عرض الإصدار الكامل : كتاب الإستشراق والخلفية الفكرية للصراع د.محمود حمدي زقزوق
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:08 PM كتاب الإستشراق والخلفية الفكرية للصراع
د.محمود حمدي زقزوق
تقديم بقلم : عمر عبيد حسنة
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، القائل في محكم تنزيله: ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) ( البقرة: 217)، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم معلم الناس الخير .. المبعوث رحمة للعالمين وبعد ..
فهذا الكتاب الخامس في سلسلة ( كتاب الأمة ) التي اعتزمت رئاسة المحاكم الشرعية والشؤون الدينية إصدارها مساهمة في تحقيق الوعي والحصانة الفكرية، وإعادة بناء ، وتنقية الموارد الثقافية إلى جانب العطاء الصحفي، ويمكن أن يكون العنوان ( الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري) ذا دلالة واضحة على موضوع الكتاب والقضايا التي عرض لها ، ذلك أن الاستشراق يشكل الجذور الحقيقية التي كانت ولا تزال تقدم المدد للتنصير والاستعمار، وتغذي عملية الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، وتشكل المناخ الملائم من أجل فرض السيطرة الاستعمارية على الشرق الإسلامي وإخضاع شعوبه، فالاستشراق هو المنجم والمصنع الفكري الذي يمد المنصَّرين والمستعمرين بالمواد يسوِّقونها في العالم الإسلامي لتحطيم عقيدته، وهدم عالم أفكاره، وقد جاء هذا الغزو الثقافي ثمرة لإخفاق الغزو العسكري وسقوطه، ولتربية جيل ما بعد الاستعمار ..
لقد تطورت الوسائل وتعددت طرق المواجهة الثقافية الحديثة، ويكفي أن نقول: إن مراكز البحوث والدراسات سواء أكانت مراكز مستقلة أم أقساماً للدراسات الشرقية في الجامعات العلمية في المغرب، وما يوضع تحت تصرفها من الإمكانات المادية والمبتكرات العلمية والاختصاصات الدراسية تمثل الصورة الحديثة التي تطور إليها الاستشراق ، حيث تمكن أصحاب القرار السياسي من الاطلاع والرصد لما يجري في العالم يومياً ..
ففي القارة الأمريكية وحدها حوالي تسعة آلاف مركز للبحوث والدراسات ، منها حوالي خمسين مركزاً مختصاً بالعالم الإسلامي، ووظيفة هذه المراكز تتبع ورصد كل ما يجري في العالم، ثم دراسته وتحليله مقارناً مع أصوله التاريخية ومنابعه العقائدية، ثم مناقشة ذلك مع صانعي القرار السياسي، ومن ثم تُبنى على أساس ذلك الخطط والاستراتيجيات، وتحدد وسائل التنفيذ .
لقد أصبح كل شيء خاضعاً للدراسة والتحليل، ولعل المختبرات التي تخضع لها القضايا الفكرية والدراسات الإنسانية أصبحت توازي تلك المختبرات التي تخضع لها العلوم التجريبية، إن لم تكن أكثر دقة حيث لا مجال للكسالى والنيام والعاجزين الأغبياء في عالم المجدين الأذكياء .
لقد اكتفينا بمواقف لرفض والإدانة للاستشراق
والتنصير، اكتفينا بالانتصار العاطفي للإسلام، وخطبنا كثيراً ولا نزال في التحذير من الغارة على العالم الإسلامي القادمة من الشرق والغرب دون أن تكون عندنا القدرة على إنضاج بحث في هذا الموضوع، أو إيجاد وسيلة صحيحة في المواجهة، أو تحقيق البديل الصحيح للسيل الفكري والغزو الثقافي من هناك.. إلا من رحم الله من جهود فردية لا تفي بالغرض، فإذا كنَّا لا نزال في مرحلة العجز عن تمثل تراثنا بشكل صحيح حيث يحاول بعضنا الوقوف أمامه للتبرك والمفاخرة دون أن تكون لدية القدرة على العودة من خلاله إلى أصولنا الثقافية المتمثلة في الكتاب والسنة، ويحاول آخرون القفز من فوقه ضاربين بعرض الحائط فُهوم علماء وجهود أجيال، بدعوى التناول المباشر، دون امتلاك القدرة على ذلك، فكيف يمكننا ، وهذا واقعنا وموقعنا، أن نواجه معركة الصراع الفكري، ونقدم فيها شيئاً؛ وإذا كان الكثير منا ما يزال يعيش على مائدة المستشرقين لفقر المكتبة الإسلامية للكثير من الموضوعات التي سُبقنا إليها، وإذا كانت مناهج النقد والتحليل، وقواعد التحقيق، ووسائل قراءة المخطوطات من وضعهم، كما أن الكثير من المخطوطات الإسلامية لم تر النور إلا بجهودهم على ما فيها ، فأنّى لنا الانتصار في معركة المواجهة العقائدية ؟ ! .
ويمكن لنا إذا تجاوزنا جهود علمائنا الأقدمين في تدوين السنة ووضع ضوابط النقل الثقافي، وقواعد الجرح والتعديل، وتأصيل علم مصطلح الحديث الذي حفظ لنا السنّة إلى جانب بعض الدراسات الجادة في هذا الموضوع، فإننا لا نكاد نرى شيئاً يذكر، فقد اقتصر عمل معظم المشتغلين بالحديث والسنة عندنا على تحقيق بعض الأحاديث، تضعيفاً أو تقوية لإثبات حكم فقهي أو إبطاله، أو إثبات سنّة ومواجهة بدعة، وهذا العمل على أهميتة يبقى جهداً فردياً فكرياً دون سويّة الأمر المطلوب الذي يمكن من الانتفاع بكنوز التراث .. وأين هذا من عمل المستشرقين في إعداد المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، كعمل ضخم وكدليل علمي لا يستغني عنه أي مشتغل بالحديث ..
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:09 PM لقد نجحت العقلية الأوربية بداية في السيطرة على مصادر التراث العربي الإسلامي، وعن طريق الاستشراق والمستشرقين إلى التحقيق والتمحيص والطبع والنشر لمجموعة من أكبر وأهم المصادر التراثية، وعلى الرغم من أن بعض الدراسات كانت تقترب من صفة النزاهة والحياد إلاّ أنها في النهاية وبكل المقاييس تبقى مظهراً من مظاهر الاحتواء الثقافي .
ولقد نجحت العقلية الأوروبية، كما أسلفنا ، في فرض شكلية معينة من التحقيق والتقويم والنقد، وأوجدت القدوة والأنموذج، ويمكن القول: إن معظم الكتابات العربية المعالجة للتراث قد سارت على هذا النهج ولم تتجاوزه إلا في القليل النادر، إلى درجة إيجاد ركائز ثقافية عربية معبرة ومتبنية لوجهة نظرها، ومدافعة عن المواقع الثقافية التي احتلتها؛ حتى في الجامعات والمؤسسات العلمية لا يزال الخضوع والاحتكام للقوالب الفكرية التي اكتسبها المثقفون المسلمون من الجامعات الأوروبية ..ونستطيع القول: إن آثارالاستشراق وإنتاج المستشرقين لا يزال يحتل الكثير من مواقعنا الثقافية، وسوف لا يفيدنا في المواجهة مواقف الرفض والإدانة أو الهروب من المشكلة، من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب في أنه لا يقتصر على تشخيص العلَّة ورصد آثارها فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى تحديد الأسباب التي أوجدتها، ومن ثم يصف العلاجويبين الخطة التي لا مناص من التزامها في معركتنا الفكرية التي تستهدف وجودنا حيث نكون أو لا نكون ..
وميزة هذا الكتاب الذي نقدمه اليوم أن له صفة الأكاديمية، فقد اعتمد مؤلفه المنهج العلمي الوثائقي في التناول، وناقش المقدمات، وعقد المقارنات، وانتهى إلى النتائج، وقدم الحلول اللازمة بعيداً عن الانفعال والارتجال، لذلك نقول: إنها لا تكفي القراءة للكتاب بل لا بد من الدارسة له ..
ومن ميزاته أيضاً أنه يُمكن أن يصل بالمثقف بشكل عام، والمثقف المسلم غير المخصص بشكل خاص إلى حد الكفاية في هذا الموضوع حيث إن الاطلاع على هذا القدر من المعلومات عن الاستشراق ومناهج المستشرقين يشكل ضرورة لكل مسلم، يبصره بالساحة الثقافية التي يتعامل معها، والخلفية الفكرية للصراع الحضاري.. خاصة وأن مؤلفه الأخ الدكتور محمود حمدي زقزوق يمكن أن يعتبر إلى حد بعيد متخصصاً في هذه القضية الهامة، بعد أن عَرَف المستشرقين واطلع على إنتاجهم عن قرب بطبيعة متابعة دراساته العليا في الغرب، وأنه كان مقرراً للندوة التي دعت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في القاهرة لمناقشة إعداد موسوعة الرد على المستشرقين، وأعد التقرير عن المنهج العلمي الواجب اتباعه في إعداد الموسوعة ..
وتبقى حاجة المكتبة الإسلامية قائمة لمجموعة من الكتب التي تعرض للقضايا الفكرية التي يعاني منها عالم المسلمين ، وتصل إلى حد الكفاية بالنسبة للمسلم غير المتخصص على نحو هذا الكتاب بعيداً عن الانفعال والعاطفية وإثقال ذهنه بما ينفع وما لا ينفع.. والله نسأل أن يجزل مثوبته للأخ الدكتور محمود حمدي زقزوق وينفع به وهو حسبنا ونعم الوكيل .
بسم الله الرحمن الرحيم
قُل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلاَّ الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا أشهدوا بأنَّـا مسلمون( آل عمران : 64)
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:11 PM المقدمة د.محمود حمدي زقزوق
إن مما لا جدال فيه أن الاستشراق له أثر كبير في العالم الغربي وفي العالم الإسلامي على السواء وإن اختلفت ردود الأفعال على كلا الجانبين. ففي العالم الغربي لم يعد في وسع أحد أن يكتب عن الشرق أو يفكر فيه أو يمارس فعلاً مرتبطاً به أن يتخلص من القيود التي فرضها الاستشراق على حرية الفكر أو الفعل في هذا المجال من حيث إن الاستشراق ( يشكل شبكة المصالح الكلية التي يستحضر تأثيرها بصورة لا مفر منها في كل مناسبة.. يكون فيها ذلك الكيان العجيب ( الشرق) موضوعاً للنقاش ) (1) .
وفي عالمنا العربي الإسلامي المعاصر لا يكاد يجد المرء مجلة أو صحيفة أو كتاباً إلاّ وفيها ذكر أو إشارة إلى شيء عن الاستشراق أو يمت إليه بصلة قريبة أو بعيدة . وهذا أمر ليس بمستغرب ذلك أن الاستشراق في حقيقة الأمر كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من قضية الصراع الحضاري بين العالم الإسلامي والعالم الغربي، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك ونقول: إن الاستشراق يمثل الخلفية الفكرية لهذا الصراع . ولهذا فلا يجوز التقليل من شأنه بالنظر إليه على أنه قضية منفصلة عن باقي دوائر هذا الصراع الحضاري. فقد كان للاستشراق من غير شك أكبر الأثر في صياغة التصورات الأوروبية عن الإسلام، وفي تشكيل مواقف الغرب إزاء الإسلام على مدى قرون عديدة.
ولا يزال الأوروبيون حتى اليوم يستقون معلوماتهم عن الإسلام من كتابات المختصين في هذا المجال من الأوروبيين، وهؤلاء هم بطبيعة الحال من طبقة المستشرقين، هذا فضلاً عما يكتبه بعض الأدباء أو الفلاسفة الأوربيين . ولكن كتابة هذا الفريق الأخير لا تخرج في الغالب عن كونها مبنية على كتابات المستشرقين(2) .
والاستشراق قضية تتناقض حولها الآراء في عالمنا الإسلامي، فهناك من يؤيده ويتحمس له إلى أقصى حد، وهناك من يرفضه جملة وتفصيلاً ويلعن كل من يشتغل به بوصفه عدواً لدوداً للإسلام والمسلمين.
والواقع الذي لا يمكن إنكاره هو أن الاستشراق له تأثيراته القوية في الفكر الإسلامي الحديث إيجاباً أو سلباً أردنا أم لم نرد. ولهذا فإننا لا نستطيع أن نتجاهله أو نكتفي بمجرد رفضه وكأننا بذلك قد قمنا بحل المشكلة، إننا لو فعلنا ذلك لكنا كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال. ولهذا فإنه ليس هناك بديل عن مواجهة المشكلة وطرحها على بساط البحث ودراستها واستخلاص النتائج واقتراح الحلول وهكذا نجد أن موضوع الاستشراق يفرض نفسه علينا بإلحاح ويتطلب منا وقفه تأملية جادة لبحثه ودراسة أبعاده وتأثيراته بالنسبة للإسلام والمسلمين .
وهناك من غير شك بعض الجهود العلمية القيمة في هذا الصدد من جانب بعض المسلمين، وهي جهود لا يجوز التقليل من شأنها أو تجاهلها .(3) ولسنا نقصد بهذا الكتاب أن يكون عوضاً عن هذه الدراسات. ولكن حسبنا هنا أن نركز على بعض النقاط الهامة التي نرجو من ورائها أن تكون حافزاً لنا على مواصلة التفكير والتأمل في أبعاد هذه القضية المتعددة الجوانب المتشعبة الأطراف، من أجل الوصول إلى اتخاذ المواقف الصحيحة التي من شأنها أن تسير بنا إلى بلوغ الأهداف المرجوة .
وفي محاولتنا هنا لعرض هذا الموضوع سنتوخى أن نكون موضوعيين، بعيدين عن اتخاذ أسلوب المواقف الجدلية الانفعالية، لأن مثل هذه المواقف قليلة الجدوى وإن كان لها بعض التأثير فإنه تأثير وقتي سرعان ما يزول لعدم ارتكازه على أسس متينة. ومن أجل ذلك نريد أن نخاطب القارئ ونضع أمامه القضية بإيجابياتها، وسلبياتها ونشركه في البحث عن الحلول الجادة .
وفي هذا الصدد نود أن نؤكد أن التزام الموضوعية هو دائماً في صالح الإسلام. والأمر الذي لا ينبغي أن يغيب هنا عن الأذهان هو أن الإسلام بوصفه دين الله الحق لا يخشى عليه من أية تيارات فكرية مناوئة أيا كان مصدرها وأيا كان شأنها وانتشارها وقوتها طالما وجد هذا الدين من أتباعه من يستطيع فهمه فهماً سليماً، وأدرك أهدافه ومراميه إدراكاً واعياً. فإذا توفر مثل هذا الفهم السليم والإدراك الواعي فسيتضح أنه لا توجد هناك تيارات فكرية يمكن أن تتحدى الإسلام، بل العكس هو الصحيح وهو أن الإسلام نفسه هو الذي يتحدى . أما إذا افتقد الإسلام لدى أتباعه الوعي السليم والفهم الصحيح لأصوله وغاياته فإن مواقف هؤلاء الأتباع- مهما حسنت النيَّات - لن تخرج عن مواقف الصديق الجاهل الذي هو أضر بالإسلام من العدو العاقل .
والكتاب الذي نقدمه اليوم إلى القارئ الكريم يحتوي على ثلاثة فصول: يشتمل الفصل الأول منها على مدخل تاريخي حول نشأة الاستشراق وتطوره. أما الفصل الثاني - وهو الفصل الرئيس في هذا الكتاب- فإنه يتناول بالبحث مواقف المستشرقين بإيجابياتها وسلبياتها .
وفي الفصل الثالث والأخير نتحدث عن موقفنا - نحن المسلمين - من الحركة الاستشراقية .. والله من وراء القصد وهو حسبنا ونعم الوكيل
د.محمود حمدي زقزوق
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:12 PM مدخل تاريخـي حول نشأة الاستشراق وتطوره
تمهيد :
ليس القصد من هذا المدخل التاريخي حول نشأة الاستشراق وتطوره أن يكون عرضاً شاملا يقف عند كل التفاصيل ويدقق في الجزئيات ويؤرخ لكل مرحلة من مراحل الاستشراق، وإنما القصد منه هو فقط إلقاء نظرة عامة تبرز لنا بعض المعالم الرئيسة والخطوط العريضة في هذا الصدد . نتعرف من خلالها على أهم العوامل التي ساعدت على نشأة الاستشراق وأهم المؤثرات التي كان لها دورها الفعال في تطور الحركة الاستشراقية، وما صاحب ذلك كله من تطور في النظرة الغربية للإسلام والحضارة الإسلامية بوجه عام . وتوضيح الجوانب يعد بمثابة تمهيد ضروري لفهم الاتجاهات المختلفة للمواقف الاستشراقية إزاء الإسلام والمسلمين . ولتحقيق هذا الغرض سنلقي أولاً نظرة على البدايات الأولى للاستشراق ومنطلقات هذه البدايات في القرون الوسطى، ثم نلقي بعض الضوء على مدى صلة الاستشراق بالتبشير، ونشير إلى بعض المحاولات الجادة التي ظهرت في أوروبا للتعرف على الإسلام، ثم ننتقل إلى الحديث عن ازدهار الاستشراق في العصر الحديث ومظاهر هذا الازدهار، ونتناول في هذا الصدد صلة الاستشراق بالاستعمار ودور اليهود في الحركة الاستشراقية. ونختم هذا الفصل بالحديث عن مستقبل الاستشراق .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:14 PM البدايات الأولى
الاستشراق هو علم الشرق أو علم العالم الشرقي(4). وكلمة مستشرق بالمعنى العام تطلق على كل عالم غربي يشتغل بدراسة الشرق كله: أقصاه ووسطه وأدناه، في لغاته وآدابه وحضارته وأديانه. ولكننا هنا لا نقصد هذا المفهوم الواسع، ولا يعنينا هنا أن نتعرض لبحثه، كما لا يعنينا أيضاً أن نتعرض للتغيرات الجغرافية والحضارية التي طرأت على مفهوم الشرق في مختلف العصور، وإنما كل ما يعنينا هنا المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق الذي يعني الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي في لغاته وآدابه وتاريخه وعقائده وتشريعاته وحضارته بوجه عام . وهذا المعنى هو الذي ينصرف إليه الذهن في عالمنا العربي الإسلامي عندما يطلق لفظ استشراق أو مستشرق، وهو الشائع أيضاً في كتابات المستشرقين المعنيين .
ومن الصعب تحديد تاريخ معين لبداية الاستشراق وإن كان بعض الباحثين يشير إلى أن الغرب النصراني يؤرخ لبدء وجود ( الاستشراق الرسمي ) بصدور قرار مجمع (فيينا ) الكنسي في 1312 م بإنشاء عدد من كراسي اللغة العربية في عدد من الجامعات الأوروبية (5) . ولكن الإشارة هنا إلى ( الاستشراق الكنسي ) تدل على أنه كان هناك استشراق غير رسمي قبل هذا التاريخ، فضلاً عن أن هناك باحثين أوروبيين - كما سنذكر فيما يلي - لا يعتمدون التاريخ المشار إليه بداية للاستشراق. ولذلك تتجه المحاولات في هذا الصدد لا إلى تحديد سنة معينة لبداية الاستشراق، وإنما إلى تحديد فترة زمنية معينة على وجه التقريب يمكن أن تعد بداية للاستشراق .
وليس هناك شك في أن الانتشار السريع للإسلام في المشرق والمغرب قد لفت بقوة أنظار رجالات اللاهوت النصراني إلى هذا الدين . ومن هنا بدأ اهتمامهم بالإسلام ودراسته . ومن بين العلماء النصارى الذين أظهروا في وقت مبكر اهتماماً بدراسة الإسلام - لا من أجل اعتناقه ، وإنما من أجل حماية إخوانهم النصارى منه - كان العالم النصران يوحنا الدمشقي( 676 - 749 م). ومن بين مصنفاته في هذا الصدد
لإخوانه في الدين كتاب( محاورة مع مسلم ) وكتاب (إرشادات النصارى في جدل المسلمين)(6) .
ولكننا لا نستطيع أن نعد مثل هذه المحاولات بداية للاستشراق. فيوحنا الدمشقي كان رجلاً شرقياً عاش في ظل الدولة الأموية وخدم في القصر الأموي. ولهذا سنصرف النظر عن مثل هذه المحاولات من جانب النصارى الشرقيين، ونقصر حديثنا على العلماء الغربيين .
وهنا نجد أيضاً أنه ليس هناك اتفاق على فترة زمنية معينة لبداية الاستشراق. فبعض الباحثين يذهب إلى القول بأن البدايات الأولى للاستشراق ترجع إلى مطلع القرن الحادي عشر الميلادي، بينما يرى ( رودي بارت(7) Rudi Paret ) أن بدايات الدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا تعود إلى القرن الثاني عشر الذي تمت فيه لأول مرة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية ، كما ظهر أيضاً في القرن نفسه أول قاموس لاتيني عربي(8) . وما ذهب إليه بارت في هذا الصدد سبق أن عبرعنه كتاب المستشرق جوستاف دوجا( تاريخ المستشرقين في أوروبا من القرن الثاني عشر حتى القرن التاسع عشر) .الذي صدر في باريس في نهاية الستينات من القرن الماضي وهناك من الباحثين من يجعل بداية الاستشراق قبل ذلك بقرنين ، أي في القرن العاشر الميلادي. ولعل هذا هو السبب الذي أدي بنجيب العقيقي إلى أن يجعل كتابه عن المستشرقين- في أجزائه الثلاثة - سجلاً للاستشراق على مدى ألف عام، بدءاً من الراهب الفرنسي جرير دي أو رالياك ( 940 - 1003 م ) الذي قصد الأندلس، وتتلمذ على أساتذتها في أشبيلية وقرطبة حتى أصبح أوسع علماء عصره في أوروبا ثقافة بالعربية والرياضيات والفلك، ثم تقلد فيما بعد منصب البابوية في روما باسم سلفستر الثاني(999 - 1003 ) (9) .
وعلى الرغم من أن الاستشراق - بناء على ذلك - يمتد جذوره إلى ما يقرب من ألف عام مضت فأن مفهوم ( مستشرق ) Orientalist لم يظهر في أوروبا إلاً في نهاية القرن الثامن عشر. فقد ظهر أولاً في إنجلترا عام 1779 م وفي فرنسا عام 1799م ، وأدرج مفهوم ( الاستشراق ) Orientalism في قاموس الأكاديمية الفرنسية عام 1838 م(10) .
ولكن المهم هنا ليس هو متى ظهر مفهوم ( مستشرق ) أو ( استشراق ) ، وإنما المهم هو متى بدأت الدراسات العربية والإسلامية في أوروبا، ومتى بدأ الاشتغال بالإسلام والحضارة الإسلامية سواء بالقبول أو بالرفض. وهذا أمر موغل في القدم - كما رأينا - أما المصطلح ذاته فلا يعني شيئاً أكثر من إقرار أمر واقع، وإطلاق وصف على الدراسات التي كانت قائمة بالفعل قبل ذلك بقرون عديدة، بصرف النظر عن مدى علمية هذه الدراسات أو موضوعيتها، فهذه مسألة أخرى قابلة للنقاش حتى فيما يتعلق بالدراسات الاستشراقية في العصر الحاضر . وعلى أية حال فإن الدافع لهذه البدايات المبكرة للاستشراق كان يتمثل في ذلك الصراع الذي دار بين العالمين الإسلامي والنصراني في الأندلس وصقلية، كما دفعت الحروب الصليبية بصفة خاصة إلى اشتغال الأوروبيين بتعاليم الإسلام وعاداته. ولهذا يمكن القول بأن تاريخ الاستشراق في مراحله الأولى هو تاريخ للصراع بين العالم النصراني الغربي في القرن الوسطى والشرق الإسلامي على الصعيدين الديني والأيديولوجي(11) . فقد كان الإسلام كما يقول ( ساذرن Southern ) يمثل مشكلة بعيدة المدى بالنسبة للعالم النصراني في أوروبا على المستويات كافة .
باعتباره مشكلة عملية استدعى الأمر اتخاذ إجراءات معينة كالصليبية والدعوة إلى النصرانية والتبادل التجاري، وباعتباره مشكلة لا هوتية تطلب بإلحاح العديد من الإجابات على العديد من الأسئلة في هذا الصدد ، وذلك يقتضي معرفة الحقائق التي لم يكن من السهل معرفتها . وهنا ظهرت مشكلة تاريخية صار من المتعذر حلها ، كما ندر إمكانية تناولها دون معرفة أدبية ولغوية يصعب اكتسابها ، وصارت المشكلة اكثر تعقيداً بسبب السرية والتعصب والرغبة القوية في عدم معرفتها خشية الدنس(12) .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:15 PM اتجاهان مختلفان
وقد نشط اللاهوتيون النصارى في ذلك الوقت المبكر ضد الإسلام وراحوا ينشرون الافتراءات والأكاذيب حول الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم ، وزعموا فيما زعموا أن الإسلام قوة خبيثة شريرة وأن محمداً صلى الله عليه وسلم ليس إلاّ صنماً أو إله قبيلة أو شيطاناً. وغزت الأساطير الشعبية والخرافات خيال الكتاب اللاتينيين. ولم يكن الهدف بطبيعة الحال هو عرض صورة موضوعية عن الإسلام ، فقد كان هذا أبعد ما يكون عن أذهان المؤلفين في ذلك الزمان .
وهناك في هذا الصدد حكايات في وصف الإسلام مغرقة في الخيال وفي الضلال اخترعها خيال الكتاب في ذلك العصر مثل أنشودة رولاند الشهيرة : The Song of Roland وغيرها من آثار أدبية تصف المسلمين بأنهم عبَّاد أصنام ، أو انهم يعبدون آلهة ثلاثة هي ( تيرفاجان Tervagan )، و( محمد وأبو للو ) . وقد اعترف أعلم المؤلفين المسؤولين عن هذا الأدب وهو ( جيبير النوجنتي Guibert de Nogent ) [ ت 1124 م ] بأنه لا يعتمد في كتاباته عن الإسلام على أية مصادر مكتوبة، وأشار فقط إلى آراء العامة، وأنه لا يوجد لديه أية وسيلة للتمييز بين الخطأ والصواب، ثم قال مبرراً كتاباته غير العلمية عن الإسلام ونبيه: ( لا جناح على المرء إذا ذكر بالسوء من يفوق خبثه كل سوء يمكن أن يتصوره المرء ) .
وقد أطلق ساذرن على هذه الفترة في كتابه ( نظرة الغرب إلى الإسلام في القرون الوسطى ) عنوان ( عصر الجهالة ) . وهو عصر كان ابعد ما يكون عن روح العلم والموضوعية. وفي ذلك يقول ساذرن :
( على أن الشيء الوحيد الذي يجب أن لا نتوقع وجوده في تلك العصور هو الروح المتحررة الأكاديمية، أو البحث الإنساني الذي تميز به الكثير من البحوث التي تناولت الإسلام في المائة سنة الأخيرة )(13) .
وفي مقابل تلك الصورة البغيضة للإسلام كانت هناك جهود أخرى للوصول إلى معرفة موضوعية في مجال العلوم العربية مثل الفلسفة والطلب والعلوم الطبيعية .
يقول مكسيم رودنسون عن تلك الفترة :
( ولا يصادف المرء موقفاً موضوعياً في مجال مختلف تماماً لا يمت إلى الدين الإسلامي إلاّ بصلة بعيدة، وأعني العلم بأوسع معانيه )(14) .
وقد أخطأ ( رودنسون ) هنا في جعله العلم لا يمت إلى الإسلام إلا بصلة بعيدة. فقد كان الإسلام في حقيقة الأمر وراء كل إنجاز علمي حققه المسلمون في مختلف المجالات .
وبدءاً من عام 1130م كان العلماء النصارى في أوروبا يعملون جاهدين على ترجمة الكتب العربية في الفلسفة والعلوم . وكان لرئيس أساقفة طليطلة وغيره الفضل في إخراج ترجمات مبكرة لبعض الكتب العلمية العربية، بعد الاقتناع بأن العرب يملكون مفاتيح قدر عظيم من تراث العالم الكلاسيكي. وهذه الحركة التي قامت في أوروبا لترجمة العلوم العربية إلى اللاتينية تشبه تلك الحركة التي قامت في العالم الإسلامي في عهد المأمون ومن سبقه لترجمة العلوم اليونانية وغيرها إلى العربية. وتخدم أيضاً الأغراض نفسها التي قامت من أجلها الترجمة في العالم الإسلامي والتي تتمثل في نشر العلم ورفع المستوى الثقافي من أجل خدمة الحياة الإنسانية وبناء الحضارة. ولكن هذا الاتصال العلمي العميق بحضارة الإسلام لم له تأثير في تغيير النظرة الغربية للصورة العقيدية أو الإلهية أو التاريخية للإسلام .
وقد كانت هناك في القرن الثاني عشر أيضاً بعض المحاولات للتعرف على الإسلام بقدر من الموضوعية ولكن مع الهدف الواضح والمعلن وهو محاربة هذه التعاليم الإسلامية ( الإلحادية ) ومن أجل ذلك قام بطرس الموقر [ ت 1156م] رئيس رهبان كلوني بتشكيل جماعة المترجمين في إسبانيا يعملون كفريق واحد من أجل الحصول على معرفة علمية موضوعية عن الدين الإسلامي . وقد كان بطرس الموقر وراء ظهور أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية في عام 1143 م ، تلك الترجمة التي قام بها العالم الإنجليزي ( رو برت أوف كيتون Robert of Kettok )(15).
وقد حاول بطرس الموقر ـ الذي كان يعتبر الإسلام هرطقة نصرانية أن يجد مبررات للجهود التي يقوم بها ـ في مجال الترجمة من أجل التعرف على الإسلام ـ حتى يحظى هذا العمل بالقبول لدى إخوانه النصارى فقال :
إذا كان هذا العمل يبدو من النوافل الزائدة لأن العدو ليس عرضة للهجوم بمثل هذا السلاح، فإني أرد بأن في بلاد ملك عظيم تكون بعض الأشياء للدفاع وبعضها للزينة وبعضها لكليهما معاً. إن سليمان المسالم صنع الأسلحة للدفاع ولو أنها لم تكن ضرورية في زمانه ، وداود صنع الزينات للهيكل ، ولو أنه لم تكن هناك وسائل لاستعمالها في عصره(16).. وكذلك الحال مع هذا العمل فإذا لم يكن بالإمكان تنصير المسلمين به ، فمن حق العالم على الأقل أن يساند إخوانه الضعفاء في الكنيسة الذين يسهل افتضاحهم بأشياء صغيرة )(17).
ولم تجد ( الموضوعية ) التي كان يبحث عنها بطرق الموقر تجاوباً في ذلك الزمان على الرغم من أنها لم تكن موضوعية بالمعنى الصحيح. وإنما يمكن أن تعد ( موضوعية موجهة ) إن صح التعبير .
يقول ( رودي بارت ) :
( حقيقة أن العلماء ورجال اللاهوت في العصر الوسيط كانوا يتصلون بالمصادر الأولى في تعرفهم على الإسلام، وكانوا يتصلون بها على نطاق أوسع ، ولكن كل محاولة لتقييم المصادر على نحو موضوعي نوعاً ما ، كانت تصطدم بحكم سابق يتمثل في أن هذا الدين المعادي للنصرانية لا يمكن أن يكون فيه خير. وهكذا كان الناس لا يولون تصديقهم إلا لتلك المعلومات التي تتفق مع هذا الرأي المتخذ من قبل ، وكانوا يتلقفون بنهم كل الأخبار التي تلوح لهم مسيئة إلى النبي العربي وإلى دين الإسلام)(18).
ويمكن القول بصفة عامة بأنه قد كان هناك في هذه الفترة المبكرة للاستشراق اتجاهان مختلفان فيما يتعلق بالأهداف والمواقف إزاء الإسلام. أما الاتجاه الأول فقد كان اتجاهاً لاهوتياً متطرفاً في جدله العقيم، ناظراً إلى الإسلام من خلال ضباب كثيف من الخرافات والأساطير الشعبية . أما الاتجاه الثاني فقد كان نسبياً بالمقارنة إلى الاتجاه الأول أقرب إلى الموضوعية والعلمية، ونظر إلى الإسلام بوصفه مهد العلوم الطبيعية والطب والفلسفة. ولكن الاتجاه الخرافي ظل حياً حتى القرن السابع عشر وما بعده
(19)..ولا يزال هذا الاتجاه للأسف حياً في العصر الحاضر في كتابات بعض المستشرقين عن الإسلام ونبيه .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:16 PM الثقافة العربية في قصر الإمبراطور
وبين حين وآخر كانت تظهر هناك بعض شخصيات أوروبية مستنيرة لها وزنها تتخذا إزاء الإسلام بعض المواقف الإيجابية . ومن بين هؤلاء القلائل الذين كانوا يتبنون إزاء الإسلام موقفاً أقرب إلى الاعتدال نجد فر يدريك الثاني حاكم صقلية الذي أصبح إمبراطوراً لألمانيا عام 1215م. وقد كان فر يدريك هذا يعرف العربية ويتشبه بالعرب في لباسهم وعاداتهم ويتحمس للفلسفة والعلوم العربية. وقد كانت هذه العلوم تدرس بشغف في قصره في ( بالرمو) وبذلك أصبحت في متناول اللاتينيين . وقد أهدى هذا الإمبراطور وابنه ( مانفرد ) إلى جامعات بولونيا وباريس ترجمات لكتب فلسفية مترجمة عن العربية. وفي عام 1224 م أسس الإمبراطور جامعة نابولي وجعل منها أكاديمية لإدخال العلوم العربية إلى العالم الغربي(20).
وقد كان نصيب هذا الإمبراطور أن طرده البابا جريجوري التاسع Gregory lX من الكنيسة عام 1239م . وقد كانت إحدى التهم التي وجهت إليه هي ما يبديه من مظاهر الود تجاه الإسلام(21).
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:19 PM الاستشراق والتنصير
إذا كان الاستشراق لا يقوم إلا على أساس معرفة اللغات الشرقية التي هي الوسيلة للتعرف على عقائد وحضارات الشرق فإن التنصير يتفق مع الاستشراق في هذا الصدد، ويحتم أيضاً معرفة لغات من يراد تنصيرهم، وقد كان هناك اقتناع تام لدى دعاة التنصير في القرن الثالث عشر بضرورة تعلم لغات المسلمين ، إذا أريد لمحاولات تنصير المسلمين أن تؤتى ثمارها بنجاح. وقد كان هذا الاقتناع ـ الذي ترجم فيما بعض إلى خطة عمل ـ عاملا هاماً بالنسبة لتطور الاستشراق. ولم يكن من السهل في ذلك الزمان فصل الاستشراق عن التنصير أو عن الدافع الديني بصفة عامة، فالدافع الديني كان هو السبب الأول في نشأة الاستشراق .
وقد كان من بين الدعاة المتحمسين الذين طالبوا بضرورة تعلم لغات المسلمين لغرض التنصير ( رو جر بيكون ) [ 1214 م ـ 1294 م ] الذي كان يرى أن التنصير هو الطريقة الوحيدة التي يمكن بها توسيع رقعة العالم المسيحي. ولبولغ هذا الغرض لا بد من شروط ثلاثة هي:
1- معرفة اللغات الضرورية.
2- دارسة أنواع الكفر وتمييز بعضها من بعضها الآخر .
3- دراسة الحجج المضادة حتى يمكن دحضها(22).
وقد شارك بيكون في أفكاره ( رايموند لول Raymond Lull ) [ 1235 ـ 1316م ] الذي ولد في جزيرة ميورقة الإسبانية وتعلم العربية على يد عبد عربي، وكانت له جهود كبيرة في إنشاء كراسي لتدريس اللغة العربية في أماكن مختلفة . وكان الهدف من كل هذه الجهود في ذلك العصر وفي العصور التالية هو التنصير، وهو إقناع المسلمين بلغتهم ببطلان الإسلام واجتذابهم إلى الدين النصراني(23).
وقد صادق مجمع ( فينا) الكنسي في عام 1312م على أفكار بيكون ولول بشأن تعلم اللغات الإسلامية، وتمت الموافقة على تعليم اللغة العربية في خمس جامعات أوروبية هي جامعات باريس، وأكسفورد ، وبولونيا، وسلمنكا، بالإضافة إلى جامعة المدينة البابوية ( Kurie ) . وقدر لرايموند لول أن يعيش حتى يشهد تحقيق حلم طالما نادى به ، وكان يعتقد أن الوقت بذلك قد حان لإخضاع المسلمين عن طريق التنصير، وبذلك تزول العقبة الكبيرة التيتقف في سبيل تحويل الإنسانية كلها إلى العقيدة الكاثوليكية
(24).وقد ساعد على تقدم الدراسات الاستشراقية في نهاية العصر الوسيط تلك الصلات السياسية والدبلوماسية مع الدولة العثمانية التي اتسعت رقعتها حينذاك . وكان للروابط الاقتصادية لكل من إسبانيا وإيطاليا مع كل من تركية وسورية ومصر أثر كبير في دفع حركة الدراسات الاستشراقية .
وفي القرن السادس عشر الميلادي وما بعده أدت النزعة الإنسانية في عصر النهضة الأوروبية إلى دراسات أكثر موضوعية من ذي قبل ، ومن ناحية أخرى شجعت البابوية الرومانية دراسات لغات الشرق من أجل مصلحة التنصير .
وفي عام 1539م تم إنشاء أول كرسي للغة العربية في الكوليج دي فرانس في باريس وشغل هذا الكرسي جيوم بوستل (Gguillaume Postel [ ت 1581 م] الذي يعد أول المستشرقين الحقيقين. وقد أسهم كثيراً في إثراء دراسة اللغات والشعوب الشرقية في أوروبا، وجمع في الوقت نفسه وهو في الشرق مجموعة هامة من المخطوطات . وقد سار على نهجه تلميذه ( جوزيف اسكاليجر Joseph Scaliger [ ت 1609 م ] .
ولكن عمل بوستل لم يكن أبداً منقطع الصلة بجهود التنصير. صحيح أنه يمتدح ثراء الآداب العربية وبوجه خاص في المؤلفات الطبية والفلكية ويقول :
( ليس هناك أحد يستطيع أن يرفض وسائل علاج الطب العربي، فابن سينا يقول في صفحة واحدة أو صفحتين أكثر مما يقوله جالينوس في خمسة أو ستة مجلدات كبيرة )
ولكن بوستل يذِّكر أيضاً بقرار مجمع ( فينا ) الكنسي الذي سبق أن أشرنا إليه . ويجمل قيمة معرفة اللغة العربية بقوله :
(.. إنها تفيد بوصفها لغة عالمية في التعامل مع المغاربة والمصريين والسوريين والفرس والأتراك والتتار والهنود، وتحتوي على أدب ثري ، ومن يجيدها يستطيع أن يطعن كل أعداء العقيدة النصرانية بسيف الكتاب المقدس، وأن ينقضهم بمعتقداتهم التي يعتقدونها . وعن طريق معرفة لغة واحدة ( العربية ) يستطيع المرء أن يتعامل مع العالم كله ) .
وقد كان يتباهى بأنه يستطيع عبور آسيا وبلوغ الصين دون مترجم(25). وفي عام 1586 م أصبح من السهل طباعة الكتب العربية في أوروبا عن طريق المطابع التي أقامها الكاردينال فريناند المديسي Ferdinand de Medici دوق تسكانيا الكبير Tuscany . وقدم تم حينذاك طباعة كتب عربية مختلفة من بينها مؤلفات ابن سينا في الطب والفلسفة (26).
وفي القرن السبع عشر بدأ المستشرقون في جمع المخطوطات الإسلامية، وأنشئت كراسي للغة العربية في أماكن مختلفة . ومما هو جدير بالذكر أن قرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة كامبردج عام 1636م قد نص صراحة على خدمة هدفين أحدهما تجاري والآخر تنصيري. فقد جاء في خطاب للمراجع الأكاديمية المسؤولة في جامعة كامبردج بتاريخ 9 مايو ( أيار) 1636م إلى مؤسس هذا الكرسي ما يأتي :
(ونحن ندرك أننا لا نهدف من هذا العمل إلى الاقتراب من الأدب الجيد بتعريض جانب كبير من المعرفة للنور بدلاً من احتباسه في نطاق هذه اللغة التي نسعى لتعلمها، ولكننا نهدف أيضاً إلى تقديم خدمة نافعة إلى الملك والدولة عن طريق تجارتنا مع الأقطار الشرقية، وإلى تمجيد الله بتوسيع حدود الكنيسة والدعوة إلى الديانة المسيحية بين هؤلاء الذين يعيشون الآن في الظلمات ) .
ومن هذا يتضح أنه قد كان هناك تجاوب متبادل بين الاستشراق والتنصير إن لم يكن هناك تماثل في القصد بين المستشرق الأكاديمي والمبشر الإنجيلي. ويمكن القول بأن التحالف بين الجانبين لا يزال مستمراً بشكل من الأشكال حتى العصر الحاضر(27) .
ومن بين الشخصيات التي كان لها أثر كبير في إرساء دعائم الدراسات العربية في أوروبا المستشرق ( توماس إربنيوس Thomas Erpenius ) [ 1584 ـ 1624م] الذي كان أول استاذ يشغل كرسي اللغة العربية في جامعة ليدن (1613م) . وقد استطاع عن طريق جهوده العلمية ومؤلفاته في النحو العربي أن يجعل لهولندا مكان الصدارة في الدراسات العربية في أوروبا لما يقرب من قرنين من الزمان .
أما موقفه من الإسلام فإنه على الرغم من أنه كان يرى أن القرآن يعد القمة من حيث اللغة إلا أنه لم يكن يرى فيه من حيث المضمون شيئاً أكثر من تقليد مضحك للكتاب المقدس. وكان رأيه في النبي صلى الله عليه وسلم وتعاليمه متفقاً تماماً مع ذلك النفور الذي كان سائداً حينذاك في الغرب إزاء النبي العربي صلى الله عليه وسلم وتعاليمه(28) .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:21 PM محاولات جادة نحو فهم الإسلام
وعلى الرغم من هذه الأهداف التنصيرية الواضحة والمعادية في طبيعتها للإسلام، فقد شهد نهاية القرن السابع عشر من ناحية أخرى اتجاهاً آخر مختلفاً استمر أيضاً في القرن الثامن عشر، وقد نظر هذا الاتجاه إلى الإسلام نظرة موضوعية محايدة فيها شيء من التعاطف مع الإسلام. وقد شجع على ذلك ظهور النزعة العقلية الجديدة التي بدأت تسود أوروبا حينذاك، والتي كانت في عمومها مخالفة للكنيسة .
وهكذا سنحت الفرصة أمام بعض العقلاء من الأوروبيين للوقوف في وجه الظلم والإجحاف الذي لقيه الإسلام في الغرب في القرون الوسطى، وظهرت بعض المؤلفات العامة المعتدلة عن الإسلام والحضارة الإسلامية، وحل محل الآراء التي تبناها اللاهوتيون حتى ذلك الوقت والتي تمثلت في وصف محمد صلى الله عليه وسلم بأنه شيطان ، وفي وصف القرآن الكريم بأنه مزيج من اللغو الباطل ـ حل محلها آراء أخرى أقل عنفاً وأقرب إلى الاعتدال والإنصاف للإسلام والمسلمين .
ومن بين الأمثلة على ذلك ( ريتشا رد سيمون (Richard Simon فقد تناول في كتابه ( التاريخ النقدي لعقائد وعادات أمم الشرق ) ـ 1684م عادات وعقائد المسلمين في وضوح واتزان مستنداً في عرضه لها على مرجع لأحد علماء المسلمين، مبدياً تقديره وإعجابه بالعادات الإسلامية. وقد اتهمه (أرنو Arnould ) بأنه كان في حديثه عن الإسلام موضوعياً أكثر من اللازم ، فنصحه سيمون بأن يتأمل التعاليم الأخلاقية الرائعة للأخلاقيين الإسلاميين .
وكان الفيلسوف بيير بايل Pierre Bayle من المعجبين بالتسامح الإسلامي ، وقد ظهر أثر ذلك في عرضه لحياة محمد صلى الله عليه وسلم في قاموسه التاريخي والنقدي الذي ظهرت طبعته الأولــى في روتردام عام 1697م.أما( سيمون أوكلي Simon Ockley) [ 1678 ـ 1720 م] فإن كتابه تاريخ السراسنة ( أي العرب المسلمين ) يعد نسبياً غير متحيز، وقد مجد في هذا الكتاب الشرق الإسلامي ورفعه فوق الغرب(29) .
وتعد هذه الأمثلة المشار إليها أمثلة رائدة في الاتجاه الجديد نحو الفهم الصحيح للإسلام. أما أول المحاولات العلمية الجادة للتعرف على الإسلام فقد كانت على يد ( هادريان ريلاند Hadrian Reland ) [ ت 1718 م] أستاذ اللغات الشرقية في جامعة أوترشت بهولاندا. فقد صدر كتاب باللغة اللاتينية عن الإسلام عام 1705م بعنوان ( الديانة المحمدية) في جزأين : عرض في أولهما العقيدة الإسلامية معتمداً على مصادر بالعربية واللاتينية . وفي الجزء الثاني قام بتصحيح الآراء الغربية التي كانت سائدة حينذاك عن تعاليم الإسلام. وقد أثار الكتاب اهتماماً عظيماً لدرجة أدت إلى إثارة الشبهات حول المؤلف بإتهامه بأنه يريد القيام بعمل دعائي للإسلام، في حين أنه لم يكن يقصد إلا الوصول إلى فهم الدين الإسلامي فهماً صحيحاً ممهداً بذلك السبيل إلى محاربته من جانب النصرانية بطريقة أفضل من ذي قبل.
ولكن الكنيسة الكاثوليكية أدرجت الكتاب في قائمة الكتب المحرم تداولها. وعلى الرغم من ذلك ترجم الكتاب إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والهولندية والإسبانية. ويشير ريلا ند في مقدمة الكتاب إلى ما تتعرض له كل الأديان باستمرار من جانب خصومها، إما بعدم فهمها أو برميها بكل سوء بطريقة تنبىء عن قصد خبيث. وقد تعرض الإسلام إلى مثل ذلك من جانب خصومه مثلما تعرضت الأديان الأخرى. ويقول ريلاند : ( إن المرء يصح له حقاً أن يبحث عن الحقيقة حيثما كانت ). ولهذا يريد أن يعرض الإسلام لا كما يظهر من خلال ضباب الجهل وخبث الناس ، وإنما كما يدرس حقيقة في مساجد المسلمين ومدارسهم. فلم يحدث أن تعرض دين من الأديان في هذا العالم في أي عصر من العصور إلى مثل ما تعرض له الإسلام من جانب خصومه من الاحتقار والتشويه والوصف بكل أوصاف السوء. وقد وصل الأمر إلى حد أن من يريد أن يصف نظرية من النظريات بوصف مشين، يصفها بأنها نظرية محمدية.. كما لو كان الأمر أنه لا يوجد في تعاليم محمد شيء صحيح، وأن كل ما فيها فاسد. وإذا أبدى أحد رغبة صادقة في التعرف على الإسلام لا تقدم له إلا الكتب المضادة الخبيثة والمليئة بالضلالات. ويضيف ريلا ند قائلاً :
( .. ينبغي على المرء بدلاً من ذلك أن يتعلم اللغة العربية وأن يسمع محمداً نفسه وهو يتحدث في لغته، كما ينبغي على المرء أن يقتني الكتب العربية وأن يرى بعينيه هو وليس بعيون الآخرين، وحينئذ سيتضح له أن المسلمين ليسوا مجانين كما نظن. فقد أعطى الله العقل لكل الناس. وقد كان في رأيي دائماً أن ذلك الدين الذي انتشر انتشاراً بعيداً في آسيا وأفريقيا، وفي أوروبا أيضاً ليس ديناً ماجناً أو ديناً سخيفاً كما يتخيل كثير من المسيحيين ) .
وبعد ذلك يقول ريلا ند :
(.. صحيح أن الدين الإسلامي دين أسيىء جداً وضار بالمسيحية إلى حد بعيد . ولكن، أليس من حق المرء لهذا السبب أن يبحثه ؟ ألا ينبغي للمرء أن يكتشف أعماق الشيطان وحيله إن الأحرى هو أن يسعى المرء للتعرف على الإسلام في حقيقته لكي يحاربه ؟ بطريقة أكثر أماناً وأشد قوة )(30) .
ونعتقد أن عبارات ريلاند الأخيرة هذه لم تنجه من بطش الكنيسه التي لم تقتنع بهذه المبررات، فحرمت تداول الكتاب لأنها لم تكن تريد للحقيقة أن ترى النور حتى يطلع عليها جمهور الناس .
وقد شهد القرن الثامن عشر أيضاً أنموذجاً آخر رائداً في عالم الاستشراق الألماني ممثلاً في ( يوهان ج . رايسكه J0J Reiske ) [ 1716 ـ 1774 م ] الذي كان واحداً من عباقرة علماء العربية في عصره، وأول مستشرق ألماني جدير بالذكر، وإليه يرجع الفضل في إيجاد مكان بارز للدراسات العربية في ألمانيا. ولكن عصره ومعاصريه تجاهلوه وحاربه رجال اللاهوت متهمينه بالزندقة، ولعل ذلك يرجع إلى موقفه الإيجابي من الإسلام .. فقد امتدح الدين الإسلامي في كتاب له باللاتينية، ورفض وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالكذب أو التضليل، أو وصف دينه بأنه خرافات مضحكةـ كما كان ذلك سائداً حينذاك ـ ، كما رفض تقسيم تاريخ العالم إلى تاريخ مقدس وتاريخ غير مقدس، ووضع العالم الإسلامي في قلب التاريخ العالمي. وفوق ذلك عبر عن آرائه بأعظم قدر من الصراحة، غير مكترث بكل العواقب المترتبة على ذلك. وقد جر عليه ذلك ويلات كثيرة ، وعاش طول حياته في ضائقة مالية، ومات بائساً مسلولاً وهو في الثامنة والخمسين من عمره .
وقد قال عنه ( فوك ) :
( لقد أصبح شهيد الأدب العربي، وصارت حياته تاريخاً لتلك الآلام التي سجلها في مذكراته .. وقد كان من المخجل أن أحداً من الرجال البارزين ( في عصره ) لم يعرف الأهمية الفائقة لهذا الرجل العبقري الذي كان واحداً من أعظم علماء العربية(31) .
ولكن هذه الأمثلة من المحاولات الجادة في التعرف على الإسلام عن قرب وبلا أحكام سابقة لم تستطع أن ترسخ في الفكر الأوروبي تياراً عاماً، ولم تستطع بالتالي أن تقضي تماماً على الصورة المشوهة للإسلام في أذهان الأوروبيين بصفة عامة ، تلك الصورة التي رسختها القرون الوسطى في الأذهان والتي لا تزال آثارها عالقة بالعقول حتى اليوم. فقد بقيت الصورة في إطارها العام على مر العصور كما هي، وإن حدث فيها بين الحين والحين ـ بفضل بعض الظروفـ بعض التعديل في الظلال والألوان ( والرتوش ) الخفيفة. والدليل على ذلك هو أن صورة الإسلام في أذهان الأوروبيين لا تزال حتى اليوم صورة مشوهة بعيدة عن الحقيقة .
ولسنا ننكر أن الاستشراق في ذلك العصر بدأ يتخفف من أثقال اللاهوت وأن حدة الاتهامات ضد الإسلام قد خفت عن ذي قبل، كما أعيد النظر في الاتهامات السابقة، ولكن الانفتاح الفكري كان في محصلته النهائية محدود الأثر، وإن كان من وجهة نظر مكسيم رودنسون يمثل تحولاً كبيراً. وفي هذا الصدد يقول :
( .. والواقع أن القرن الثامن عشر كان ينظر إلى الشرق الإسلامي نظرة أخوية متفهمة. وقد مكنت الفكرة القائلة بتساوي المواهب لدى جميع الناس ـ والتي ساعد على انتشارها تفاؤل يفيض بالحيوية كان هو الدين الحقيقي لذلك العصرـ مكنت الناس من القيام بدراسة نقدية للتهم التي وجهتها العصور السابقة إلى العالم الإسلامي.. ففي عصر التنوير أصبح المسلمون يعتبرون أناساً مثل غيرهم، وكثير منهم كانوا يفضلون على الأوروبيين )
(32) .
وإذا سلمنا بما يقوله رودنسون في هذا الصدد فإنه هو نفسه لا ينكر أن تلك النظرة التي يتحدث عنها تحولت فيما بعد إلى نظرة أسوأ من ذي قبل، وفي ذلك يقول :
( وفي القرن التاسع عشر كان الشرق الإسلامي لا يزال عدواً ولكنه عدو محكوم عليه بالهزيمة، وكانت البلاد الشرقية أشبه بالشهود المنهارين لماض عريق .
فقد كان المرء يستطيع أن يستمتع بترف امتداحهم في الوقت الذي فيه السياسيون ورجال الأعمال يفعلون كل ما في وسعهم للإسراع في انهيارهم. ولم يكن إمكان صحوهم ولحاقهم بالعصر الحديث يثير أية حماسة، بل إنهم يفقدون في خلال عملية تحديثهم نكهة الغرابة التي كانت مبعث سحرهم )(33).
وقد أدى ذلك إلى تغيير في نظرة الغربي إلى الشرقي، إذ أصبح الشرقي في نظر الغربي في القرن التاسع عشر ـ كما يقول رودنسون أيضاًـ :
(.. مخلوقاً مختلفاً بعد أن كان في ظل أيديولوجية الثورة الفرنسية إنساناً قبل كل شيء أصبح الآن سجين خصوصيته وموضوعاً للثناء الذي يمن به عليه بعضهم)(34).
وهكذا بعد أن كانت النظرة الأوروبيةـ التي كانت توجهها الأيديولوجية العالمية للعصرـ تحترم غير الأوربيين وتحترم ثقافاتهم، أصبحت الآن _ في القرن التاسع عشر ـ نظرة متعالية متغطرسة، وظهرت نظريات تقسم الشعوب إلى أجناس راقية وأجناس مختلفة، فالأولى شعوب آرية والثانية شعوب سامية، وانبرى(رينان) ومن سار على نهجه من المستشرقين والمفكرين الأوروبيين لبيان ما يزعمونه من خصائص للآريين صناع الحضارة وحملة الإبداع الخلاق، والساميين السطحيين في تفكيرهم وفلسفاتهم(35) .
ونكتفي الآن بهذا القدر من الاستطراد حول هذه النقطة لنستكمل الحديث عن تطور الاستشراق في العصر الحديث. ولنا عودة للحديث مرة أخرى عن النظرة الغربية للشرق الإسلامي عند الحديث عن صلة الاستشراق بالاستعمار .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:22 PM عصر ازدهار الاستشراق
يعد القرن التاسع عشر والقرن العشرين عصر الازدهار الحقيقي للحركة الاستشراقية. ففي نهاية القرن الثامن عشر، وبالتحديد في شهر مارس ( آذار ) من 1795 م قامت الحكومة الثورية في باريس بإنشاء مدرسة اللغات الشرقية الحية. وقد كان التركيز فيها على وجه الخصوص على عنصر الفائدة العملية ، بالإضافة إلى ما يمكن أن تســهم به اللغات الشرقية في تقدم الأدب والعل(36). وبدأت حركة الاستشراق في فرنسا تتجه نحو اتخاذ طابع علمي على يد ( سلفستر دي ساسي Silvestre de Sacy ) [ ت 1838م] الذي أصبح إمام المستشرقين في عصره، وإليه يرجع الفضل في جعل باريس مركزاً للدراسات العربية وكعبة يؤمها التلاميذ والعلماء من مختلف البلاد الأوروبية ليتعلموا على يديه(37) .
وكانت أغلب جهود ( دي ساسي ) العلمية منصبة على الدراسات العربية في النحو والأدب شعراً ونثراً، وليست له دراسات حول الإسلام، وقد أصبحت مدرسة اللغات الشرقية الحية في عهده تعد الأنموذج لمؤسسة الاستشراق العلمي والعلماني وخاصة بعد أن كان قد تم في القرن الثامن عشر انفصال الاستشراق عن اللاهوت في كل من فرنسا وإنجلترا .
أما البلاد التي كانت تسود فيها اللغة الألمانية فقد كانت الجامعات فيها لا تزال حتى ذلك الوقت تحت سيطرة علماء اللاهوت . ولهذا السبب ظهر الاستشراق العلماني في ألمانيا والنمسا في بداية الأمر على يد هواة كان أبرزهم العالم النمساوي ( جو زيف فون هامر برجشتال Hammer -Purgstall J.v.)[ ت 1856م] .
وهكذا يمكن القول ـ كما يقول بارت ـ بأن الاستشراق قد تشكل كعلم في القرن التاسع عشر، وذلك :
(عندما تأكد استعداد الناس للانصراف عن الآراء المسبقة وعن كل لون من ألوان الانعكاس الذاتي، وللاعتراف لعالم الشرق بكيانه الخاص الذي تحكمه نظمه الخاصة، وعندما اجتهدوا في نقل صورة موضوعية له ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً )(38) .
ومن ذلك يتضح أنه بتخليص الاستشراق من سيطرة اللاهوت أصبح علماً قائماً بنفسه هدفه دراسة اللغات الشرقية وآدابها، وبرزت هناك نزعة علمية تتجه إلى دراسة الآداب والعقائد الشرقية لذاتها مستهدفة المعرفة وحدها(39). أما مدى نجاح هذه النزعة في التحرر نهائياً من التعصب الديني فهذه مسألة أخرى سنقف على حقيقتها في الفصل الثاني إن شاء الله .
أما متى بدأ هذا الاتجاه الجديد على وجه التحديد فإن هذا أمر لا يمكن القطع فيه برأي على وجه الدقة، وإن كان يمكن اعتبار منتصف القرن التاسع عشر بداية لظهور تلك الصفة العلمية ـ كما يقول بارت :
( فإذا وضعنا بقصد التبسيط منتصف القرن التاسع عشر فإننا نعني بهذا فقط أن الصفة العلمية بالمعنى الحديث ظهرت في هذا الوقت على الاستشراق بوضوح أكثر من ذي قبل. ولكن النية المتجهة إلى فهم الموضوعات فهماً موضوعياً، كانت موجودة قبل ذلك بكثير وجوداً يمكن إثباته بالأدلة والشواهد، وكانت أوضح ما تكون في مجال الدراسات اللغوية ودراسات اللغة العربية خاصة .. وهذا هو السبب الذي يظل من أجله المستشرقون العاملون في الصعيد اللغوي، بمنأى عن هجوم الرأي العام العربي الإسلامي في أيامنا هذه، بينما يتهم المستشرقون العاملون في صعيد الدراسات الإسلامية بسوء النية في أحوال ليست بالنادرة)(40).
وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت الدراسات الإسلامية تخصصاً قائماً بذاته داخل الحركة الاستشراقية العامة. كان كثير من علماء الإسلاميات والعربية في ذلك الوقت ـ مثل: نولدكه، وجولد تسيهر ، وفلهاوزن ـ مشهورين في الوقت نفسه بوصفهم علماء في الساميات على وجه العموم أو متخصصين في الدراسات العبرية أو في دراسة الكتاب المقدس(41).
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:23 PM من مظاهر النشاط الاستشراقي
بدأ المستشرقون في النصف الأول من القرن التاسع عشر في مختلف بلدان أوروبا وأمريكا بإنشاء جمعيات لمتابعة الدراسات الاستشراقية. فقد تأسست أولاً الجمعية الآسيوية في باريس عام 1822م ثم الجمعية الملكية الآسيوية في بريطانيا وإيرلندا عام 1823م، والجمعية الشرقية الأمريكية عام 1842م، والجمعية الشرقية الألمانية عام 1845م(42).
وسرعان ما نشطت هذه الجمعيات في إصدار المجلات والمطبوعات المختلفة. وقد كان ( هامر برجشتال) قد أصدر أول مجلة استشراقية متخصصة في أوروبا وهي مجلة ( ينابيع الشرق ) التي صدرت في فيينا من عام 1809م إلى عام 1818م .
وفي عام 1895م ظهرت في باريس مجلة تمنح اهتمامهاً بصفة خاصة للعالم الإسلامي وهي مجلة الإسلام، وقد خلفتها في عام 1906م مجلة العالم الإسلامي التي صدرت عن البعثة العلمية الفرنسية في المغرب، وقد تحولت بعد ذلك إلى مجلة الدراسات الإسلامية.
وفي عام 1910 م ظهرت مجلة الإسلام الألمانية Der Islam ، وفي بطرسبرج بـ ( روسيا ) ظهرت مجلة عالم الإسلام Mir Islama عام 1912م ولكنها لم تعمر إلا وقتاً قصيراً. وفي بريطانيا ظهرت مجلة العالم الإسلامي عام 1911م على يد صمويل زويمر [ت 1952م] الذي كان رئيس المبشرين في الشرق الأوسط(43) .
وللمستشرقين اليوم في المجلات والدوريات عدد هائل يزيد على ثلاثمائة مجلة متنوعة بمختلف اللغات(44).
وقد شهد القرن التاسع عشر أيضاً بداية المؤتمرات الدولية للمستشرقين. وقد أتاحت هذه المؤتمرات للمستشرقين في كل مكان الفرصة لزيادة التنسيق وتوثيق أواصر التعاون، والتعرف بصورة مباشرة على أعمال بعضهم بعضاً، وتجنب ازدواج العمل حرصاً على تجميع الجهود وعدم تبديدها في أعمال مكررة.
وقد تم عقد أول مؤتمر دولي للمستشرقين في باريس في عام 1873، وتعقد هذه المؤتمرات منذ ذلك الحين بصفة منتظمة. وقد بلغ عددها حتى الآن أكثر من ثلاثين مؤتمراً. وهذا عدا المؤتمرات والندوات واللقاءات الإقليمية التي يرجع بعضها إلى تاريخ أقدم من تاريخ أول المؤتمرات الدولية. فقد عقد أول مؤتمر للمستشرقين الألمان في مدينة درسدن بألمانيا في عام 1849م. ولا تزال مثل هذه المؤتمرات تعقد بانتظام حتى اليوم(45) .
وتضم المؤتمرات الدولية للمستشرقين مئات العلماء. فمثلاً مؤتمر أكسفورد كان يضم تسعمائة عالم من خمس وعشرين دولة، وخمس وثمانين جامعة، وتسع وستين جمعية علمية. ومجموعات العمل في كل مؤتمر تبلغ أربع عشرة مجموعة تختص كل منها ببحث مجال معين من الدراسات الاستشراقية. وتنشر بحوث هذه المؤتمرات في مجلدات ( للاهتداء بها كنظم ومناهج ووسائل، ثم أصبحت ـ مع دراسات مؤتمرهـــم الموضوعية والإقليمية ـ أصولاً وأمهات وأسانيد للباحثين )(46) .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:25 PM الاستشراق والاستعمار
لقد كان للمد الاستعماري في العالم الإسلامي دور كبير في تحديد طبيعة النظرة الأوروبية إلى الشرق وخصوصاً بعد منتصف القرن التاسع عشر. وقد أفاد الاستعمار من التراث الاستشراقي، ومن ناحية أخرى كان للسيطرة الغربية على الشرق دورها في تعزيز موقف الاستشراق، وتواكبت مرحلة التقدم الضخم في مؤسسات الاستشراق وفي مضمونه مع مرحلة التوسع الأوروبي في الشرق( .
وقد شهد القرن التاسع عشر استيلاء المستعمرين الغربيين على مناطق شاسعة من العالم الإسلامي .
ففي عام 1857 م تم استيلاء الإنجليز سياسياً على الهند، وأصبحت الهند بذلك تابعة للتاج البريطاني رسمياً، بعد أن كانت حتى ذلك الحين واقعة تحت نفوذ شركة الهند الشرقية منذ القرن السابع عشر وفي عام 1857م أيضاً تم استيلاء فرنسا على الجزائر كلها بعد كان الفرنسيون قد بدؤوا غزوها عام 1830م . كما احتلت هولندا قبل ذلك ـ في بداية القرن السابع عشر ـ جزر الهند الشرقية (إندونيسيا) عن طريق شركة الهند الهولندية . وبعد عام 1881م تم احتلال مصر وتونس. وظل الاستعمار يقوم بتقطيع أوصال البلاد الإسلامية شيئاً فشيئاً ويضعها تحت سيادته حتى استطاع في النهاية أن يطوق العالم الإسلامي من الشرق والغرب. وبعد الحرب العالمية الأولى كان العالم الإسلامي كله تقريباُ خاضعاً لنفوذ الاستعمار الغربي(48) .
وقد استطاع الاستعمار أن يجند طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين. وهكذا نشأت هناك رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار، عدد من المستشرقين ارتضوا لأنفسهم أن يكون علمهم وسيلة لإذلال المسلمين وإضعاف شأن الإسلام وقيمه ـ وهذا عمل يشعر إزاءه المستشرقون المنصفون بالخجل والمرارة. وفي ذلك يقول المستشرق الألماني المعاصر ( استفان فيلد Stephan Wild ) :
( والأقبح من ذلك أنه توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين. وهذا واقع مؤلم لا بد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة ) (49) .
ومن بين الأمثلة العديدة لارتباط الاسشراق بالاستعمار نذكر المستشرق ( كارل هينر يش بيكر Karl Heinrich Becker ) [ ت 1933م] مؤسس ( مجلة الإسلام ) الألمانية الذي قام بدراسات تخدم الأهداف الاستعمارية الألمانية في أفريقيا . فقد حصل الرايخ الألماني في عام 1885 ـ 1886 م على مستعمرات في أفريقيا تضم مناطق بعض سكانها من المسلمين، وظلت تلك المناطق تحت السيادة الألمانية حتى عام 1918م . وقد أدى ذلك إلى تأسيس معهد اللغات الشرقية في برلين عام 1887م وهو معهد كانت مهمته تتلخص في الحصول على معلومات عن البلدان الشرقية الحالية وبلدان الشرق الأقصى وعن شعوب هذه البلدان وثقافتها(50) .
وفي هذا يقول المستشرق الألماني ( أوليريش هارمان Ulrich Harmann:
( كانت الدرسات الألمانية حول العالم الإسلامي قبل عام 1919م أقل براءة وصفاء نّية. فقد كان كرل هينريش بيكر ـ وهو من كبار مستشرقينا ـ منغمساً في النشاطات السياسية، حتى إنه أصبح في 1930 م شديد الحماس لمخطط استخدام الإسلام في أفريقيا والهند كدرع سياسية في وجه البريطانيين ) (51) .
أما ( بار تولد Barthold ) [ ت 1930 م ] مؤسس مجلة ( عالم الإسلام ) الروسية Mir Islama فقد تم تكليفه عن طريق الحكومة الروسية بالقيام ببحوث تخدم مصالح السيادة الروسية في آسيا الوسطى .
أما عالم الإسلاميات الهولندي الشهير( سنوك هورجر ونيه) [ ت 1936م] فإنه في سبيل استعداده للعمل في خدمة الاستعمار توجه إلى مكة في عام 1885م بعد أن انتحل اسماً إسلامياً هــو ( عبد الغفار)، وأقام هناك ما يقـرب من نصف عام . وقد ساعده على ذلك أن كان يجيد العربية كأحد أبنائها. وقد لعب هذا المستشرق دوراً هاماً في تشكيل السياسة الثقافية والاستعمارية في المناطق الهولندية في الهند الشرقية، وشغل مناصب قيادية في السلطة الاستعمارية الهولندية في إندونيسيا(52) .
وفي فرنسا كان هناك عدد من المستشرقين يعملون مستشارين لوزارة المستعمرات الفرنسية في شؤون شمال أفريقيا. وعلى سبيل المثال كان المستشرق الكبير ( دي ساسي ) اعتباراً من 1805م يشغل منصب المستشرق المقيم في وزارة الخارجية الفرنسية. وعندما غزا الفرنسيون الجزائر عام 1830م كان ( دي ساسي ) هو الذي ترجم البيان الموجه للجزائرين، وكان يستشار بانتظام في جميع المسائل المتعلقة بالشرق من قبل وزير الخارجية، وفي حالات معينة من قبل وزير الحربية أيضاً. وإلى عهد قريب كان ( ماسينيون ) مستشاراً للإدارة الاستعمارية الفرنسية في الشؤون الإسلامية(53) .
ويكشف المستشرق الفرنسي ( هانوتو ) [ ت 1944م] ـ في مقال له بعنوان: ( قد أصبحنا اليوم إزاء الإسلام والمسألة الإسلامية ) ـ يكشف بوضوح عن مقترحاته لتوجيه سياسة فرنسا في مستعمراتها الأفريقية الإسلامية، وما تهدف إليه هذه المقترحات من إضعاف المسلمين في عقيدتهـم حتى يسهل قيادهم(54) .
أما المصلحة البريطانية في العالم الإسلامي، فقد كان الدافع إليها بطبيعة الحال هو ممارسة السيادة البريطانية في الهند وغيرها من البلاد الإسلامية التي استولت عليها.وقد كان(اللورد كير زن Cuzok ) في أوائل القرن الحالي من أشد المتحمسين في إنجلترا لفترة إنشاء مدرســـة للدراسات الشرقية باعتبار أنها تعد( جزءاً ضرورياً من تأثيث الإمبراطورية )، وتساعد على الاحتفاظ بالموقع الذي نالته بريطانيا في الشرق. وقد تحولت المدرسة المذكورة فيما بعد إلى مدرسة جامعة لندن للدراسات الشرقية والإفريقية .
وقد كانت الحكومة البريطانيةـ من أجل تحقيق أهدافها الاستعمارية ـ ترسم سياستها في مستعمراتها في الشرق بعد التنسيق والتشاور مع فريق من المستشرقين الذين يقدمون لها الدراسات المطلوبة . يقول الدكتور إبراهيم اللبان رحمه الله :
(.. والوقع أن رجال السياسة في الغرب على صلة وثيقة بأساتذة هــذه الكليات ( كليات اللغات الشرقية في أوروبا ) وإلى آرائهم يرجعون قبل أن يتخذوا القرارات الهامة في الشؤون السياسية الخاصة بالأمم العربية والإسلامية. وقد سمعت أحد كبار المستشرقين يتحدث أمامي فيذكر أن مستر ( إيدن ) كان قبل أن يضع قراراً سياسياً في شؤون الشرق الأوسط يجمع المستشرقين المستعربين، ويستمع إلى آرائهم ، ثم يقرر ما يقرر في ضوء ما يسمعه منهم، هذا إلى أن بعضهم كان يؤسس صلات صداقة بالبارزين من رجال الأمة العربية ويتخذ من هذه الصلات ستاراً يقوم من ورائه بأعمال التجسس في أثناء الحرب )(57) .
والاستعمار في حقيقة أمره هو امتداد للحروب الصليبية التي كانت في ظاهرها حروباً دينية، وفي باطنها حروباً استعمارية. وقد كانت العودة إلى احتلال بلاد العرب وبلاد الإســــلام حلماً ظل يراود الغربيين منذ هزيمة الصليبيين (فاتجهوا إلى دراسة هذه البلاد في كل شؤونها من عقيدة وعادات وأخلاق وثروات ليتعرفوا على مواطن القوة فيها فيضعفوها وإلى موطن الضعف فيغتنموه)(58) .
ولم تكن علاقة الاستشراق بالاستعمار ـ كما يظن ـ هي مجرد إضفاء طابع التبرير العقلي على المبدأ الاستعماري ، بل كان الأمر ـ كما يقوله إدوارد سعيد أيضاً ـ أبعد من ذلك وأعمق، فالتبرير الاستشراقي للسيادة الاستعمارية قد تم قبل حدوث السيطرة الاستعمارية على الشرق، وليس بعد حدوثها . فقد كان التراث الاستشراقي بمثابة دليل للاستعمار في شعاب الشرق وأوديته من أجل فرض السيطرة على الشرق وإخضاع شعوبه وإذلالها.
(فالمعرفة بالأجناس المحكومة أو الشرقيين هي التي تجعل حكمهم سهلاً ومجدياً. فالمعرفة تمنح القوة، ومزيد من القوة يتطلب مزيداً من المعرفة ) فهناك باستمرار حركة جدلية بين المعلومات والسيطرة المتنامية(59) .
وهكذا اتجه الاستشراق المتعاون مع الاستعمار ـ بعد الاستيلاء العسكري والسياسي على بلاد المسلمين ـ إلى إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية في نفوس المسلمين وتشكيك المسلمين في معتقداتهم وتراثهم، حتى يتم للاستعمار في النهاية إخضاعاً تاماً للحضارة والثقافة الغربية .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:26 PM اليهود والاستشراق
لقد اتضح لنا مما تقدم أنه قد كانت هناك أسباب معينة على مر العصور دفعت بالباحثين الغربيين النصارى إلى الاستشراق، وحملتهم على تحقيق أهداف معينة رسموها لأنفسهم سواء أكانت هذه الأهداف أهدافاً علمية أم غير علمية. وهنا يمكن لسائل أن يسأل :
ما هي الأسباب التي دفعت بعض اليهود إلى الإقبال على الاستشراق .. وما الدور الذي قاموا به في إطار الحركة الاستشراقية ؟ .
والإجابة على هذا السؤال ليست سهلة، فمن الصعب الحصول على إجابة صريحة في هذا الصدد، وذلك لأن المراجع التي تتحدث عن الاستشراق وتطوره قد أغفلت الحديث عن هذا الجانب. ونعتقد أن سبب إغفال الحديث عن هذا الموضوع يرجع إلى أن المستشرقين اليهود قد استطاعوا أن يكيفوا أنفسهم ليصبحوا عنصراً أساسياً في إطار الحركة الاستشراقية الأوروبية النصرانية. فقد دخلوا الميدان بوصفهم الأوروبي لا بوصفهم اليهودي . وقد استطاع ( جولد تسيهر) في عصره ـ وهو يهودي مجري ـ أن يصبح زعيم علماء الإسلاميات في أوروبا بلا منازع، ولا تزال كتبه حتى اليوم تحظى بالتقدير العظيم والاحترام الفائق من كل فئات المستشرقين .
وهكذا لم يرد اليهود أن يعملوا داخل الحركة الاستشراقية بوصفهم مستشرقين يهود حتى لا يعزلوا أنفسهم وبالتالي يقل تأثيرهم. ولهذا عملوا بوصفهم مستشرقين أوروبيين، وبذلك كسبوا مرتين: كسبوا أولاً فرض أنفسهم على الحركة الاستشراقية كلها، وكسبوا ثانياً تحقيق أهدافهم في النيل من الإسلام، وهي أهداف تلتقي مع أهداف غالبية المستشرقين النصارى.
ويشير الأستاذ الدكتور محمد البهي رحمه الله في كتابه(الفكر الإسلامي الحديث) إلى ملاحظة لبعض الباحثين حول تفسير إقبال اليهود على الاستشراق . وتتلخص هذه الملاحظة في أنهم أقبلوا على الاستشراق لأسباب دينية وسياسية. أما الأسباب الدينية فإنها تتمثل في محاولة إضعاف الإسلام والتشكيك في قيمه بإثبات فضل اليهودية عليه، وذلك بإدعاء أن اليهودية في نظرهم هي مصدر الإسلام الأول. أما الأسباب السياسية فإنها تتصل بخدمة الصهيونية فكرة أولاً ثم دولة ثانياً .
ويرى الدكتور البهي أن وجهة النظر هذه على الرغم من أنها لا تعتمد على مصدر مكتوب يؤيدها، فإن الظروف العامة والظاهرة المترادفة في كتابات هؤلاء المستشرقين تعزز وجهة النظر هذه وتضفي عليها بعض خصائص الاستنتاج العلمي(58) .
ونحن في الواقع لسنا في حاجة إلى دليل لإثبات كراهية اليهود للإسلام ، وذلك لأن هذه الكراهية قد ظهرت واضحة كالشمس منذ ظهور الإسلام . وقد أكد القرآن ذلك في قوله تعالى :
(لتجدنَّ أَشدَّ الناسِ عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ..) (المائدة : 82) .
وقد ظل اليهود طوال تاريخهم يتحينون كل فرصة متاحة ليكيدوا للإسلام والمسلمين. وقد وجدوا في مجال الاستشراق باباً ينفثون منه سمومهم ضد الإسلام والمسلمين، فدخلوا هذا المجال مستخفين تحت رداء العلم، كما وجدوا في الصهيونية باباً آخر يفرضون منه سيطرتهم على العرب والمسلمين.
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:27 PM مستقبل الاستشراق
وفي ختام هذا الفصل تبرز أمامنا بعض الأسئلة الملحة حول مستقبل الاستشراق: هل لا يزال الاستشراق يعيش الآن عصر ازدهاره، أم أن نجمه بدأ يأفل وتأثيره بدأ يقل ونشاطه بدأ يتضاءل.. وخاصة بعد أن انحسر المد الاستعماري عن العالم الإسلامي؟ أين يقف الاستشراق الآن في العصر الحاضر؟
ما موقف الحكومات الأوروبية اليوم من دعم النشاط الاستشراقي ؟ إن طرح هذه الأسئلة له ما يبرره. فهناك بالفعل وجهات نظر تتحدث عن نهاية الاستشراق .
وهناك من ناحية أخرى انتقادات واتهامات كثيرة موجهة إلى الاستشراق من جهات عديدة، وإن اختلفت منطلقات هذه الانتقادات ، فمثلاً يقول أحد الساسة الألمان :
( لقد آن الأوان كي يبتعد المستشرقون باهتماماتهم عن اللهجات العربية، ويعدوا أنفسهم لتقبل الدور الجديد كطاقة فاعلة في خدمة العلوم الاجتماعية، وكاحتياطيين للقيام بمهمة الترجمة والشرح في ميادين العمل المختلفة ).
والمستشرقون وإن كانوا يرفضون دورهم إلى هذا المستوى فإنهم يعترفون في الوقت نفسه بالقصور في جوانب مختلفة هي أيضاً مثار انتقادات عنيفة. ويجمل ( أوليريشن هارمان) هذه الانتقادات فيقول:
( لقد اتهمنا بأننا متخلفون واقل تطوراً وتقدماً في أساليبنا، لا ننفعل حيال التحديات الجديدة. واتهمنا كذلك بأننا وصفيون نقليون ولسنا تحليليين ، وإذا كنا نقدر أنفسنا حق التقدير، فما علينا سوى الاعتراف بأن هذا النقد صحيح إلى حد بعيد )(59) .
ولكن أهم ما يؤخذ على الاستشراق من وجهة النظر الإسلامية هو تمسك المستشرقين بالأساليب الاستشراقية البالية في فهم الإسلام وتناوله، والروح العدائية التي تحملها دراساتهم حول الإسلام، تلك الروح التي لا تزال مسيطرة على غالبية علماء الإسلاميات من المستشرقين ـ وسنتعرف على بعض النماذج من دراساتهم الإسلامية في الفصل الثاني من هذا الكتاب ـ وهذه الروح العدائية هي العقبة الكأداء التي تجعل العربي المسلم يقف من الاستشراق موقف الحذر المتشكك، بل موقف الرافض للاستشراق . فهل لدى المستشرقين استعداد لتطوير أساليبهم البالية فـي دراسة الإسلام والالتزام بالحيدة والموضوعية والنزاهة العلمية ؟ .
إن هناك بعض المؤشرات نحو الاقتراب من الاعتدال والاتزان في معالجة بعض المسائل الإسلامية لدى بعض المستشرقين المعاصرين من أمثال : مكسيم رودنسون، وجاك بيرك، وأنا ماري شمل، على سبيل المثال لا الحصر، وهو اتجاه نقدره ونرجو أن يصبح في النهاية تياراً عاماً، وعندئذ يمكن أن يسهم في دعم روح التفاهم والقضاء على الروح العدائية الني استمرت قروناً عديدة .
أما الحديث عن قرب نهاية الاستشراق فلست أظن أن مثل هذه النهاية وشيكة الحدوث. فالمسألة ليست بهذه البساطة، ولا يمكن القول بأن الحركة الاستشراقية بدأت تنحسر وأنها تعيش آخر أيامها. فالحركة لا تزال متماسكة وقوية ومنظمة، ولا تزال جمعيات المستشرقين ومؤتمراتهم المختلفة تمارس نشاطها ، ومعاهد الاستشراق منتشرة اليوم في أغلب الجامعات الأوروبية والأمريكية. هذا فضلاً عن تغلغل المصالح الغربية في بلدان العالم الإسلامي، وخاصة في بلاد الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل هذه المصالح تساند الحركة الاستشراقية التي تقدم بدورها للجهات المعنية في الغرب الدراسات المختلفة عن بلدان العالم الإسلامي. وبالإضافة إلى ذلك كله فإن مجالات التخصص لدى المستشرقين قد تعددت وهذا يعني إثراء الدراسات الاستشراقية لا القضاء عليها .
ولكن الشيء المهدد بالزوال ـ كما يقول رودنسون ـ هو سيطرة الدراسات الفيلولوجية ( فقه اللغة). فقد كان هناك اتجاه سائد في الحركة الاستشراقية لفترة تزيد على قرن من الزمان يركز على التدريب الفيلولوجي بوصفه كافياً لحل جميع المشاكل الناشئة ضمن ميدان لغوي محدد .
وهناك دلائل تشير إلى التخلي عن هذا الاعتقاد، وذلك نظراً للزيادة الكبيرة في المعلومات المتوفرة، بالإضافة إلى تعدد أدوات البحث وتقدم طرق الدراسة، الأمر الذي أصبح يمكن الباحث من تجاوز المرحلة الفيلولوجية أو على الأقل يخصص لها وقتاً أقل من ذي قبل . فقد كشف التقدم في العلوم الاجتماعية ( عن مدى تعقيد المشاكل التي لا يمكن حلها بالالتجاء إلى الفهم العادي السليم وحده، وبالمعرفة العميقة باللغة، بل ربما أيضاً لا يمكن حلها عن طريق استلهام مبادئ فلسفية عامة. لذا فقد أصبحت الدراسات الشرقية وبصورة خاصة الدراسات الإسلامية أكثر صعوبة وأقل خصوصية ، واصبح الربط بينها وبين العلوم الأخرى ـ الذي كان ترفاً فيما مضى ـ حاجة لا مفر منها الآن ) (60) .
ويعني رودنسون بالعلوم الأخرى هنا، علوم الاجتماع والسياسة والاقتصاد والانثربولوجيا والسكان الخ .
ومما هو جدير بالذكر في هذا المقام أنه قد عقدت ندوة عن علم الاجتماع الإسلامي في بر وكسل عام 1961م. وهذا أمر يبين لنا بداية انفتاح مجالات جديدة أمام الدراسات الاستشراقية كانت مهمله تماماً في السابق .
وهكذا يمكن القول بأن انحسار المد الاستعماري العسكري عن العالم الإسلامي لا يعني بالتالي القضاء على الحركة الاستشراقية. فالاستعمار العسكري كان مرحلة ارتبطت بها من غير شك جهود طائفة من المستشرقين . ولكن هناك طائفة أخرى لم ترتبط بالاستعمار، وليس يعني ذلك بالضرورة أنها كانت منصفة للإسلام والمسلمين .
وقد عاش الاستشراق عصر ازدهاره في النصف الثاني من القرن الماضي، والنصف الأول من هذا القرن .. وشهدت تلك الفترة جيل العمالقة من المستشرقين. وقد ظهرت الآن أجيال جديدة تسير على الدرب نفسه وتترسم خطى السابقين .
وتهتم الحكومات الأوروبية بدعم الحركة الاستشراقية في أوروبا، ولا تبخل عليها بالمال اللازم لاستمرار نشاطها .
يقول ( رودي بارت ) :
( الاستشراق في ألمانيا حالياً وفي العالم الأوروبي الحديث كله مادة علمية معترف بها من الجميع .. نعترف شاكرين بأن المجتمع ممثلاً في الحكومات والمجالس النيابية يضع تحت تصرفنا الإمكانات اللازمة لإجراء بحوث الاستشراق وللحفاظ على نشاطنا التعليمي في هذا المضمار .. وما تطلبه الدولة والمجتمع مناـ معشر المستشرقين ـ هو بصفة عامة العمل كمدرسين وباحثين متخصصين. . أما التصرف في أمر الموضوعات الخاصة التي ينصب عليها الدرس والبحث فمتروك لنا ) (61) . ولكن هناك مستشرقاً آخر يعترف بأن مقدمي الدعم المالي يمارسون ضغوطاً على الاستشراق، الأمر الذي يتناقض مع ما يقوله ( بارت) من أن الحكومات التي تقدم الدعم لا تتدخل في أمر البحوث الاستشراقية .
يقول ( أوليريش هارمان ) :
(… وطبعاً هناك أيضاً الضغط الملح من قبل أولئك الذين يقدمون الأموال لدعم النتائج التي تؤدي إلى احتواء العالم العربي الإسلامي والتشبث به، باعتباره منطقة اضطراب، حيث تكمن اهتمامات الغرب ومصالحه )(62).
فهناك إذن ارتباط وثيق بين مصالح الغرب واهتماماته ودعم الحركة الاستشراقية. وهذا أمر يجعل استمرار الاستشراق متوقفاً على استمرار الدعم المالي الذي تقدمه الحكومات والهيئات المختلفة، واستمرار الدعم المالي يتوقف على مدى تشبث الغرب بمصالحه في العالم العربي والإسلامي ، والتشبث بهذه المصالح حقيقة واقعة تؤكدها جميع الشواهد. ليس هناك أي بارقة تلوح في الأفق توحي بأن الغرب على استعداد للتخلي عن هذه المصالح. وما دام الأمر كذلك فإن الحاجة إلى الاستشراق في الغرب ستظل قائمة، بل وستزداد إلحاحاً .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:28 PM تمهيد : المستشرقون وموقفهم من الإسلام
بعد أن تعرفنا في الفصل السابق على الخطوط العريضة لنشأة الاستشراق وتطوره نأتي الآن في هذا الفصل لنتعرف على الآراء والمواقف الاستشراقية المتصلة بالدراسات الإسلامية على وجه الخصوص، ومدى اقترابها أو ابتعادها من الروح العلمية الموضوعية .
وقبل الدخول مباشرة إلى عرض هذه الآراء والمواقف نرى أنه من المناسب أولاً أن نمهد لذلك باستعراض سريع لبعض النقاط العامة التي تتصل بأعمال المستشرقين عامة .
وفي هذا الصدد لا بد لنا من الحديث عن المنهج الذي يسيرون عليه في دراساتهم لتحقيق الأهداف التي وضعوها لأنفسهم. ومن خلال ذلك كله سيتضح لنا أن الحركة الاستشراقية تضم تحت جناحيها فئات من المستشرقين تتميز كل منها عن الأخرى حسب الأهداف التي وضعتها كل فئة لنفسها .
وبعد الانتهاء من عرض هذه النقاط العامة يصبح من السهل علينا أن ننتقل إلى استعراض لبعض الآراء الأساسية للمستشرقين فيما يتصل بالإسلام ودراسته.ثم نعقب على ذلك بما نستخلصه من المواقف الاستشراقية إزاء الإسلام.
ونحن بادئ ذي بدء لا ندخل على المستشرقين هنا دخول المُنْكر المعاند الباحث عن المثالب، وإنما ندخل عليهم دخول الباحث الذي يتوخى الوصول إلى الحقيقة، وهذا سيجعلنا نتعرف على ما للمستشرقين من إيجابيات تذكر لهم، وما لهم من سلبيات تسجل عليهم . وهذا منهج حثنا الإسلام على اتباعه إحقاقاً للحق ووضعاً للأمور في نصابها :
(ولا يجر منكم شنآنُ قومٍ على أَنْ لا تعْدُلوا اعْدلُوا هو أَقربُ للتقوى ) .
فكل من ( الثناء المطلق والتحامل المطلق يتنافى مع الحقيقة التاريخية التي سجلها هؤلاء المستشرقون فيما قاموا به مــن أعمال، وما تطرقوا إليه من أبحاث)(63).
وهكذا لن نغمطهم حقهم في تقدير مالهم من أعمال علمية مفيدة . ولا ضير على المرء إذا اعترف بما لخصمه من مزايا وإيجابيات، إذ أن ذلك ربما يكون حافزاً لنا على النهوض والاستعداد من جديد ، وقبول التحدي الذي تفرضه علينا ـ نحن المسلمين ـ ظروف العصر .
والإيجابيات التي سنذكر هنا طرفاً منها، بعضها يخص المستشرقين أنفسهم ويتصل بأسلوب عملهم ومدى ترابطهم ، والقصد من ذكرها هو مجرد الاعتبار بها فقط؛ وبعضها الآخر أمور تتصل بإنتاجهم العلمي العملي الذي يعود بعضه بالفائدة على الدارسين العرب وإن كان المستشرقون قد قصدوا به في المقام الأول خدمة أنفسهم، إلاّ أنهم مع ذلك لم يحجبوه عن غيرهم .
وفي الوقت نفسه لن نغمض الطرف عن سلبياتهم الكثيرة وما اقترفوه في حق الإسلام والمسلمين من تضليل وبهتان .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:29 PM أعمال المستشرقين
تتمثل جهود المستشرقين على مدى تاريخهم الطويل في أعمال مختلفة تشكل في مجموعها كلاً واحداً. ويمكن تلخيص هذه الأعمال في عدة أمور هي :
1- التدريس الجامعي .
2- جمع المخطوطات وفهرستها .
3- التحقيق والنشر .
4- الترجمة من العربية إلى اللغات الأوروبية .
5- التأليف في شتى مجالات الدراسات العربية والإسلامية .
وفيما يلي نلقي نظرة سريعة على هذه الأعمال :
[1] التدريس الجامعي ..
يكاد يكون هناك في كل جامعة أوروبية أو أمريكية معهد خاص للدراسات الإسلامية والعربية، بل يوجد في بعض الجامعات أكثر من معهد للاستشراق مثل جامعة ميونخ حيث يوجد بها معهد للغات السامية والدراسات الإسلامية ومعهد لتاريخ وحضارة الشرق الأدنى. ويرأس كل معهد أستاذ ويساعده بعض المحاضرين والمساعدين . وتقوم هذه المعاهد بمهمة التدريس الجامعي وتعليم العربية وتخريج الدارسين في أقسام الماجستير والدكتوراه ممن سيواصلون أعمالهم في المجال الاستشراقي الأكاديمي أو غيره من المجالات أخرى في السلك الدبلوماسي أو الالتحاق بأعمال في الأقسام الشرقية بدور الكتب، أو في مراكز البحوث المهتمة بالشرق، أو غير ذلك من أعمال في جهات لها صلة بالشرق .
ومن هنا تأتي أهمية ما يحمله المستشرقون من أيديولوجية بالنسبة لما يخلفونه من آثار في الدارسين على أيديهم وما ينطبع منهم على غيرهم(64) .
ولكل معهد مكتبة عامرة بالكتب والمراجع العربية والإسلامية التي تخدم الدراسات والبحوث العلمية للدارسين .
وتفتح هذه المعاهد أبوابها للدارسين من كل مكان ومنها يتخرج أيضاً بين الحين والحين أعداد لا بأس بها من العرب المسلمين الذين يعودون إلى بلادهم لتولي مهمة التدريس في جامعات بلادهم .
ويتفانى المستشرقون في أعمالهم ويخدمون أهدافهم بإخلاص تام وتفان إلى أقصى حد وبكل الوسائل. ولديهم صبر عجيب ونادر في البحث والدرس وإحاطة تامة بالعديد من اللغات القديمة والحديثة. وقد أشار الشيخ مصطفى عبد الرازق إلى :
( الإعجاب بصبرهم ونشاطهم وسعة اطلاعهم وحسن طريقتهم )
(65) .ولهم معرفة جيدة بأهم ما ينشر عن الدراسات العربية والإسلامية في بلادنا، ومكتباتهم الخاصة والعامة عامرة بشتى المراجع العربية والإسلامية قديمها وحديثها. وهناك حقيقة يعرفها كل من خالط المستشرقين وهي أن المستشرق المتمكن لا تأخذه العزة بالإثم إذا نبهته إلى خطأ وقع فيه نتيجة لعدم فهمه لروح اللغة العربية .
[2] جمع المخطوطات العربية ..
اهتم المستشرقون منذ زمن طويل بجمع المخطوطات العربية من كل مكان في بلاد الشرق الإسلامي. وكان هذا العمل مبيناً على وعي تام بقيمة هذه المخطوطات التي تحمل تراثاً غنياً في شتى مجالات العلوم. وكان بعض الحكام في أوروبا يفرضون على كل سفينة تجارية تتعامل مع الشرق أن تحضر معها بعض المخطوطات. وقد ساعد الفيض الهائل من المخطوطات المجلوبة من الشرق على تسهيل مهمة الدراسات العربية في أوروبا وتنشيطها. منذ الحملة النابليونية على مصر عام 1798م تزايد نفوذ أوروبا في الشرق وساعد ذلك على جلب الكثير من المخطوطات . وكانت الجهات المعنية في أوروبا ترسل مبعوثيها لشراء المخطوطات من الشرق . فعلى سبيل المثال أرسل ( فريدريش فيلهلم الرابع ) ملك بروسيا ( ريتشارد ليبسيوس ) إلى مصر عام 1842م ، و( هينريش بترمان ) عام 1852م إلى الشرق لشراء مخطوطات شرقية . وقد تم جمع المخطوطات من الشرق بطرق مشروعة وغير مشروعة، وقد لقيت هذه المخطوطات في أوروبا اهتماماً عظيماً، وتم العمل على حفظها وصيانتها من التلف والعناية بها عناية فائقة وفهرستها فهرسة علمية نافعة تصف المخطوط وصفاً دقيقاً، وتشير إلى ما يتضمنه من موضوعات وتذكر اسم المؤلف وتاريخ ميلاده ووفاته وتاريخ تأليف الكتاب أو نسخه .. إلخ .
وبذلك وضعت تحت تصرف الباحثين الراغبين في الاطلاع عليها في مقر وجودها أو طلب تصويرها بلا روتين أو إجراءات معقدة .
وقد قام مثلاً ألوارد Ahlwardt بوضع فهرس للمخطوطات العربية في مكتبة برلين في عشرة مجلدات بلغ فيه الغاية فناً ودقة وشمولاً. وقد صدر هذا الفهرس في نهاية القرن الماضي واشتمل على فهرس لنحو عشـرة آلاف مخطوط . وقد قام المستشرقون في الجامعات والمكتبات الأوروبية كافة بفهرسة المخطوطات العربية فهرسة دقيقة، وتقدر المخطوطات العربية الإسلامية في مكتبات أوروبا بعشرات الآلاف ، بل قد يصل عددها إلى مئات الآلاف .
وهناك دراسات للمستشرقين عن هذه المخطوطات في مجالات عديدة وعلى سبيل المثال قامت باحثة من المستشرقين بإعداد بحث عن نوادرمخطوطات القرآن الكريم في القرن السادس عشر، قال عنه الشيخ أمين الخولي بعد أن سمعه أثناء حضوره لمؤتمر المستشرقين الدولي الخامس والعشرين :
( لقد قدمت السيدة كراتشكو فسكي بحثاً عن نوادر مخطوطات القرآن في القرن السادس عشر الميلادي. وإني أشك في أن الكثيرين من أئمة المسلمين يعرفون شيئاً عن هذه المخطوطات. وأظن أن هذه مسألة لا يمكن التساهل في تقديرها)(66) .
وهنا كلمة حق يجب أن تقال وهي أن انتقال هذا العدد الهائل من المخطوطات إلى أوروبا بوسائل شرعية أو غير شرعية قد هيأ لها أحدث وسائل الحفظ والعناية الفائقة والفهرسة الدقيقة. وعندما أقول هذا أشعر بالأسى والحسرة لحال المخطوطات النادرة في كثير من بلادنا العربية والإسلامية وما آل إليه حال الكثير منها من التلف والتآكل وصعوبة أو استحالة الاستفادة منها .
[3] التحقيق والنشر ..
ولم يقتصر عمل المستشرقين على جمع المخطوطات وفهرستها، بل تجاوز ذلك إلى التحقيق والنشر . فقد قاموا بتحقيق الكثير من كتب التراث وقابلوا بين النسخ المختلفة ولاحظوا الفروق وأثبتوها ورجحوا منها ما حسبوه أصحها وأعدلها، وأضافوا إلى ذلك فهارس أبجدية للموضوعات والأعلام أثبتوها في أواخر الكتب التي نشروها، وقاموا في بعض الأحيان بشــرح بعض الكتب شرحاً مفيداً(67).
وهكذا استطاعوا أن ينشروا عدداً كبيراً جداً من المؤلفات العربية، كانت عوناً كبيراً للباحثين الأوروبيين من المستشرقين وغيرهم من بلاد الشرق . وقد عرفنا الكثير من كتب التراث محققاً ومطبوعاً على أيديهم . ومن بين هذه الكتب نذكر ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ نشرهم لسيرة ابن هشام، والإتقان للسيوطي، والمغازي للواقدي، والكشاف للزمخشري، وتاريخ الطبري ، وكتاب سيبويه والاشتقاق لابن دريد ، والأنساب للسمعاني، ومعجم الأدباء لياقوت، وتجارب الأمم لابن مسكويه ، وفتوح مصر والمغرب والأندلس لا بن عبد الحكم، واللمع لأبي نصر السراح، والبديع لا بن المعتز، وحي بن يقظان لا بن طفيل ، والمختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي، والملل والنحل للشهرستاني، وعمدة عقيدة أهل السنة والجماعة للحافظ النسفي، وفتوح الشام للأزدي البصري، وفتوح الشام للواقدي، والكامل للمبرد، والجمهرة لا بن دريد، وأخبار النحويين البصريين للسيرافي، وكتاب المناظر لا بن الهيثم، والإصابة في تمييز الصحابة لا بن حجر العسقلاني ، والأحكام السلطانية للما وردي، وفضائح الباطنية للغزالي، وتاريخ اليعقوبي، والفهرست لا بن النديم، وكشف الظنون لحاجي خليفة، والتعريفات للجرجاني، وطبقات الحفاظ للذهبي، ووفيات الأعيان لا بن خلكان، وتهذيب الأسماء للنووي، وصحيح البخاري، والمقتضب لا بن جني، ومقالات الإسلاميين للأشعري، والوافي بالوفيات للصفدي، والتيسير في القراءات السبع لأبي عمرو عثمان الداني، والرد الجميل على مدعي ألوهية المسيح بصريح الإنجيل للغزالي، وعيون الأنباء في طبقات الأطباء لا بن أبي أصيبعة، والأغاني للأصفهاني، والأوائل للسيوطي، والطبقات لا بن سعد، وعيون الأخبار لا بن قتيبة، والفقه الأكبر لأبي حنيفة، وعدد هائل من دواوين الشعر العربي في عصوره المختلفة .
[4] الترجمـــة ..
ولم يقتصر الأمر على نشر النصوص العربية بل قاموا أيضاً بترجمة مئات الكتب العربية والإسلامية إلى اللغات الأوروبية كافة، فقد نقلوا إلى لغاتهم الكثير من دواوين الشعر والمعلقات وتاريخ أبي الفداء، وتاريخ الطبري، ومروج الذهب للمسعودي، وتاريخ المماليك للمقريزي ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي، والإحياء والمنقذ للغزالي، وغير ذلك من مئات الكتب في اللغة والأدب والتاريخ والعلوم الإسلامية المتعددة، هذا فضلاً عما ترجم في القرون الوسطى من مؤلفات العرب والمسلمين في الفلسفة والطب والفلك وغير ذلك من علوم .
وقد سبق أن عرفنا في الفصل السابق أن القرآن قد تمت ترجمته لأول مرة في القرن الثاني عشر. وقد قام المستشرقون منذ ذلك الوقت وحتى الآن بإعداد العديد من ترجمات القرآن إلى اللغات الأوروبية كافة، وقد مهدوا لترجماتهم بمقدمات وضعوا فيها تصوراتهم عن الإسلام، وبذلك أعطوا للقارئ من بادئ الأمر تصورهم الذي لا يتفق في معظم الأحيان مع الحقائق الإسلامية، بل قد يصطدم مع هذه الحقائق اصطداماً جوهرياً .
وفيما يلي بيان تقريبي بعدد الترجمات المعروفة التي تمت في عدد من اللغات الأوروبية من قبل غير المسلمين(68).
ـ في اللغة الألمانية 14 ترجمة
ـ في اللغة الإنجليزية 10 ترجمات
ـ في اللغة الإيطالية 10 ترجمات
ـ في اللغة الروسية 10 ترجمات
ـ في اللغة الفرنسية 9 ترجمات
ـ في اللغة الإسبانية 9 ترجمات
ـ في اللغة اللاتينية 7 ترجمات
ـ في اللغة الهولندية 6 ترجمات
[5] التأليف …
(أ) تاريخ الأدب العربي ..
(ب) دائرة المعارف الإسلامية..
(ج) المعاجم..
تعددت مجالات التأليف في الدراسات العربية والإسلامية لدى المستشرقين وبلغ عدد ما ألفوه عن الشرق في قرن ونصف ( منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى منتصف القرن العشرين ) ستين ألف كتاب(69) .
لقد ألفوا في التاريخ العربي والإسلامي، وفي علم الكلام ، وفي الشريعة، وفي الفلسفة الإسلامية والتصوف الإسلامي، وفي تاريخ أدب اللغة العربية، وفي الدراسات المتعلقة بالقرآن والسنة النبوية، وفي النحو العربي وفقه اللغة العربية. ولم يتركوا مجالاً من مجالات العلوم العربية والإسلامية إلا وألَّفوا فيه .
ولهم بعض مؤلفات قيمة ذات فائدة علمية للباحثين، ولهم مؤلفات أخرى تزخر بالطعن في الإسلام، وتمتلئ بالأكاذيب التي ليس لها في سوق العلم نصيب. وسنتحدث بشيء من التفضيل عن الأمثلة من هذه الكتابات عند عرضنا لآراء المستشرقين حول الإسلام في هذا الفصل .
وسنكتفي هنا بالإشـــارة إلى المؤلفات ذات القيمة العلمية كنماذج للمؤلفات المفيدة .
(أ) تاريخ الأدب العربي ..
من تأليف المستشرق الألماني كارل بروكلمان( توفى 1956م ) وهو كتاب أساسي في الدراسات العربية والإسلامية لا يستغني عنه باحث في الدراسات العربية والإسلامية، وقد قام بروكلمان بهذا العمل الضخم بمفرده. ولا يقتصر هذا الكتاب على الأدب العربي وفقه اللغة، بل يشمل كل ما كتب باللغة العربية من المدونات الإسلامية. فهو سجل للمصنفات العربية المخطوطات منها والمطبوع . ويكتمل بمعلومات عن حياة المؤلفين. وقد صدر أولاً في مجلدين في عامي 1898م، 1902م ثم أتبعه المؤلف بثلاثة مجلدات تكميلية كبيرة تضم في مجموعها حوالي 2600 صفحة في الفترة من عام 1937 إلى عام 1942م، ثم أعاد نشر المجلدين الأساسين في عامي 1943م ـ 1949م في طبعة أخرى معدلة ليتناسب تعديلهما مع المجلدات الثلاثة التكميلية .
وقد حصلت الإدارة الثقافية لجامعة الدول العربيةـ إدراكاً منها لأهمية هذا الكتاب لكل باحث عربي ـ حصلت عام 1948م على موافقة بروكلمان وإذنه بترجمة الكتاب إلى العربية. وقد بعث بروكلمان إلى الإدارة المذكورة بجزء كتبه بخطه وباللغة العربية يحتوي على تصحيحات وزيادات لغرض إلحاقها بالترجمة. وقد قام الدكتور عبد الحليم النجار رحمه الله بترجمة بعض أجزاء من هذا الكتاب إلى العربية بتكليف من الجامعة العربية، وصدر الجزء الأول منها عام 1959م. ووصل ما صدر من أجزاء حتى الآن ستة أجزاء . وكانت الترجمة قد توقفت بعد وفاة الدكتور النجار وصدور الأجزاء الثلاثة الأولى وقد تم تقسيم الكتاب كله إلى ثمانية عشر جزءاً وقامت المنظمة العربية للترجمة والثقافة والعلوم بتوزيع باقي الأجزاء على مجموعة من الباحثين لترجمتها حتى يتسنى نشر الكتاب كله دفعة واحدة. وقد طلب مني القيام بترجمة الجزء السابع عشر. وكانت المنظمة العربية تستحث الباحثين بين الحين والحين برسائل رسمية لإنجاز هذا العمل. ولكن رياح التيارات السياسية التي اجتاحت المنطقة العربية في السنوات الأخيرة عصفت بهذا العمل الثقافي البحت ولم نعد نسمع شيئاً لا من المنظمة العربية صاحبة التكليف بالترجمة ولا من أي جهة أخرى .
ويكفي هنا لتعريف القارئ بقيمة هذا الكتاب أن نورد السطور التالية من مقدمة الدكتور عبد الحليم النجار للكتاب.. والتي وردت في الجزء الأول من الترجمة العربية. يقول رحمة الله في بداية المقدمة :
( كان تعريب كتاب تاريخ الأدب العربي ( لكارل بروكلمان ) أملاً يراود كل قارئ بالعربية حينما يبحث في علوم العرب وآدابهم، أو يحاول سبر جهود العلم العربي ومتابعة خطواته في تأسيس ثقافة العالم الجديد وتنمية حضارته، أو يريد حصر ما تشتت وإحصاء ما تفرق من تراث الفكر العربي في مكتبات العالم وخزائن الكتب، ليتخذ من ذلك آيات بينات للفخر والاعتزاز، أو عدة ومدداً للبعث والإحياء، أو يتطلع أخيراً إلى ما ترجم إلى لغات العالم من ذلك التراث الخالد، وما أثير حوله من بحوث، وصنف من دراسات قدمت خطى العلم والأدب ودفعتهما إلى الأمام في الشرق والغرب .
وقد كان بروكلمان يدرك أن عمله في حاجة مستمرة إلى الإكمال ـ بناء على ما يكتشف من مخطوطات ولذلك كان دائب العناية بإكماله على مدى نصف قرن . ويقوم الآن الباحث التركي المسلم فؤاد سيزكين ـ تلميذ المستشرق الألماني هيلمت ريترـ بعد اكتشاف آلاف المخطوطات بإكمال عمل بروكلمان وذلك في كتابه ( تاريخ التراث العربي) بالألمانية الذي ترجم بعضه إلى العربية، ومنح عليه جائزة الملك فيصل منذ بضع سنوات.
(ب) دائرة المعارف الإسلامية..
على الرغم مما لنا نحن المسلمين على هذه الدائرة من مآخذ كثيرة فإنها تعد ثمرة من ثمار التعاون العلمي الدولي بين المستشرقين. وقد تم إصدارها في طبعتها الأولى بالإنجليزية والفرنسية والألمانية في الفترة من 1913م إلى عام 1938م . وقد تولت نقلها إلى العربية لجنة دائرة المعارف الإسلامية من خريجي الجامعة المصرية منذ عام 1933م لم تصل في الترجمة إلاً إلى حرف العين.. وقد عمد المترجمون إلى نشر تعليمات هامة في أعقاب الكثير من المقالات لتصحيح الخطاء التي وقع فيها المستشرقون، وقام بكتابة هذه التعليمات مجموعة من العلماء المعروفين .
وقد تجاوز المستشرقون فيما بعد هذه الدائرة المتداولة، وقاموا بإصدار دائرة معارف إسلامية جديدة أعيدت فيها كتابة المقالات بناء على ما صدر من بحوث حديثة وما نشر أو اكتشف من مخطوطات . وقد ظهرت الطبعة الجديدة باللغتين الإنجليزية والفرنسية فقط من عام 1954م حتى عام 1977م.
وقد أشار نجيب العقيقي إلى أن اللجنة العربية لترجمة دائرة المعارف ترجع الآن إلى الطبعة الجديدة ابتداءً من حرف العين بدلاً من الرجوع إلى الطبعة القديمة التي تقادمت بعض معلوماتها(70)
(ج) المعاجم..
للمستشرقين باع طويل في مجال المعاجم والقواميس اللغوية. وقد سبق أن أشرنا إلى إنجاز أول قاموس لاتيني عربي في القرن الثاني عشر الميلادي. ونذكر في هذا الصدد أيضاً المعجم العربي اللاتيني الذي ألفه جورج فيلهلم فرايتاج [ ت 1861م] ذلك المعجم الذي لا يزال يستعمل حتى اليوم
(71) .بالإضافة إلى العديد من القواميس الصغيرة والكبيرة التي تجمع بين العربية وغيرها من لغات أوروبية مختلفة كالإنجليزية والفرنسية والألمانية وغيرها من لغات أوروبية أخرى .
وهناك مستشرقون ينفقون سني عمرهم في إعداد مثل هذه المعاجم. وحسبنا أن نشير هنا إلى معجم اللغة العربية القديمة المرتب حسب المصادر، فقد قضى أوجست فيشر [ ت 1949م] أربعين عاماً في جمعه وتنسيقه، وتعاون معه عدد من المستشرقين .
ونخص بالذكر هنا أيضاً المعجم المفهرس لألفاظ الحديث الشريف الذي يشمل كتب الحديث الستة المشهورة بالإضافة إلى مسند الدرامي وموطأ مالك ومسند الإمام أحمد بن حنبل. وقد تم نشره في سبعة مجلات ضخمة في الفترة من عام 1936م حتى عام 1936م . وتفيد من هذا المعجم الجامعات والمعاهد الإسلامية كافة في العالم .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:31 PM أهداف المستشرقين
بعد أن تعرفنا على طرف من أعمال المستشرقين يستبد العجب ببعضنا وتعتريه الدهشة لموضوع الاستشراق ويتساءل : ما الذي يدعو الباحث الغربي إلى بذل كل هذا الجهد والعمر والمال في دراسة عالم غريب عنه .. يدرس لغاته التي تختلف تماماً عن لغته، ويحاول جاهداً فهم آدابها وعقائد أهلها وتاريخهم ؟
ما الذي يحمله على ذلك وقد كان في وسعه أن يوجه كل تلك الجهود لدراسة مجالات أوروبية أخرى يمكن أن تظهر فيها مواهبه وإمكاناته الفكرية من ناحية، ومن ناحية أخرى تكون أكثر فائدة له من الناحية العلمية ؟ وكما يقول نجيب العقيقي :
(فلو أن أحدهم انصرف طوال حياته إلى حل الكلمات المتعارضة، أو جمع طوابع البريد النادرة، أو كتابة القصص البوليسي، بدل التحقيق والترجمة والتصنيف، لخرجت به من تلك الجزائر المتعددة التي يعيش فيها المستشرقون إلى العالم الرحب في القرن العشرين، ولعادت عليه برخاء من العيش وشهرة بين الناس وسلامة من النقاد ) (72).
ويعتقد نجيب العقيقي أن الدافع العلمي كان وراء كل الجهود الاستشراقية. والعقيقي ـ على الرغم من أنه عربي ـ يعتبر نفسه واحداً من المستشرقين. فقد صنف نفسه في كتابه ( المستشرقون ) تحت عنوان المدرسة المارونية بوصفه واحداً من أتباع هذه المدرسة التي أسهمت بجهودها في مجال الاستشراق(73).
ولكن المستشرق الألماني المعاصر ( رودي بارت ) يرى أن الدافع العلمي في الحركة الاستشراقية بدا أظهر ما يكون اعتباراً من منتصف القرن التاسع عشر. ويعني هذا في رأيه أن معظم الكتابات الاستشراقية قبل ذلك كان ينقصها الطابع العلمي. يقول ( بارت ) :
( إننا في دراستنا لا نسعى إلى نوايا جانبية غير صافية، بل نسعى إلى البحث عن الحقيقة الخالصة )(74) .
ولكن الأمر بالرغم من ذلك ليس أمراً عادياً أو من قبيل المصادفة .. فاتجاه الأوروبيين لدراسة الشرق وإقامة مؤسسة ضخمة لذلك هي مؤسسة الإستشراق لابد أن تكون وراءه أهداف معينة .
ويستطيع كل باحث عن تاريخ الاستشراق أن يتبين بما لا يدع مجالاً للشك أن الهدف الديني كان وراء نشأة الاستشراق ودعم الدراسات الإسلامية والعربية في أوروبا، وقد صاحب الاستشراق طوال مراحل تاريخية، ولم يستطع أن يتخلص منه بصفة نهائية. وحتى نهاية القرن التاسع عشر لم يكن الاستشراق قد حرر نفسه من إسار الخلفية الدينية التي اشتق منها أصلاً إلا بدرجة ضئيلة(75) .
والهدف الديني للاستشراق كان يسير منذ البداية في اتجاهات ثلاثة متوازية تعمل معاً جنباً إلى جنب، وتتمثل هذه الاتجاهات فيما يأتي :
1- محاربة الإسلام والبحث عن نقاط ضعف فيه، وإبرازها والزعم بأنه دين مأخوذ من النصرانية واليهودية، والانتقاص من قيمه والحط من قدر نبيّه .. إلخ .
2- حماية النصارى من خطره بحجب حقائقه عنهم، وإطلاعهم على ما فيه من نقائص مزعومة، وتحذيرهم من خطر الاستسلام لهذا الدين.
3- التبشير وتنصير المسلمين . وقد أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق.
وقــدكان قرار( فيينا) الكنسي في 1312م وقرار إنشاء كرسي اللغة العربية في جامعة كامبردج بعد ذلك بأكثر من ثلاثة قرون، وتأسيس مجلة العالم الإسلامي The Muslim World عام 1911م عن طريق صمويل زويمر رئيس المبشرين في الشرق الأوسط، والذي تُوفي في أوائل الخمسينيات من القرن الحالي ـ كانت هذه بعض الشواهد الظاهرة في اتجاه خدمة الهدف الديني والعمل من أجله في محيط الاستشراق .
وإذا كان الهدف الديني لم يعد ظاهراً الآن في الكثير من الكتابات الاستشراقية فليس معنى ذلك أنه قد اختفى تماماً. إنه لا يزال يعمل من وراء ستار بوعي أو بغير وعي . فمن الصعب على معظم المستشرقين النصارى ـ المشتغلين بدراسة الإسلام ـ وأكثرهم متدينون، أن ينسوا أنهم يدرسون ديناً ينكر عقائد أساسية في النصرانية ويهاجمها ويفندها مثل عقيدة التثليث وعقيدة الصلب والفداء، كما أنه من الصعب عليهم أيضاً أن ينسوا أن الدين الإسلامي قد قضى على النصرانية في كثير من بلاد الشرق وحل محلها(76) .
ونحن إذ نسجل ذلك فإننا ننبه في الوقت نفسه إلى أن ذلك ليس حكماً عاماً على جميع المستشرقين . فهناك فريق من المستشرقين قد حاول جاهداً الالتزام بالحيدة والموضوعية وأنكر على كثير من زملائه نزواتهم التي انحرفت بهم عن النزاهة العلمية، وهناك من أنصف في جانب وتحامل في جانب آخر .
يقول مونتجمري وات ):
( جد الباحثون منذ القرن الثاني عشر في تعديل الصورة المشوهة التي تولدت في أوربا عن الإسلام. وعلى رغم الجهد العلمي الذي بذل في هذا السبيل، فإن آثار هذا الموقف المجافي للحقيقة التي أحدثتها كتابات القرون المتوسطة في أوروبا لا تزال قائمة. فالبحوث والدراسات الموضوعية لم تقدر بعد على اجتنابها ) .
ويقول ( برنار لويس ) :
(لا تزال آثار التعصب الديني الغربي ظاهرة في مؤلفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلمية).
ويقول ( نورمان دانييل ) :
( على الرغم من المحاولات الجدية المخلصة التي بذلها بعض الباحثين في العصور الحديثة للتحرر من المواقف التقليدية للكُتَّاب النصارى من الإسلام فإنهم لم يتمكنوا أن يتجردوا منها تجرداً تاماً )(77) .
ولكن الهدف الديني لم يكن هو كل شيء ، فقد كانت هناك أيضاً أهداف أخرى للاستشراق تقترب أو تبتعد من الهدف الديني. ومن هذه الأهداف ما يأت(78):
1- أهداف علمية:
وقد كانت مقصد بعض من ظهروا في عصر التنوير في أوروبا ، فمنهم من قرأ الكتب الدينية وفحصها وأدرك أن رسالة الإسلام قريبة من الرسالات السماوية ومؤيدة لما جاء في كتبها من إيمان با لله وكتبه ورسله ودعوة إلى الحق والخير والصلاح . ولكن هؤلاء كانوا قلة .
2- أهداف تجارية :
وقد ظهرت تلك الأهداف التجارية في عصر ما قبل الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين . فقد كان الغربيون مهتمين بتوسيع تجارتهم والحصول من بلاد الشرق على المواد الأولية لصناعاتهم التي كانت في طريقها للازدهار. ومن أجل هذا وجدوا أن الحاجة ماسة للسفر إلى البلاد الإسلامية، والتعرف عليها ودراسة جغرافيتها الطبيعية والزراعية والبشرية، حتى يحسنوا التعامل مع تلك البلاد، وتحقيق ما يصبون إليه من وراء ذلك من تحقيق فوائد كثيرة تعود على تجارتهم وصناعتهم بالخير العميم .
ولذلك كانت المؤسسات المالية والشركات وكذلك الملوك في بعض الأحيان يزودون الباحثين بما يحتاجون إليه من مال، كما كانت الحكومات المعنية تمنحهم الرعاية والحماية .
ونظراً لأهمية الدين وتأثيره الفعال في الأخلاق والمعاملات فقد اتجه هؤلاء الباحثون لدراسته وكتابة التقارير وتأليف الكتب عنه .
ولكن هذه الطائفة كانت أيضاً قلة مثل الطائفة السابقة .
3- أهداف سياسية :
ظهرت تلك الأهداف السياسية واضحة جلية واتسع مداها باتساع رقعة الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي في القرنين التاسع عشر والعشرين كما سبق أن أشرنا إلى ذلك. واضطرت الدول الاستعمارية أن تعلم موظفيها في المستعمرات لغات تلك البلاد، وأن تدرس لهم آدابها ودينها ليعرفوا كيف يسوسون هذه المستعمرات ويحكمونها. وقد اتجهوا في هذه المرحلة إلى العناية باللهجات العامية والعادات السائدة كما عنوا بالدين والشريعة .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:32 PM فئات المستشرقين
ومن خلال هذا العرض السريع لأهداف المستشرقين المختلفة التي كانت تتداخل مع بعضها في أحيان كثيرة يتضح لنا أن المستشرقين فئات مختلفة تتراوح بين التعصب والإنصاف. فإذا تجاوزنا من لهم ميول تبشيرية خفية أو سافرة نجد أن المستشرقين العلمانيين ينقسمون إلى فئات مختلفة :
(أ) فريق من طلاب الأساطير والغرائب، من هؤلاء الذين افتروا على الإسلام واخترع خيالهم المريض حوله الأقاصيص الكاذبة. ولم يكن لهذا الفريق في سوق العلم نصيب. وقد ظهر هذا الفريق في بداية نشأة الاستشراق. واختفى بالتدريج .
(ب) فريق من المرتزقة الذين جندوا دراساتهم وبحوثهم في خدمة المصالح الغربية الاقتصادية والسياسية والاستعمارية . وقد أشرنا إليهم عند حديثنا عن الاستشراق والاستعمار .
(ج) وفريق من المتغطرسين الذين أخذتهم العزة بالإثم وأعمتهم الضلالة عن النزاهة العلمية، فراحت أقلامهم تقطر حقداً وعداوة وطعناً في الإسلام من أمثال: ( بدويل) و( بريدو) و( سيل) من القرن الثامن عشر. وقد كان لكتابات بعضهم مثل ( سيل) أثر كبير في الغرب لمدة طويلة . ويتساوى مع هؤلاء في الحقد والعداوة للإسلام مجموعة من الملحدين الذين ينالون من الإسلام نيلهم من النصرانية .
(د) فريق تعرض للإسلام باسم البحث العلمي ولكنهم انحرفوا عن جادة الصواب فراحوا يتلمسون نقاط ضعف في الإسلام، ويشككون في صحة الرسالة الإسلامية، وفي التوحيد الإسلامي، وفي القرآن الكريم من حيث مصدره أو نصه، وفي الحديث من حيث صحته، وفي قيمة الفقه الإسلامي الذاتية، وفي قدرة اللغة العربية على التطور ..ألخ .
(هـ) وهناك فريق من المستشرقين التزم في دراسته للإسلام بالموضوعية والنزاهة العلمية وأنصف الإسلام والمسلمين. وقد أدى الأمر ببعضهم إلى اعتناق الإسلام(79).
(و) وهناك فريق من المستشرقين توفر على دراسة اللغة العربية وفقه اللغة والأدب العربي أو اشتغل بالمعاجم وما شابه ذلك، ولهؤلاء بحوث قيمة مفيدة .
ويهمنا عند عرض آراء المستشرقين حول الإسلام أن نناقش تلك الآراء الاستشراقية الأساسية التي ترسخت في الأذهان، وأصبح لها حجية أو شبه حجية. وخاصة إذا كانت هذه الآراء صادرة باسم العلم والمنهج العلمي واستخدام أساليب النقد والتحليل في البحث. فقد ينخدع بعضهم بتلك الشعارات العلمية . ولكن البحث والتنقيب في هذه الآراء يظهر لهم أنهم كانوا يجرون وراء سراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاؤوه لم يجدوه شيئاً.
أما الفرق الأخرى فإما أن أمرها مفضوح، وغشها مكشوف، وكذبها صراخ، وهذه ليس لنا معها حديث لأن المستشرقين أنفسهم يعترفون الآن بأن مثل هذه الفرق لا وزن لها، وإما أنها فرق منصفة للإسلام أو لا صلة لدراساتها بالإسلام ولذلك فهي بعيدة عن موطن الشبهات .
ولعلنا في مناسبة أخرى نعرض لآراء المستشرقين المنصفين للإسلام ونوفيهم حقهم من التقدير .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:34 PM منهج المستشرقين
وقبل عرض أمثلة من آراء هذه الفئة التي صدرت آراؤها ومواقفها باسم العلم والموضوعية يهمنا هنا أن نتعرف على المنهج الذي يستخدمه المستشرقون في دراستهم للإسلام .
يقول ( رودي بارت ) :
( فنحن معشر المستشرقين، عندما نقوم اليوم بدراسات في العلوم العربية والعلوم الإسلامية لا نقوم بها قط لكي نبرهن على ضعة العالم العربي الإسلامي، بل على العكس، نحن نبرهن على تقديرنا الخاص للعالم الذي يمثله الإسلام، ومظاهره المختلفة، والذي عبر عنه الأدب العربي كتابة، ونحن بطبيعة الحال لا نأخذ كل شيء ترويه المصادر على عواهنه دون أن نعمل فيه النظر، بل نقيم وزناً فحسب لما يثبت أمام النقد التاريخي أو يبدو وكأنه يثبت أمامه، ونحن في هذا نطبق على الإسلام وتاريخه، وعلى المؤلفات العربية التي نشتغل بها المعيار النقدي نفسه الذي نطبقه على تاريخ الفكر عندنا وعلى المصادر المدونة لعالمنا نحن(80) ) .
وقد لا يبدو على هذا المنهج غبار من وجهة النظر العلمية. ( فالقوم يدرسون العلوم الإسلامية العربية ويضعون نظريات، ويكونون آراء في أثناء ما يقومون به من دراسات، ويهتمون بتقديم أدلة وأسانيد لهذه الآراء والنظريات، يستمدونها من المراجع الإسلامية نفسها، وهذا العمل في ظاهره عمل علمي سليم. ولكن الفحص الدقيق أثبت أن كثيراً منه مصنوع، وكثيراً ما يكون الدافع إليه الرغبة في التجريح، وتوهين العقيدة الدينية والشريعة الإسلامية )(81) .
قد عرض مثلاً أحد المستشرقين المعاصرين وهو . جاستون فييت) في كتابه ( مجد الإسلام ) ـ تاريخ الإسلام عن طريق صفحات مختارة من أقوال المؤرخين والكتاب المعاصرين لكل فترة من فترات هذا التاريخ . وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الكتاب ينضح بالحقد والطعن في الإسلام وتاريخه، لأن ( جاستون فييت ) اختار فقط النصوص التي تتفق مع الاتجاه الذي اختاره هو سلفاً وهو اتجاه يتسم بالعداء والكراهية للإسلام والمسلمين(82).
والبحث العلمي النزيه لا صلة له إطلاقاً بالرغبة في الطعن والتجريح، والبحث عن نقاط الضعف والتشوية، وتسقط الإخطاء. والأسلوب العلمي يحتم ضرورة الاستيثاق من صحة النصوص والأسانيد التي نستنبط منها ما نستنبط من نظريات، ولكن الرغبة في التجريح والتشويه كثيراً ما حملت المستشرقين على التماس أسانيد واهية مرفوضة يؤيدون بها ما يقررونه من نظريات . ( فهم لا يترددون في الاعتماد على الأحاديث الضعيفة وهم ينقبون في طوايا كتب التاريخ والسير عن أخبار ضعيفة غير ثابتة يدعمون بها آراءهم. ولهم صبر لا ينفد في استكشاف هذه المخبوءات واستغلال الضعيف من الدلالات. ومهما يكن من شيء فهم لا يستوعبون دراسة ما بأيديهم من المسائل، وكثيراً ما يغفلون النصوص والأخبار التي تناقض ما يقررون )(83) .
وهذا بطبيعة الحال أمر ليس من العلم في شيء، وإنما هو انحراف عن النهج العلمي السليم. وهذا الانحراف العلمي هو للأسف طابع الكثير من الدراسات الاستشراقية حول الإسلام، الأمر الذي يجعلنا ـ نحن المسلمين ـ نقف من هذه الدراسات موقف الحذر ، ويحتم علينا الكشف عما فيها من زيف وخداع . فالكثير من النظريات والآراء التي يقولون بها مبنية على افتراضات لا أساس لها وتخمينات لا سند لها .
والواقع أنه ليس بالأمر الغريب أن يختلف المستشرقون معناـ نحن المسلمين ـ في الرأي حول الإسلام ، وإنما الغريب أن يتفقوا معنا في الرأي ، وذلك لأن منطق تفكيرهم بالنسبة للإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم يختلف عن المنطق الذي يصدر عنه تفكير المسلمين. ولهذا تختلف وجهات النظر بيننا وبينهم وستظل مختلفة. فلا ننتظر منهم أن يتبنوا وجهة نظرنا التي تنظر إلى الإسلام على أنه دين سماوي ختم به الله الرسالات السماوية، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وأن القرآن الكريم وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنهم لو فعلوا ذلك لأصبحوا مسلمين. وهذا ما حدث بالفعل بالنسبة لبعضهم ممن تحول إلى الإسلام . وهذا التحول إلى الإسلام يعني في الوقت نفسه التحول عن الخط الاستشراقي .
ونحن لا نطلب من كل مستشرق أن يغير معتقده ويعتقد ما نعتقده عندما يكتب عن الإسلام . ولكن هناك أوليات بديهية يتطلبها المنهج العلمي السليم. فعندما أرفض وجهة نظر معينة لابد أن أبيّن للقارئ أولاً وجهة النظر هذه من خلال فهم أصحابها لها ثم لي بعد ذلك أن أوافقها أو أخالفها.
وعلى هذا الأساس نقول : إن الكيان الإسلامي كله يقوم على أساس الإيمان بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي تلقى القرآن وحيا من عند الله . ويجب على العالم النزيه والمؤرخ المحايد أن يقول ذلك لقرائه عندما يتعرض للحديث عن الإسلام حتى يستطيع القارئ أن يفهم سـر قوة هذا الإيمان في تاريخ المسلمين(84)، ثم له بعد ذلك أن يخالف المسلمين في معتقدهم وتصوراتهم أو يوافقهم ( غير أن هذا المنهج المنطقي والطبيعي في العرض قلما يتبع مع الأسف، وكثيراً ما يحدث العكس. فيتعرض القارئ نتيجة لذلك ـ ما لم يكن على علم ـ إلى شيء من الإيحاء برأي معين ، أو يتعرض على الأقل إلى اختلاط في الأمور يجعله عاجزاً عن التمييز بين الأصل المتوارث لدى جماعة المسلمين وبين رأي الكاتب . وهكذا نجد كثيراً من المستشرقين الذين يحملون غيرهم أعباء معارفهم الخاصة يهملون ملاحظة مبادئ أولية للمنهج العلمي في معالجة المسائل التاريخية. فهم يؤكدون مثلاً أن القرآن من إنشاء محمد. ثم يذهبون مذهباً بعيداً في تأسيس الأحكام التاريخية والعقيدية والأدبية وغيرها على هذا التأكيد ، وسرعان ما ترتفع هذه بمحض الشهرة إلى مرتبة الحقائق )(85) .
وقد يكون صحياً القول بان ألوان التحامل القديم على الإسلام قد خفت حدتها إلى درجة كبيرة منذ مطلع هذا القرن ، ولكنها للأسف الشديد لا تزال تعيش قوية، ولا تزال هناك فئة من الباحثين الغربيين المهتمين بدراسة الإسلام تحرص حتى اليوم على نشر ألوان التحامل القديم في العالم الغربي على نطاق واسع بأساليب مختلفة.
فإذا عبر المسلمون عن استيائهم إزاء التحامل الظالم على الإسلام من جانب المستشرقين فإن هذا يعني في نظر بعض الباحثين الغربيين عدم قدرة المسلمين على فهم الأمور فهماً علمياً، فالمستشرقون ليس لديهم أحكام مسبقة كما نعتقد، والحقائق التي يتوصلون إليها تتسم بالحياد والموضوعية والعلمية
(86).
ومعنى ذلك أن علينا أن نتقبل ما يقوله السادة المستشرقون عنا وعن ديننا ونحن صاغرون، وليس لنا حتى مجرد حق التعبير عن الاستياء وإلاّ فنحن متخلفون جاهلون، قاصرون عن فهم الأمور فهماً علمياً .
ولست أدري من الذي ندب مثل هؤلاء الناس المتغطرسين لتنويرنا ؟ ومن أعطاهم حق الوصاية الفكرية علينا ؟
أليس هذا يعد تدخلاً سافراً في أخص أمورنا الذاتية ؟ وهل يقبل هؤلاء أن نتدخل في أي أمر من أمورهم صغر أم كبر؟!
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:35 PM القرآن
[1] مصدر القرآن ..
[2] صحة النص القرآني ..
[3] خطورة القرآن …
[1] مصدر القرآن ..
القرآن الكريم هو كتاب الإسلام الأول الذي تقوم على أساسه عقائد الدين الإسلامي وشريعته، وتنبثق منه أخلاق الإسلام وآدابه. فإذا ثبت أنه وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ومن خلفه، فإن الإيمان به يصبح أمراً لا مفر منه .
ومن أجل ذلك اتجهت جهود المناهضين للإسلام قديماً وحديثاً إلى محاولة زعزعة الاعتقاد في صحة القرآن وفي مصدره. وقد بذل الوثنيون جهدهم في مقاومة فكرة أن القرآن وحي من عند الله. فزعموا أنــه( إفك افتراه وأعانهُ عليه قومٌ آخرون)( الفرقان:4) وأنـه (أساطير الأولين اكتتبها فهي تُملى عليه بكرةً وأصيلاً)( الفرقان :5) وأن محمداً (.. يعلمه بشر ..) ( النحل: 103)، أو أن القرآن قول ساحر أو كاهن. وكانوا يهدفون من وراء ذلك كله إلى إبطال القول بأنه وحي السماء إلى محمد صلى الله عيه وسلم لهداية البشر .
وقد حذا المستشرقون المتحاملون على الإسلام في موقفهم من القرآن حذو مشركي مكة. وبذلوا محاولات مستميتة لبيان أن القرآن ليس وحياً من عند الله وإنما هو من تأليف محمد صلى الله عليه وسلم . ورددوا أحياناً الاعتراضات التي قال بها الوثنيون قديماً رغم دحض القرآن لها.
يقول ( جورج سيل G. Sale ) في مقدمة ترجمته الإنجليزية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1736 م ما يأتي :
( أما أن محمداً كان في الحقيقة مؤلف القرآن والمخترع الرئيسي له فأمر لا يقبل الجدل، وإن كان من المرجح ـ مع ذلك ـ أن المعاونة التي حصل عليها من غيره في خطته هذه لم تكن معاونة يسيرة. وهذا واضح في أن مواطنيه لم يتركوا الاعتراض عليه بذلك ) (87)
وقد كان ( جورج سيل ) ممن لهم اهتمام بالغ بالإسلام لدرجة أنه وصف بأنه نصف مسلم. وقد صادفت المقدمة التمهيدية للترجمة التي جزم فيها بتأليف محمد للقرآن نجاحاً عظيماً في أ وروبا، الأمر أدي بمستشرق آخر هو ( كاسمير سكي) أن يجعل من مقدمة ( سيل) مقدمة لترجمته الفرنسية لمعاني القرآن التي صدرت عام 1841 م. وقد استطاعت هذه المقدمة أن تثبت وجودها زمناً طويلاً جداً كمصدر علمي موثوق به لدى المستشرقين مـن حيث اشتمالها على عرض شامل للدين الإسلامي (88)
وقد أصبحت قضية تأليف محمد للقرآن لدى المستشرقين ( أمراً لا يقبل الجدل ) ، كما يقول ( سيل)، غير أن من المستشرقين من يذكرذلك صراحــة كما فعل (سيل) من قبل، وكما فعل ( رينان ) من بعده، إذ اعتبر الرسالة المحمدية امتداداً طبيعياً للحركة الدينية التي كانت سائدة في عصر محمد صلى الله عليه وسلم دون أن تشتمل هذه الرسالة على أي جديد (89). ومنهم من يذكر ذلك بأسلوب أقل حدة وبطريق غير مباشر، وبعض المستشرقين المعاصرين ينحو هذا المنحى، الأمر الذي يجعل رأيهم يبدو وكأنه استنتاج علمي .
وإذا كان محمد هو مؤلف القرآن فإن الفرية الاستشراقية تحاول أن تكون محبوكة بقدرالإمكان وذلك ببيان المصادر التي اعتمد عليها محمد في كتابته للقرآن. ويذهب الخيال الاستشراقي في هذا الصدد كل مذهب لإثبات مزاعمه .
ويرى ( ريتشارد بل Richard Bell ) (90)مؤلف كتاب مقدمة القرآن أن النبي صلى الله عليه وسلم قد اعتمد في كتابته للقرآن على الكتاب المقدس، وخاصة على العهد القديم في قسم القصص. فبعض قصص العقاب كقصص عاد وثمود مستمدة من مصادر عربية، ولكن الجانب الأكبر من المادة التي استعملها محمد ليفسر تعاليمه ويدعمها قد استمده من مصادر يهودية ونصرانية. وقد كانت فرصته في المدينة للتعرف على ما في العهد القديم أفضل من وضعه السابق في مكة حيث كان على اتصال بالجاليات اليهودية في المدينة، وعن طريقها حصل على قسط غير قليل من المعرفة بكتب موسى على الأقل(91) .
ويذهب المستشرق ( لوت ) إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم مدين بفكرة فواتح السور من مثل: حَمَ وطَسم، والمَ إلخ . لتأثير أجنبي ، ويرجح أنه تأثير يهودي، ظناً منه أن السور التي بدئت بهذه الفواتح مدنية خضع فيها النبي صلى الله عليه وسلم لتأثير اليهود. ولو دقق في الأمر لعلم أن سبعاً وعشرين سورة من تلك السور التسع والعشرين مكية، وأن اثنتين فقط من هذه السور مدنية وهما سورتا البقرة وآل عمران (92).
وعن التأثير النصراني يقول ( بارت) :
لقد كانت معلومات الناس في مكة ـ في عصر النبي ـ عن النصرانية محدودة وناقصة ولم يكن النصارى العرب سائرين في معتقداتهم في الاتجاه الصحيح. ولهذا كان هناك مجال لظهور الآراء البدعية المنحرفة. ولولا ذلك لما كان محمد على علم بأمثال تلك الآراء التي تنكر صلب المسيح وتذهب إلى أن نظرية التثليث النصرانية لا تعني الأب والابن وروح القدس ، وإنما تعني الله وعيسى ومريم. وعلى أية حال فإن المعارف التي استطاع محمد أن يجمعها عن حياة المسيح وأثره كانت قليلة ومحدودة . وعلى عكس من ذلك كان محمد يعرف الشيء الكثير عن ميلاد عيسى وعن أمه مريم (93).
وما يقصد أن يقوله ( بارت ) هنا واضح وهو أن المعلومات التي وردت في القرآن عن النصرانية وعن المسيح وأمه كانت المعلومات الشائعة آنذاك إما خاطئة أو محدودة. فمحمد إذن هو مؤلف القرآن .
ويزعم المستشرقون أيضاً أن محمداً تعرف على النصرانية من بحيرى الراهب في رحلته التجارية إلى الشام. وقد تمثل محمد في نفسه ما سمعه من بحيرى الراهب(94) وما عرفه من أتباع اليهودية، وخرج على الناس يعلن دينه الجديد الذي لفّقه من الدينين الكبيرين .
وهذه كلها مزاعم واهية لا حظ لها من العلم ولا سند لها من التاريخ ، وإنما هي تخمينات وافتراضات يضعها أصحابها كما لو كانت ( حقائق ثابتة لا تقبل الجدل).
وقد تناول الدكتور محمد عبد الله دراز رحمه الله في دراسته القيمة ( مدخل إلى القرآن ) جميع الافتراضات المتعلقة باحتمال وجود مصدر بشري للقرآن. وناقشها مناقشة علمية ، وأظهر زيفها وبطلانها، وانتهى إلى القول بأن :
جميع سبل البحث التي وقعت تحت أيدينا وناقشناها ثبت ضعفها وعدم قدرتها على تقديم أي احتمال لطريق طبيعي أتاح له ( أي للنبي صلى الله عليه وسلم ) فرصة الاتصال بالحقائق المقدسة. ورغم الجهد الذهني الذي نبذله لتضخيم معلوماته السمعية ومعارف بيئته ، فإنه يتعذر علينا اعتبارها تفسيراً كافياً لهذا البناء الشامخ من العلوم الواسعة والمفصلة التي يقدمها لنا القرآن الكريم في مجال الدين والتاريخ والأخلاق والقانون والكون.. إلخ (95).
فلم يبق إلاّ أنه وحي الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أرسله رحمة للناس أجمعين. ويحق لنا أن نسأل الذين يجادلون في مصدر القرآن ويرون أنه مأخوذ من النصرانية واليهودية أو من البيئة العربية .
ما المانع أن يكون القرآن وحياً أصيلاً مأخوذاً من النبع نفسه الذي اغترفت منه الديانات السماوية الصحية ؟
ما المانع أن يكون الإسلام هو الحلقة الأخيرة من حلقات الوحي الإلهي الذي أقام الاتصال بين السماء والأرض على مدى تاريخ البشرية ؟
لماذا تحرِّمون على الإسلام ما تبيحونه لليهودية والنصرانية ؟
هل هو التعصب الأعمى ، أم هي الكراهية لهذا الدين الذي جاء مصححا لما طرأ على الديانات السابقة من أوهام وأباطيل، وكاشفاً لوجه الحق فيها ؟
هل مبدأ جواز اتصال السماء بالأرض عن طريــق الوحي مبدأ مسلم به أم لا.؟!
إنه إذا كان هذا المبدأ مسلماً به فلا معنى لأن تحتكره اليهودية والنصرانية وتمنعه عن الإسلام، وإذا لم يكن مسلماً به فلا مجال للديانات جميعها ؟
لقد جاء القرآن الكريم بما هو أعلى وأوسع وأكمل من كل المعلومات التي كانت لدي بحيرى الراهب ولدى كل النصارى واليهود في شتى بقاع العالم، وجاء القرآن مصدقاً لما نزل على موسى وعيسى وداود وسليمان وغيرهم من حيث كون الكتب التي نزلت عليهم هي في الأصل وحي من عند الله، كما جاء القرآن مهيمناً على هذه الكتب وحاكما عليها، فذكر القرآن أن اليهود والنصارى أوتوا نصيباً من الكتاب، وأنهم نسوا حظاً مما ذكروا به وأنهم حرفوا الكلم عن موضعه، كما بيّن القرآن الكريم كثيراً من القضايا الكبرى التي كانت موضع خلاف بينهم في العقائد والأحكام والأخبار(96) وهناك العديد من الأمثلة التي خالف فيها القرآن ما ورد من أخبار في كل من العهد القديم والجديد .
فهل أخذ محمد صلى الله عليه وسلم ذلك من الرهبان في رحلته التجارية إلى الشام؟ وهل كان كفار مكة يسكتون عن ذلك لو عرفوا أن محمداً استقى معلوماته من اليهود أو النصارى ؟
لقد كانوا يلجأون إلى أوهى المزاعم فلماذا سكتوا عن زعم تلقي محمد عن اليهود والنصارى ؟
لقد زعم الزاعمون أن الذي يعلّم محمداً هو عبد رومي كان يصنع السيوف في مكة، فرد عليهم القرآن الكريم زعمهم قائلاً :( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يُعَلِّمهُ بشرٌ لُسانُ الذي يُلحدون إليه أعجمي وهذا لسانٌ عربيٌ مبينٌ) ( النحل: 103) . وحتى المعلومات التي ذكرت في القرآن وكان لها أصل في كتب اليهود أو النصارى لم يكن محمد ولا قومه يعلمون شيئاً عنها: ويشير القرآن إلى ذلك بعد قصة نوح مثلاً : ( تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين ) ( هود: 49 ). وبعد قصة يوسف يقول القرآن : ( ذلك مـن أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذا أجمعوا أمرهم وهم يمكرون ) ( يوسف : 102 ) .
كما أن هناك من أخبار القرآن ما لم يكن يعرفه أهل الكتاب .. فقد ذكر القرآن الكريم بعد قصة زكريا وولادة مريم عليهما السلام وكفالته لها قوله تعالى :
( ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يُلْقُون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون ) ( آل عمران : 44)(97) .
فمن أين أخذ محمد صلى الله عليه وسلم كل ذلك ؟
إنه وحي السماء، فالإسلام ليس ديناً تابعاً لأي دين آخر، ولكنه الدين الذي أراد الله أن يكون خاتم الأديان، وآخر حلقة في قصة اتصال السماء بالأرض لهداية البشر، وقد أعلن القرآن الكريم ذلك في قوله تعالى :
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليــكم نعمتي ورضيت لكـــم الإسلام ديناً) ( المائدة : 3) .
ونود في هذا الصدد أن نذكر السادة المستشرقين بأن مهد اليهودية والنصرانية والإسلام هو الشرق.. فالشرق هو مهبط الرسالات السماوية ، وعلى أرضه سار رسل الله يحملون رسالته إلى الناس جميعاً، والمقياس لهذه الأديان جميعاً لا بد أن يكون مقياساً واحداً لأن مصدرها واحد . ولكن هذا المقياس الذي نعنيه لن يكون بالتأكيد ذلك المقياس الذي يريد أن يطبقه المستشرقون على علاقة هذه الأديان بعضها ببعض، وهو مقياس التأثير والتأثر كما لو أن الأمر يدور حول شيء إنساني يخضع لهذا المقياس الإنساني . ولهذا نحن نرفض ـ ومعنا كل الحق ـ منهج المستشرقين في دراسة الإسلام لأنه منهج مصطنع جاء وليد اللاهوت الأوروبي ، ولأنه منهج يقصر عن فهم طبيعة الأديان السماوية، ويحاول أن يضعها في صعيد واحد مع الاتجاهات الفكرية الإنسانية .
[2] صحة النص القرآني ..
بعد أن تعرفنا على مزاعم المستشرقين في التشكيك في مصدر القرآن نأتي الآن للحديث عن نقطة أخرى تسير في اتجاه التشكيك نفسه، ولكنها في هذه المرة تشكك في صحة النص القرآني وكأنهم بذلك يريدون أن يردوا على القرآن بالسلاح نفسه فقد قرر القرآن أن التوراة والإنجيل قد أصابهما التحريف والتبديل .
وقد تكلم المستشرقون كثيراً في موضوع القراءات بالأحرف السبعة(98) محاولين إثبات أن القراءة كانت حرة طليقة، الأمر الذي جعل تعرض القرآن للتغيير أمراً لا مفر منه. وهم بذلك يوهمون بأن التدوين وقع في جو هذه الحرية، وفي هذا الجو تم تسجيل قراءات مختلفة. وهذه القراءات التي نجمت عن ذلك لم تكن هي الصورة التي ورد بها الوحي أساساً. ونتيجة ذلك كله هي القول بحدوث تغيير في النص القرآني.
وقد روّج بعض المستشرقين لفكرة ( القراءة بالمعنى) مما يعطي للمزاعم السابقة سنداً تعتمد عليه. فقد ظهرت هذه النظرية في زعم بعضهم في العهد الأموي وسادت الجو وتلقاها الناس بالقبول ، فلم يكن نص القرآن بحروفه بالنسبة لبعض المؤمنين هــو المهم ولكن المهم كان هو روح النص. ومن هنا ظل اختيار الوجه ( الحرف) في القراءات التي تقوم على الترادف المحض أمراً لا بأس به ولا يثير الاهتمام. وهكذا يمكن أن يخضع تحديد النص لهوى كل إنسان .
إن اختلاف القراءات أمر ثابت لا ننكره ، ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضاً أن القرآن كان وحياً باللفظ والمعنى معاً. ومن أجل ذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصاً كل الحرص على تسجيل الوحي فور نزوله والعناية بحفظه في السجلات التي سطر فيها (99). وليس صحيحاً ما يردده ( بلا شير ) من أن فكرة تدوين الوحي لم تنشأ إلا بعد إقامة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، وأن التدوين كان جزئياً وناتجاً عن جهود فردية ومثاراً للاختلاف (100).
فالثابت أن فكرة تدوين الوحي كانت قائمة منذ نزوله ـ وقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام كلما جاءه الوحي وتلاه على الحاضرين أملاه من فوره على كتبة الوحي ليدونوه: وقد بلغ عدد كتاب الوحي ـ كما يذكر الثقات من العلماء ـ تسعة وعشرين كاتباً أشهرهم الخلفاء الراشدون الأربعة ومعاوية، والزبير بن العوام، وسعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت(101) .
وأما ما يتعلق بمسألة الأوجه السبعة في القراءة فإن الأمر فيها لم يكن متروكاً لأهواء الناس، وإنما كان محكوماً بما يقرأه الرسول صلى الله عليه وسلم للناس من أوجه للقراءة كان القصد منها التخفيف على الناس في أول الأمر ( فأذن لكل منهم أن يقرأ على حرفه، أي على طريقته في اللغة، إلى أن انضبط الأمر في آخر العهد وتدربت الألسن، وتمكن الناس من الاقتصار على الطريقة الواحدة فعارض جبريل النبي صلى الله عليه وسلم القرآن مرتين في السنة الأخيرة، واستقر على ما هو عليه الآن ) . وهذا ما عليه أكثر علماء المسلمين (102).
والواقع الذي عليه المسلمون منذ أربعة عشرة قرناً هو تمسكهم الشديد بالمحافظة على الوحي القرآني لفظاً ومعنى ، ولا يوجد مسلم يستبيح لنفسه أن يقرأ القرآن بأي لفظ شاء ما دام يحافظ على المعنى. وليبحث المستشرقون اليوم في أي مكان في العالم عن مسلم يستبيح لنفسه مثل ذلك وسيعييهم البحث ، فلماذا إذن هذا التشكيك في صحة النص القرآني وهم يعلمون مدى حرص المسلمين في السابق واللاحق على تقديس نص القرآن لفظاً ومعنى ؟
إنهم يبحثون دائماً ـ كما سبق أن أشرنا ـ عن الآراء المرجوحة والأسانيد الضعيفة ليبنوا عليها نظريات لا أساس لها من التاريخ الصحيح ولا من الواقع. فنحن المسلمين قد تلقينا القرآن الكريم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهو بدوره تلقاه وحياً من الله . ولم يحدث أن أصاب هذا القرآن أي تغيير أو تبديل على مدى تاريخه الطويل . وهذه ميزة فريدة انفرد بها القرآن وحده من بين الكتب السماوية كافة، الأمر الذي يحمل في طياته صحة هذا الدين الذي ختم الله سائر الديانات السماوية .
وفي هذا الصدد نورد ما ذكره ( رودي بارت ) في مقدمة ترجمتة الألمانية للقرآن الكريم ـ وكأنه يرد على زملائه الذين راحوا يشككون في صحة النص القرآني ـ
يقول ( بارت ) :
( ليس لدينا أي سبب يحملنا على الاعتقاد بأن هناك أية آية في القرآن كله لم ترد عن محمد ) (103) .
ويتصل بالتشكيك في صحة القرآن القول بأن لغة القرآن ( لا تتميز عن لغة الأدب الدنيوي بعصمة يقينية. وهذا أمر يجده المرء في عدم اتفاق أصحاب النبي فيما بينهم على تبعية بعض فقرات معينة للقرآن ، فابن مسعود ـ مثلاً يرى أن سورة الفاتحة والمعوذتين ليست من القرآن على الرغم من أن هذه السور تعد من أشهر المشهورات ) (104) .
وهذا الرأي المنسوب إلى ابن مسعود باطل من أساسه. وقد رفضه علماء المسلمين .
يقول الإمام فخر الدين الرازي :
( نقل في بعض الكتب القديمة أن ابن مسعود كان ينكر كون سورة الفاتحة والمعوذتين من القرآن، وهو أمر في غاية الصعوبة، لأنَّا إن قلنا: (إن النقل المتواتر كان حاصلاً في عصر الصحابة يكون ذلك من القرآن ، فإنكاره يوجب الكفر، وإن قلنا: لم يكن حاصلاً في ذلك الزمان فيلزم أن القرآن ليس بمتواتر في الأصل ).
ومن أجل ذلك يقول الفخر الرازي بأن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل. وكذلك يقول القاضي أبو بكر : إنه لم يصح عن ابن مسعود أن هذه السور ليست من القرآن . أما الإمام النووي فيقول في شرح المهذب:
( أجمع المسلمون على أن المعوذتين والفاتحة من القرآن وأن من جحد منها شيئاً كفر، وما نقل عن ابن مسعود باطل ليس بصحيح ) .
ويقول ابن حزم في كتابه القدح المعلى تتميم المحلى :
( هذا كذب على ابن مسعود وموضوع ، وإنما صح عنه ( أي عن ابن مسعود) قراءة عاصم عن زرعان وفيها المعوذتان والفاتحة ) (105) .
وقد ذكر الباقلاني في كتابه إعجاز القرآن(106) أنه لو صح أن ابن مسعود كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر. فقد تناظروا في أقل من هذا ، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل، فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه ؟ وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف ، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة في الإجماع المقرر والاتفاق المعروف ؟
وهكذا يتضح لنا أن هذا الرأي المزعوم لا يستحق الوقوف عنده أو الاهتمام به على النحو الذي يسلكه المستشرقون، فلم يحدث في تاريخ المسلمين أن كان لأمثال هذه الآراء الباطلة أي تأثير على الإطلاق في توجيه معتقداتهم، ولم يذكر لنا التاريخ أن هناك طائفة من المسلمين تبنت هذا الرأي الباطل المنسوب إلى ابن مسعود ، وعلى ذلك فلا يترتب عليه أدنى شك في تميز لغة القرآن عن لغة الأدب الدنيوي المعهود . فلغة القرآن لها خصوصية التفرد . وقد عجزت فصاحة العرب وبلاغتهم ـ وهم أصحاب الفصاحة والبلاغةـ عن محاكاة لغة القرآن . وقد تحداهم الوحي أن يأتوا ولو بسورة من مثله، ولكنهم عجزوا عن قبول التحدي الذي لا يزال وسيظل قائماً إلى أن تقوم الساعة. فلو كان القرآن غير خارج عن العادة لأتوا بمثله أو عرضوا من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه . فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم وأساليب نظمهم وزالت أطماعهم عنه(107).
فإذا جاء مستشرق مثل ( دوزي) [ت 1883 م] وأطلق عبارات مريضة عن القرآن تقول بأنه كتاب ذو ذوق رديء للغاية ولا جديد فيه إلا القليل، وفيه إطناب بالغ وممل إلى حد بعيد(108) .. إذا قال ( دوزي ) ذلك فلا يأخذنا العجب أن يصدر منه ومن أمثاله مثل هذا الهراء، ولكنا فقط نتساءل : من أين له الأهلية لإصدار مثل هذا الحكم على القرآن الكريم ؟ إن العلم الذي يتحدث باسمه لا يمكن أن يعطي له مثل هذا الحق على الإطلاق. وبالتالي فهي الأحقاد والنزعات والأهواء التي تدفعه إلى ذلك . ومن هذا شأنه لا يمكن أن يصل إلى إدراك ما ينطوي عليه القرآن الكريم من إعجاز وفصاحة وبلاغة أجبرت المشركين على الاعتراف بها، فراح مندوبهم الوليد بن المغيرة يردد بعد سماعه للقرآن ( والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يعلى ، وإنه ليحطم ما تحته).
وشتان بين موقف ( دوزي) وموقف ( الوليد بن المغيرة) ! فالوليد بن المغيرة قال ما قال عن تذوق سليم لبلاغة القرآن، أما ( دوزي) فمن أين له مثل هذا التذوق وهو مهما كانت براعته في العربية ـ غريب عن هذه اللغة وأجنبي عن روحها وإن برع في معرفة ألفاظها ؟!
[3] خطورة القرآن …
القرآن الكريم كتاب مقلق للغربيين، ومحير لهـم ، ومبلبل لأفكارهم. يقول ( بلاشير ) :
( قلما وجدنا بين الكتب الدينية الشرقية كتاباً بلبل بقراءته دأبنا الفكري أكثر مما فعله القرآن )(109) .
ولكن الأمر في الواقع ليس مجرد قلق أو حيرة أو بلبلة فكرية، وإنما الأمر أبعد من ذلك بكثير، إنه الشعور بخطورة هذا الكتاب. وقد كان للاستشراق دوره في التحذير من خطورة القرآن على العالم الغربي، فقد تكفل بالكشف عن أخطار القرآن طائفة من المستشرقين الذين أخضعوا بحوثهم العلمية للأهواء الشخصية أو الأهداف السياسية والدينية، فأعماهم ذلك عن الحق وأضلهم عن سواء السبيل .
عندما تدرس هذه الفئة القرآن الكريم دراسة عميقة ، وتتأمل مبادئه الأساسية، وتتبين مزاياه الفريدة، وما فيه من دعوة إلى الترابط، والاعتصام بحبل الله المتين، والتعاون على البر والتقوى، والتحذير من الشر أو الظلم، والنهي عن السخرية بغيرنا أو التجسس عليه، والتحذير من الغيبة والنميمة، والحض على الصدق والأمانة، والعدل والوفاء بالعهد، والحث على طلب العلم والتخلص من الجهل ـ عندما يتبينون ذلك كله يحاولون طمس هذه الحقائق، وإبعاد المسلمين عنها، ويسارعون إلى أولي الأمر في بلادهم من المستعمرين القدامى أو الجدد، ويوحون إليهم بأن هذا القرآن كتاب خطير، لأنه اشتمل على مبادئ تقيم الدنيا وتقعدها، وإذا تحقق فهمها وتطبيقها ساد أهله العالم كله وتحكموا في مصيره.
وهذا يعني ان المسلمين إذا عرفوا كتابهم حق المعرفة، وطبقوه تطبيقاً تاماً، فالويل كل الويل للاستعمار القديم والجديد. إذ أنه لن تقوم له قائمة بعد الساعة التي تتم فيها هذه المعرفة، ويتحقق فيها ذلك التطبيق. ومن ثم يتبين ذلك المجهود الذي يبذله المستعمرون في أن يبقى القرآن مجهولاً، وأن تظل مبادئه مهجورة بعيدة عن التنفيذ(110) .
ومن هنا نعرف سبب هلع الغرب وفزعه الذي لا حد له عندما يشعر بوجود تيار إسلامي في أي مكان في العالم الإسلامي، أو ما يعرف الآن بالصحوة الإسلامية، التي تعني ـ لو أحسن ترشيدها ـ عودة إلى هذا القرآن الخطير، الذي يزع العزة في قلوب أبنائه، ويرفض أن يكونوا أذلاء لأعدائهم. وهذا يعني أيضاً انطلاق المارد الإسلامي من سجنه ليثبت وجوده مرة أخرى، الأمر الذي يهدد أطماع ومصالح الغرب في الشرق الإسلامي.
وتقوم وسائل الإعلام في الشرق والغرب بتصوير الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي بالتطرف والتشدد والجمود والرجعية والتعصب والإرهاب وكل ما في القاموس من ألفاظ من هذا القبيل . ويعمل الغرب والشرق مجتمعين على ألا تقوم للإسلام قائمة مرة أخرى، وهذا هدف لا خلاف عليه بين كلا المعسكرين، ولكن المسلمين لا يدركون هذه الحقيقة إدراكاً تاماً .
وتتجه الجهود إلى تحويل أنظار المسلمين إلى أن طريق الخلاص هو في اتباع سبيل الغرب العلماني. ولهذا تنطلق الدعوة من جانب بعض المستشرقين إلى إصلاح الإسلام . فالإسلام في زعمهم دين جامد لم يعد مسايراً لروح العصر. ومن أجل ذلك فهو في حاجة إلى إصلاح جذري. وفي ذلك يقول ( ك. كراج K.Cragg ) رئيس تحرير مجلة العالم الإسلامي :
( إن على الإسلام إمّا أن يعتمد تغييراً جذرياً فيه أو أن يتخلى عــن مسايرة الحياة)(111) .
هذه دعوة يوجهها إلى المسلمين غريب عنهم بشأن ما ينبغي عليهم أن يفعلوه في دينهم، وهذا الإصلاح المزعوم يمثل محاولة تغيير وجهة نظر المسلم عن الإسلام، وجعل الإسلام أقرب إلى النصرانية بقدر الإمكان .
ولعله من نافلة القول أن نشير هنا إلى إن الإسلام يشتمل على أصول لا يملك أحد أن يغير فيها شيئاً ، وهي عقائد الإسلام الأساسية، ويشتمل على فروع وهي قابلة للتغيير حسب المصلحة الإسلامية، وان الإصلاح الذي نفهمه نحن المسلمين هو إصلاح للفكر الإسلامي الذي هو في حاجة إلى المراجعة المستمرة حتى يتلاءم مع متطلبات العصر وحاجات الأمة في إطار التعاليم الإسلامية. ويعبر الداعية الإسلامي الكبير الشيخ محمد الغزالي عن ذلك بأنه ( مراجعة لا رجوع ) .
ولكن الدعوة إلى الإسلام أو تحديثه كما يقال أحياناً ليست بهذا المفهوم، وإنما هي عبارة عن تفريغ الإسلام من مضمونه وعزله كلية عن تنظيم أمور المجتمع، وجعله مجرد تعاليم خلقية شأنه في ذلك شأن الديانة النصرانية .
ويتورط بعض من أبناء المسلمين في حمل لواء الدعوة إلى إصلاح الإسلام كما يفهمه المستشرقون . ومن أحدث الكتب في هذا الشأن كتاب صدر في ألمانيا الغربية منذ عامين ( عام 1981م) بعنوان : (أزمة الإسلام الحديث ) لمؤلف عربي مسلم ـ يعمل أستاذاً في إحدى الجامعات الألمانية ـ يدعو فيه بحماس إلى الأخذ بالأنموذج الغربي في الإصلاح المتمثل في جعل الدين مجرد تعاليم خلقية لا تكاليف إلزامية، فذلك في نظره هو الحل الوحيد لأزمة الإسلام وبذلك يتم إبعاد الدين كلية عن التدخل في شؤون الحياة حسب الأنموذج العلماني الغربي .
وهكذا نوفر نحن أبناء المسلمين على المستشرقين والمنصرين بذل الجهد في هذا السبيل ونتولى نحن الدعوة إلى تحقيق الأهداف التي عاشوا قروناً طويلة يعملون من أجلها دون جدوى .
وقد وصل الأمر في بعض البلاد الإسلامية العلمانية إلى معاملة الفكر الإسلامي معاملة الفكر الماركسي من حيث كونهما خطراً تجب مكافحته وتعقب الداعين إليه.
وقد قام الاستعمار بالتخطيط المدروس لإضعاف العالم الإسلامي وإبعاده عن مقوماته الإسلامية، ومنع أية محاولة لجمع شمل المسلمين مرة أخرى، ووجد الاستعمار من بين أبناء العالم الإسلامي أناساً ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا أدوات لتحقيق أهدافه . ونحن لا نلقي هنا القول على عواهنه، وإنما هذا ما تنطق به الوثائق السرية الاستعمارية نفسها. فقد جاء في تقرير وزير المستعمرات البريطاني ( أورمسبي غو ) لرئيس حكومته بتاريخ 9 يناير ( كانون الثاني ) 1938م ما يأتي :
( إن الحرب علمتنا أن الوحدة الإسلامية هي الخطر الأعظم الذي ينبغي على الإمبراطورية أن تحذره وتحاربه، وليس الإمبراطورية وحدها، بل فرنسا أيضاً، ولفرحتنا فقد ذهبت الخلافة، وأتمنى أن تكون إلى غير رجعة .
إن سياستنا الموالية للعرب في الحرب العظمى ( يعني الأولى) لم تكن مجرد نتائج لمتطلبات ( تكتيكية) ضد القوات التركية، بل كانت مخططة أيضاً لفصل السيطرة على المدينتين المقدستين مكة ، والمدينة عن الخلافة العثمانية التي كانت قائمة آنذاك .
ولسعادتنا فإن كمال أتاتورك لم يضع تركيا في مسار قومي علماني فقط، بل ادخل إصلاحات بعيدة الأثر، أدت بالفعل إلى نقص معالم تركيا الإسلامية .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:36 PM السنَّة النبوية
السنة النبوية هي الأصل الثاني للإسلام. وقد أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ رسالته إلى الناس في قوله تعالى :
(يأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك .. ) ( المائدة: 67 )
ولكن الأمر لم يكن مجرد تبليغ آلي، وإنما هو تبليغ مصحوب بالتبيين ، كما ورد في قوله تعالى:
( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم .. )
( النحل : 44). وفي قوله تعالى:
( وما أنزلنا عليك الكتاب إلاّ لتبين لهم الذي اختلفوا فيه .. ) ( النحل : 64) .
وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ما أمره الله به ، فكانت سنته المتمثلة في أقواله وأفعاله وتقريراته للقرآن بمثابة ( تفصيل مجمله وبيان مشكله وبسط مختصره )(112) . وبذلك يكون الارتباط بين القرآن والسنة ارتباطاً لا يتصور أن ينفصم في يوم من الأيام. وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: ( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي )
(113) . ومن اجل ذلك اهتم المسلمون اهتماماً عظيماً بالسنة بوصفها الأصل الثاني للإسلام. وقد كان هذا الفهم يعد من الأمور البديهية لدى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فعندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل والياً إلى اليمن سأله: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء ؟ قال : بكتاب الله، قال فإن لم تجد ؟ قال : بسنة رسول الله ، قال: فإن لم تجد ؟ قال : أجتهد رأيي(114) .
وقد أراد المستشرقون ـ بعد محاولاتهم الفاشلة للتشكيك في القرآن الكريم من جوانب مختلفة، وبعد أن أعياهم البحث ولم يكن لهذه المحاولات أي اثر إيجابي لدى المسلمين المتمسكين بقرآنهم، وتبين ان هذه المحاولات لم تكن إلاّ كما قال الشاعر العربي :
كناطح صخرة يوماً ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
أراد المستشرقون أن يوجهوا محاولات التشكيك إلى ناحية أخرى، أي إلى الأصل الثاني للإسلام وهو السنة، مع الاستمرار في محاولاتهم السابقة الفاشلة. وأول مستشرق قام بمحاولة واسعة شاملة للتشكيك في الحديث النبوي كان المستشرق اليهودي ( جولد تسيهر ) الذي يعده المستشرقون أعمق العارفين بالحديث النبوي.
ويقول عنه كاتب مادة ( الحديث ) في دائرة المعارف الإسلامية : ( إن العلم مدين ديناً كبيراً لما كتبه ( جولد تسيهر ) في موضوع الحديث ، وقد كان تأثير ( جولد تسيهر ) على مسار الدراسات الإسلامية الاستشراقية أعظم مما كان لأي معاصريه من المستشرقين، فقد حدد تحديداً حاسماً اتجاه وتطور البحث في هذه الدراسات )(115) . ويلخص ( بفانموللر ) عمل ( جولد تسيهر) في هذا المجال فيقول :
( لقد كان ( جولد تسيهر) أعمق العارفين بعلم الحديث النبوي. وقد تناول في القسم الثاني من كتابه ( دراسات محمدية) موضوع تطور الحديث تناولاً عميقاً. وراح ـ بما له من علم عميق، واطلاع يفوق كل وصف ـ يبحث التطور الداخلي والخارجي من كل النواحي.. وقد قادته المعايشة العميقة لمادة الحديث الهائلة إلى الشك في الحديث، ولم يعد يثق فيه مثلما كان ( دوزي) لا يزال يفعل ذلك في كتابه ( مقال في تاريخ الإسلام ) . وبالأحرى كان ( جولد تسيهر ) يعتبر القسم الأعظم من الحديث بمثابة نتيجة لتطور الإسلام الديني والتاريخي والإجمتاعي في القرن الأول والثاني . فالحديث بالنسبة له لا يعد وثيقة لتاريخ الإسلام في عهده الأول: عهد طفولته، وإنما هو أثر من آثار الجهود التي ظهرت في المجتمع الإسلامي في عصور المراحل الناضجة لتطور الإسلام . ويقدم ( جولد تسيهر ) مادة هائلة من الشواهد لمسار التطور الذي قطعه الإسلام في تلك العصور التي فيها تشكيلة من بين القوى المتناقضة، والتباينات الهائلة حتى أصبح في صورته النسقية .. ويصور جولد تسيهر ) التطور التدريجي للحديث، ويبرهن بأمثلة كثيرة وقاطعة كيف كان الحديث انعكاساً لروح العصر، وكيف عملت على ذلك الأجيال المختلفة، وكيف راحت كل الأحزاب والاتجاهات في الإسلام تبحث لنفسها من خلال ذلك عن إثبات لشرعيتها بالاستناد إلى مؤسس الإسلام، وأجرت على لســانه الأقوال التي تعبر عن شعاراتها )(116) .
وهكذا تم اختراع كم هائل من الأحاديث في العصر الأموي عندما اشتدت الخصومة بين الأمويين والعلماء الصالحين، ففي سبيل محاربة الطغيان والخروج عن الدين راح العلماء يخترعون الأحاديث التي تسعفهم في هذا الصدد، وفي الوقت نفسه راحت الحكومة الأموية تعمل في الاتجاه المضاد ، وتضع أو تدعو إلى وضع أحاديث تسند وجهات نظرها. وقد استطاعت أن تجند بعض العلماء الذين ساعدوها في هذا المجال.. ولكن الأمر لم يقف عند وضع أحاديث تخدم أغراضاً سياسية، بل تعدّاه إلى النواحي الدينية في أمور التي لا تتفق مع ما يراه أهل المدينة . وقد استمر هذا الحال في وضع الأحاديث في القرن الثاني أيضاً(117) .
هذا هو ملخص المزاعم التي روجها ( جولد تسيهر ) ليهدم بها الأصل الثاني للإسلام وهو السنة. ولسنا هنا في معرض الرد التفصيلي على هذه المزاعم، فقد تكفل بعض أفاضل العلماء بذلك . ومن أهم الكتب القيمة في هذا المجال كتاب (السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي) للدكتور السباعي. فمن أراد التفصيل فليرجع إليه .
ولكننا هنا نود أن نشير إلى أننا لا ننكر أن هناك الكثير من الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لا أصل لها، وأن ذلك لم يكن في يوم من الأيام خافياً على علماء المسلمين في مختلف العصور. ولكن الأمر الذي لا شك فيه أيضاً أن علماء المسلمين الذين اهتموا بجمع الحديث النبوي لم يفرطوا إطلاقاً في ضرورة التدقيق الذي لا حدّ له في رواية الحقائق. فقد وضع القرآن أمامهم أهم قاعدة من قواعد النقد التاريخي في قوله تعالى :
(يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأٍ فتبينوا ..) ( الحجرات:6) .
وتتمثل هذه القاعدة في أن أخلاق الراوي تعد عاملاً هاماً في الحكم على روايته . وقد أفاد المسلمون إفادة عظيمة من هذه القاعدة وطبقوها على رواة الأحاديث النبوية. وقد كان تطبيق هذا المنهج النقدي على رواة الأحاديث هو الذي تطورت عنه بالتدريج قواعد النقد التاريخي(118).
ولعلماء الحديث باع طويل في نقد الرواة وبيان حالهم من صدق أو كذب. فقد وصلوا في هذا الباب إلى أبعد مدى، وأبلوا فيه بلاءً حسناً، وتتبعوا الرواة ودرسوا حياتهم وتاريخهم وسيرتهم وما خفي من أمرهم وما ظهر ، ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، ولا منعهم عن تجريح الرواة والتشهير بهم ورع ولا حرج. قيل ليحيى بن سعيد القطان :
أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة ؟ فقال :
لأن يكون خصمي أحب إلي من أن يكون خصمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لم لم تذب الكذب عن حديثي(119) .
ويروي الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن سيرين قوله :
(.. لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم، فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم ) .
ويقول ابن عبّاس أيضاً :
إنا كنّا مرة إذا سمعنا رجلاً يقول : قال رسول الله صلى الله عيه وسلم ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف ) .ثم أخذ التابعون في المطالبة بالإسناد حين فشا الكذب. يقول أبو العالية:
كنّا نسمع الحديث من الصحابة فلا نرضى حتى نركب إليهم فنسمعه منهم ) .
ويقول ابن المبارك : ( بيننا وبين القوم القوائم) يعني الإسناد(120) .
وقد وضع رجال الحديث القواعد الدقيقة التي ساروا عليها فيمن يؤخذ منه ومن لا يؤخذ، ومن يكتب عنه ومن لا يكتب. ويعلم ( جولد تسيهر ) وغيره من المستشرقين ذلك حق العلم، ويعلمون أيضاً أن ما بذله المسلمون في توثيق الحديث لم يبذل أحد من أتباع النصرانية واليهودية عشر معشاره في سبيل توثيق العهدين القديم والجديد، ويعلمون أيضاً أن إماماً من أئمة الحديث مثل البخاري لم يأخذ في صحيحه بعد حذف المكرر إلا حوالي أربعة آلاف حديث فقط من مجموع حوالي نصف مليون حديث قام بجمعها وغربلتها حتى انتقى منها هذه الآلاف القليلة نتيجة للمناهج العلمية الدقيقة التي وضعها المحدثون. ولم يكن المسلمون في وقت من الأوقات في حاجة إلى من يعلمهم ذلك من أمثال ( جولد تسيهر) ومن سار على نهجه .
أما دعوى أن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الديني والسياسي والاجتماعي للإسلام في القرنين الأولين، وما ذكره ( جولد تسيهر) من حديث عن طفولة الإسلام ونضوجه .. إلخ فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم فإن الواقع والتاريخ يكذب هذه المزاعم .
فقد انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى بعد أن اكتمل الدين تماماً بنص القرآن الكريم حيث يقول :
(اليوم أكملت لكــم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)(المائدة: 3).
وهذه الآية الكريمة تتضمن أيضاً إكمال السنة لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ ومبين لما في الكتاب كما سبق أن أشرنا، فالحديث عن مرحلة نضوج للإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حديث لا أساس له، لأن النضوج كان قد تم بالفعل قبل وفاته. أما إذا كان المراد بالنضوج هو تطور الفكر الإسلامي أو الفقه الإسلامي فهذا أمر آخر مع الأخذ في الاعتبار أن تطور الفقه الإسلامي لم يخرج ـ في أثناء بحثه عن حلول لما جدّ في المجتمع الإسلامي من مشكلات لم يكن لها نظير من قبل ـ عن الخطوط العامة التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية .
أما أن الحديث كان انعكاساً للتطورات التي شهدها المجتمع الإسلامي في القرنين الأولين فيكذبه الحديث الشريف الذي سبق أن أوردناه :
( تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ) .
قد كان من نتيجة ذلك جمع المسلمين على كلمة سواء في العقائد والعبادات والأخلاق وأحكام المعاملات في كل بقاع الأرض. فكيف يمكن حدوث ذلك إذا لم يكن الدين قد اكتمل، والقواعد قد ترسخت، والأخلاق قد تمكنت من النفوس، والعبادات قد استقرت أوضاعها. إن القول بأن الحديث أو القسم الأكبر منه كان نتيجة للتطور الذي حدث في المجتمع الإسلامي في القرن الأول والثاني يترتب عليه ألا تتحد عبادة المسلم في شمال أفريقيا مع عبادة المسلم في جنوب الصين، نظراً للاختلاف البعيد في البيئة في كل منهما. فكيف اتحدا في العبادة والتشريع والآداب وبينهما هذا البعد وهذا الاختلاف ؟!(121) .
أما اختلاف المذاهب وتعددها بعد القرن الأول فقد كان نتيجة لاختلاف أفهام المسلمين في فهم الكتاب والسنة. وهو اختلاف في الاجتهادات في الفروع لا في الأصول، وقد أباح الإسلام مثل هذا الاختلاف في الفهم الناتج عن اجتهاد صادق. فإذا كان اجتهاداً خاطئاً فلصاحبه مع ذلك أجر واحد ، وإن كان اجتهاداً صائباً فلصاحبه أجران . ومن هنا نجد المرونة التي تتلاءم مع كل عصر وكل مكان .
وهكذا لم يصل المستشرقون إلى ما يريدون من زعزعة اعتقادات المسلمين وخلخلة تمسكهم بإيمانهم وسنة نبيهم . وقد ردد بعض من المسلمين بعض الأفكار الاستشراقية(122) ، ولكنها لم تجد أيضاً آذاناً صاغية من المسلمين .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:37 PM الشريعة الإسلامية والقانون الروماني
الأمثلة التي ذكرناها من آراء ومواقف المستشرقين من القرآن الكريم والسنة النبوية تكفي شاهداً ودليلاً على محاولاتهم المستميتة في سبيل هدم هذين الأصلين الكبيرين اللذين يقوم عليهما الإسلام، فالاعتقاد بهما إذا تطرق إليه التخلخل فإن ذلك سيؤدي بدوره إلى تخلخل الاعتقاد في الإسلام من أساسه. ولكن المستشرقين لم يقفوا عند هذا الحد، فدائرة عملهم أوسع من التشكيك في القرآن والسنة، فهم حريصون على تجريد المسلمين والعقلية الإسلامية والفكر الإسلامي بصفة عامة من كل القيم الإنسانية والحضارية والابتكارات العلمية. ولن نستطيع بطبيعة الحال أن نعرض في هذا الكتاب الموجز لكل المزاعم الاستشراقية في هذا الصدد، ولكننا سنكتفي بأن نشير باختصار شديد إلى أنموذجين يوضحان محاولات المستشرقين في التشكيك في أصالة كل من الشريعة الإسلامية والفلسفة الإسلامية.
أما ما يتعلق بالشريعة الإسلامية فإن معظم المستشرقين يميلون إلى القول بتأثر الشريعة الإسلامية بالقانون الروماني، على اختلاف فيما بينهم في درجات هذا التأثر. فمنهم فريق من أمثال ( جولد تسيهر) و( فون كريحر) و( شيلدون آموس ) يذهبون إلى القول بأن الشريعة الإسلامية مستمدة من القانون الروماني، فهذا القانون هو المصدر الذي أقام فقهاء المسلمين على أساس من قواعده الكيان القانوني للشريعة الإسلامية. وفي ذلك يقول (شيلدون آموس ) بصريح العبارة :
( إن الشرع المحمدي ليس إلا القانون الروماني للإمبراطورية الشرقية معدلاً وفق الأحوال السياسية في الممتلكات العربية). ويقول أيضاً :
( إن القانون المحمدي ليس سوى قانون جستنيان في لباس عربي ) .
ويستدل هؤلاء على دعواهم بأدلة مختلفة أهمها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على معرفة واسعة بالقانون الروماني ، كما أن فقهاء المسلمين قد تعرفوا على آراء فقهاء مدارس القانون الروماني وأحكام المحاكم الرومانية في البلاد التي كانت لا تزال فيها هذه المدارس والمحاكم قائمة بعد الفتح الإسلامي. وهناك بالإضافة إلى ذلك تشابه في النظم القانونية والأحكام والقواعد الموجودة في الشريعة والقانون الروماني، الأمر الذي يعني أن الشريعة الإسلامية اقتبست هذه النظم والأحكام من القانون الروماني باعتباره سابقاً عليها(123) .
وهذه الأدلة باطلة ويسهل كشف زيفها وبطلانها، ولا تستطيع أن تثبت أمام النقد العلمي الجاد. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولم يكن لخروجه إلى الشام في المرتين اللتين سافر فيهما أي أثر في إمكان اطلاعه على القانون الروماني. فقد كانت رحلته الأولى مع عمه أبي طالب وهو ابن تسع سنين أو اثنتي عشرة سنة ، وأما رحلته الثانية فقد كانت سنه حينذاك خمساً وعشرين سنة، ولم يرافقه فيها إلاّ عرب خلّص، ولم يختلط بأحد من علماء القانون الروماني، فضلاً عن أنه لم يكن هناك أي سبب يدعو الحكام الرومان أو أحد علمائهم لتعليم محمد قواعد القانون الروماني. أما تعرف علماء المسلمين على القانون الروماني من المدارس والمحاكم الرومانية فإنه زعم باطل، لأن هذه المدارس كانت قد ألغيت بقرار إمبراطوري في 16 ديسمبر ( كانون الأول ) 533م ، وما بقي من هذه المدارس في روما والقسطنطينية لم يكن له تأثير على المسلمين. أما مدرسة بيروت فقد اندثرت قبل الفتح الإسلامي بثلاثة أرباع القرن. وما أثير حول تأثر الإمام الأوزاعي بالقانون الرماني لا أساس له ، لأن الأوزاعي كان من فقهاء مدرسة الحديث التي كانت أبعد المدارس عن التأثر بمؤثرات أجنبية. وقد قضى الفتح الإسلامي على أي سلطة أجنبية للقضاء في الدولة الإسلامية .
أما القول بالتشابه المزعوم بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني فإن التشابه لا يعني بالضرورة التأثر، فقد يكون ناشئاً من تشابه الظروف الاجتماعية، كما أن العقول تتشابه في كثير من أنواع التفكير. ومع ذلك فإنه على الرغم من هذا التشابه الظاهري في بعض النظم والقواعد فإن هناك اختلافات كثيرة وأساسية بينهما مما يدل على استقلال كل منهما عن الآخر. فضلاً عن اختلافهما في مصادر الأحكام ، فالخلاف جوهري بينهما، إذ تقوم الشريعة الإسلامية على أساس الوحي الإلهي بينما يعتمد القانون الروماني على العقل البشري، ولذلك فإن الصلة بينهما منقطعة ـ كما يقول العالم الفرنسي ( زيس Zeys ) ـ فكيف يتصور التوفيق بين نظامين قانونيين وصلا إلى هذه الدرجة من الاختلاف ؟(124) .
وفي هذا الصدد يقول الدكتور السنهوري رحمه الله :
(إن هذا القانون بدأ عادات .. ونما وازدهر عن طريق الدعوى والإجراءات الشكلية . أما الشريعة الإسلامية فقد بدأت كتاباً منزلاً من عند الله، ونمت وازدهرت عن طريق القياس المنطقي والأحكام الموضوعية .. إلا أن فقهاء المسلمين امتازوا عن فقهاء الرومان، بل امتازوا عن فقهاء العالم باستخلاصهم أصولاً ومبادئ عامة من نوع آخر هي أصول استنباط الأحكام من مصادرها ، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه ) (125) .
محمد مصطفى محمود 02-06-2005, 01:38 PM الفلسفة الإسلامية
يميل نفر من المستشرقين إلى تجريد العقلية الإسلامية من كل لون من ألوان الإبداع الفكري، وينكرون على فلاسفة الإسلام الجدة والأصالة في تفكيرهم، ويعتبرونهم مجرد نقلة للتراث اليوناني الفلسفي. وتقوم هذه الدعوى على أساس عنصري يقســم الشعوب إلى ساميين وآريين. فالعرب ـ وهم من الجنس السامي ـ لا قدرة لهم على التفكير الفلسفي وتناول الأمور المجردة. أما الشعوب الآرية ـ ومنهم اليونانيون القدماء ـ فهم وحدهم أصحاب المقدرة على ذلك(126) .
ويصرح ( رينان) في كتابه ( تاريخ اللغات السامية ) بأنه أول من قرر هذا الرأي الذي يذهب إلى جعل الجنس السامي دون الجنس الآري. وبناء عليه فإن ما لدى العرب من فلسفة ليس إلا اقتباساً صرفاً جديباً وتقليداً للفلسفة اليونانية، وبمعنى آخر : إن الفلسفة العربية هي الفلسفة اليونانية مكتوبة بحروف عربية(127) .
وذهب ( كارل هينريش بيكر) إلى أنه بينما تخضع الروح الإسلامية للطبيعة الخارجية فتفنى الذوات الفردية في كل لا تمييز فيه، فلا تتصور الأفكار إلا على الإجماع نجد أن الروح اليونانية تمتاز بالفردية واحترام الذاتية، وهما محل النظر الفلسفي. ولهذا فقد كان اليونان أقدر على التفلسف من المسلمين(128).
وقد تابع ( جوتييه) وغيره ( رنان ) في دعواه العنصرية . وقال ( جوتييه ) :
( هذه هي عقلية الدين الإسلامي وروحه في حقيقتها ودقائقها وما ظهر منها وما بطن ؟ هو دين سام بحت: مفرق وموحد بأضيق المعاني، وغير عقلي ، ولا يتفق والتفكير الحر، وقليل الميل إلى التصوف ولو في عهده الأول على الأقل ومن ثم في روحه الحقة )(129) .
وزعم رينان أن الإسلام دين لا يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها. ويذهب ( تنمان) أيضاً إلى أن كتاب المسلمين المقدس يعوق النظر العقلي الحر(130) .
ولا يعنينا هنا أن نناقش النظرية العنصرية التي تقسم الشعوب إلى ساميين وآريين، فقد كادت تتلاشى لعدم استنادها على أساس علمي سليم(131) ، وإن كانت قد تركت آثارها في العقلية الأوروبية، ولكن الذي يهمنا هنا هو ما رأيناه من إقحام الإسلام في تلك المزاعم، ووصف |