عرض الإصدار الكامل : كونديرا في جديده الروائي "الستار"


P. R. Picasso
28-05-2005, 03:28 PM
ميلان كونديرا في جديده الروائي "الستار"
لم يبقَ لـنا أمام الـحـياة سـوى أن نـحاول فهـمها

"ينبغي للرواية أن تدمّر كل يقين"

[align=right:51fed46992]ميلان كونديرا [/align:51fed46992]
http://www.annaharonline.com/graphics/P23-02-22317.JPG
"ليس افضل من الرواية لإطاحة حيرتنا وشكوكنا"

[align=right:51fed46992]ماريو فارغاس يوسا [/align:51fed46992]



[align=justify:51fed46992]"كان ستارٌ سحري منسوج من الأساطير معلّقا أمام العالم. ثم أرسل ثرانتس بطله دون كيشوت في رحلة، فمزّق هذا الستار، وشرّع العالم أمام الفارس الرحّالة بكل عري نثره المضحك". هذا "الستار" هو عنوان كتاب الروائي ميلان كونديرا الأخير، ويقدّم الينا فيه عبر نص متماسك رغم تنوع تيماته تنظيرات وتأملات في الرواية الحديثة، تتكامل مع روح عمليه السابقين على هذا المستوى، وهما "فن الرواية" و"الوصايا المنكث بها". العالم محجوب أمامنا، يقول كونديرا، يحجبه ستار من الافكار المسبقة والتأويلات الجاهزة والصور الخادعة والتجسيدات الكاذبة والكليشيهات التي تخفي طبيعة الواقع "الخفيفة والكثيفة" على السواء، كما يصفها صاحب "خفة الكائن التي لا تحتمل". ودور الرواية، منذ فجر الرواية، تمزيق هذا الستار بغية ادراك بعض من حقيقةٍ لا يستطيع سوى الروائيين الحقيقيين والأصيلين جعلها في متناولنا.

لكن ليس ثمة جديد حقا في الخطاب الذي يقدمه الينا "الستار"، اذ لطالما استكشف كونديرا الطاقة العلمية والنقدية الكامنة في الرواية، ولطالما بحث في مبادئها واصولها ومنطقها، وفي قدرتها على ان تبيّن لنا المعاني المخبوءة او المعقدة بطرقها الخاصة، على هامش الأدوات الفلسفية والسوسيولوجية والتاريخية، وهو ما كان تطرق اليه اصلا في إسهاب في كتابه "فن الرواية"، وحتى في سياق بعض رواياته كذلك. فلو تذكرنا مثلا الآلية الروائية التي استخدمها في أعمال على غرار "الجهل" أو الهوية"، لوجدنا أنها تقنية "مختلطة" تجتاح فيها الخطَّ السردي تأملاتٌ فلسفية مقتضبة مرتبطة ارتباطا وثيقا بضمير الكاتب وهمومه الوجودية الأساسية، مثل لغز الزمن. وللزمن تحديدا حضور قوي ومهيمن في "الستار"، خاصة من خلال بعديه الأشد بلاغة، الذاكرة والنسيان، اللذين يبدوان ملتصقين بمفهوم الرواية لدى كونديرا.

رغم بعضٍ من تكرار وقابلية للتوقّع، لا يمكن ان تكون قراءة نص فكري "كونديري" سوى متعة كبيرة، ولاسيما أنه يجتنب غالبا اللغة التنظيرية الاكاديمية الجافة و"يرطّب" العمل بذكريات وملاحظات مرتبطة بتجاربه الحياتية وبوضعه كمنفي. هكذا تتشابك نتف مكثفة من سيرته مع أفكاره حول ما يجب ان تكون عليه الرواية، ومع باقة متنوعة من الحجج والتيمات مثل تاريخ أوروبا وحاضرها، و"الحداثة المضادة للحداثة"، والتحول المستمر للمفاهيم الجمالية، وروعة المشاعر البسيطة، وجمال النثر، وغنى اليومي، والغباء "المتلازم مع الطبيعة الانسانية"، ومراحل تكوين الروائيين الذين غالبا ما يولدون "على انقاض عالمهم الغنائي"... تيمات موزّعة على سبعة اجزاء وذات راهنية متناسبة مع وضع العالم الحالي وشؤونه وشجونه، خاصة في ما يتعلق بمصير أوروبا وسط الجدال الحامي الدائر اليوم حول الاتحاد الاوروبي ودستوره بين فريقي الـ"نعم" والـ"لا".

الجزء الأول من "الستار" تحت عنوان "وعي الاستمرارية"، وهذا الوعي كما يقول كونديرا هو ميزة الحضارة الاوروبية التي لديه تحفظات حول مستقبلها: "لو جردنا الاعمال الفنية من تاريخها، يبقى منها الشيء القليل"، يؤكد، "لكن اوروبا التي نعيش فيها اليوم ما عادت تبحث عن هويتها في مرآة فلسفتها او فنونها". وكما ذكرنا في البداية، يطل ثرانتس كالصقر محلقا في سماء الكتاب كلّه، اذ يعتبره كونديرا، هو وسلفه رابليه، مؤسسي الحداثة في الرواية، علما ان ثرانتس نال بواسطة انجازه الدون كيشوتي شهرة عالمية لم يصل اليها صاحب "غرغانتويا"، حتى في بلاده. ثرانتس أوجد الرواية "الجديدة"، المتعددة اللون والمذاق، تلك الكوميدية والغنائية في آن واحد، التي يتزاوج فيها في تناغم فطري التراجيدي مع المضحك واليومي مع الملحمي، والتي تبدو في تغيّر متواصل، كالحياة نفسها، رغم ان شكل الرواية كما اخترعها صاحب دون كيشوت لم تعرف نجاحا واسع النطاق الا عندما اعتمدها كتاب القرن الثامن عشر الانكليز نموذجا. حتى التنظيرات الروائية يجب ان تُبنى بالنسبة الى كونديرا تبعا للمثال الثرانتيسي، أي أن تكون "رشيقة وممتعة"، علما ان الروائيين "يهربون من رطانة العلامة كما لو أنها وباء". ويروي الكاتب في هذا الاطار انه قبل ان ينهي ميغيل دي ثرانتس المجلد الثاني من روايته المشهورة، قام كاتب ثان، لم يزل الى اليوم مجهولا، بنشر تكملة مغامرات دون كيشوت باسم مستعار. وكان رد فعل ثرانتس بالطبع غضبا شديدا، وقال يومذاك في فخر كبير: "من أجلي فقط ولد دون كيشوت، ومن أجله فقط ولدت أنا: هو عرف كيف يعيش وانا عرفت كيف اكتب، ونحن اثنان في واحد". تلك الوحدة بين الكاتب ونصّه هي الميزة الحقيقية والاساسية لأي رواية، اي أن تكون منتجا فنيا فريدا من نوعه لا يمكن تقليده ولا يمكن فصله عن خالقه الأوحد. وهنا يأتي كونديرا ايضا على ذكر فلوبير الذي عرف "كيف ينتشل الجمال من التفاصيل والتكرار واليومي والتافه".

أما الجزء الثاني، فيدور بخاصة حول الاشكالية الاوروبية، واستعار كونديرا عنوانه "أدب العالم" من غوته. بعد اجتياح روسيا لتشيكيا تكوّن في ذهنية الكاتب تصور عن اوروبا مثالية - هي اليوم في رأيه في خطر -، اوروبا تتعايش فيها اقصى درجة ممكنة من التنوع العرقي والطائفي والثقافي والسوسيولوجي في اصغر بقعة جغرافية، بغية التصدي للعظمة الاجتياحية الاميركية والروسية. لكن ثمة حاجزاً اساسياً في وجه الأدب يحول دون تحقيقه هذا التصور او "التجاور" الطوباوي، فعلى العكس من الموسيقى التي تستطيع ان تندمج في الإطار الكبير المتجاوز للدول والقوميات، ما زال الأدب محتجزا في اطار محلي صغير، بحيث ان حلم غوته بـ "أدب العالم" (تناغما مع مواطنية العالم) لم يزل الى الآن غير قابل للتحقيق. ويقول الكاتب: "إن غريزة التملك لدى أمة ما حيال فنانيها وأدبائها تتجسد في إرهاب الاطار الصغير، وهو الإرهاب الذي يحصر معنى عمل ما في حدود الدور الذي يؤديه هذا العمل في مسقط رأس مبدعه".

في "الستار" يكتب كونديرا أيضا ضد الروايات "العابرة والتقليدية المصنوعة بلا طموح"، وضد البيروقراطية "التي تخنقنا"، والتي لمسنا أولى ملامح رعبها الأدبية لدى فرانز كافكا. ويتأمل في الابداع الفني والطبيعة الانسانية وعلاقة التخييل بالواقع وراهنية الماضي وشكوك العالم الحديث وافتقاره الى أي ثوابت، ويشاركنا خوفه وقلقه حيال "خداع التاريخ" وتزييف الثقافة الاوروبية وعجز الانسان المعاصر عن مواجهة هشاشته المتزايدة حدّة. إلا أنه يؤكد، إزاء هذا كلّه، قدرة الرواية على مساعدتنا في فهم ما يحصل، اذ انها تتيح لنا ان نستكشف في طريقة دقيقة وصادقة روح الناس والاشياء والعالم.

"الروائي ليس فقط ذاك الذي يسحر قراءه ويمتّعهم، بل هو ايضا في شكل من الأشكال والد محب وبعيد يروي لهم القصص، واذ يرويها يشرح لهم اسرار الحياة". هكذا يكتب لنا "الأب" كونديرا، المولود في تشيكيا عام 1929، والمصاب برهاب الاعلام الى حد انه يتفادى الظهور ويرفض المقابلات ويدافع عن عزلته في شراسة، رغم اتهام البعض له بأن هذا محض تكتيك "تشويقي" يتّبعه ويصب في مصلحة التسويق والكوميديا الأدبيين.

ثمة امور كثيرة أخرى في هذا "الستار" ووراءه، خاصة حول ما يخفيه عن انظارنا، لكن الكتاب هو ايضا تكريم وتحية من ميلان كونديرا لاولئك الكبار الذين اعجب بهم طويلا وسكنوا مخيلته الروائية وصاغوها على مر القراءات، ونذكر منهم بالزاك وفلوبير وكافكا وموزيل وبروست. فعلى غرار ما يقوله الروائي الكبير، إن "الأمر الوحيد المتبقي لنا امام هذا الفشل العضال الذي اسمه الحياة هو ان نحاول ان نفهمها. وذلك مبرر وجود فن الرواية". [/align:51fed46992]

[align=left:51fed46992]جمانة حدّاد [/align:51fed46992]

أنين السنين
29-05-2005, 06:40 AM
أسعد الله أيامك وبارك في أعمالك وحقق آمالك

يا قلم الحصن

P. R. Picasso

شكرا لروائعك الضخمة في حجمها

ومعانيها

الله يعطيك العافية ويجعل أعمالك ثقيلة في ميزان حسناتك

بارك الله بك وبمشاركاتك القيمة

انين السنين

P. R. Picasso
30-05-2005, 09:16 PM
http://www.markingoccasions.pwp.blueyonder.co.uk/thank%20you%20stamped%20flowers.jpg