارة " عرض فيه قضية الإسلام، بعقيدة راسخة ويقين كامل ومنطق سليم في إطار من الفهم الدقيق لمذهبية الإسلام الشاملة ووحدتها الداخلية الرصينة.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:42 PM - الثـــانــــي:
لو جئنا إلى الواقع من خلال استقراء شامل للحياة في العالم الإسلامي لوجدنا أن محاولة التلفيق بين الإسلام وبين الرأسمالية أو الماركسية أو الاشتراكية، انتهت إلى التضحية بالإسلام، وإخراجه من معظم مجالات الحياة، ويدل على ذلك ما يلي:
(أ) التوجيه العام في تربية الأجيال غدا توجيهاً مقطوعاً عن الإسلام خاضعاً لمناهج الدوائر العلمانية والمادية الغربية في التربية والتعليم بحيث أدى إلى فصل التعليم الديني عن التعليم العلمي والإنساني، مع التقصد المخطط في إهمال التعليم الديني ومؤسساته، تمهيداً لحصر دوره أو القضاء عليه.
(ب) قادت التربية العلمانية والمادية أجهزة الإعلام المتنوعة في طريق التنكر للإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً وحضارة والاكتفاء بعرضه عرضاً لاهوتياً أو "فولكلورياً " تراثياً متحفياً في مناسبات معينة.
(ج) عبرت في ظلها المبادئ الغربية المادية والعلمانية والجنسية الإباحية، فتمكنت من حفر أخاديد واسعة وتيارات كبيرة في المجتمعات الإسلامية، انتهت إلى الفرقة والقلق والحيرة والسلبية في الحياة. وبالمقابل فقد حوصر الإسلام حصاراً يكاد يكون كاملاً، وغدت الدعوة إلى حقائقه ومحاولة تمكينها ولو بالطرق السليمة، ومن خلال جهود جماعية، جريمة كبيرة، يتعرض أصحابها من خلالها إلى الاضطهاد المتنوع، وصل في بعض الأحوال إلى التصفيات الجسدية.
(د) ارتبطت تلك الأنظمة العلمانية بمراكز القوى الكبيرة في توجيه السياسة العالمية؛ العلنية منها والسرية، بدعوى الانسجام في المبدأ والتخطيط في السياسة المشتركة والاعتماد على قوة ضد قوة أخرى، وانتهت إلى التمزق بين أجزاء الأمة الإسلامية، لا سيما الأمة العربية الواحدة، وأدت هذه الكارثة التاريخية الكبيرة إلى ضياع وحدة الأمة، عقيدة وحضارة وهدفاً ومصيراً. وتمكّنِ اليهود في فلسطين وضمهِم لأجزائها وما حولها، وتجسدت كارثة الفرقة إلى درجة أن المتخندقين من الفدائيين الفلسطينيين وجه بعضهم إلى بعضهم الآخر فوهات مدافع الدبابات والرشاشات والبنادق. كما أن جيوش الأعداء استدعيت لغزو بلاد إسلامية عدة من قبل حكامها العلمانيين أو الماديين مباشرة أو غير مباشرة.
(هـ) في ظل التلفيق بين الإسلام تراثاً وبين المذاهب المادية والعلمانية عقيدة وحضارة ومنهجاً فرضت على الأمة أنظمة القهر والاستبداد واستعملت خبرة الأمم كلها في تعذيب المعارضين وسحق مقاومتهم العنيفة أو السلمية، فانتهكت الكرامات واستبدل استعمار باستعمار وطبقة بطبقة وظلم بظلم أشد. وبقي المظلومون والمستضعفون على حالهم يفتك بهم الجهل والجوع والمرض.
لم ينته الاستلاب الإنساني كما وعدوا.
لم تسقط الكيانات الاجتماعية المتهرئة كما ادّعوا.
لم تتحقق وحدة الأمة كما طبلوا لها وزمروا، بل زادوها أوصالاً وتقطيعاً.
لم تتكون العقلية العلمية في الأمة كما أملوا، بل زادت الخرافة والجمود، واستعانوا بها هذه المرة للقضاء على حقائق الإسلام. . فأي تلفيق هذا الذي يريدون، وعن أي مزج هم يتحدثون.
لقد كانت الضحية الوحيدة لهذا التقريب المزعوم هو الإسلام بحقائقه وحضارته وأمجاده وأمته وترابه.
(و) كان من ثمار هذه التربية المادية والعلمانية، انتشار مظاهر الانحراف في حياة المسلمين؛ فمن إدمان للخمر، إلى نوادي القمار، إلى دور البغاء العلني والسري، إلى الخلاعة الجنسية على شواطئ البحار والأنهار وأحواض السباحة والاستعراضات الرياضية المختلطة، إلى تسهيل الإغراءات في الملابس وتشجيع دورها ومحلاتها وصحفها وحفلات عرضها، تلك الفضائح الاجتماعية والأخلاقية التي قتلت الرجولة والشهامة والمروءة والاستقامة وروح الجهاد والكفاح في الحياة لدى الأجيال المسلمة.
إن المنهج الذي يدعو إلى التوفيق بين مبادئ الإسلام وبين الجوانب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية في الحضارة الحديثة، منهج فيه ثغرة كبرى، لأنه ينطلق من أمرين متضادين، إذ لكل من الإسلام والحضارة الغربية أرضيته الخاصة، ونمطه الحضاري المتميز، فلا يجوز قطع جزء من الإسلام، ودمجه مع جزء معين من مذهب آخر أنتجته حضارة مختلفة، ليخرجا كُلاًّ فيه جزءان متباينان، لأن الكل الجديد عند ذلك يفقد تسلسله المنطقي ووحدته الداخلية واتزانه الحضاري.
وكذلك المنهج الذي يقول: إنني أؤمن بالإسلام ولكنني أستفيد من المبادئ الأخرى في الحضارة الغربية الحديثة وأدخلها في الإسلام إدخالاً لا تفقده ملامحه الخاصة.
وعلى الرغم من أن هذا المنهج هو تعبير آخر عن المنهج التلفيقي، غير أن صحابه - إذا كانوا مسلمين حقاً - لا بد أن يعدلوه، وتعديله يكون بأن أدرس الإسلام دراسة واعية، ولا أنسى أنني أعيش في القرن الخامس عشر الهجري، ولا بد أن أعلم أني محاط بحضارات أخرى هي حصيلة التجارب البشرية غير المعصومة، مع ما بقي فيها من مبادئ الأديان السماوية السابقة على الإسلام. فأدرسها دراسة ناقدة وأهضم ما أريد أن أهضمه منها في داخل ضوابط ومنطلقات وخصائص حضارتي الإسلامية، ثم أبدأ بحل المعضلات التي أواجهها من خلال عقيدتي الواضحة وتجارب الإنسانية الشاملة في عالم الشهادة (المادة )، لأصل في النهاية إلى اقتراح حل ما للمشكلة الاقتصادية، قد يقترب كثيراً أو قليلاً من حلول الأنظمة الأخرى. ولا يمكن أن يعترض عند ذلك عليّ فيقال: أنت نقلت القضية الفلانية من المبدأ الفلاني، لأنني في الواقع لم أنقلها، وإنما توصلت من خلال مذهبيتي المفتوحة إلى حل مشكلة منفردة، هي ظاهرة من ظواهر المجتمعات البشرية كلها، كل منا يدرسها بطريقته الخاصة، ويوجد الحلول المناسبة مسترشداً بإطاره الثقافي، ونمطه العقيدي.
إن القضايا عند ما تفرد؛ كل قضية وحدها وتعالج، عند ذلك تتصل بوجود الإنسان من حيث هو إنسان. إذ أن القضايا الجوهرية التي تتصل به، مشتركة، ولكن كل نمط حضاري ينظر إليها ويتقدم إلى دراستها وحلها من زاويته الخاصة، وقد تتقارب النتائج في النهاية، ولكن كل نتيجة ضمن منظومته الحضارية.
فعلى سبيل المثال: عندما ألقي نظرة على المجتمع الإسلامي وأجد أن التوازن الاقتصادي مفقود فيه، أبدأ بالتفكير من المنطلق الإسلامي لإيجاد حل لهذه المشكلة التي قد تسبب مأساة إنسانية لا يرضى عنها الإسلام، فأقترح حلولاً ضمن مخطط عام للقضاء على تلك المأساة، وقد يقترب بعض ما في حلولي الإسلامية من بعض ما تقرره الماركسية أو النظريات الاشتراكية الأخرى. فلا يمكن أن يدعي امرؤ أنني أطبق هنا مع الإسلام أحد تلك النظم الاقتصادية، لأن منطلقي يختلف تماماً، فأنا أتحرك داخل الإسلام وضوابطه ونظمه الحضارية، والإنسان قد تتشابه مشاكله في ظل الأنظمة المتضادة، ومع ذلك التضاد، فقد تأتي الحلول متقاربة في نتائجها، والسبب جوهر المشاكل الإنسانية، لا تَلَقِّي كل مذهبية تلقياً مباشراً من الأخرى.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:43 PM ويمكن أن أنتقل من هذا العموم إلى ضرب مثل خاص من الجزئيات الكثيرة المندرجة تحته فأقول:
لو نظر اقتصادي إسلامي وماركسي واشتراكي إلى قرض المصرف العقاري، فانتهى الثلاثة إلى أن كل أسرة لها حق في امتلاك حد أدني من السكنى، حتى لا تعيش في العراء فتتعرض كرامتها الإنسانية إلى المهانة.
ورأى الثلاثة أن الواجب على الدولة التي تمثل الشخصية المعنوية لمجموع أفراد المجتمع أن تؤمن لهم ذلك، ورأوا أن أخذ الفائدة على المبلغ المقترض لتأمين السكنى الضروري ظلم اجتماعي، يحيل عقلية الدولة إلى عقلية تاجر يريد تأمين الربح أولاً، ثم اقترح الثلاثة أن الحل هو في إلغاء الربا في هذا القرض. ولكن مع هذا الاتفاق الظاهري نجد أن المذهبية التي ينطلق منها الثلاثة تختلف مع الأخرى في المقدمة والنتيجة، وسنجد أن نظرة الاقتصادي المسلم تختلف عن نظرة صاحبيه. لأن إلغاء القرض عنده ليس استجابة لرفع ظلم اجتماعي فحسب، وإنما تتقدمه الاستجابة لأمر ربه في تحريم الظلم كقانون كوني ثابت، فقد حرم الظلم على نفسه وحرّمه على عباده، وهذا الحرام لا يتبدل بتبدل الظروف قط كما في الأنظمة الأخرى، لأن الربا قد يعود عند الأزمات الاقتصادية مثلاً في ظل تدابيرها الاقتصادية.
فالقضية هنا تخضع لحسابات مادية، بينما الربا على ذلك القرض لا يمكن أن يعود في ظل النظام الاقتصادي الإسلامي، لحرمته الشرعية، استجابة لأمر الخالق. ولذلك فإن الدولة الإسلامية لا يمكن أن تعيد هذه الفائدة حتى في الأزمات الاقتصادية التي تمر بها، بسبب الحرمة أولاً، ولأنها ضمن الإطار الشامل المرن للاقتصاد الإسلامي تستطيع أن تتحرك في اتجاهات كثيرة لسد ذلك النقص في داخل ضوابط الشريعة وقواعدها العامة المرنة.
إن الحلول المتسقة مع المذهبية الإسلامية وخصائصها والتي تظهر إلى عالم الواقع ضمن نظامها العام، تسمى حلولاً إسلامية، وليست حلولاً ماركسية ولا اشتراكية ولا رأسمالية إن كانت القضية تتصل بحرية الإنسان.
إن المفكر المسلم هنا كالأديب العربي الذي يقرأ أدبه ويقرأ الآداب الأخرى ويطلع على حياة أصحابها وآرائهم في الوجود من خلالها، ثم يكتب أدباً جديداً، ولكنه أدب عربي أصيل بشكله ومضمونه. فاشتراكه مع أديب إنجليزي أو فرنسي في الأنماط البلاغية والمعالجات الحياتية والنتائج المشابهة لا يسلب عنه الشخصية العربية المستقلة وأسلوب التفكير الخاص.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:44 PM المذهبية الإسلامية ونمطها الخاص
من البديهيات الثابتة في علم الاجتماع أن المجتمعات البشرية متنوعة في أنماطها الحضارية التي تشكل خلفيتها التاريخية وتؤثر في حياتها حاضراً ومستقبلاً.
إن تلك الأنماط الحضارية، يرسم تفاصيلها التطور التاريخي للأمم في عقائدها وثقافتها ولآدابها وفنونها وأعرافها وتقاليدها، فهي تُكَوِّن منطومتها الحيوية ووحدتها الداخلية. فإذا أردنا أن تحفظ حضارة ما بملامحها ووحدتها، وشخصيتها المستقلة، فلا بد أن يجرى التغيير في إطارها، حتى تكون استمراريتها متوازنة ومتواصلة، كي لا تفقد خصائصها، فتنقطع تماماً عن ماضيها وخصائصها وتذوب في حضارات أمم أخرى، تختلف عنها في ركائزها وتصورها والنتائج التي تترتب عليها.
والمجتمع الإسلامي الذي صاغه الإسلام منذ أربعة عشر قرناً، صياغة حضارية انطلقت من مذهبيته في الكون والحياة والمجتمع والإنسان له خصائص معروفة(6)، شكلت تاريخه وتطوره وحركته وحافظت على وحدته الداخلية بانسجام ووضوح.
ولما كنا نعتقد من حيث كوننا مسلمين، أن الإسلام هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن مذهبيته الكونية هي المذهبية الصحيحة المنسجمة مع فطرة الإنسان، والمحققة لمصالحه، والمحافظة على توازن شخصيته واستقلاليتها، فإن أي تخطيط للتغيير الاجتماعي لا بد أن يجرى في إطار مذهبيته عقيدة وشريعة وسلوكاً، حتى تحافظ الحضارة الإسلامية على أسسها وخصائصها، وحتى لا تنحرف وتسقط أمام حضارات أخرى، مادية في أسسها، مصلحية في غاياتها، تؤله الإنسان وتسحقه في ذات الوقت، ولا تعترف بالعبودية الكاملة لرب العالمين، من حيث هو تعالى الإله المعبود الحق ولا معبود سواه.
والذين ينطلقون من منطلقات حضارية أخرى تتبع مذهبيات تتنافى في أسسها وخصائصها مع مذهبية الإسلام في الله تعالى والعالم والإنسان، يريدون أن يغيروا مجرى التاريخ، ويقطعوا الأمة عن خصائصها الحضارية واستمراريتها التاريخية، حتى تظهر أمة أخرى، غريبة عن ماضيها، تبدأ من الصفر، ولا تمت إلى الإسلام وحضارته الربانية الإنسانية السامية بصلة ما.
ولقد أثبت لنا تاريخ صراع الأفكار والمذاهب في القرن الأخير في المجتمعات الإسلامية أن الأمة الإسلامية رفضت محاولات إسقاطها النهائي أمام الأمم الأخرى وحضاراتها، لأن نمطها يختلف عن النمط الحضاري الإسلامي في جذوره وخصائصه وتطوره. وهي لا تزال تحتفظ بجوانب من القوة في مقوماتها الإسلامية وخصائصها الذاتية المستقلة، على الرغم من غزو الحضارة الغربية لقيمها وحياتها وسلوك أفرادها، كنتيجة طبيعية لعوامل الإعاقة والتأخر في القرن الأخيرة من حياتها، تلك التي أسلمتها إلى الأعداء المستعمرين الذين خططوا للقضاء على وجودها وخصائصها وتحريفها عن طريقها الحضاري المستقل، زد على ذلك الاحتكاك الطبيعي بين الحضارات الذي هو سُنَّة من السُنن الاجتماعية في المجتمع الإنساني.
ماذا كانت النتيجـــــة؟
لقد كانت النتيجة فادحة، لأن المجتمع الإسلامي، يحاول من جهة المحافظة على وحدته الحضارية الداخلية استجابة لمتطلبات مذهبيته الإسلامية، ومن جهة ثانية، فإن الحضارة الغربية بكل مقوماتها ومغرياتها فتحت مسارات كثيرة نفذت منها لتفجير المجتمع الإسلامي من الداخل وإحداث التغيير الشامل فيه على مقومات مذهبياتها المادية وخصائصها الحضارية، الرومانية، النصرانية، العلمانية.
إن رفض المجتمع الإسلامي للسقوط الحضاري من جهة وضغط الغزو الحضاري الغربي من جهة أخرى، قادنا إلى حالة خطيرة من الضياع والحيرة والانفصام، بحيث لو استمرت، فإن خروجنا السريع من هذه الفوضى الحضارية يكون في حكم المستحيل. وعدم الخروج السريع وعدم الوضوح في التخطيط والتغيير سيلحق بمجتمعاتنا الإسلامية أفدح الأضرار، بل سيدمرها تدميراً شاملاً، وسيتمكن منها الأعداء من كل جانب.
وقد طُرح إلى الآن حلاَّن أساسان، في الساحة الإسلامية للوصول إلى توجيه ناجح لضبط حركة التغيير الحضاري الشامل التي غدت لا مناص منها للخروج من الزمن الماضي الساكن إلى الزمن الحاضر والمستقبل.
أما الحل الأول فيقول:
لا بد أن يحدث التغيير في ضوء المذهبيات المادية والعلمانية التي تسيطر على الحضارة الحاضرة، التي هي في زعم القائلين به قدر البشرية اليوم.
وأما الحل الثاني فيؤمن:
أنه لا بد أن يحدث التغيير في إطار مذهبيتنا الإسلامية الشاملة وبنمطنا الحضاري الخاص الذي ميز أمتنا عن سائر الأمم، مع مراعاة سنن الله في الوجود، وتسخير القوانين المادية لصالح قيام الحضارة من جديد(7).
أما الحل الأول ففيه عزل كامل للإسلام عن مجتمعه من حيث هو دين ومذهبية متكاملة تتفرع منها عقائدنا وشرائعنا وأخلاقياتنا وقيمنا الحضارية وأمجادنا التاريخية. ثم هو قطع للأمة عن ماضيها وتحويل لها عن مجاريها، وإيجاد لأمة أخرى بعقائد جديدة وقيم جديدة وحياة جديدة.
وقد رفضت أمتنا هذا الحل الذي جاء كنتيجة لهيمنة المستعمرين من خلال حكمهم الطويل لبلاد الإسلام عن طريق المناهج التي فرضوها والمؤسسات الثقافية التي أنشئوها والمراكز الإعلامية التي ملئوا بها ساحتنا بأساليبها المتنوعة ووسائلها المغرية.
وهذا الحل في ذاته فاسد، إذ أن تلك الفلسفات المادية والمناهج العلمانية تعبر عن صراعات الأجيال والمؤسسات في تواريخ الأمم الغربية، فيما بينها، فهي من نتاج عقول بشرية في حضارة مادية في أصولها، رومانية في عبادتها للقوة، نصرانية في حقدها التاريخي على الأمة الإسلامية، فبأي حق، تسبغُ على تلك الفلسفات والمناهج العصمة والحتمية والموضوعية، كي تفرض على أمتنا الإسلامية، وهي تمتلك عقيدة ربانية حكيمة تتماشى مع فطرة الكون ومنطق الأشياء، وشريعة حكيمة مفتوحة تنظر إلى الإنسان نظرة شمولية متوازنة مع تكوينه ودوافعه، وحضارة علمية إنسانية ذات أخلاقيات رفيعة، وتاريخاً مجيداً يزخر بالبطولات والأمجاد وروح الفروسية الحقة في كل ناحية من نواحي الحياة.
إذن، لا مناص من الأخذ القاطع بالحل الثاني، الذي هو طريق الإسلام الحق ومذهبيته الشاملة المترابطة التي نبقى في ظلها مسلمين حقاً، ونحافظ على شخصيتنا الحضارية المستقلة، وتكون رؤيتنا واضحة لحاضرنا ومستقبلنا، فنخرج من الفوضى والحيرة والذوبان في منظومات حضارية أخرى.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:45 PM إن هذا لا يعني الوقوف عند الماضي، لأن الإسلام من حيث هو وحي إلهي مستقل عن الزمان والمكان، فهو ماض وحاضر ومستقبل من دون تحديده، وهو حركة دائمة تدعو إلى التغيير المستمر والتجديد الدائم، لتحقيق الأمانة الكبرى في تحقيق خلافة الله على الأرض، وهي لا يمكن أن تتحقق على الوجه الكامل إلا بتسخير قوانين المادة. وتسخيرها لا يحقق صلاحها إلا في داخل المذهبية الإسلامية، لأنها ترتبط بها وتعبر عنها، فتخرج للناس حضارة متوازنة إنسانية لا حضارة مادية تنكر الإله، وتعبد القوة وترتكب الجرائم الوحشية بحق البشرية من منطلقات المصالح والعنصرية والأحقاد التاريخية.
كتب المفكر الفرنسي الكير "رجاء غارودي " قبل أن يدخل في الإسلام، نقده العلمي التاريخي للحضارة الغربية، نلخص هنا ما يتعلق بموضوعنا على الوجه الآتي(8):
• استندت على الإرادة الفردية الغازية المريدة للربح والسيطرة، والتي لا تتردد لحظة واحدة في تدمير القارات والحضارات، من خلال توجيه العلوم والتقنيات.
• اعتمدت النظرة العلمانية الصرفة التي تؤكد أن العقل يحل كل المشاكل وأن كل المشاكل الأخرى هي مشاكل لاهوتية زائفة.
• إن هذه الحضارة، لم تستطع إلى الآن أن تحدد غايات الإنسان الحقيقية، ولا أن تسيطر على الوسائل التي توصله إلى تلك الغايات.
• إذن فهذه الحضارة تحيل الإنسان إلى العمل والاستهلاك، وتحيل الفكر إلى ذكاء آلي، فيتجرد من الإيمان والحب والشعور الفني، وتحيل اللانهائي إلى الكم، ولذلك فإن هذه الحضارة في رأي غارودي، مؤهلة للانتحار.
• إن تقدم الغرب، لم يكن نتيجة عظمة مبادئه، وإنما كان بالضرورة وليد نهب قارات ثلاث، ونقلها إلى أوروبة وأمريكا الشمالية، وبالمقابل فإن الغرب هو الذي جعل ما نسميه العالم الثالث متخلفاً. . ويثبت غارودي ذلك من خلال عرض تاريخي قائم على أساس إحصاءات دقيقة.
• إن هذه الحضارة أدخلت الرق طرازاً إنتاجياً لأول مرة في تاريخ أفريقيا.
• وهي أبادت الهنود الحمر في أمريكا، وأدخلت الأمراض الجنسية كالزهري لأول مرة بين الباقين.
• ولما قضوا على الهنود الحمر احتاجوا إلى الأيدي العاملة، فبدأ خطف السكان الأصليين في أفريقيا طوال ثلاثة قرون، واسترقاقهم ودفنهم في العمل بالمناجم الأمريكية في مأساة إنسانية تاريخية كبرى قضى فيها تسعون مليوناً من المختطفين الأفريقيين نحبهم ووصل عشرة ملايين تحت ظروف قاسية إلى مواقع العمل في أمريكا.
• يقول "غارودي ": (بل إننا لا نستطيع أن نقارنها بالمذابح التي أتاحت لـ (جنكيزخان ) بناء أهرام من بضعة آلاف من الجماجم البشرية، إن عمله عمل صانع يدوي إذا قسناه بالجريمة التاريخية الأعظم التي اقترفها الغرب ) ويقول: (إنني أذكر كيف شعرت فجأة بعار الإنسان الأبيض وكأنه حمل ثقيل مذل على كتفي، عندما زرت في جزيرة (كورة) بمقابل "دكار" الحجيرات التي كان الأسرى يكدسون فيها قبل الإقلاع. ولا تزال آثار الدهان الأسود، مرسومة على الجدار وهي تشير حتى الآن إلى المكان الذي كان النخاسون يحددونه لكل إنسان في ذاك الجحيم (9). ويقول: جلي إذن بالرغم من ضروب تقريظ الغرب المنافق أن مسؤولية الرق لا تقع على عاتق الأفريقيين أولاً، لأن الرقم لم يكن البتة طراز إنتاج في أفريقية قبل وصول الأوروبيين، وثانياً لأن مؤسسة تجارة العبيد اصطدمت بمقاومة الأفريقيين. وأخيراً لأن طلب اليد العاملة الخاضعة للأوروبيين لم يحدث هذه التجارة بعد إبادة هنود أمريكا إبادة جماعية وحسب، بل عمل على توسيعها وتنشيطها ) (10).
• يثبت "غارودي " أن الحضارة الغربية لم تلغ الرق قط لأسباب إنسانية وإنما لأسباب اقتصادية، يثبت ذلك من خلال استقراء كامل لطبيعة تطور المشروع الرأسمالي.
• ظهرت النظرة العرقية بأبشع ما تكون في ظل الحضارة، بحيث تعالى الإنسان الأبيض ونظر إلى الشعوب المستعمرة نظرة فوقية استغلالية من خلال مقولات عنصرية بحتة.
• وبالنسبة للعالم الإسلامي ينتهي "غارودي" إلى أن الاستعمار الإنجليزي والإسباني والفرنسي نتيجة للدور الذي قاموا به في أرض الإسلام خلال أكثر من قرن، زيفوا الحقائق، وافتروا منهجاً من أجل إساءة سمعة إسهام الحضارة العربية في الحضارة الإنسانية.
• وبجانب هذا لقد ارتكب الغرب مجازر تاريخية رهيبة في البلاد الإسلامية، ويعرض غارودي وثائق وإحصاءات تاريخية تثبت فظاعة ووحشية وبربرية الغرب في العالم الإسلامي، لا سيما في شمالي أفريقيا (11).
• يستنتج غارودي من دراسته بأن الغرب حادث عرض، ولكنه أخطر عرض طرأ في تاريخ الكرة الأرضية، والذي قد يقود اليوم إلى فنائها(12).
• وينتهي إلى أن نمط التطور الذي تمارسه المجتمعات الصناعية يقود البشرية إلى درب مسدود. (انتهى كلام "غارودي" مختصراً ).
فإذا كان اتباع التنمية الحضارية الغربية في ظل المذهبيات المادية العلمانية يقود إلى الطريق المسدود في رأي غارودي وكثير من فلاسفة الغرب ومفكريه وعلمائه، فلا بد إذن بعد تجربة قرن كامل من الزمان في العالم الإسلامي، أن يكون اتباع المذهبية الإسلامية الشاملة، المرنة الحية، الحركة التي تنشد التغيير والبناء والتقدم دائماً، هو الطريق السليم للخروج في العالم الإسلامي، من الطريق المسدود الذي يجد نفسه في اليوم(13).
والمذهبية الإسلامية هذه ليست مذهبية سلفية بالمعنى الذي يريد أعداء الإسلام من أرباب المادية والمذاهب العلمانية أن يصموها بها، حتى يظهروها أمام الجيل الجديد بأنها دعوة إلى الجمود والالتصاق بالماضي والتمسك التراثي بالتراث.
ولقد دلس هؤلاء على كثير من أبناء جيلنا الحاضر في هذه القضية، لأنهم عرضوا "السلفية " وكأنها إيقاف للزمن وتمسك مطلق بالماضي. بينما "السلفية " اصطلاح في مبحث العقيدة الإسلامية. والمقصود منها الوقوف في فهم تلك العقائد، لا سيما مسألة صفات الله، في إطار فهم السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، لأن تفصيلاتها تدخل في المجال الذي نهانا الله تعالى في الحديث عنها،وليس للعقل فيها مدرك، ولا يبنى عليها عمل في الواقع الفكري والاجتماعي. ومن هنا فإنهم دعوا إلى الفهم الظاهري للآيات القرآنية الكريمة التي تتحدث عنها وتفويض كيفيات معانيها إلى الله سبحانه وتعالى.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:46 PM ولقد كانت هذه الدعوة ردّ فعل على الصراع الكلامي العنيف بين الفرق الإسلامية التي توسعت وتعسفت في التأويل في مجالات عالم الغيب.
ولئن اضطر علماء الكلام في العصور الأولى الولوج إلى ذلك الصراع مع فلاسفة ولاهوتيِّي أهل الملل والنحل، عندما أرادوا اختراق سور العقيدة الإسلامية بمطاعنهم وشبهاتهم، ووجدوا في مرونة قواعد اللغة العربية ودلالات ألفاظها معيناً لهم في ردّ تلك المطاعن وتفنيدها، إلا أنه سرعان ما تحول الجدل إلى المراء غير المجدي بين المسلمين أنفسهم، الأمر الذي كان من أعظم أسباب ضعف المجتمع الإسلامي وتفكيك وحدته الفكرية، وإدخال التعقيد في عقيدته القرآنية الفطرية الواضحة.
ولقد انتهى اليوم ذلك الصراع الكلامي الرهيب إلى غير رجعة إن شاء الله، ولم تعد تثار مشاكله وأفكاره على مستوى الصراع الفكري في عالمنا المعاصر. ولم يعد الإسلاميون يتحدثون فيه أو يشغلون أنفسهم بالخوض في مباحثه إلا في مجالات التخصص الدقيق. فإطلاق لفظ "السلفية " بالمعنى الذي قصد إليه أعداء الإسلام، إنما هو خدعة مكشوفة منهم للجماهير المسلمة ووضع للمصطلح في غير موضعه الحقيق به.
إن المذهبية الإسلامية ليست دعوة أو حركة محدودة تتصل بزمن معين. أو جزئية معينة من جزئيات الإسلام. إنها دستور الوجود كله، علماً وعقلاً ووحياً(14)، تتفرع منها شريعة مضبوطة مرنة الأصول والقواعد، تؤمن بالحركة والتغيير، واختلاف الزمان والمكان، وفيها من النظريات التشريعية العظيمة، والمبادئ الكلية الإنسانية العامة، والمقاصد الحسنة، وفتح المجال الواسع أمام العقل الإنساني للنظر والاجتهاد ما يرفد الحياة في كل عصر بقوانين حركتها الاجتماعية المتطورة.
إن كل من يقرأ بدقة ما تكتبه مجموعة الكتاب الماديين والعلمانيين، في هذا المجال، يوقن أنهم إنما يريدون محاربة الإسلام نفسه تحت مظلة "السلفية"، التي يسقطون ما يجول حقيقة في عقولهم ونفوسهم عليها،ويحرفون معناها، ويستعملونها مرادفة للجمود وإيقاف حركة الزمن.
إنهم لا يؤمنون أساساً بالإسلام، لأن المادية والتيارات غير الدينية التي يتحركون في إطار منظوماتها الفكرية ترفض الإسلام من حيث هو وحي إلهي، وتدعو إلى رفضه أو إعادة النظر في مبادئه، دون أن يفرق بينه وبين فكر المسلمين الاجتهادي.
إن هؤلاء - لنفاقهم الاجتماعي - من حيث إنهم يعيشون في مجتمع إسلامي، لا يوضحون مقاصدهم الحقيقية صراحة في معظم الأحوال، - ولا يقولون على سبيل المثال: إن المذهبية الإسلامية المنبثقة من الوحي الإلهي مرفوضة في هذا العصر - ولكنهم جميعاً يلتفون حول القضية بمكر، مستغلين جهل الأجيال المسلمة الجديدة بدينها، فيلصقون بالإسلام أنه دعوة "سلفية "، بالمعنى الذي يحددون، ثم يحكمون أن الدعوة السلفية مرفوضة لأننا لا نستطيع أن نعيش في زمن غير زمننا. ومن تتبع كتاباتهم اكتشف ذلك بسهولة (15).
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:47 PM مذهبيـــــة شاملــة
لا شك أن مذهبية الإسلام في الكون والمجتمع والإنسان، مذهبية هداية وتوجيه تنظر إلى الوجود كله نظرة برهانية شاملة معقولة.
فمذهبيته في الكون قائمة على أساس دقته وتناسقه وتوازنه وغائيته، خلقه الله سبحانه وتعالى من العدم. كل شيء فيه موجه بعنايته، يخضع لقانون واحد لا تفاوت فيه، يقوم على أساس التكامل والتعاضد لا على أساس التضاد والتناقض. يتحكم فيه قانون التطور العام الذي يصيره من حال إلى حال بأمر الله وفي إطار سننه المسيرة، التي هي بمثابة العلل والأسباب التي لا تصطدم مع مبدأ المشيئة الإلهية، لأنها هي نفسها جزء من تلك المشيئة النافذة.
ومذهبيته في المجتمع قائمة على أساس الوحدة البشرية، فكل الناس عيال الله وأفضلهم هو أتقاهم، وهو سبحانه وتعالى لو يتركهم عبثاً يتخبطون في الأخطاء والتجارب المستمرة، حسب هواهم ومصالحهم المتضاربة، بل ارتضى لهم أصول أنظمة حيوية فطرية، تفاصيلها دقيقة وحكيمة وردت في نصوص مجملة، حتى يستنبط منها المجتهدون في كل عصر ما يتفق مع مصالح الناس ويساير زمانهم في إطار القواعد والأصول العامة للفقه الإسلامي.
ومذهبيته في الإنسان قائمة على أنه خليفة الله المكرم في أرضه، يتحرك ويعمل في إطار القوانين المادية، لإنشاء الحضارة ورفد الحياة بكل جديد في داخل التزام حقيقي بعبادة الله سبحانه وتعالى وحرية شاملة تعتمد العقل وتطلق طاقاته الكبيرة للقيام بذلك الدور الحاسم في هذه الحياة الدنيا.
إن مذهبية الإسلام الكونية هذه التي توجه منهجها التغييري التفصيلي لا تقوم مقام العلم والتقنية في هذا العصر، وإنما تقوم مقام المذهبيات الثقافية في الحضارة الحديثة، التي لا يجوز أبداً للمسلمين أن يلجؤوا إليها لأنها كفرت بالله وانطلقت من النظرة المادية الصرفة إلى الكون، وبنت مجتمعاتها على أساس العبودية لغير الله من المال والعنصر والطبقة والأشخاص، ووضعت الإنسان إلهاً مكانه سبحانه وتعالى، فسببت بذلك شقاء كبيراً في المجتمع، بتوجيه مناهج التغيير وجهة هادمة منحرفة، تعتمد الجانب المادي في الإنسان ، متجاهلة كلياً جانبه المعنوي الإنساني الشعوري، بحيث تحولت المجتمعات الإنسانية في ظلها إلى مجتمع الغابة، لأنها فقدت إنسانيتها بمعناها الشمولي، وقيمها الموحدة فحولته إلى آلات تعمل وتستهلك، وفي سبيل مصلحته يفتك بالآخرين، يمزق حياتهم ويمتص دماءهم ويسلب خيراتهم، بلا أخلاق ولا رحمة ولا إنسانية.
وهنا نسأل سؤالاً ملحاً يفرض نفسه بعد هذه المقدمة فيقول:
قلنا بأن المذهبية الإسلامية تقوم مقام المذهبيات المادية التي سيطرت على الحضارة الغربية، وذكرنا أنها لا تقوم مقام العلم والتقنية. إذن هل نعني ذلك أننا لا بد أن تأخذ العلم والتقنية مطلقاً دون تردد أو مناقشة؟ وماذا عن العلوم الإنسانية الحديثة؟ كالفلسفات العقلية، وعلو الاجتماع وعلم الاقتصاد، وعلم السياسة، وعلم النفس وعلم التربية، وما إلى ذلك؟ فهل هذه العلوم يمكن أن تدخل مؤسساتنا الثقافية والتربوية والإعلامية من منظار منهج التغيير الإسلامي؟.
وفي جوانب ذلك نقول:
أما بالنسبة للسؤال الأول: فلا أشك أن العلم والتقنية الحديثة، كشفا عن القوانين المادية المتنوعة في اعلمي الأنفس والآفاق، فتسخيرها بأوسع مجال ممكن في بناء حياتنا الجديدة، يتماشى تماماً مع ما يريده الإسلام من الحركة في الحياة واستعمار الأرض وبناء الحضارة وتحقيق الخلاقة.
غير أن منهج التغيير الإسلامي لا بد أن ينتبه إلى قضية في غاية الأهمية، وهي: أن العلم والتقنية يوجهان اليوم في حالات معينة لخدمة أغراض المذهبيات المادية المصلحية غير الإنسانية، الأمر الذي لا يمكن أن ينتقل إلى المجتمع الإسلامي من منظار هذه الفلسفة النفعية المصلحية، بل لا بد أن يتحرك العلم والتقنية في اتجاهات الحضارة كلها في ظل المذهبية الإسلامية التي تبني القواعد الأخلاقية والإنسانية الرفيعة لانطلاقتهما في المجالات التي تخدم الإنسان وتوفر له السعادة.
والدلائل الواقعية تشير الآن، أن العلم الإسلامي عندما يأخذ اليوم العلوم والتقنيات م الغرب، لا يأخذهما منطلقا من داخل نمطه الإسلامي الأصيل إلى يؤمن بالوحدة الكاملة بين الفرد والمجتمع والروح والعقل والجسد والطبيعة.. إن العلم والتقنية يسيران في الغرب على أساس الفصام الكامل بين أجزاء تلك الوحدة الوجودية المتناسقة، والنتيجة الرهيبة التي ترتبت على ذلك أن العلم والتقنية سارا في الحضارة الغربية عكس اليم والأخلاق التي بذر بذورها في تاريخ البشرية الأنبياء والمرسلون والمصلحون والعقلاء.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:48 PM الطريق الذي سار عليه التطور العلمي والتقني في الحضارة المعاصرة اتجه نحو التضاد مع الطبيعة والبيئة والحاجات الفطرية إلى الإنسان. فهو لم بتكامل مع الطبيعة والبيئة والإنسان، مما هدد موارد طبيعية وحيوانية عديدة بالنفاد وأضر بالبيئة فلوثها وأنهكها وأخل بتوازنها، ووضع الكائن البشري في ظروف مكنية ومعاشية وصحية تتناقض مع روحه وصحته ونفسيته وفطرته ونموه العام. كل ذلك بسبب الاتجاه في تطوير العلمي والتقني الذي تحكمه أهداف العنف والربح والاستهلاك المادي (16).
وبعد تحليل دقيق لطبيعة تطول العلم في ظل الحضارة الإسلامية وفي حضارة العصر الحديث نقول:
لهذا يمكن القول: إن نمط التطور العلمي والتقني المعاصر يحمل كل خصائص الحضارة الأوروبية ويلبي أهدافها وحاجاتها ودوافعها، الأمر الذي كان سيجعل مسا هذا التطور مختلقاً لو قادته حضارات أخرى ذات أهداف ودوافع وحاجات وظروف مختلفة عن تلك التي تتسم بها الحضارة الأوروبية.
إذا كان هذا صحيحاً فإن التعاطي مع العلوم والتقنيات التي تطورت في الغرب لن يأخذ شكل النقل كما يتصور بعضهم، ولن يأخذ كل شيء كما يتصور بعضهم الأخر كما لن تستطيع حضارتنا أن تواصل النسق الفرنجي نفسه أو المسار نفسه، وإنما لا مفر لها من أن ضع العلوم والتقنيات ضمن خصوصية نسقها الحضاري لتلبي دوافعه ومصالحه وحاجاته والأولويات والاتجاه العام ومن ثم تتحدد عملية التفاعل مع ما أنجزته الحضارة الأوروبية في مختلف قوانين العلوم والتكنولوجيا (17).
هذا بالنسبة للعلم والتقنية، أما العلوم الإنسانية، فموضوعها أكثر خطورة في تفاصيله، لأنها قد تحركت في الاتجاهات التي رسمتها لها الفلسفة المادية، لتحقق أهدافها ولتركز على مبادئها في مظاهر الحياة المتنوعة.
ولكن من السذاجة أن ينكر إنسان المناهج العلمية لتلك العلوم الإنسانية وأن يدعو إلى مقاطعة نتائجها الهائلة في المجتمعات البشرية.
ومن هنا فإنه ليس من مهمة المنهج التغييري الإسلامي أن يضع جداراً أمام عبور تلك العلوم إلى حياتنا، وإنما مهمته أن يقودها في ظل مذهبية الإسلام الشاملة ليعيد إليها توازنها، ولينتشلها من الجانب المادي في العلمية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية في البلاد الإسلامية.
أي إن مهمتنا التغييرية في البناء الجديد أن نحوِّل مناهج الفلسفات والعلوم الإنسانية الغربية إلى مناهج فلسفية إسلامية، وعلوم إنسانية الإسلامي وعلم الاقتصاد الإسلامي، وعلم الساسة الإسلامي، وعلم النفس الإسلامي، وعلم التربية الإسلامي وهكذا.
ويوم أن تتم هذه العملية الحضارية الكبرى في العالم سيبدأ تاريخ الإنسان بالتحول الحقيقي، وستنتشل الحضارة من واقعها المادي المأساوي.
وسنخدم البشرية يومئذ خدمة عظيمة، أهم من أن نقدم إليها اختراعات جديدة أو تقنيات مفيدة. إذ نحن في هذه الحالة - مهما أسرعنا في السير - لن نستطيع أن نقدم إليها أكثر مما تقدمه الحضارة المادية، بل لا نستطيع على الأرجح أن نقدم إليها الآن وفي القرن القابل شيئاً ذا وزن تاريخي كبير في ضوء السقوط الحضاري الذي يمر به العالم الإسلامي. والإنسانية بقوة مذهبيتنا الربانية الإسلامية الإنسانية الشاملة في الترابط الكوني.
ولن يستطيع أن يتحول تاريخنا إلى مواقع الأستاذية في هذا المجال، للحضارة الغربية المادية الحاضرة، ما لم نبدأ بعملية تغيير حضاري إسلامي شامل في عالمنا الإسلامي الكبير.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:49 PM المذهبية الإسلامية ودور الإنسان في التغيير
إن إبراز دور الإنسان في منهج التغيير، بدرجة كافية، غدا من الضرورات الملحة جداً، ذلك لأن الذهبية الإسلامية جعلت الإنسان مدار الحركة الحضارية، وأوكلت إليه مهمة التغيير والبناء، وكلفته بتحقيق الخلافة الإلهية على هذه الأرض، وإدارة الصراعات المختلفة التي تجري فوقها، واستغلال ما على ظاهرها واستخراج ما باطنها، مستفيداً من الزمن الإنتاج الحضارة.
أما أنه خليفة الله في أرضه فبصريح قوله تعالى:
((وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً… )) (البقرة: 30).
وقوله تعالى:
((وهو الّذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرضِ ورَفَع بَعْضكُم فوْقَ بعَضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِيماَ آتاكُم… )) (الأنعام :165)).
وقوله تعالى:
((يا داودُ إِنّا جَعَلْناك خلِيفَةً فيِ الأرْضِ فاحكُمْ بَيْنَ النّاسِ بالْحَقِّ ولا تتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّك عَن سَبِيلِ اللهِ… )) (ص: 26).
وأما إنه مكلف بإدارة الحركة والعمران فبدليل قوله تعالى:
((إناّ عَرضْنا الأْمانَةَ على السّماواتِ والأرْضِ والْجِبالِ فأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنها وأشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهاَ الإِنسانُ إنّهُ كان ظلُوماً جهُولاً )) (الأحزاب: 72).
ويقوم الإنسان بهذا الدور التاريخي من خلال عقله المدرك في عالم الشهادة، وشعوره وتأمله وطاقاته الكثيرة التي زوده الله تعالى بها، لكي يصنع تاريخه على هذه الأرض بمعونة الله تعالى. فبحركته من خلال حريته الملتزمة يتحرك التاريخ، ويتطور الزمن، وتتغير مظاهر الحياة.
إن الجبرية التي فرضت على الإنسان المسلم من خلال الفلسفات الغريبة، ليست من الإسلام في شيء.
فآيات القرآن الكريم صريحة في إعطاء هذا الدور المبدع للإنسان وهو صنع تاريخه وحياته على هذه الأرض، من خلال رؤيته الربانية المنبثقة من مذهبيته الإسلامية الشاملة.
((ذلِكَ بِأنَّ اللهَ لمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمةً أنْعَمَهاَ على قوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ وأَنَّ الله سميعٌ عليم )) (الأنفال: 53).
((إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّروا ما بِأنْفُسِهِم… )) (الرعد : 11).
((وما كَان ربُّك لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظٌلْمٍ وَأهْلُها مُصْلِحُونَ )) (هود : 117).
((وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلِكْناهُمْ لَمّاَ ظَلمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً )) (الكهف: 59).
((ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيد ِ)) (آل عمران: 182).
((… كُلُ امْرِئٍ بِماَ كَسَبَ رَهِينُ )) (الطور: 21).
((تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون )) (البقرة:134).
((وأَنْ لَيْسَ للإنسانِ إلاّ ما سعى، وَ أَنّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى )) (النجم: 39 - 40).
ومع الدليل القرآني القاطع نرى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام والأجيال الأولى من المسلمين تمثل هذه القضية تمثيلاً واضحاً، بحيث يقوم دليلاً قاطعاً على إن فهمهم للقرآن لم يتجاوز ذلك.
فقيام رسول الله بدعوته واستعماله الطاقات الإنسانية التي زود بها واتباعه كل الوسائل والقواعد في عالم العمران المادي والبشري لنشر دعوته وتحقيق المجتمع الذي أرسل من أجل بنائه، وتحمله أنواع العذاب والجراحات، للانتصار على الأعداء في كل مظهر من مظاهر جهاده ضدهم لدليل واضح على ما نقول.
إن المعجزات الخارقة - على كثرتها في حياته - لم تكن طريقاً لدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل كان طريق دعوته تحريك العقل ودفع الإنسان إلى فهم نفسه وفهم ما حوله، وإدراك ما في الوجود من القوانين والأسرار ومحاولة اكتشافها وتسخيرها لصالحه وإقامة مجتمعه العادل عليها.
إن دراسة واعية لحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم تعطينا البرهان القاطع على أنه ما من قانون من قوانين الحياة خلقه الله لأداء حق الأمانة والاستخلاف، إلا اتبعه لبناء المجتمع الإسلامي، سواء أكان ذلك في سلمه أم في حربه(18) .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:51 PM وانطلاقاً من هذه الحقيقة الإسلامية القاطعة نقول: يخطئ من يقول (19) إن الحضارة الإسلامية كانت حضارة إلهية بمعناها اليوناني أو لاهوتية بمعناها النصراني. بل كانت حضارة إنسانية، تعتمد على حركة الإنسان ، مهتدية بتوجيهات وهداية الخالق العظيم. ولذلك فإن الإنسان كان حاضراً في حضارتنا ولم يكن غائباً، ولقد دخل التاريخ وحركه من أوسع أبوابه على الرغم من عدم وجود مباحث نظرية مستقلة في تراثنا الفكري تنصل بهذه القضية، لأنها كانت من المسلمات البديهية في عقل الإنسان المسلم وواقع مجتمعه...
فالإنسان في تاريخنا كان واقعاً ولم يكن تجريداً نظرياً، ولم يا ترى، تكتب مناقشات بيزنطية حول الإنسان بعقلية الحضارات الوثنية والقرآن الكريم وضع الحقائق الكاملة عن الإنسان أمام المجتمع البشري(20).
وإذا كان الإنسان على هذا الزعم غائباً عن حضارتنا ومجتمعاتنا الإسلامية.
فمن الذي دخل إذن في الصراع مع الشرك حتى قضى عليه؟ من الذي نشر الإسلام وما جاء به من الهداية والحق والعدل والخير والجمال؟
دماء من جرت في سبيل نقل الإنسان المسحوق من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده؟
من الذي دخل في صراع فكري واقعي مع الحضارات الوثنية، حتى ألحق بها الهزيمة بين المحيطين ومن أواسط آسيا إلى أواسط أفريقيا؟
من الذي أقام الدول وأنشأ المؤسسات الثقافية والصحية ونظم الأسواق والمعاملات تنظيماً دقيقاً وأنقذ مجتمعه من التراكمات الرأسمالية ونظام الإقطاع القديم الذي كان الإقطاعي فيه يملك المقاطعة بما عليها ومن عليها؟
من الذي شق الأنهار وأنشأ شبكات الري وزرع الأرض وقاد قوافل التجارة، وأنشأ المعامل والصناعات المتنوعة من سمرقند إلى فاس وقرطبة؟
من الذي ترجم نتاج الحضارات الأخرى، واستخرج منها حضارة مستقلة مصبوغة بصبغة إسلامية؟
من الذي كتب ملايين المخطوطات في العلوم والمعارف الكونية والحيوية والإنسانية التي تملأ بقاياها اليوم القاعات الضخمة في مكتبات الشرق والغرب؟
ألم يفعل كل ذلك وغير ذلك، الإنسان المسلم الذي كرِّمه الإسلام وأعاد إليه حقيقته الإنسانية في الواقع والحياة بعد أن كان مستلباً، عبداً للشركاء والأنداد.
نعم قد يقال: إنه قد حصل في فترات معينة انفصام بين المذهبية وجوانب من تطبيقها، في جزئية أو جزئيات معينة، أحدث زعزعة في الحياة الإسلامية، ظهرت في استبداد سياسي هنا أو ظلم اجتماعي هناك.
ولكن هل يمكن أن نعمم القاعدة من خلال سلبيات معينة فنقول: بأن الإنسان كان غائباً في تاريخنا.
إنه من الحقائق الواضحة أن الإنسان كان حاضراً دائماً في حضارتنا بجلاء ووضوح أكثر من أية حضارة سبقته.
وإذا كنا في تقويمنا لحضارتنا الإسلامية، نجد ثغرات تاريخية عدة توضح التخلخل الذي حدث في مدى تطابق المذهبية مع الحياة، لا سيما في قضايا الحكم والسياسة، وإبراز دور الإنسان فيها، فلا مناص لنا اليوم، إذا كنا نريد بناء حضارة إنسانية قوية، أن نبرز مكانة الإنسان في كل ناحية من نواحي الحياة، حتى يضع تاريخه بنفسه، ولا يمكن إبراز هذه المكانة إلاّ إذا أخذ التغيير تكريم الإنسان بنظر الاعتبار واحترم آدميته بوضوح بحيث يشعر الإنسان في ظله بالأمن النفسي والاجتماعي حتى يستطيع أن يستغل طاقاته من خلال حريته في خدمة المجتمع ورقي الإنسان.
فالإنسان الذي تهدر إنسانيته وتطمس معالم شخصيته، إنسان معطل القوى مزعزع الشخصية لن يستطيع أن يشترك بقوة وأمان في بناء مجتمع الإنسان وتحقيق معنى آدميته.
ولا يمكن أن تتحقق كرامة الإنسان إلا من خلال مبدأين:
- الأول:
إقرار حريته الإنسانية في داخل الضوابط الإسلامية.
- الثاني:
عدم استغلاله من حيث هو إنسان، لأن ذلك يؤدي إلى قتل شخصيته ومحو آدميته التي يصيبها العطل والسلبية تجاه الحياة(21).
فنحن في منهجنا التغييري، لا بد أن نصوغ الإنسان المسلم من جديد قبل بناء العمارات وإنشاء المصانع وتعبيد الطرق وتنظم الحياة المادية، أو معها في الأقل.
ولا بد لنا أن نعيد إليه شخصيته المسلوبة وإنسانيته الضائعة، وننقذه من عوامل الخوف والقلق والسحق، كي نضعه على طريق التغيير والبناء الجديد.
وإلاّ فما فائدة البناء الفوقي دون أن نقوي الأساس، كما هي الحال في مظاهر التقدم المادي المزعوم في معظم البلاد الإسلامية.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:52 PM المذهبية الإسلامية والنظرة الشمولية للإنسان
الإنسان كائن حضاري معقد جداً له دوافع متنوعة، تؤثر فيها عوامل متشابكة مختلفة، عبر مراحله الاجتماعية المتتابعة. وهذه العوامل منها ما هي فطرية جبلية، ومنها ما هي عوامل اجتماعية بيئية مكتسبة. ولا بد أن تخضع الدوافع الإنسانية إلى تربية شاملة متوازنة تراعي كيانه من حيث هو كلُّ. وأية تجزئة للإنسان وفهمه في ضوء جزء منها ستقود إلى خطأ علمي كبير، يضيِّع كثيراً من الحقائق الطبيعية في حياته النفسية والاجتماعية والاقتصادية السياسية(22)
ولذلك فلقد حدث في العصور الأخيرة، طمس واضح لشمولية الإنسان ، ومعالمها الكلية، بناء على دراسته دراسة مجزأة، والنظر إليه من زاوية معينة، وسحب نتائجه على الكل الشمولي.
فالنظرة الكنسية عندما نظرت للإنسان من حيث هو كائن روحي كرد فعل عنيف على حيوانية ومادية النظرة الرومانية، أفقدت الإنسان توازنه وحملته ما لا يحتمل وحاولت قتل غرائزه وتجاهلت واقعه الأرضي تجاهلاً كبيراً.
إن التربية الكنسية الروحية هذه وزرعها اللاشعوري المستمر بأن مملكة الإنسان هي في عالم المثل والروح والسماء قد فجرت الإنسان تفجيراً رهيباً بعد كبت القرون المتطاولة، فالتصق بالأرض وأنشأ مملكته الحضارية الحديثة فوقها، على أسس من المادية البحتة والقيادة الإنسانية "المؤلهة " بمعزل عن مملكة الروح وقيمها وأخلاقياتها فأنتجت للإنسان الفلسفات التغييرية التي جزأته بدورها وأفقدته شموليته الإنسانية.
والوضعية التي نادى بها "أوجست كونت " الفرنسي، عدّت الإنسان كائناً يستطيع أن يُشكِّل قيمه بنفسه، ويحولها إلى دين وضعي، يضبط حركته الاجتماعية، ولا حاجة بعد إلى الأديان والقيم القديمة في زعمه. ثم زهر بعد قرن كامل من الصراع والتجربة أن الإنسان لا يستطيع أن يوجد القيم المجردة عن المصالح، لأن حب الإنسان لمصلحته، موجهاً من جانبه الحيواني حال بينه وبين فهم الإنسان من حيث معناه وشموليته، ومعنه من إيجاد تلك القيم المجردة التي تعبر عن المعنى الشامل لإنسانيته.
والماركسية جردت الإنسان من شموليته وجعلته سلوكاً متغيراً في ضوء تغير أدوات الإنتاج، مجبراً على ذلك السلوك مسلوب الإرادة، فحصرت شموليته الإنسانية في العامل الاقتصادي، ثم أثبتت التجارب الواقعية والإحصاءات الدقيقة في الدراسات الحديثة أن سلوك الإنسان لا يمكن أن يفسره عامل واحد. لأن تفسير سلوكه وتطور حياته بعامل واحد يعني فصمه عن كيانه الإنساني الشامل وفي ذلك انحرافه وأزماته وشقاؤه.
والداروينية نظرت إلى الإنسان من زاوية حيوانية انطلاقاً من التشابه الظاهري في القانون الواحد الذي خلق الله تعالى به الإنسان وسائر الحيوانات. ناسية مساحة الاختلاف والتنافر التي تجدها شمولية شخصية الإنسان لجانبه الحيواني البحت وجانبه الإنساني الفكري والشعوري، فأثرت وجهة نظرها الاحتمالية تأثيراً كبيراً في إنكار ثبات الصفات الخلقيّة والإنسانية القيمية، وانتهت إلى اعتبار الإنسان حيواناً اجتماعياً متطورا، لا ضوابط لتغييره إلا في إطار تكوينه الحيواني.
وأما الفرويدية فقد نظرت إلى الإنسان في ضوء حيوانية الإنسان الداروينية، فانتهت إلى أن الجنس هو أساس حركة الإنسان وسلوكه. فلا بد أن يطلق منهج التغيير في زعمه، هذا الدافع حتى يأخذ مجراه الطبيعي.
وكان من نتائج الفرويدية تحطيم الأسرة وضوابطها، من خلال الفوضى الجنسية العارمة التي نفذت إلى كل جزئية من جزئيات الحياة الاجتماعية في الحضارة الحديثة، ومن خلال الانحرافات المتلاحقة التي شببت أمراضاً نفسية وجنسية خطيرة ومعقدة في المجتمعات الغربية، وانتقلت جراثيمها بدرجات متفاوتة إلى المجتمعات الأخرى في العالم كله.
وأما المذهب النفعي فقد شارك المذاهب الأخرى في التفسير الأحادي ونظر إلى الإنسان من خلال غريزته الذاتية المصلحية التي تحقق له أكبر نفع ممكن. فمقياس الحق مرهون عند "جون ديوي " وأرباب هذه النظرية بمدى تحقق المصلحة، وهي غير منضبطة بضوابط القيم الثابتة العادلة عندهم.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:54 PM ومن هنا فمنهج التغيير النفعي "البراجماتي " انتهى إلى التخلخل الخطير في الحياة الاجتماعية في المجتمع خاصة، لأنه رأى الحق في تحقق المصلحة بمعزل عن اليم الروحية ومبادئ الحق والعدل المجردين في تاريخ الفكر الإنساني.
وكانت خاتمة المطاف في سلسلة النظرات الأحادية المجزِّئةِ لكيان الإنسان ، النظرة الوجودية "السارترية " التي أنكرت كسابقاتها وجود الإله، لينصب الإنسان نفسه مكانه بدعوى إثبات وجوده، وتحقيق حريته، بعيداً عن أوامر الدين ونواهيه وتوجيه الفلسفات العقلية وضغط العادات والتقاليد.
وقادت الوجودية جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى حالة يائسة من القلق والضياع والسلبية في الحياة والحرية غير المضبطة والفوضى الاجتماعية (23).
ومن هنا فإن المناهج التغييرية في العالم التي توجهها تلكم الفلسفات المادية البحتة، لم تستطع أن تعدل من عرج الحضارة الحاضرة. ولم تقد المجتمع الإنساني إلى السعادة والتوازن، لأن هذه المناهج لا تنظر نظرة شمولية إلى الإنسان . وحتى لو نظرت فهي إنما تنظر تعين بشرية محضة، لا تفلح قط في مهمتها. لأن لأسرار الحياة الحيوانية للعالم الإنساني لا يمكن أن تدرك في عصر واحد. وهي من التعمق والتشابك والتعقيد بحيث لا يدرك أبعادها إلا خالق الكون والإنسان الذي أودع في الوجود هذه الأسرار، وهو عليم بها وبحركتها وضوابط موازنتها.
ومن هذا المنطلق الحكيم، فإن المنهج التغييري الإسلامي هو المنهج الصالح لقيادة حضارتنا الحاضرة، وملء الثغرات التي حدثت في منظومتنا الحضارية الخاصة. وذلك لسببين:
- الأول:
إن هذا المنهج، ليس منهجاً بشرياً، إنما هو من عند الله، خالق الوجود وعالم الأسرار، عنايته تصل إلى كل ذرة من ذرة من ذرات الوجود بما فيه ومن فيه.
- الثاني:
إنه منهج قائم على أساس شمولية مترابطة متوازنة، داخليتها مرتبطة بظاهرها ارتباطاً وثيقاً في وحدة متناسقة لا تستطيع أن تفصل جزءاً عن جزءٍ. وإن أدخلنا القسمة المنطقية بين أجزائه، فإنما نفعل ذلك من باب الفهم والتوضيح.
إذن فمنهج التغيير الإسلامي منهج شامل لتحريك طاقات الإنسان كافة. إذ هو لا يقتلها بل يخرجها من عالم القوة إلى عالم الفعل وينظمها ويحركها في الاتجاهات التي تنسجم مع أصل تكوينها.
ونحن في المجتمع الإسلامي لا يجوز في منهجنا التغييري لتجاوز السكون الزمني السابق، أن نعيد التجارب الأحادية الغربية الممثلة بالمبادئ التي تحدثنا عنها. بل لا بد لنا أن نتحرك داخل نمطنا الإسلامي في منهج التغيير، حتى يتم التغيير في إطار طبائع الأشياء، فنصل إلى حياة متقدمة متوازنة وحضارة تعبر بصدق عن كيان الإنسان الشامل وفطرته.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:55 PM المذهبية الإسلامية وجوهر الإنسان
خلق الله الإنسان وأودع فيه دوافع فطرية تعبر عن تكوينه الخاص الذي تتفرع منه غرائزه التي تشكل أساس وجوده. ولا يمكن للزمن أن يبدل أو يقتل تلك الغرائز والنوازع الفطرية، فهي أصيلة في الحياة الإنسانية فالإنسان هو الإنسان من حيث تلك الصفات الجوهرية. ولقد قرر القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى:
((… فِطْرة اللهِ الّتي فطر النّاس عليها لا تبديل لخلق اللهِ ذلك الدّينُ القيِّم ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون )) (الروم : 30).
نعم إن تلك الغرائز يمكن أن تهذب وتوجه في ظل مذهبية متناسقة حتى تتحرك في مساراتها الصحيحة ولا تنتهي إلى انحرافات خطيرة وأمراض نفسية وجنسية واجتماعية.
إن حركة الإنسان في التاريخ لم تكن تتحرك باتجاه محاولة تغيير العمق الإنساني بقدر ما كانت تتوجه أساساً إلى محاولة إحداث التبديل في علاقة الإنسان بالعالم الخارجي، أي علاقته بما حوله من الكائنات الحية، وتسخيره للقوى التي أودعها الله في هذا الوجود.
وبقدر ما يتعلق الأمر بتلك العلاقة، فإن الأحكام والمثل يمكن أن تتبدل من ظرف إلى آخر، دون أن يكون هناك بالضرورة خروج على المثل الخالدة الفطرية التي تنبعث من جوهر النفس الإنسانية وكيانه الطبيعي.
وفي مراحل تاريخية معينة، لم يستطع أصحاب المناهج التغييرية أن يدركوا حقيقة التفريق بين الجوهر الإنساني الأصيل وعلاقته العرضية بالعالم الخارجي، فساووهما في التعامل فألحقوا بحركة التوازن الحضاري أضراراً كبيرة وسببوا لها انحرافات خطيرة.
على سبيل المثال، نأخذ الآباء النصارى الأوائل. فقد واجهوا المجتمعات المادية الإباحية الرومانية وغيرها، وأرادوا أن ينتشلوها من تلكم الحياة الهابطة، لا بتوجيه الغرائز الدافعة لها وصقلها بروحانية الديانة النصرانية، بل بنفي تلك الغرائز والدعوة إلى قتلها والقضاء عليها، فلم يتحقق قط هدفهم فيما أرادوا، بل ظلت النصرانية تصبغ تلك المجتمعات من فوق، أما أعماقها الحقيقة فقد ظلت أسيرة بلك الغرائز الثابتة في كيان الإنسان.
ولذلك فلم تستطع النصرانية في تاريخها أن تطبق نظرية "من ضربك على خدك الأيمن فأدر له الخد الأيسر " ونظرية "إذا زنت عينك فاقلعها " و "إن العلاقات الجنسية ولو كانت مشروعة فهي قذرة " لأن هذه النظريات لم تعبر عن أصالة الإنسان وغرائزه الفطرية.
ولذلك لم يستطع المنهج النصراني أن نؤثر في سير الحضارة الغربية ذات الأصول الرومانية فقد ظلت عبادة القوة والإباحية الجنسية تشكل المسارات الحقيقة للحضارة الأوروبية عبر تاريخها الطويل.
وكانت ردود فعل الاتجاهات المادية تجاه سيطرة التربية النصرانية الكنيسية قوية بحيث وقعت هي بدورها في الانحراف ذاته.
فلقد رسمت تلك الاتجاهات كلها صورة مادية حيوانية بحتة في عالم الإنسان وألغت المساحة التي تتصل بكيان الإنسان الروحي، فكانت النتيجة الحتمية الانحراف المعاكس الذي حدث في كيان الإنسان ، وهو الفراغ الذي أحدثه إنكار حقيقته الروحية، والذي أدى إلى أزمات نفسية وشعورية خانقة جعلت من الكائن الإنساني في ظل الحضارة الحديثة كائناً قلقاً ضائعاً شقياً، نتيجة الصراع الرهيب بين الغريزة الداخلية والمناهج المادية التغييرية التي خططت لطمس معالمها، لا بل قتلها إلى الأبد، بدعوى أن الإنسان يعيش في الطور الثالث من أطوار حركة التطور الاجتماعي وهو طور المعرفة الحسية، بعد أن مرّ على ما زعمه "أوجست كونت " بطور المعرفة الخرافية، وطور المعرفة العقلية!!
ولقد دلت عشرات البحوث العلمية الحديثة على أن الإنسان لا يمكن أن يتطور في صفاته الجوهرية، وأن التدخل الذي حدث لإنكار دور تلك الصفات هو المسؤول عما تعانيه الحضارة الحاضرة من عدم الاستطاعة في إيجاد صيغة متوازية للحياة الإنسانية(24).
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:56 PM لقد نظر الإسلام إلى الإنسان من حيث هو جوهر أصيل له رغبات ذاتية فطرية لا بد أن تشبع وأن تحل مشاكلها في زل مذهبية ربانية تنظر إلى الإنسان نظرة أصيلة لا عرضية، ولذلك نجد أن الشريعة الإسلامية تعالج مشاكل الغرائز الإنسانية المتنوعة من مبدأ الاعتراف بوجودها. فجانبها الروحي يحتاج إلى مخطط عبادي يملؤه ويشعره بلذة العبودية لخالقه، حتى لا يبقى تائهاً حائراً يعاني من الفصام. وجانبها الجنسي يحتاج إلى مخطط اجتماعي أخلاقي يضبط العلاقات الجنسية في المجتمع ويحصرها في داخل الأسرة، حتى لا يودي به ضغط الغريزة الجنسية إلى الدرك الأسفل من السلوك الحيواني غير المنضبط. وجانبها في غريزة الشبع يحتاج إلى مخطط اقتصادي يحافظ على التوازن المعاشي الذي يمنع انتقال المجتمع إلى حياة الترف من جهة والجوع المهلك من جهة أخرى. وجانبها في غريزة الطموح الإنساني يحتاج إلى مخطط يحقق آدميته ويثبت له حرية مهذبة مضبوطة، حتى لا ينتهي الأمر إلى استعباد طائفة لطائفة أخرى وسحقها تحت مطرقة غريزة الاستعلاء والطمع.
وكذلك كل غريزة من غرائزه لو دققنا النظر فيما شرع لها الإسلام وجدنا أنه أراد المحافظة على جوهر الإنسان ممثلاً في شمولية غرائزه التي تستوعب كيانه كله، عن طريق خلق التوازن المطلوب بينها، بحيث يأخذ بعضها برقاب بعض لأداء دورها كاملاً في الحياة.
ونحن الذين نقف اليوم على مفترق الطريق لا بد لنا أن ندرك هذه الحقائق الفطرية في كيان الإنسان ، فعندما نخطط للتغيير علينا أن لا ننسى جوهره وأصالته، فنحاول إخضاعه لتجارب المؤسسات التربوية في الحضارة الحديثة. وإنما لا بد لنا أن نأخذ مخطط الإسلام التغييري في هذا المجال فيطبقه بحسمه ومرونته، لأنه هو الحق الذي يدرك في ظله الحقائق الثابتة والتوازن الأصيل.
ولدقة مسألة أمر الغرائز، وحتى لا يحصل تجاوز معاكس أقول: إننا عندما نقول (مخطط الإسلام التغييري ) لا نقصد آراء الفقهاء التي قد تكون مرتبطة بظروفها الزمانية والمكانية. إذ أن بعض تلك الآراء كثيراً ما انطلقت من ضغط العادات والأعراف، وحاولت محاصرة الغرائز، بل كبتها من منطلق الخوف الموهوم على أخلاق الناس، ومن مبدأ اتخاذ "التحريم" أصلاً في كل حالة من غير دليل شرعي قاطع أو حتى قوي.
وتلك الآراء تمثل جانباً من الفكر الإسلامي في مرحلة معينة، ونحن قد قررنا أن أفكار المسلمين في أية مرحلة من مراحل التاريخ ليست معصومة، لأنها ليست وحياً إلهياً وإنما هي اجتهادات قد نقبلها في عصرها وقد لا نقبلها.
المهم ألا نخرج على الضوابط الإسلامية الصحيحة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، في تربية الغرائز والاستجابة لدوافعها الصحيحة.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:57 PM المذهبية الإسلامية والمجال الغيبي
تبين لنا فيما سلف كيف أن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان خليفته في الأرض، وخلقه خلقاً فريداً متميزاً وكلفه بأن يقوم بدوره العظيم والقيام بالأمانة العظمى التي ارتضاها لنفسه.
لقد زود الله الإنسان بالطاقات التي تحقق له هذه الخلافة على أكمل وجه على الأرض لا في مكان آخر. فمجال تفكيره واجتهاده وإبداعه هو هذه الأرض وما يتعلق بها من القوانين المادية التي حولها.
وإذا وجهت طاقته المادية والمعنوية إلى ولوج مجالات أخرى لا تتصل بتحقيق تلك الخلافة، فإنه يتيه فيها ولا يستطيع أن يتوصل إلى اليقين، فيضيِّع كثيراً من الوقت الذي كان يمكن أن يصرفه في مهمته الكبرى في إنشاء الحضارة الإنسانية الموزونة.
وفي سبيل ألا يضل الإنسان في عوالم الغيب وضع الله تعالى في كتابه الكريم الحقائق النهائية التي يحتاجها، كي لا يتعب نفسه وفكره في هذا المجال، دون جني أية ثمرة، ليتفرغ إلى التفاعل مع الأرض والاستفادة من الزمن، لإنجاح عملية الخلافة الإلهية.
وانطلاقاً من هذا المبدأ، فإن على الإنسان في إطار الحقائق الإلهية التي وضعت أمامه أن يسلم بالتفصيلات الغيبية. فهو طالما آمن بإله خيالاته المادية في محاولة تصور ماهية الإله وصفاته. ولذلك فلقد دعاه الخالق سبحانه وتعالى إلى الإيمان بالغيب وجعل ذلك من أمارات صدق يقينه في قوله:
((الّذين يُؤْمِنُون بِالغيبِ ويقيمون الصّلاة وممّا رزقناهم ينفقون )) (البقرة: 3).
ثم بين له أن أي تحرك خيالي للعقل في غير ما كلّف به لا يكون مجدياً أبداً ولن يوصل إلى المراد.
((.. ليس كمثْلِهِ شيءٌ وهُو السَّميعُ البصِيرُ )) (الشورى : 11).
إن العقل الإنساني على الرغم من طاقاته الكبيرة عقل محدود ناقص وجد أصلاً ليكون عقلياً عملياً يشتغل في إطار عالم المادة، فيحاول الكشف عن قوانينه وأسراره. ومن أجله نجد العقل الإنساني في التاريخ كله، كلما حمِّل نفسه في قضايا ما وراء المادة أكثر مما يتحمل ضل وتاه ولم يصل قط إلى الأمان.
والدليل على ذلك آراء الفلاسفة والمفكرين في تلك القضايا الغيبية منذ أقدم العصور إلى اليوم، فهي عبارة عن مجموعة من الأفكار المضطربة والمتصارعة والمتضادة والساذجة في أحيان كثيرة، والتي تحمل كل قصور ذلك العقل المحدود في المجالات الغيبية المذكورة.
ومن جهة أخرى كلما عرف العقل الإنساني مقداره ومجاله واشتغل في إطار كشف أسرار عالم المادة، أنتج وأبدع في هذا الإنتاج.. والدليل على ذلك ثمرات الحضارة المادية عبر التاريخ التي حقق بها الإنسان جزءاً من خلافته على الأرض.
وكلما ادعى العقل الإنساني المعرفة المطلقة في حل أسرار عالم الغيب ضل وتاه وانتهى إلى الإلحاد والانحراف وارتمى في أحضان المادية وأنتج حضارة غير متزنة بعيدة عن تمثيل الفطرة الكونية والإنسانية بعداً كبيراً.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:58 PM لقد انطلقت الحضارة الإسلامية من هذا المنطلق الإسلامي فاتجهت في علومها اتجاهاً تجريبياً محضاً، استطاعت أن تنقذ الحضارة الإنسانية من العموميات الوصفية التي ورثتها من الحضارة اليونانية، وكان من نتيجة ذلك التقدم الكبير في علوم الطب والصيدلة والكيمياء وعلوم الحياة التي درست في الجامعات الإسلامية ابتداء من بخارى وطاشقند عبوراً ببغداد ودمشق والقاهرة إلى قرطبة الأندلس. ثم في الجامعات الغربية قروناً.
ولا تزال المخطوطات التي كتبها لماء المسلمين تملأ المكتبات المنتشرة في حواضر الشرق والغرب.
لقد انتقل المنهج التجريبي من الحضارة الإسلامية إلى مراكز الثقافة الأوروبية فأثرت فيها تأثيراً كبيراً وحولت اتجاهها من المناهج الأسطورية إلى المناهج العلمية التجريبية الحديثة.
إن هذه القضية أصبحت من المسلمات العلمية التي يؤمن بها العلماء المنصفون والفلاسفة الأحرار من أمثال "جوستاف لوبون " و "سيديو " و "سارتون " و "جارودي " وغيرهم.
يقول جارودي:
"وعندما رحل الراهب الفرنسي "جربير" للدراسة في جامعة قرطبة، قفل راجعاً وقد بلغ من العلم مبلغاً صار يتهم من أجله بأنه قد تاجر مع الشيطان! وبعد أصبح البابا باسم "سلفستر الشاني". إننا ندين للعرب بكليات الطب الفرنسية الأساسية. وقد كانت "مونبلييه" في طليعتها. وقد ظلت كتب الطب العربية مثل كتب الرازي الشهير تنشر وتدرس حتى القرن السادس عشر في فرنسا، وحتى منتصف القرن التاسع في انجلترا. وكان العرب منذ القرن الثامن يجرون عملية سحب الماء الأزرق بإبرة جوفاء. وقد عرفوا الجبر بأكثر مما نعترف لهم به ".
الشاعر "عمر الخيام" الذي عاش حوالي سنة "1100م " توصل إلى حل معادلات الدرجة الثالثة باستخدام الطريقة عينها التي سيستخدمها "ديكارت" بعد خمسة قرون. وبذلك وضع أسس الهندسة التحليلية.
وقد طل كتاب الجبر الكبير الذي ألِّفه وترجم إلى الفرنسية مرجعاً معتمداً حتى سنة 1857م(25).
ليس غرضنا هنا أن نكدس المعلومات عن التقدم العلمي ومنهجه في الحضارة الإسلامية، وإنما الذي نريد أن نؤكده أن المنهج الإسلامي اليوم وهو في طريقه إلى بناء الشخصية الإسلامية وحضارتها من جديد، عليه أن يؤكد في نظريته التربوية على جانب الدراسات العلمية، ويدعو إلى اتباع المنهج العقلي والعلمي والتجريبي والربط بين الظواهر، لمعالجة روح الخرافة والعقلية الأسطورية والمواقف اللاعقلانية واللا سببية التي فتكت بعقلية المجتمع الإسلامي في القرون الأخيرة، والتي جعلته يبطئ في تقبل التقدم العلمي والمنطق التجريبي والفلسفة العقلية والواقعية التي تعتمد العلل، تلك التقاليد العلمية التي شكلت ركناً مهماً في الحضارة الإسلامية في القرون التي قادت فيها الحضارة الإنسانية.
إن منهجنا التغييري الإسلامي، لا بد أن يأخذ بنظر الاعتبار إعادة بناء العقل المنهجي والموضوعي والعلمي التجريبي في الحياة الإسلامية المعاصرة. مع الفارق العظيم بين المنهج التجريبي الإسلامي الذي يتحرك بحرية كاملة في إطار القوانين المادية وتسخيرها لصالح الإنسان وبناء الحضارة، تاركاً قضايا الغيب وأسرارها إلى الوحي الإلهي، وبين المنهج التجريبي الغربي الذي لم يكتف بالحركة داخل إطار العالم المادي وإنما تعداه في تطبيق القاعدة عينها على عالم الغيب لا سيما في القرن التاسع عشر وما قبله، فوقع في الانحراف التاريخي الكبير الذي دفعه إلى إنكار وجود الله سبحانه وتعالى ورفض عبادته، كنتيجة طبيعية للصراع الذي حدث بينه وبين الكنيسة، عندما اصطنعت الأخيرة قضايا علمية خاطئة ومواقف خرافية فأسبغت عليها قداسة الدين وحاسبت العقل الإنساني، فاضطهدته اضطهاداً شديداً، جنح به إلى الكفر ولانحراف فابعدته عن طريف الهداية الإلهية.
إن هذا الصدام المصطنع لم يحدث في تاريخنا لسبب واضح هو أن القرآن الكريم هو الذي علم الناس كيف ينتقلون من المحسوس إلى المجرد في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى:
(( إنَّ في خَلْقِ السّموات والأرضِ واختِلاف اللّيل والنّهار والفلك الّتي تجري في البَحر بِما ينفَعُ النّاس وما أنزل الله من السّماء من ماءٍ فأحيا بِهِ الأرض بعد موْتِها وبثَّ فيها من كُلِّ دابّةٍ وتصْريفِ الرِّياح والسَّحابِ الْمُسخَّر بين السّماء والأرض لآياتٍ لقومٍ يعْقِلون )) (البقرة:164).
إن استعادة المنهج التغييري الإسلامي لأصالته التجريبية وروحه العقلانية هي الطريق الصحيح للقضاء على ازدواجية التربية والتعليم في حياتنا الحاضرة، عندما عانقت عوامل النكوص والجمود والانغلاق والتأخر مخططات المستعمرين التي فصلت بين التعليم الإسلامي والتعليم الإنساني والعلمي، والذي أدى إلى أن تفقد المذهبية الإسلامية قيادتها لحركة النمو الحضاري الجديد في العالم الإسلامي والذي ضيق على الإسلام فحصره في إطار المؤسسات الثقافية الخالية من روح الحركة الربطة بين القديم والجديد، وفتح المجال أمام التعليم العلماني الذي تجرد من الإسلام ومشى في خط التمرد الذي رمسه له منهج "دنلوب" في بلاد المسلمين.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 09:59 PM المذهبية الإسلامية وقضية المستضعفين
من المسلمات المعروفة في الشريعة الإسلامية أن درء المفسدة عن الناس وجلب المصلحة لهم، بكفالة ضرورياتهم وتوفير حاجياتهم وتحسينياتهم من أهم مقاصدها العامة(26).
ولو استقرأنا نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وآراء المذاهب الفقهية وجدنا أن تحقيق مصالح الجماهير الواسعة تأتي في مقدمة تلك المصالح، حتى غدت هذه القضية لوضوحها في النصوص وتواترها في النقل عن السلف الصالح تشكل قاعدة فقهية عامة، تحسم مسألة تعارض المصالح الخاصة مع المصالح العامة، لصالح العامة دائماً(27).
لقد كان من أعظم أهداف الإسلام إنقاذ الشعوب المظلومة الكادحة من ظلم الطغاة الظالمين، الذين استلبوا الجماهير الغفيرة من أممهم حقوقهم، وقضوا على إنسانيتهم وداسوا على آدميتهم.
وكان أولئك المجرمون من طغاة الأمم والشعوب وحدهم يتمتعون تنعم الحياة ويشكلون طبقة متميزة، منحرفة في عقيدتها، مستعلية في سياستها، فاسدة في أخلاقها، حيوانية في سلوكها الاجتماعي.
وقد حاول الخلفاء الراشدون والأمراء العادلون والعلماء الربانيون، عبر التاريخ الإسلامي كله أن يقفوا أمام كل انحراف يمكن أن يركز القوة والطغيان والثروة في أيدي طبقة مترفة، قليلة العدد، تتبع كل السبل المنحرفة في التحايل على المذهبية الإسلامية العادلة في الحياة، التي ارتضاها الله تعالى بمنه وكرمه، لنقل البشرية من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام وأخذ الحقوق من مغتصبيها وإرجاع الكرامة والحق إلى الأكثرية الساحقة من أفراد الشعوب المسحوقة تحت مطارق الفراعنة والأباطرة والنماردة و"الآباء الجاهلين " إن صح التعبير.
غير أن الرياح لم تكن تجري دائماً بما كانت تشتهيه السفينة الإسلامية، فبجانب الخلفاء الراشدين رأى التاريخ الإسلامي الحكام الظالمين، ومع الأمراء العادلين وجدنا الوزراء اللاهين. ولم تخل ساحة العلماء الربانيين الصالحين على كثرتهم من الأدعياء الطالحين الذين زوّروا الحقائق الإسلامية، لتسويغ كل باطل، وتعطيل كل عدل، ومناصرة كل ظالم.
ومن هنا فبقدر ما نفتخر في تاريخنا بالجوانب المشرقة التي يظهر بين ثناياها الحق والعدل والخير الذي جاءت به رسالة الإسلام العظيم نخجل كثيراً من رؤية الطغيان وهدر كرامة الإنسان الذي أبقت عليه رواسب الجشع والطمع والنفاق في المجتمع الإسلامي.
ونخن اليوم نعيش في عصر تتحرك فيه الجماهير المحرومة في كل مكان تطالب بتحقيق كرامتها الضائعة، واسترجاع حقوقها المسلوبة، وإنقاذ إنسانيتها المهدورة، من اخطبوط الجهل والجوع والمرض.
أولسنا أحق الأمم والجماعات بتحقيق هذه الطالب العادلة في هذا العصر ونحن نحمل المذهبية الإسلامية التي كرمت الإنسان ، وجعلته خليفة الله تعالى في أرضه وفضلته على سائر خليقته.
إن منهجنا التغييري الإسلامي، لا بد أن يتبنى الحلول الجذرية التي تكون في خدمة مصالح أسع الجماهير الإسلامية وإنقاذها من وجوه الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاستلاب الاقتصادي، حتى تندفع بإيمان واقتناع وحرارة إلى صنع تاريخها من جديد، وبناء حضارتها الإسلامية الإنسانية العلمية.
ويستطيع منهجنا التغييري أن يستنبط تلك الحلول الجذرية من الكتاب والسنة وعشرات الاجتهادات والنظريات الفقهية التي عالج فيها فقهاؤنا تلك الحلول بأدلتها التاريخية من خلال مشاكل ومصطلحات عصورهم، بعقلية إسلامية مرنة جداً.
ولا بد لنا أن نتجاوز آراء فقهية أخرى، تفتقر في معظم الأحوال إلى أدلة أصولية قوية، كانت تعبر في كثير من الأوقات عن سوء الفهم، وعدم الإدراك الحقيقي لأهداف الإسلام ، وتحويل الأعراف إلى أصول دينية من خلال رؤية مغلقة، لا ترى إلا جزئية حاضرة ولا تتجاوز إلى إدراك الكلية والشمولية في مقاصد الشريعة الإسلامية، ولقد كانت هذه الآراء لا سيما في المضمار السياسي والاقتصادي تعبر عن مصالح الظالمين والطغاة، والتي يراد اليوم إحياؤها من خلال فتاوى تصدر هنا وهناك لتسويغ الاستبداد، وتكدس الثروات وامتهان الكرامات، والتي لن يكون التفكير في الخلاص منها ومن أوزارها، عند أجيالنا الضئعة الجاهلة إلا الماركسية الملحدة أو الاشتراكيات العلمانية، التي تصطدم في أصولها ونتائجها مع المذهبية الإسلامية في شؤون الكون والحياة والإنسان.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:00 PM فمذهبيتنا التغييرية الإسلامية لا بد أن تأخذ المبادرة قبل فوات الأوان فتعطي الأكثرية الساحقة من المظلومين والكادحين انحيازها الكامل وتقدم إليها الحلول الإسلامية الجذرية لمعالجة أوضاعها المتدهورة، وإلا ادعى فعل ذلك أرباب المذاهب المادية. ولن تفعلها إلا في ظل ضياع العقيدة والأخلاق، وسحق كرامة الإنسان ، وتسليم الأمة إلى مراكز القوى التي ترتبط بها تلك المبادئ المادية والعلمانية ارتباطاً عضوياً.
ويحق للقارئ هنا أن يسأل فيقول:
يا ترى ماذا فعلت الحركة الإسلامية الحديثة في هذا المجال؟
نقول منصفين إن شاء الله:
إن الحركة الإسلامية الحديثة على الرغم من العقبات والمحاربة والاضطهاد، استطاعت أن تنقل العالم الإسلامي من حالة السكون والتأخر والمرض إلى حالة من الوعي ومعرفة الأمراض ورصد مؤامرات الأعداء، وإثبات أن الإسلام هو دستور الكون ونظام الحياة عبر مؤلفاتها وجهودها الفكرية والحركية وصحفها ومجلاتها ومؤتمراتها. وقد استطاعت تحويل الإسلام ومذهبيته الكونية الاجتماعية بتفاصيلهما إلى سلوك عملي تجسد في أجيال شابة مثقفة في مختلف المستويات والشرائح الاجتماعية حملت الإسلام بصدق وإخلاص ورجعت إلى الله تعالى وآمنت بنبوة رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة، وارتضت الجهاد الشامل في مضامير الحياة كلها، من أجل استئناف الحياة الإسلامية وبناء حضارتها الربانية.
ولا يمكن أن ينكر من كانت له ذرة من الإنصاف أن هذا التحول الكبير الذي حدث في العالم الإسلامي كان كبيراً، لأنه أعاد إلى الإسلام أحقيته ورسم للمسلم ملامح واضحة لشخصيته الإسلامية، وأخرجه من الحياة الخرافية السلبية الميتة إلى الحياة العقلية الإيجابية الحية.
وكان من المنطقي في سلسلة الأحداث أن يؤدي ما كتب حول الإسلام ومبادثه ومذهبيته الشاملة من دراسات جامعية وفكرية عامة، وما طرح حول جزئياتها من اجتهادات ونظريات في الحياة الإنسانية كلها، إلى منهج متكامل واضح المعالم، مؤصل في تفاصيله التربوية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية متفق علية في الأقل مرحلياً في عصرنا الحاضر، قابل للتجدد والنماء المستمر، يتبنى المشاكل الحضارية العامة، لا سيما المشاكل التي تتصل بالإنسان في تربيته الحيوية، وحريته السياسية والاجتماعية بالمفهوم المعصر، وبربط مصيره بمصيره، بحيث يشعر المستضعفون والمظلومون في كل مكان من العالم الإسلامي، أنه لا حل لمشكلتهم إلا في الإسلام ومذهبيته العادلة المناصرة للمظلومين والمحققة لأحلام المسحوقين الكادحين.
ولا يعتقدنّ أحد أن دعوتنا هنا إلى الانحياز الكامل إلى المعذبين يعني أننا ندعو إلى إثارة حرب الطبقات وقتل المستغلين وسلبهم أموالهم واستبدال طبقة مستغلة بأخرى أبشع استغلالاً. فهذه من شيم المذاهب المادية المتطرفة لا سيما الماركسية، وإنما الذي نقصده أن يتوجه المنهج التغييري الإسلامي إلى إقرار قطع دابر الاستغلال ومظاهره وأشكاله في شؤون الحياة كلها وتثبيت ذلك بوضوح، والنضال الحاسم من أجله بما يؤدي إلى إنقاذ الأكثرية المسلمة المستغلة بأيدي قلة قليلة تستند في مظاهر استغلالها السياسي والاقتصادي والاجتماعي على أنظمة غير إسلامية.
ولقد بدأ هذا التحول في نهاية الأربعينيات وكاد أن يتحول إلى ما يسمى بـ " أيديولوجية المرحلة الحاضرة" لولا أن الضربات القاصمة قد وجهت في كل مكان إلى الفكر الإسلامي الحديث وحركته عن طريق التصفيات الجسدية والاضطهادات التاريخية لقادتها ومفكريها، ووضع العقبات المتنوعة في طريق الدعوة الإسلامية، الأمر الذي أدى إلى انشغال الحركة الإسلامية الحديثة بآلامها الماحقة، وهمومها الكثيرة، وحال بينها وبين إتمام مهمة المرحلة الثانية بقوة ووضوح وحسم.
ولا بد أن يتوجه التفكير الآن وبعد أكثر من ثلاثة عقود من الآلام والهموم إلى رسم خطوط تلك "الأيديولوجية الإسلامية المرحلية " التي يجب أن تستند أساسً على "المذهبية الإسلامية الشاملة " التي لم تأت إلا لربط الإنسان بربه، وتذكيره بآخرته، والدفاع عن عبيده المستضعفين أمام قوى الترف، حتى يشعر هؤلاء العبيد المستلبون أنه لا ملاذ لهم إلا في إسلامهم الذي هو عقيدتهم ومصدر عزهم في الدنيا ونجاتهم في الآخرة.
إن مئات الكتب التي أُلِّفت حول الإسلام ونظمه العامة فيها مادة تشريعية ضخمة من خلال نقل آراء المذاهب والاجتهادات المتنوعة، أو من خلال اختيار الكاتب لاجتهادات خاصة في المشاكل الحضارية التي يطرقها.
ومن هنا فقد تنوعت اختيارات ومناهج مفكري الإسلام وعلمائه في هذا العصر، بحيث لو سألنا سائل:
ما منهجكم في القضية السياسية الفلانية أو المسألة الاقتصادية العلاّنيّة؟ وجدنا أنفسنا في بحر من النظريات والاجتهادات المتنوعة التي لا يتفق عليها المفكرون ودعاة الإسلام جميعاً.
إن الحركة الإسلامية المتصلة بالقواعد الجماهيرية، يقع على عاتقها هذه المهمة الإسلامية الكبيرة والنبيلة، وهي استنباط منهج الحركة السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي في إطار المذهبية الإسلامية، من أجل حل مشاكل وأزمات عصرنا الحاضر، وقد تتعرض تفاصيل ذلك المنهج إلى التغيير من جيل إلى جيل آخر، حسب ظهور تطور الحياة. إذ أن لكل عصر منهجه التفصيلي الذي يستوعب الحياة الإنسانية ومشاكلها في ذلك العصر.
والحركة الإسلامية للظروف التي مرت بها، لم تقم بعد بهذه المهمة الكبيرة.
وهذا الفراغ في المنهج التفصيلي الواقعي المتصل بآمال الجماهير الغفيرة من أمتنا هو الذي شجع بعض الجاهلين أو المتصيدين في الماء العكر أن يدّعوا أنهم يريدون الجمع بين روحية الإسلام وقيمه وبين المناهج النضالية الاقتصادية الحديثة، كما يحلو لهم أن يسموها. على الرغم من أن في الإسلام مناهج نضالية شاملة تستوعب آمال أهل الحقوق الضائعة في كل عصر، ولكن الظروف التي مرت بها الحركة الإسلامية الحديثة لم تدع لها مجالاً لاستنباطها وبيان مقدماتها ونتائجها التفصيلية في مظاهر الحياة الإنسانية كلها. وعندما نقدم ذلك المنهج الإسلامي النضالي التفصيلي إلى المظلومين في كل مكان، لن نجدهم يركضون وراء سراب المناهج المادية العلمانية التي تريد أن تفرغ مجتمعاتنا من الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً وحضارة.
إن المنهج التغييري النضالي الإسلامي إذا أخذ بنظر الاعتبار طبيعة الإسلام الجماعية. ومبدأ تحقيقه الدائم لمصالح العباد وإنهاء التعسف في استعمال الحقوق، مع مراعاة الواقع المتغير والإدراك العميق لمشاكله العصرية، فسيكون هو البديل وحده، لأوضاع الانهيار الحضاري في مجتمع الإسلام ، لا غيره من المناهج التي تنطلق من داخل المنظومات الحضارية الغربية، الغربية كل الغرابة عن المنظومة الحضارية الإسلامية.
وأقول "وحده "، لأن المنهج الذي يمثل خصائص الأمة ومنطلقاتها الاعتقادية وأهدافها الحضارية وجوانيتها التاريخية العميقة من الروابط والأعراف والمصالح المشتركة، لا يمكن أن تزحزحه المناهج الغربية عنها في كل شيء.
إن منطق الحياة واستقراء أحوال الأمم والشعوب يقتضي هذا!!
ونحن اليوم نقف في العالم الإسلامي على مفترق الطريق، لا بد لنا من أن نحسن الفهم والاختيار، وإلا ضاعت الفرصة التاريخية وألحقنا بقضية الإسلام والإنسانية خسارة كبيرة.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:01 PM المذهبية والمصطلح الحضاري
إذا أردنا أن تتغير أوضاعنا الحضارية في ضوء المذهبية الإسلامية، فلا بد أن تكون مصطلحاتنا الحضارية تعبر تعبيراً دقيقاً عن حقائقها وطبيعتها ووحدتها الداخلية ومنظومتها المتميزة. لأن في ذلك الصفاء ووضوح الرؤية واستقامة المنهج، ولأن التغيير الحضاري في أي مجتمع إذا قاده التلفيق بين مجموعا اصطلاحية، تنتمي إلى منظومات حضارية مختلفة فإن التغيير يفقد التخطيط الموجه ويدخل في إطار الفوضى في الفكر والممارسة، فيؤثر ذلك في كيان المجتمع كله.
وفوضى الاصطلاحات من جهة أخرى دليل عدم الأصالة، وبرهان عدو وجدان الذات، وفقدان للخصوصية الحضارية.
ومن المشاكل الفكرية الخطيرة التي تعاني منها في مرحلتنا الحاضرة، تشابك الاصطلاحات التي تنتمي إلى حضارات متضادة في كل شيء، والتي لم تستطع إلى الآن أن تضعنا على طريق الفهم الحضاري المشترك والاتفاق ولو على أصول مذهبية واحدة، وبذلك فقدنا الانسجام الفكري والأرضية المشتركة للتفاهم في مجتمع مشتت الفكر، لم تتوضح أمامه الرؤية المذهبية بعد:
فمن أهل الفكر من يدعو إلى استعارة المصطلحات الحضارية الأجنبية دون تردد، لأنها أصبحت لغة عالمية، فهم لا يرون مانعاً من استعمال كلمات اليمين واليسار، والديمقراطية والثيوقراطية، والطبقة والحكم الإلهي المطلق، ورجال الدين والصراع والثورة، والرأسمالية والماركسية والاشتراكية… وما إلى ذلك، على أساس أننا لا بد أن نعيش - في زعمهم - عصرنا ونفهم مصطلحاته ونستعملها حتى يفهمنا الناس، ويتوحد فكرنا على أساسه وتظهر آثار التقدم والتطور في حياتنا ونتحرر من المصطلحات التراثية التي أكل عليها الدهر وشرب.
ويصرحون بأننا لا بد لنا أن نسقط لغتنا العقيدية الخاصة ونتبنى لغة المصطلحات الحديثة الشائعة حتى نصل إلى لغة مشتركة للحوار بين الاتجاهات الفكرية داخل ثقافتنا وبين حضارتنا وحضارات أخرى.
هذا واحد منهم يقول:
وقد حدثت ظاهرة لغوية فريدة هي ظاهرة (التشكل الكاذب ) عندما أسقطت الحضارة الإسلامية الناشئة لغتها العقائدية الخاصة ووضعت محلها لغة العصر لغة الحضارات القديمة وليست بالضرورة اللغة اليونانية لأنها كانت لغة العصر في ذلك الوقت وعبرت عن مضمون الحضارة الإسلامية التي لم تعد اللغة الدينية القديمة قادرة على التعبير عنها وعن كل إمكانياتها. وهي في مواجهة حضارات مجاورة تنتشر فوقها تحتويها وتتمثلها. لم يعد لفظ "الله " يعبر عن مضمونه (كذا ) بل كانت الفاظ "المحرك الأول " "العلة الأولى " "الصورة المفارقة" "الواحد " "العقل العاقل والعقول " "اللانهائي " إلى آخر هذه الألفاظ التي استعملها الفلاسفة قديماً وحديثاً للدلالة بها على مضمون التنزيه ومع ذلك ظل المضمون الأول وإن تم الاستغناء عن الشكل وهو اللفظ (28).
إن مقارنة موقفنا الحضاري بمواقف أسلافنا من الحضارات الأخرى، مقارنة تفتقر إلى الأساس المشترك، وهذا الأساس مفقود هنا لما يلي:
- الأول:
إن أسلافنا عندما واجهوا الحضارات الأخرى، كانت مذهبيتهم الإسلامية، تسيطر على حياتهم وتوجه حضارتهم. وكانت دولتهم أقوى الدول. ولم تكن هنالك مذهبية أخرى تستطيع أن تشكل خطرأ على مذهبيتهم الإسلامية بتفاصيلها الدقيقة. فلم تكن مشكلة الضياع والذوبان مثارة يومئذ أصلاً، بل هم كانوا يفتحون عقولهم وقلوبهم لدينهم وحضارتهم وجوانب حياتهم المشرقة.
ونحن اليوم بعكس أسلافنا. كياننا السياسي الإسلامي ممزق، وحضارتنا الإسلامية قد سقطت منذ زمن بعيد. لا بد غزتنا الثقافات المتنوعة داخل الحضارة الغربية غزواً يكاد يكون كاملاً، بحيث فقدنا شخصيتنا المستقلة.
فنحن اليوم عندما نختار لسنا أحرارً كأسلافنا؛ منطلقاتنا الفكرية ليست واضحة، رؤيتنا لما حولنا لا تتحكم فيها عيون سليمة، حياتنا الاجتماعية والحضارية غير مخططة، لا لون لنا، لا نمط متميز لحياتنا.
فهل وضح أسلافنا ووضعنا متماثلان؟ حتى نجمع بينهما ونتصرف على أساسهما ونختار، هذا إذا كانت القضية التي نواجهها تشبه التي واجهوها، فكيف إذا كانت القضيتان مختلفتين؟
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:02 PM - الثاني:
إن المصطلحات التي نواجهها اليوم تختلف اختلافاً كبيراً عن المصطلحات التي واجهها أسلافنا؟ لأن المصطلحات في عصرنا ليست ألفاظاً لغوية أو أوصافاً لعلم من الأعلام. وإنما هي مصطلحات تكمن وراءها منظومة حضارية تختلف في مقدماتها ونتائجها عن منظومتنا الحضارية ونمطنا الاجتماعي.
فلو جئنا إلى لفظ الجلالة "الله " سبحانه وتعالى نجد أنها لسم علم، يدل على الفاطر أو الخالق أو المبدع، وهو المعبود الحق الذي لا معبود سواه. فإذا وصفنا هذا الخالق بأنه "العلة الأولى " أو "المحرك الأول " أو "الواجب الوجود ". لم تتغير الحقيقة، لأن الباري تعالى يتصف بهذه الأوصاف جميعاً. ثم إننا لم نبتعد بإطلاقنا تلك الألفاظ عن دائرة الفهم اللغوي المباشر. واستعمال هذه الألفاظ لا يستدعي أبداً إدخال معنى آخر بجانبه. ومن استعمل من الفلاسفة المسلمين كالفارابي وابن سينا وابن رشد، مضامين أخرى بجانب تلك الألفاظ، لم يأخذوها لأنها مضامين تدخل في معنى تلك المصطلحات. وإنما هم أخذوا فلسفة أرسطو الإلهية بكاملها وظنوها صحيحة تسند المذهبية الإسلامية. أو ظنوا ذلك دفعاً للتعارض بين العقل والنقل.
والحقيقة أنه لم يكن هنالك تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، بل كان هنالك تعارض بين النقل وبين أقوال "ارسطو " وفلسفته الإلهية ذات التأثيرات الوثنية (29).
أما ما نحن اليوم فيه من المصطلحات الحضارية، فلها وضع آخر غير الوضع الذي تحدثنا عنه. فلنتكلم على وضع كل مصطلح متى نركن إلى الحقيقة فيه.
الرأسماليــــة:
الرأسمالية ليست معنى لغوياً صرفاً، ولا هي مجمل في المعنى، وإنما تدل دلالة قطعية على نظام اقتصادي حر، لا يرتبط بقاعدة أخلاقية في الحصول على التملك أو كيفية الحصول عليه. وفوق ذلك فإنه نظام يتأسس عليه حكم معين وتترتب عليه نتائج تولد المآسي والمظالم لا تقف عند المجتمع الرأسمالي وإنما تتجاوزه إلى مجتمعات أخرى.
فكيف يمكن أن نجيز موضوعياً لباحث إسلامي يصف الاقتصاد الإسلامي بأنه اقتصاد رأسمالي لمجرد أنه يبيح الملكية الفردية بشروطها المعروفة في الشريعة الإسلامية.
إن الاقتصاد الإسلامي يتفرع من مذهبية إسلامية شاملة متكاملة لها جوانب كثيرة مترابطة، مقدماتها وموضوعاتها ونتائجها تختلف جذرياً مع الاقتصاد الرأسمالي.
الشيوعيـــة:
هذا المصطلح، ليس معنى لغوياً بحتاً وليس مجملاً، وإنما يدل على نظام خاص محدد، له تفسيره المادي لشؤون الكون والمجتمع والإنسان، وتتفرع منه أنظمة تنسجم مع مقدماته ذات التفسير المادي للتاريخ، منها النظام الاقتصادي المبني على تحريم الملكية لأدوات الإنتاج، وسيطرة الدولة الكاملة على توجيه النشاط الاقتصادي في المجتمع.
فهل يمكن أن نكون علميين إن قلنا: إن النظام الاقتصادي الإسلامي هو نظام شيوعي أو شبيه بالشيوعية، لأن اتجاه الاقتصاد الإسلامي هو اتجاه جماعي، أو لأنه يبيح للإمام التدخل في الأوضاع الاقتصادية وإعادة التوازن إلى المجتمع، كلما دعت الحاجة إلى ذلك. زد عليه أن النظام الاقتصادي الإسلامي هو جزء من كلِّ يختلف أساساً عن الكل الحضاري الذي تنتمي إليه الشيوعية.
الديمقراطيـــة:
كلمة يونانية الأصل تتكون من مقطعين، الأول نعني الشعب والثاني يعني الحكم، ومعناه أن يحكم الشعب نفسه بنفسه مباشرة أو عن طريق الممثلين الذين يختارهم في مجلس النواب، وهو نظام علماني، ليس فيه محور ثابت لحركة التغيير، بل إن الشعب عن طريق نوابه يغير حياته كما يشاء من دون ارتباط بقيمة ثابتة.
وهذا المعنى يختلف عن النظام السياسي الإسلامي الذي ينبثق من المذهبية الإسلامية التي تستند نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة القاطعة، ولكن لها الحق أن تغير ما يتعلق بالأمور الدنيوية التي تخضع لتغييرات الحياة في داخل الضوابط المستنبطة من الكتاب والسنة وطبيعة اللغة وحقائق المنطق العام، فكيف يمكن أن نسمي النظام الإسلامي بعد ذلك بالنظام الديمقراطي الإسلامي.
الثيوقراطيـــة:
وهي عبارة عن كلمتين في اليونانية: "ثيو " معناه : ديني و "كراتيس " معناه: حكم، وهو الحكم، القائم على التفويض الإلهي، أي أن الحاكم يختاره الله فيحكم باسمه ويستمد منه سلطته، يحيط به جمع من الكهنة يسيطرون على الناس ويستغلونهم.
وهذا المعنى النابع من التاريخ الأوروبي لا ينطبق على مفاهيم الحكم الإسلامي، لأن إمام المسلمين أو خليفتهم، لا يختاره الله، بالمعنى السابق ولم يفوض إليه أن يحكم باسمه، بل تختاره الأمة، فينوب عنها في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية. ثم إنه لا توجد طبق كهنة أو رجال الدين في الإسلام، وإنما يوجد العلماء، شأنهم شأن غيرهم من العلماء في العلوم والآداب والفنون، وليس لهؤلاء العلماء الاجتهاد في موضع النص القاطع الثابت بالوحي الإلهي.
فإذن كيف يمكن أن يستعمل هذا المصطلح للدلالة على الحكم الإسلامي؟
اليمين واليســـار:
من التعابير الاصطلاحية التي أصبحت مرتبطة بنظم الحكم وبالمذاهب السياسية والأحزاب المعاصرة. نشأ اللفظ أصلاً مع قيام الجمعية الوطنية الفرنسية عام 1789م التي مهدت لقيام الثورة. إذ كان النبلاء من أعضائه يجلسون في مكان الشرف إلى يمين رئيس المجلس بينما كان يجلس ممثلو الشعب إلى اليسار، ثم شاعت في المجالس الأوروبية، أن يجلس المحافظون في اليمين والراديكاليون التقدميون في اليسار،ثم توسع في استعمال اللفظ، فأطلق اليمين على المحافظين واليسار على الثوريين أو التقدميين(30) .
إذن فهذان المصطلحان يرتبطان بما حدث من تطورات سياسية في داخل المنظومة الحضارية الغربية، ولهما دلالات ترتبط بهما ارتباطاً عضوياُ.. فكيف يمكن أن يوصف ما جرى في تاريخ الإسلام بهذين المصطلحين؟!
إن الإسلام كان له مصطلحان معروفان، وهما الحق والباطل، فأهل الحق هم معروفون لمن يعيش في إطار المنظومة الحضارية الإسلامية، وكذلك أهل الباطل. ولو نقل المصطلحان إلى الحضارة الغربية، لم بفهم أحد معناهما لأنه لم يستعملهما أحد داخل المنظومة الحضارية الغربية.
وهكذا الأمر بالنسبة للمصطلحات: "الاشتراكية " و "الدكتاتورية " و "الرجعية والتقدمية " … وغيرها، فهي ثمرة تطور النمط الحضاري الغربي لا علاقة لها بتاريخ الإسلام وحضارته وتطور الحياة فيه.
على أنه توجد مصطلحات أخرى لا ترتبط بمنظومة حضارية معينة، ولو قيدتها بمعانٍ خاصة بها وبالمبادئ التي تفرعت منها عند استعمالها. فألفاظ مثل: "الثورة " أو "الطبقة " أو "التقدم" كانت ولا تزال مستعملة في ثقافات شتى، فمن الناس من يستعملها على إطلاقها ومنهم مستعملة في ثقافات شتى، فمن الناس من يستعملها على إطلاقها ومنهم من يستعملها مقيدة. فهي عندئذ بمثابة الألفاظ المجملة. فعند إطلاقها لا بد لنا أن نبحث عن المعنى المقصود في السياق، حتى نحدد موقفنا منه بدقة. فالسياق هو الذي يحدد معنى قول الماركسي "ثورة الطبقة " والديمقراطي "الثورة الفرنسية " والإسلامي "جاء الإسلام ثورة على المجتمع الجاهلي ".
فلو سألنا الماركسي:
ماذا تقصد بكلامك؟
أجابنا:
أقصد بثورة الطبقة ثورة الطبقة التالية على الطبقة السابقة عليها كثورة البورجوازية على الإقطاع وكثورة العمال على البورجوازية بشروطها التاريخية.
ولو سألنا الديمقراطي أجابنا:
هي ثورة الشعب الفرنسي على المظالم التي كانت سائدة قبلها.
ولو سألنا الإسلامي أجابنا:
أقصد أن الإسلام لما جاء اقتلع جذور الجاهلية وقبلها رأساً على عقب.
وفي رأيي أن استعمال الألفاظ المجملة بسياقها المعرِّف الذي يزيل كل ليس عند القارئ لا خطر فيه. فالكاتب الإسلامي عندما يقول:
(لا توجد طبقية في الإسلام ) لا يحدث كلامه التباساً عند القارئ، لا سيما أن هذه الجملة وردت ضمن موضوع يتحدث عن أن الناس كلهم عيال الله. فلا تمايز لجماعة على الأخرى إلا بالتقوى، أي لا طبقية بأي مفهوم من مفاهيمها الظالمة في الإسلام.
فهذا شيء، وقولنا "الإسلام نظام ديمقراطي " أو "ثيوقراطي " إلى آخره شيء آخر.
وإذا قيل : ما المانع أن أستعمل تلك المصطلحات، ثم أشرح المقصود بها في كلامي. قلنا: هذا فساد في الفكر. إذ كيف تصف الإسلام بمصطلح أجنبي استقر معناه ، ثم تنتهي إلى ضده؟
والذين يقولون: إن طبيعة الحوار في عصرنا تقتضي استعمال تلك المصطلحات لأنها تشكل جسور التفاهم بيننا وبين أصحابها. نقول لهم: لقد ثبت لنا أن كل علم أو فن أو دين له مصطلحاته الخاصة به. فنحن نستطيع عن طريق الإيضاح والتفسير أن نفهم مقاصدنا للناس. فإذا كنت أكلم مفكراً انجليزياً وقلت له: إن الإسلام "ديمقراطي " في الحكم. فهم الكلام في إطار مفهومه هو عن الديمقراطية. والحال إن الإسلام ليس كذلك. إذن فلا بد أن نقدم إليه الحقيقة كاملة حول الإسلام حتى يدرك التمييز الكامل بين نظام الحكم في الإسلام والنظام الديمقراطي. وهكذا في المصطلحات الأخرى.
إن المشكلة الكبيرة في عصرنا أن أبناء القرن الرابع عشر الهجري في العالم الإسلامي الذين عاشوا داخل المنظومة الحضارية الغربية وفي إطار مصطلحاتها، لا يتصورون أن يتم التفاهم إلاّ بما نشأوا عليه.
إن المذهبية الإسلامية بكلياتها ومصطلحاتها غدت غريبة في مجتمعاتنا الإسلامية. فالمسلمون لا يعيشون في إطارها. فلا بد لمنهج التغيير الذي يتبناه الإسلاميون، أن يلتزم بإطار المصطلحات الإسلامية، حتى ترجع الأصالة الفكرية إلى مجتمعنا فلا نعيش إلى الأبد على فتات موائد المذهبيات المادية التي توجه الحضارة الغربية المعاصرة.
إن المذهبية الإسلامية تعيش اليوم في معركة ضارية مع المذهبيات المادية العلمانية. واستعمال المصطلحات التي تعبر عنها لن يكون إلاّ في صالح تمكين أفكارها ونمطها الثقافي في مجتمعاتنا الإسلامية .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:04 PM المذهبية الإسلامية والقومية
كان الناس أمة واحدة، يوم أن كانوا قليلي العدد، يسكنون في منطقة واحدة، حياتهم منسجمة، ومواقفهم من مظاهر الطبيعة متشابهة ثم توسعوا، فضاقت بهم الأرض وتعددت بهم سبل العيش، فانتشروا في الأرض وتفرقوا إلى جماعات هنا وهناك وقبائل، ثم نمت تلك الجماعات وتحولت إلى شعوب وأمم تباعدت عن بعضها.
وفرضت عليها ظروف الحياة أن تتجمع حول نفسها لتكون خصائصها عبر ألوف السنين، فتكونت بذلك اللغات المتعددة والعادات والتقاليد المتباينة، فشعرت كل أمة باستقلاليتها وانتقلت إلى مرحلة التفكير والنزاع والسيطرة على الجماعات والشعوب الأخرى طمعاً في الاستعلاء وحصولاً على مصادر العيش الرغيد.
ولقد بعث الله تعالى النبيين مبشرين منذرين في الأقوام والجماعات:
((… وإن من أمّةٍ إلاّ خلا فيها نذير )) (فاطر:24)
((وما أرسلنا من رسولٍ إلاّ بلسان قومه ليُبيِّن لهم… )) (إبراهيم:4).
ورسل الله، ذكَّروا الناس بأصلهم الواحد، وبربهم الواحد، ودعوهم إلى عبادته، كي لا يتخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله فيضلوا السبيل:
((كان النّاس أُمّةً واحِدةً فتعث الله النّبيِّين مُبشِّرين ومنذرين وأنْزل معهم الكتابَ بِالحقِّ لِيحْكُمَ بيْن النّاسِ فِيما اخْتلفُوا فيهِ وما اختلف فيه إلاّ الّذين أوتوه من بعْدِ ما جاءتْهُمُ البيِّناتُ بغياً بيْنهم فهدى الله الذين آمنُوا لما اخْتلفُوا فيه من الحقِّ بإذنِهِ واللهُ يهدي من يشاءُ إلى صراطٍ مُسْتَقِيمٍ )) (البقرة : 213).
والقرآن الكريم يذكر الناس بحقيقة الوحدة الإنسانية فيقول:
((يأيُّها النّاسُ إنّا خلقْناكُم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوباً وقبائِل لتعارفُوا إِنَّ أكرمكُم عند اللهِ أتقاكم )) (الحجرات : 13)
فهو إذن يدعوهم إلى التعارف والتعاون ولم يدعهم إلى الذوبان جميعاً في وحدة اجتماعية واحدة. لأن وجود الشعوب والقبائل واقع اجتماعي، ليس من المصلحة القضاء عليها في حد ذاتها، ولا من المصلحة أن توحد لغاتها. لأن هذا التنوع في وجودهم ولغاتهم يدفعهم إلى التنافس على الخير وإقامة الحضارة وبناء الحياة، ثم هي آية من آيات الله المبثوثة في الوجود.
((ومِنْ آياتِهِ خَلْقُ السّمواتِ والأرضِ واخْتِلافُ ألْسِنتِكم وألوانِكُم إنّ في ذلك لآياتً لِلْعالِمين )) (الروم: 22).
وليس من القطرة أن نطلب القضاء علي آيات الله في الوجود، لأنها مظاهر تجليات أسمائه الحسنى.
ومع أن الإسلام اعترف يذلك الواقع في المجتمع الإنساني غير أنه استنكر العصبية الجنسية والقبلية، لأنها تسبب الفرقة وتولد البغضاء وتنخر المجتمعات وتسقط الحضارات. والاستقراء التاريخي في كل الأمم والشعوب دليل قاطع على ذلك.
وفي سبيل المحافظة على وحدة الإخاء البشري رسم الإسلام ثلاث دوائر حولها، حتى لا يعيش كل من في الدائرة الواحدة في دائرتها وحدها، فينتج من ذلك التعصب المقيت، والعرقية البغيضة. وتلك الدوائر هي:
- الأولى:
دائرة الإسلام التي تجمع بين المسلمين جميعاً في أمة واحدة:
((إنّما المؤمنون إخوة ٌ)) (الحجرات:10)
- الثانية:
دائرة الدين عامة:
((قل يا أهْل الكتاب تعالوا إلى كلمةٍ سواءٍ بيننا وبينكم… )) (آل عمران : 64)
((إنَّ هذه أمّتُكُم أمّةً واحدةً وأنا ربُّكُم فاعبدون )) (الأنبياء : 92).
وهذه الآية الكريمة خطاب للرسل جميعاً لأنهم جاؤوا بحقيقة إسلام الوجه لله رب العالمين.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:05 PM - الثالثة:
دائرة الأصل البشري والأخوة الإنسانية عامة:
((يأيُّها النّاسُ اتّقُوا ربُّكمُ الّذي خلقكم من نفسٍ واحدةٍ… )) (النساء : 1)
ولقد عاش المسلمون خلال أحقاب متطاولة في ظل أخوة الإسلام وعاش معهم غيرهم في أمن وأمان في معظم الأحوال، وانصهرت عبقريات الأمم والشعوب لتشكل الحضارة الإسلامية التي حملت لواء العلم والمعرفة قروناً من الزمان في أرجاء العالم.
وكان المسلمون جميعاً على تنوع ألوانهم وشعوبهم ينتقلون بلا قيود بين بخارى وسمرقند وغزنة وطاشقند وبغداد والكوفة ودمشق والقاهرة والقيروان وفاس وقرطبة، على الرغم من تعدد المؤسسات السياسية وتنوع الخلافة الإسلامية. يؤمنون بعقيدة واحدة، ويتجهون إلى قبلة واحدة، تجمع بينهم كذلك اللغة العربية الجميلة، والتي كانت لغة الحضارة الإسلامية بين المحيطين، إلى أن داهمتنا جيوش المستعمرين في عقر دارنا وبدأوا بالتخطيط الذكي لتمزيقنا وتأليب بعضنا على بعض عن طريق الفلسفات القومية العنصرية التي ظهرت في الغرب، ومن خلال تشجيع النزعات الطائفية في البلاد الإسلامية.
ولقد ظهرت النزعة القومية العنصرية أول ما ظهرت في البلاد العثمانية في ستينيات القرن الميلادي الماضي، عندما احتكت الدولة العثمانية بألمانيا احتكاكاً قوياً. وتوثقت بينهما أواصر السياسة والتجارة والثقافة، وبدأت البعثات العسكرية والثقافية تتقاطر على ألمانيا التي كانت تعيش يومئذ الحالة القصوى في العصبية للجنس الجرماني نتيجة لظروفها السياسية والأخطار العسكرية التي كانت تهددها من الخارج، فرجع المبعوثون الأتراك وهم مشحونون بالإعجاب الكبير لحركة القومية الألمانية ومظاهر الحضارة الغربية، ليشكلوا نواة الحركة الطورانية العنصرية التي تحولت بعد سنوات قليلة إلى حركة "تركيا الفتاة " ثم إلى "الاتحاد والترقي " التي انسلخت من الرابطة الإسلامية ودعت إلى إلغاء سياسة التتريك (بعد خلع السلطان عبد الحميد ) واضطهاد الشعوب التي كانت منضمة تحت لواء الدولة العثمانية - لا سيما العرب - والاستعلاء عليها الأمر الذي أدى إلى حركة ردّ فعل قوي عند شباب العرب المتأثرين بالثقافة الأوروبية.
ومن الحقائق الثابتة التي أثبتتها الأبحاث الحديثة والوثائق التي نشرت في القرن العشرين، أن هذه الحركات القومية العنصرية كانت تقف وراءها الماسونية العالمية وسفارات الدول الأجنبية والأقليات غير الإسلامية والمؤسسات الثقافية التنصيرية التي أنشأتها الدول الاستعمارية الكبرى يومئذ ومن أبرزها الجامعة الأمريكية في بيروت(31) التي خرّجت معظم منظّري حركة القومية العربية الحديثة، وأكثرهم نصارى، سواء أكانوا مفكرين أو مؤرخين أو أدباء أو شعراء.
ومن المؤسف أن الوعي الذي ظهر بين المثقفين المسلمين عموماً نتيجة لاحتكاكهم بالحضارة الغربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين الميلادي، بالتأخر العام الذي أصاب المجتمع ومظاهر الجهل والجوع والمرض والسقوط الحضاري فيه، لمّا لم يجد وعياً إسلامياً حقيقياً لتوجيهه يومئذ، استسلم للحركات العنصرية ومظاهرها الخلابة في الدعوة إلى الإصلاح والتقدم والأخذ بأسباب الحياة الحديثة.
ولقد انتهت الحركة الطورانية العنصرية في تركيا إلى إلغاء الخلافة العثمانية، وإبعاد الإسلام من شؤون الحياة وإعلان اللادينية ومحاربة اللغة العربية وإلغاء حروفها وفرض سياسية التتريك على الشعوب الإسلامية الأخرى كالأكراد والعرب في ظل الانقلابات الكمالية، ابتداءً من أوائل عشرينيات القرن الحالي.
وانتهت حركة القومية العربية الحديثة إلى سلوك خط معارض للإسلام من حيث هو عقيدة وشريعة وسلوك، بل حاول مفكروها أن يوجهوها بحيث تضع ديناً بدل دين الإسلام ، فهذا أحد هؤلاء يقول:
"… القومية بالنسبة إلينا نحن القوميين العرب دين له جنته وناره ولكن في هذه الدنيا… "(32).
إن لحركة الطورانية العنصرية التكية وحركة القومية العربية، كان لهما تأثير كبير في دفع الأكراد الذين كانوا من أخلص الشعوب الإسلامية لمبادئ الإسلام وخدمة علومه وثقافته إلى التفكير في قوميتهم لا سيما بعد شعورهم بالاضطهاد الدموي الرهيب الذي أصابهم على أيدي الكماليين العنصريين في تركيا.
وقد حاول المخططون لإثارة النزعة القومية العنصرية في بلاد الإسلام 'ن ينطلقوا دائماً من منطلق دفع القوميات للخروج النهائي من الإسلام.,من هنا فإن المتطرفين من القوميين الأكراد، دعوا قومهم إلى الانسلاخ من الإسلام ، عقيدة ولغة وحضارة.
ووقعت هذه المأساة بالنسبة إلى بعض البربر في شمالي أفريقيا، فالمستعمرون الفرنسيون عندما احتلوا الجزائر والمغرب وتونس حاولوا بكل ما أوتوا من قوة أن يدفعوا المسلمين البربر إلى اتخاذ مواقف متطرفة في التمسك بقوميتهم، بل خططوا لإخراجهم من جماعة المسلمين والإسلام في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين، عندما أعلنوا "الظهير البربري " الذي قاومه المخلصون من المغاربة عرباً كانوا أم بربراً.
غير أن القضية في شمالي أفريقيا لم تتأجج كما تأججت القوميات في الشرق الإسلامي، لأن محاربة المستعمر للإسلام قد ولّد رد فعل معاكس، وجعلت المسلمين جميعاً يدركون غايات المستعمرين من إحياء النزعة القومية في بلاد الإسلام .
إن الحركات القومية لما وجدت أنه من المستحيل أن يتحول مجرد التعصب العرقي إلى مضمون حضاري ومذهبية عقيدية في الحياة استعاروا لها المذهبيات المادية المتنوعة والعلمانية، معتبرين الإسلام تراثاً قديماً يمثل بعض أمجادهم.
ولقد كانت نتائج هذه المأساة التاريخية كبيرة في العالم الإسلامي، بحيث أدى إلى محاربة الإسلام في مظاهر الحياة كلها وحصره في أمور عبادية ضيقة وعدم وقوف الأمر عند حدود الحياد بين الكفر والإيمان وهو جوهر "العلمانية " بل تجاوزها إلى "اللادينية " وفرض المضامين المادية وأماط الثقافة الأوروبية الأخرى على المجتمع الإسلام في نواحي الحياة كلها، ومحاصرة كل من ارتفع صوته فرداً أو جماعة بالحفاظ على الذات الإسلامية ومقاومة الإلحاد والإباحية المرتبطة بمراكز القوى الخارجية، لا بل تجاوز الحصار إلى تصفية المفكرين وقادة الحركات الإسلامية واضطهاد وسحق كرامة وحرية الجيل الإسلامي الجديد الرافض للمذهبيات الأجنبية التي ولدت الدمار العقائدي والأخلاقي والحضاري في المجتمعات الإسلامية.
وقد يقول لنا قائل:
ما موقع العروبة في منهج التغيير الإسلامي؟
هذا كلام مجمل نريد بيانه.
فإذا كنتم تريدون العروبة ذات المضامين المادية والعلمانية والعنصرية، فإن الإسلام يرفض هذا رفضاً قاطعاً، لأن تلك المبادئ تتنافى مع الإسلام. وتلك العروبة في الحقيقة ليست عروبة بل هي شعوبية جديدة واضحة تتقدم تحت شعارها لهدم الإسلام وإبعاده عن حياة المسلمين وتمكين المبادئ الجاحدة التي أنتجتها ثقافة الغرب غير العربية وغير الإسلامية.
إن شعوبية "العروبة " ذات المضامين الإلحادية والعلمانية ظهرت عندما نهشت في جسم الأمة العربية الواحدة فمزقتها، وضربت أبناءها بعضهم ببعض، وسلمت بلادها رخيصة إلى اليهودية العالمية دون تخطيط ودون إرادة قتال، بل بسبق إصرار في الخيانة والاستجابة إلى الأوامر التي صدرت إلى قادتها والداعين إليها من مراكز القوى السرية والعلنية في العالم.
لقد ذلت العرب أعظم ذلة في التاريخ في ظل هذه الشعوبية الجديدة في عقيدتها وأرضها وذات نفسها.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:06 PM فكيف يمكن بعد ذلك لدعاة الإسلام أن يقبلوا بعروبة، مضمونها كفر بالله والرسول العربي، وواقعها سلسلة من الخيانات والهزائم المتلاحقة عبر نصف قرن كامل من أخصب زمان الأمة.
أما إذا أردتم، عروبة القرآن، عروبة الإسلام ، عروبة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي العروبة الحبيبة التي وصلت إلى أبعد نقطة في بلاد الإسلام من خلال دينها وثقافتها وعلومها التي كانت تقرأ وتكتب وتدرس بلغتها العبقرية الشاعرة، لغة القرآن الكريم.
هذه العروبة النظيفة هي التي حمل لواء الدفاع عنها وعن وجودها غير العرب من علماء الأمة الإسلامية وعباقرتها.
هذه العروبية التي وصفها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
"ليست العربية من أحدكم بأب أو أم وإنما العربية اللسان فمن تكلم العربية فهو عربي " (33) هي التي نقلت بلاداً بكاملها إلى حظيرة العربية من حيث هي دين وثقافة ولغة ومن حيث هي أمة كريمة اختارها الله تعالى لحمل رسالة الإسلام ، وجعل منها أئمتها الهداة الذين نشروا لواء الإسلام في كل صقع ورووا بدمائهم أرض الإسلام كلها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وكانوا أرحم الفاتحين بالأمم والشعوب.
وكذلك إذا أردتم أن تتوحد العرب في أمة واحدة ذات شخصية مستقلة معيد النظر في حياتها فتنقلها من الفرقة إلى الوحدة ومن التأخر إلى التقدم ومن الاستبداد إلى الشورى ومن الظلم إلى العدل ومن جور المبادئ الغربية الجاحدة إلى نور الإسلام. فهذا أمل كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر حقاً، يدعو إليها ويعمل لها، ويكافح من أجل تحقيقها.
فقوة الأمة العربية اليوم ووحدتها إذا تمت - وهي لن تتم إلا بقيادة المذهبية الإسلامية لها - فمتكون درعاً عظيماً للإسلام وإحياءً لحضارته وقيادة لشعوبه نحو بناء حضارة إسلامية إنسانية شاملة.
إن من أعظم أسباب ذل المسلمين اليوم وتأخرهم وجهلهم بحقائق الإسلام أن العرب منذ قرن من الزمان، في ضوء مخططات العدو، يساقون إلى طريق غير طريق الإسلام ، لأن الأعداء علموا جيداً أن الرائد إذا ضيِّع الطريق، ضاع الجميع معه.
فالشعوب الإسلامية تنتظر اليوم من العرب أن تقودها إلى بناء حياتها وشخصيتها الحضارية المستقلة، في جامعة إسلامية تتعاون شعوبها ودولها على البر والتقوى وترد الإثم والعدوان، وتري الأعداء العزة والقوة والتمكين.
والعرب لن يستطيعوا أن يقوموا بدورهم في إنقاذ أنفسهم وقيادة غيرهم وهداية شعوب العالم وإنقاذ حضارته من الانهيار القيمي والسلوكي، إلا إذا أدركوا مهمتهم وتمسكوا بعقيدتهم وحافظوا على ذاتهم.
هذا قدر العرب في هذا العصر، وكل الدلائل النظرية والواقعية تشير إلى أن العرب بعد أن مرّوا بتجارب مريرة وقاسية، سيتوجهون نحو هذا القدر الإسلامي العظيم، لأنهم مسؤولون أمام الله تعالى عن ذلك:
قال تعالى:
((وإنّهُ لذِكْرً لك ولِقوْمِك وسوف تُسْألُون َ)) (الزخرف: 44).
وبعكسه ستتسلم الراية أمة إسلامية أخرى، حسب الوعد الإلهي:
((… وإن تتولِّوا يسْتبْدِلْ قوْماً غيْركُمْ ثُمَّ لا يكُونُوا أمثالكُمْ )) (محمد: 38).
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:07 PM المذهبية الإسلامية وأزمة المثقفين
إن قصور المناهج التعليمية القديمة في العالم الإسلامي عن تقديم المذهبية الإسلامية الشاملة المتكاملة المترابطة إلى الأجيال الجديدة في القرون الأخيرة، ضيِّع عليها فرصة تاريخية كبيرة، عندما واجه المناهج التغييرية التي وجهتها المذاهب المادية في الثقافات الغربية، بحيث لم تستطع تلك الأجيال أن تدرس وتمحص تلك المناهج المذاهب في ظل رؤية سليمة للمذهبية الإسلامية، فوقعت في عبودية مشينة لها، وألغت عقولها تجاهها، وظنت أنها هي الحقيقة الكبرى التي انتهت إليها الثقافات المتطورة، وفيها الحل الأوحد لأزمة الإنسان المسلم وإخراجه من الأزمان القديمة الراكدة إلى الزمن الجديد الذي يصوغ حياته صياغة جديدة، وينقذها من سلبيات القرون الأخيرة، ومآسيها التي حطمت طاقات الأمة وأوقفت مسيرتها التنموية.
إن الفراغ الفكري الذي حدث نتيجة لغياب المذهبية الإسلامية الواضحة وسيطرة فكر الجمود التواكل والخرافة على الأمة، وتوجيه الثقافة المعاصرة من قبل المؤسسات التنصيرية والاستشراقية الاستعمارية كان مأساة تاريخية كبرى في العالم الإسلامي، انتهت إلى عزل أجيالنا المثقفة عن الثقافة عن الثقافة الإسلامية الأصلية عزلاً، كاد أن يكون كاملاً، في حين سيطرت الثقافات المادية والعلمانية مسطرة تامة على مؤسساتنا الجامعية والتعليمية ودوائرنا الثقافية والإعلامية التي غدت تفكر وتخطط لتغيير الحياة في العالم الإسلامي بمعزل عن الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكاً، لا بل عدّت تلك الدوائر الإسلام بكل أنظمته وشموله فكراً لاهوتياً رجعياً وطبقت عليه المعايير المادية الأوروبية الحديثة ومواقفها تجاه الكنيسة وفكرها من خلال فهم تاريخ الإسلام في ضوء التاريخ الأوروبي الحديث.
إن هذه المأساة التاريخية حدثت في ظل جهل مركب بالإسلام ديناً وحضارة وتاريخاً، ثم عدم الاستعداد لتصحيح الخطأ الكبير والانحراف المشين والجهل الفاضح.
إن كل المعنيين بتاريخ الإسلام في العصر الحديث، لا حظوا ثمار تلك المأساة من خلال الاحتكاك الواقعي ومن خلال دراستهم لأنماط الكتابات التي تتحدث عن مختلف نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والفلسفية.
إن مئات الدراسات الجامعية وغير الجامعية وعشرات المجلات الفكرية والدوريات العامة كانت تمشي في خطين متوازيين:
أولهما:
تجاهل الإسلام تجاهلاً كاملاً.
ثانيهمـا:
الجهل المركب به وبحضارته وقضاياه.
كان الناس يقرأون على سبيل المثال، في كتب الاقتصاد، في الجامعات وغيرها، كل شيء حول الاقتصاد ومذاهبه وتاريخه، دون ذكر أي شيء عن الاقتصاد الإسلامي، علماً ومذهباً وتاريخاً، وإن ذكر فيذكر خلال جهل مركب وسخرية واستهزاء.
لقد سئل أحد أكابر الاقتصاديين العرب الماركسيين في قاعة إحدى الجامعات العربية، عما يعرفه حول الاقتصاد الإسلامي، فأجاب:
لم أقرأ حول هذا الموضوع أيّ شيء.
وسئل آخر، فأجاب مستهزئاً:
"أستطيع أن أقول إن الاقتصاد الإسلامي اقتصاد وأسمالي بدائي ".
وعندما سأله الطلبة أن يعطيهم بعض المصادر حول الاقتصاد الإسلامي قال:
تستطيعون مراجعة كتاب الخراج الأبي يوسف، وعندما راجعني بعض هؤلاء الطلبة، فأعطيته قائمة بأسماء الكتب الاقتصادية الإسلامية الحديثة ومن بينها عدة رسائل جامعية فواجه بها الأستاذ في قاعة الدرس، أخفى الأستاذ موقفه الجاهل المخجل بقوله:
"أنا أدرِّس الاقتصاد وليس الدين "!!..
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:08 PM وإذا التفتّ إلى كثير من علماء القانون والاجتماع والفلسفة وعمل النفس وغير ذلك من مظاهر الثقافة في المجتمع الإنساني تجد هذا الجهل واضحاً وضوحاً كاملاً.
وقد يقول قائل: إنكم تظلمون المثقفين المعاصرين، فكيف يجوز أن يجهل كبار مثقفينا الإسلام ؟
نقول… استمع إلى واحد من أكابر أساتذة الفلسفة المعاصرين يعترف بهذه الحقيقة، وهو الدكتور زكي نجيب محمود الذي يسمونه بفيلسوف الوضعية المنطقية في العالم العربي:
لم تكن قد أتيحت لكاتب هذه الصفحات في معظم أعوامه الماضية فرصة طويلة الأمد، تمكنه من مطالعة صحائف تراثنا العربي على مهل، فهو واحد من ألوف المثقفين العرب الذين فتحت عيونهم على فكر أوروبي - قديم أو جديد - حتى سبقت إلى خواطرهم ظنون بأن ذلك هو الفكر الإنساني الذي لا فكر سواه، لأن عيونهم لم تفتح على غيره لتراه، ولبثت هذه الحال مع كاتب هذه الصفحات أعواماً بعد أعوام: الفكر الأوروبي دراسته وهو طالب، الأوروبي مسلاته كلما أراد التسلية في أوقات الفراغ…
استيقظ صاحبنا - كاتب هذه الصفحات - بعد أن فات أوانه أو أوشك، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه فطفق في بضعة الأعوام الأخيرة التي قد لا تزيد على السبعة أو الثمانية، يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان كأنه سائح مرّ بمدينة باريس، وليس بين يديه إلا يومان، ولا بد له خلالهما أن يريح ضميره بزيارة اللوفر، فراح يعدو من غرفة إلى غرفة، يلقي بالنظرات العجلى هنا وهناك، ليكتمل له شيء من الزاد قبل الرحيل…(34).
نعم لقد بدأت الصورة تتغير ببطء خلال العقود الأخيرة، بعد أن تحررت الدراسات الإسلامية الحديثة من كتب المتأخرين المغلقة ومن أساليب التعليم العقيمة ومظاهر مصر التأخر، وقدمت في جميع فروع الفكر الإنساني أنظمة الإسلام التفصيلية في دراسات جامعية، تعتمد البحث والاستنتاج والمقارنة في ضوء أصول الإسلام ومتغيرات الحياة الجديدة، بحيث اقتحمت تلك الدراسات العميقة الناضجة مجالات الثقافة الواسعة على الرغم من العوائق الكبيرة التي توضع أمامها من حيث المنع أو الإعلام أو النشر أو النقد، فبدأ كثير من الباحثين والعلماء في مختلف نواحي العلوم الإنسانية يعيدون النظر في مواقفهم ويخرجون من قوقعة ثقافاتهم الأوروبية، ليدرسوا عقيدتهم وشريعتهم وما قدمه مفكروهم عبر التاريخ من دراسات ونظريات.
ونستطيع أن أولئك المثقفين إلى صنفين:
صنف كانت دراساته للإسلام ومنهجه وحضارته عميقة شاملة، انطلق فيها من خلال حب الوصول إلى الحقيقة فوصل إلى نتائج باهرة، وأعلن في كتبه ومحاضراته التزامه بالإسلام ومبادثه العامة الملزمة للمسلمين في كل عصر(35).
وصنف آخر لا يزال يصارع ثقافاته الماضية التي شكلت بقوة خلفيته الثقافية واقتناعاته الإنسانية. وهذا الصنف يدرك من الإسلام بقدر ما يبذل من جهد وصدق نية، وبقدر ما يحمل نفسه على التخلص من التعصب والرواسب والهوى.
والحق أن هناك أسباباً كثيرة تحول بين الصنف الأخير وبين عودته إلى رحاب الإسلام نستطيع أن نعرضها على الوجه الآتي:
- الأول:
إن الإنسان الذي تربى على مصطلحات وأفكار الثقافات الأجنبية وشاب عليها من الصعوبة البالغة أن يتحرر منها، لأنه تعوّد أن ينطلق منها ويفكر خلالها، فهو إن لم يقرأ الإسلام وحضارته قراءة عميقة من داخله وفي إطار مصطلحاته ووحدته، لا يمكن أن تحدث في كيانه هزة عميقة، تحوله إلى خط الإسلام الواضح.أما الاكتفاء بمراجعة بعض جوانب الفكر الإسلامي أو قراءة جانب من جوانب ما يسمى بـ"التراث " فهو قد يصحح بعض المفاهيم والأخطاء ولكنه لا يكفي لنقل صاحبه إلى الخط الإسلامي الصحيح لا سيما إذا كانت قراءته سطحية سريعة اقتصرت على بعض مظاهر التطور في الفكر الإسلامي الذي لا يخلو من سلبيات قد يحسبها على الإسلام نفسه(36).
- الثاني:
قد ينطلق الباحث من ثقافته الغربية ويحاول أن يسقطها على الإسلام وحضارته ودراسة مفكريه، أي إنه يحكم من خلال ضوابط وخصوصية نمط حضاري على نمط آخر يختلف عنه اختلافاً جذرياً، وهذا على القطع يقود إلى الخطأ في النتائج، فبعض الباحثين على سبيل المثال يدرسون من خلال فكرهم العلماني الغربي سواء أكان ماركسيا أم ليبرالياً "ابن رشد " فيجدون أنه يدعو إلى أن يمشي البرهان الفلسفي في طريقه والدين في طريقه، فيظنون أن ابن رشد يدعو على فصل طريق العقل عن الدين، فيسقطون على مقولة ابن رشد علمانيتهم فيقولون: إن العمانية ليست جديدة وإنما هي من صلب أفكار مفكرينا القدماء، لا يسما من أصاب المذاهب العقلية الفلسفية، ويوهمون الجيل الجديد أن العقلانية الحديثة أو العلمانية الحديثة لا تشكل خطراً على الإسلام ولا تصطدم معه.
بينما هم ينسون أن ابن رشد كان يفكر في إطار الحضارة الإسلامية، وقوله طريق العقل وطريق الدين لكل بناؤه الداخلي، يعني من وجهة نظره، أن للعقل أساليبه الخاصة في التفكير وللدين طريقه في الوصول إلى الحقيقة، إلا أنهما يلتقيان في الحقيقة عينها، أي إن ابن رشد يقول لنا:
إننا إذا اقتصرنا على البرهان العقلي فلا محالة أن نصل إلى ما قرره الإسلام في أصوله من حقائق عليا.
وهذا واضح جداً في كتابه "فصل المقال " و "مناهج الأدلة " وكتبه الفلسفية الأخرى.
- الثالث:
وهنالك باحثون آخرون(37) ينطلقون في فهم الإسلام من خلال واقعه التاريخي الفكري في مجالات العلوم الإنسانية كلها. وهذا الواقع يحمل خصائص الفكر الذاتي وأخطاء وقصور العقل البشري، كما يحمل سلبيات وانحرافات المراحل المتتابعة التي نتجت من الاحتكاك المباشر بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى، وكذلك المخططات الثقافية التي نسج خيوطها الأعداء في أوكار التآمر على الإسلام وأمته خلال تاريخه الطويل.
إنهم لا يدركون أن الإسلام من حيث هو وحي إلهي مستقل عن الزمان والمكان وأن الثقافات المتنوعة التي نسجت حوله، تمثل أشخاصاً وعصوراً، ومن هنا فلا بد من الفصل الكامل عند الحكم بين الوحي والفكر أو الوحي والتراث حتى تكون المراجعة واضحة ومفيدة.
هل يكون تقبل ابن سينا لأفكار أرسطو وغنوصية الشرق ممثلاً للإسلام نفسه؟ وهل كل ما يقوله المعتزلة والأشاعرة والمتصوفة، يمكن أن يكون هو الإسلام نفسه؟ أم هو الفكر المتأثر بالحضارات الدخيلة وطبيعة الصراعات المرحلية، وهل كل ما يقوله الفقهاء يجب أن يحسب بالتالي على الإسلام.
إن الذي يريد أن يحكم على هذه القضايا المصيرية الخطيرة، لا بد أن يعرضها على أصول الإسلام القاطعة في الكتاب والسنة، إن كان لا يزال يعتقد بعصمة الوحي الإلهي.
إنني أعتقد اعتقاداً جازماً أن التطورات الثقافية في العالم الإسلامي في صالح المذهبية الإسلامية. إذ ما من يوم نشرق الشمس فيه على العالم إلاّ ويظهر دليل جديد على أحقية مذهبية الإسلام في الكون والمجتمع والإنسان.
إننا ندعو المثقفين الذين لا يزالون مسلين أن يدرسوا الإسلام دراسة شاملة ومختصة كلِّ من خلال اختصاصه، حتى لا يحكموا على قضايا الحياة من جانب واحد، يبعدهم عن الإسلام ومذهبيته الواضحة في الوجود. على أن يكون في ذلك الوصول إلى الحقائق كما هي، في ضوء منهج علمي موضوعي، بعيد عن المناهج المسبقة، والمصطلحات المادية، والمبادئ التي تعود إلى منظومات حضارية تتنافى مع أصول الإسلام.
إن المسلم الذي يعتقد أن الإسلام هو دين الله الخاتم يفرض عليه منطق الإيمان أن ينطلق من أصوله وفي إطار ضوابطه وقواعده، ولا يجوز أن يتخذ من الثقافات الأجنبية والمذاهب المادية والاتجاهات العلمانية التي آمن بها في غياب فهم صحيح للإسلام، حجة على الإسلام ، يحاول أن يحرف مبدئه وضوابطه في سبيل أن يسوغ خلفيته الثقافية الأجنبية التي شكلتها ثقافات متنوعة تصطدم مع الإسلام في أصوله وقواعده وأنظمته الحيوية.
على هؤلاء أن يذكروا موقفهم بين يدي رب العالمين، إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر، عندما يحاسبهم الله تعالى عما ارتكبوه من الأخطاء والآثام بحق دينهم وأمتهم، لأنهم لم يتبعوا طريق الإسلام الحق، بل شوهوا الحقائق وحرفوا الشرائع، وزيفوا الأفكار، فاقتدى بهم كثيرون من أبناء جيلنا الحائر القلق.
إنهم يحملون أوزار هؤلاء مع أوزارهم، نرجو الله تعالى لهم الهداية والاستقامة، ولنا الثبات على دينه، ونعوذ بالله تعالى في ختام هذه الصفحات من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونردد بإخلاص قوله تعالى على لسان المنيبين إليه:
((ربَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ. ربّنا إنّك جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمِ لاَ رَيْبَ فِيهِ. إنَّ اللهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعاَد )). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 10:09 PM الدكتور محسن عبد الحميد
ولد في مدينة كركوك - العراق عام 1357هـ - 1937م.
• تخرج في جامعة بغداد - كلية التربية عام 1380هـ - 1959م.
حصل على درجة الماجستير عام 1387هـ - 1967م. ودرجة الدكتوراه عام 1392هـ - 1972م. من جامعة القاهرة.
• أستاذ مادة التفسير والعقيدة والفكر الإسلامي الحديث في جامعة بغداد.
• له عدة مؤلفات في أصول التفسير، ومنهج التغيير الاجتماعي في الإسلام، والاقتصاد الإسلامي. . . إلى جانب أبحاث ومقالات فكرية متنوعة في الثقافة الإسلامية والتيارات الفكرية المعاصرة.
|