الريحانة..
22-05-2005, 02:31 PM
صورته مازالت تتأرجحُ في عينيها..
مضتْ ثلاث سنوات على تلك الحادثة الأليمة،وما فتِأتْ تذكرُ "بـاسم".
أراها تجلسُ على سريره وتحتضنُ وسادته كل صباح..تشتمّ ملابسه..تتصفّح كتبه الدراسية،وتتأمّل خطّ أنامله.
ذات يوم وجدتْ ورقة بالية تحت سريره،بكتْ بشدة وعلا أنينها..هرعتُ إليها خائفا،فإذا بها ترمي الورقة على وجهي وتقول بأعلى صوتها: أنتَ السبب !
نعم أيها الطبيب أنا السبب ! أنا الذي أعدمتُ طفولته،ودفنتُ أطياف البراءة في بيتنا الموحش الكئيب. هل تعلم أيها الطبيب ماذا رسمَ باسم في تلك الورقة ؟
رسم بيتا كبيرا،وعند باب البيت رسم طفلا يُمسك يد أمه الباكية مذعورا من وحشٍ يُلاحقهما بصُراخه وبشاعة وجهه.
هذا الوحش هو أنا..والطفل هو باسم،وتلك المرأة زوجتي.أعلمُ أنك ستسألني عن سبب الرسمة.
باسمٌ ابننا الوحيد،انتظرنا قدومه ثلاث سنوات،عانتْ فيها المصاعب معنا،والمشاكل لم ترحل عن البيت. وساوسي ومرضي النفسي هما السبب في افتعال شرارة المشاجرة بيني وبين زوجتي..كنتُ قاسيا جدا عليها،فطلبتِ الطلاق مرات عديدة،لكن حبي لها ووقوفها بجانبي في محنتي جعلاني أخفّف من حدتي وطبعي القاسي؛علّها تحذف كلمة الطلاق من قاموس حياتها..ولكن سرعان ما ندخل في دوامة المشاكل حتى الغرق !
لم تجد زوجتي علاجا لي أنجع من الدعاء والصبر والرضا..فجاء "باسم" الذي أعاد البسمة لشفاهنا الظمأى من جديد،فلقد جفّت الشفاه مدة طويلة، وداهم الشحّ عواطفنا، ومع ولادته وُلدنا.
كبُر باسم..وكبرتْ معه مشاكلنا وهمومنا،حمّلتُهُ متاعب الحياة بعودتي إلى عهدي السابق..أرمي وأكسرُ وأضربُ لأتفه الأسباب.
كان يعود من مدرسته حزينا وحين يذهبُ يكون في قمة السعادة..علّه ينسى شيئا من كآبتنا..ذات مرة طلب مني هدية " بابا..انظرْ نجحتُ في الامتحان،أريدُ سيارة " ومن غير تفكير صفعتُه ! لم تكن أولى الصفعات،فلقد تلقّى من الخوف صفعات عدّة.
لم أكن مهتما به أبدا ولا بوالدته ..رسبَ في دراسته مع أنه كان متفوقا،ومشاكلنا نهشت لحمه حتى هزل جسمه وأصيب بضعف عام لسوء في التغذية.
حين كنتُ مسافرا خارج البلاد شعرتُ بشوق عارمٍ إليهما..فبكيت بحرارة وتمنيتُ العودة سريعا..وحين عدتُ استقبلتني زوجتي بطيبتها المعهودة،وابني ركض إليّ سعيدا وهو ينادي "بابا..بابا"..أما أنا فكنتُ كما الوحش..نظرتُ إليهما بكل حدّة،ألقيتُ الحقائب وذهبتُ إلى غرفتي بكل برودة !
لا أعلمُ سبب هذا التناقض حتى اللحظة...
زوجتي اعتكفت مصلاّها تبكي داعية لي بالهداية،وباسم..ليته لم يأتِ غرفتي..ليتــهُ !
ما زلتُ أشعرُ بلين يديه وحنانهما حين أمسك بيدي "بابا ماذا أحضرتَ لي من السفر ؟ بابا أنا فرحان بقدومك..بابا........." وقبل أن يكمل جملته صرختُ في وجهه :"كفــــــــى" وصفعتُه فارتطم رأسه على المكتبة من شدّتها.
لم أتمالك نفسي..باسم لا يتحرك ! "يا باسم ماذا بك ؟ حدثني يا بابا ؟" لا يتكلم ! ربّاه ماذا جرى له ؟
هرعتُ إلى المستشفى والدم يسيل على وجهه،بكيتُ بشدة،ولأول مرة في حياتي أشعر أنني إنسان،والذين حولي أُناس من دم ولحم وروح وكتلة من المشاعر.
سألتُ طبيبا خرج من الغرفة التي تواجد فيها باسم: هل يمكنني الدخول ؟
أجاب بنعم،وثمة كلام أراد أن يخرجها لكنه لم يستطع،فأعلنتْ أدمعا في عينيه أن الأوان فات.
مشيتُ بخطوات متباطئة إلى سريره..كان ملتحفا بغطاء أبيض كوجهه البريء النقي..احتضنتُه وقبّلتُ يديه وجبينه كثيرا وأنا أبكي:" يا بابا أنا آسف..سامحني يا باسم..حبيبي أنا أبوك..اسمع يا باسم ،سأشتري لك ما تريد..لن أضربك بعد اليوم..خذ هذه النقود اشتر بها حلوى لكن..تكلّم معي..باسم يا بابا أرجوكَ تكلّم أرجوك يا باسم.....باسم...."
في هذه اللحظات تذكرتُ وجه زوجتي الباكية حين كنا خارج الغرفة وهي تقول بكل أسف وحزن: لن أتوسل الله بعد اليوم ليرزقني ابنا آخر !
أما أنا فمازلتُ في تلك اللحظات أتوسّله علّ الله يوقظ ابننا الوحيد،بينما باسم انغطّ في نوم عميق مريح، لن يفيق بعدها... إلا في الجنة.
قصة اجتماعية.
من هواياتي كتابة المقالات..القصائد..القصص.
مضتْ ثلاث سنوات على تلك الحادثة الأليمة،وما فتِأتْ تذكرُ "بـاسم".
أراها تجلسُ على سريره وتحتضنُ وسادته كل صباح..تشتمّ ملابسه..تتصفّح كتبه الدراسية،وتتأمّل خطّ أنامله.
ذات يوم وجدتْ ورقة بالية تحت سريره،بكتْ بشدة وعلا أنينها..هرعتُ إليها خائفا،فإذا بها ترمي الورقة على وجهي وتقول بأعلى صوتها: أنتَ السبب !
نعم أيها الطبيب أنا السبب ! أنا الذي أعدمتُ طفولته،ودفنتُ أطياف البراءة في بيتنا الموحش الكئيب. هل تعلم أيها الطبيب ماذا رسمَ باسم في تلك الورقة ؟
رسم بيتا كبيرا،وعند باب البيت رسم طفلا يُمسك يد أمه الباكية مذعورا من وحشٍ يُلاحقهما بصُراخه وبشاعة وجهه.
هذا الوحش هو أنا..والطفل هو باسم،وتلك المرأة زوجتي.أعلمُ أنك ستسألني عن سبب الرسمة.
باسمٌ ابننا الوحيد،انتظرنا قدومه ثلاث سنوات،عانتْ فيها المصاعب معنا،والمشاكل لم ترحل عن البيت. وساوسي ومرضي النفسي هما السبب في افتعال شرارة المشاجرة بيني وبين زوجتي..كنتُ قاسيا جدا عليها،فطلبتِ الطلاق مرات عديدة،لكن حبي لها ووقوفها بجانبي في محنتي جعلاني أخفّف من حدتي وطبعي القاسي؛علّها تحذف كلمة الطلاق من قاموس حياتها..ولكن سرعان ما ندخل في دوامة المشاكل حتى الغرق !
لم تجد زوجتي علاجا لي أنجع من الدعاء والصبر والرضا..فجاء "باسم" الذي أعاد البسمة لشفاهنا الظمأى من جديد،فلقد جفّت الشفاه مدة طويلة، وداهم الشحّ عواطفنا، ومع ولادته وُلدنا.
كبُر باسم..وكبرتْ معه مشاكلنا وهمومنا،حمّلتُهُ متاعب الحياة بعودتي إلى عهدي السابق..أرمي وأكسرُ وأضربُ لأتفه الأسباب.
كان يعود من مدرسته حزينا وحين يذهبُ يكون في قمة السعادة..علّه ينسى شيئا من كآبتنا..ذات مرة طلب مني هدية " بابا..انظرْ نجحتُ في الامتحان،أريدُ سيارة " ومن غير تفكير صفعتُه ! لم تكن أولى الصفعات،فلقد تلقّى من الخوف صفعات عدّة.
لم أكن مهتما به أبدا ولا بوالدته ..رسبَ في دراسته مع أنه كان متفوقا،ومشاكلنا نهشت لحمه حتى هزل جسمه وأصيب بضعف عام لسوء في التغذية.
حين كنتُ مسافرا خارج البلاد شعرتُ بشوق عارمٍ إليهما..فبكيت بحرارة وتمنيتُ العودة سريعا..وحين عدتُ استقبلتني زوجتي بطيبتها المعهودة،وابني ركض إليّ سعيدا وهو ينادي "بابا..بابا"..أما أنا فكنتُ كما الوحش..نظرتُ إليهما بكل حدّة،ألقيتُ الحقائب وذهبتُ إلى غرفتي بكل برودة !
لا أعلمُ سبب هذا التناقض حتى اللحظة...
زوجتي اعتكفت مصلاّها تبكي داعية لي بالهداية،وباسم..ليته لم يأتِ غرفتي..ليتــهُ !
ما زلتُ أشعرُ بلين يديه وحنانهما حين أمسك بيدي "بابا ماذا أحضرتَ لي من السفر ؟ بابا أنا فرحان بقدومك..بابا........." وقبل أن يكمل جملته صرختُ في وجهه :"كفــــــــى" وصفعتُه فارتطم رأسه على المكتبة من شدّتها.
لم أتمالك نفسي..باسم لا يتحرك ! "يا باسم ماذا بك ؟ حدثني يا بابا ؟" لا يتكلم ! ربّاه ماذا جرى له ؟
هرعتُ إلى المستشفى والدم يسيل على وجهه،بكيتُ بشدة،ولأول مرة في حياتي أشعر أنني إنسان،والذين حولي أُناس من دم ولحم وروح وكتلة من المشاعر.
سألتُ طبيبا خرج من الغرفة التي تواجد فيها باسم: هل يمكنني الدخول ؟
أجاب بنعم،وثمة كلام أراد أن يخرجها لكنه لم يستطع،فأعلنتْ أدمعا في عينيه أن الأوان فات.
مشيتُ بخطوات متباطئة إلى سريره..كان ملتحفا بغطاء أبيض كوجهه البريء النقي..احتضنتُه وقبّلتُ يديه وجبينه كثيرا وأنا أبكي:" يا بابا أنا آسف..سامحني يا باسم..حبيبي أنا أبوك..اسمع يا باسم ،سأشتري لك ما تريد..لن أضربك بعد اليوم..خذ هذه النقود اشتر بها حلوى لكن..تكلّم معي..باسم يا بابا أرجوكَ تكلّم أرجوك يا باسم.....باسم...."
في هذه اللحظات تذكرتُ وجه زوجتي الباكية حين كنا خارج الغرفة وهي تقول بكل أسف وحزن: لن أتوسل الله بعد اليوم ليرزقني ابنا آخر !
أما أنا فمازلتُ في تلك اللحظات أتوسّله علّ الله يوقظ ابننا الوحيد،بينما باسم انغطّ في نوم عميق مريح، لن يفيق بعدها... إلا في الجنة.
قصة اجتماعية.
من هواياتي كتابة المقالات..القصائد..القصص.