عرض الإصدار الكامل : الحفرة والتمثال - شعر/ عباس بيضون


P. R. Picasso
13-05-2005, 10:32 PM
الـــحـــفـــرة والـــتـــمـــثـــال

عباس بيضون


http://www.assafir.com/iso/oldissues/20050422/weekly_culture/L_028a.JPEG
الفنان الإيرلندي فرنسيس بيكون (1909 1992)



[align=justify:d3aa97c7b0]
الباب

الدخول الى الخيمة لا يحتاج الى دعوة. الخيمة على الطريق وأنا لست عابراً ولا مقيماً ولا احداً.
سخيف أن أسأل من أنا بالنسبة للذين يقفون على التمثال، او يسترخون قرب النار او حتى بالنسبة للاتصال الذي وصل ضعيفاً من الهاتف الخليوي وترك مكانه رقماً لا أعرفه.
لا باب هنا. هذا ما يصعب عليّ التعامل معه مثلما لا اعرف كيف اجيب عينين اصرح من شمس آب.
لا باب هنا وعليك ان تفعل ذلك بنفسك. ان تقرع بيدك على ظهر زميلك. ان تدخل توا في عينين واسعتين. ان تنام على الربيع تحت علم. ان تجد نهاية سعيدة مرقومة بالنيون على جبهة جارك، وتعلم انها نكتتك على نفسك، ان ترد لك الريح شتيمتك مرتين وتسمع ضحكتك المبجلة في الجانب الآخر.
ثم إن شيئا يتحرك كمصراع في زاوية كتفك، كمصراع في خشب ظهرك يدور ويدخل الهواء الذي لا لون له ويحرر المكان، حيث ينظر اليك مانيكان بناية بعصابة من ثلاثة الوان على عينه العوراء.


التظاهرة

رافعو الاعلام يلوحون بها لبعضهم البعض ولقرد ينط على الاكتاف كالبهلوان. الذي بلغ رأس التمثال فك الأحجية بمجرد وصوله وراح يلوح من هناك كقرد قارئ للحظ. آلاف الرايات ترفرف فوق الجموع قوية وكاملة وطاردة للشر. <<الحقيقة>> تنفجر بضحكة هائلة على القماش. انها تخيف المتظاهرين لكنهم يستمرون في الرقص تحتها. يخشون ان تكون مريضة وان يكون لها فقط شكل الحفرة التي احدثها الانفجار.
يهزجون <<حرية، سيادة، استقلال>> كما يتلاعبون بتفاحات ثلاث، يصرخون <<حقيقة>> برهبة كما لو يعيدونها الى الحفرة التي خرجت منها.
الذي نام تحت العلم مطعونا بصاروخ ورقي يتذوق الثمة الملساء لنفسه، قلب يؤكل بسهولة مع شريطه الازرق. تلك سعادة ان يتذوق لأول مرة الطعم الحقيقي لأحشائه.
في حلبة الهتاف يبقون عابسين تحت قَسَمٍ فادح. يُعَلّون اصواتهم كما لو كانوا يرفعون اثقالا. هناك ايضا جنود المتاهة الذين يطوّفون قطعات في هجرة لا تجد مخرجا. الساحة امتلأت وكل يحسب انه الاخير ولا بأس من ان يفكر بنفسه ما دامت الساحة طافحة وما دام زائدا. يتغلغل كالقطرة ولا بأس من ان ينشغل بحاله ما دام لا حجم له وليس احدا. التظاهرة تمتصه وتدفعه الى الأمام وعليه فقط ان ينسرب وراء رتل هابط، وراء مراهقين يفترشون اعلامهم، ومن عجب انه يجد بقعة خالية، نقطة مفرغة ليس فيها انسان وهو ايضا مر جنبها وحاذر ان يدخل فيها. اندفع شابان وردماها بأقدامهما لكن الظل انحسر وعادت من جديد حرة. السعادة لم تدعه يفكر في ذلك ولا ان يسأل عنه، هكذا اضاع الحكمة التي لم تتجلَّ له بدون قصد. لن يفاجأ بواحد يلتهم علمه بلا غبطة في وجهه فمن الصعب ابتلاع طلاء الالوان الثلاثة فضلا عن طعمها. فهم ان السعادة ليست متساوية حقا وان هذا التحرك المتعرج قلما يُتمّ دائرة. انها رقعة مليونية وثمة لعبة حية ودرج تحفظ التوازن بكثير من الحرص والانضباط، وفي لحظة يقف واحد ويقرر ان لا يصعد ابدا. الشمس تنتشر فجأة على هذا السطح العظيم الذي يظهر ايضا ضحلا. يطير طنينه المخدر عاليا ويمكن ان يمر كله في ظل طيارة عابرة.
لا يخشى ان يختنق لكنه يفهم انهم يدفعون بابا خفيا ثم يهدأون قبل ان يجدوه. انها ايضا حركة الموج. تمطر عليهم بالونات واضراساً كبيرة ساقطة من النشيد الوطني العجوز. هذه شائعة اخرى بالتأكيد. احدهم يحمل شيئا بيده، قيدوم سفينة او حرفا كبيرا غير متحرك منزوعا من موتور سيارة محترقة. يأمل ان تكون الحفرة باحت بشيء او ذكرت على الاقل حرفا. يأمل ان يجدوا كل شيء في الضريح. فيما الحقيقة التي لا نعرف متى تكون وراء اصبعنا او اعيننا لا تزال شاخصة كتسونامي هائلة فوق رأس الحفرة.
يشق الجمع بسهولة كأغنية. حين يخرج يتأمل وراءه الزيح الخفي الذي خطه. يراهم ينتظرون فوق الجسر نزول الحَمَل. اما الذين لم يستطيعوا الوصول فيبقون في سياراتهم الى ان يتسلموا مفاتيح التظاهرة.


شكرا

الحقيقة في يد التمثال المقطوعة لا تجيب. اما العلم المغروس في قمته فحقيقته ليست اكثر من قماشته الملونة. الفتى الذي رفعه داس بلا انتباه على حروق كالجروح، وعلى الفور لبت اعلام كثيرة، وتنادت اقدام كثيرة. لم يكن هناك دخيل واستمرت الموسيقى طوال النهار لتبقى الكلمة مرفوعة
الوضوح أعمى فلم يلاحظ احد انهم يزيلون الأدلة ويغيرون معالم الجريمة، الوضوح أعمى والعَلَم لا يرى.
نادوا <<حقيقة>> والحفرة لا تجيب، لكنهم رأوا اجزاء محترقة وبالرعب نفسه رأوا قلوبهم مفتوحة من خلالها. نادوا <<حقيقة>> موقنين انها بلا دفاع وان هذا سيضعفهم كثيرا في مواجهة اي شيء. كانوا يُصلّون لبرص لا يشفى. لن يسمعهم احد في مراتب الآلهة اذ ليس هناك إله للمعوقين ولا كلام ليد مقطوعة.
نادوا <<حقيقة>> لكن الكلمة التي تعني ذلك بقيت على الارض. الكلمة التي تعني ذلك ابتلعت الكلمات كلها وبقيت على الارض قبرا في اللغة واسماً للنفي. انها فقط صورة الميتسوبيتشي المحترقة، وعظام السيارات، والمكان الفارغ لاسم القاتل، والدليل المسروق، والميت الذي يمشي مليئا بالحروق ليقتحم الاجتماع في الأعالي
***

قالوا <<شكرا>> بالقبضات. تأكدوا من بواريدهم وقالوا <<شكرا>>. لم يضعوا ازهارا فيها لكنهم وجدوا القلب ليقولوا <<شكرا>>. تتهكم من اللغة لكن اللغة ترد التهكم بشكل افظع. الذين وضعوا في عبارة الشكر شيئا من البارود لا يخافون ان تنفجر في ايديهم لكن ساعاتهم البيولوجية ستتوقف عندها. يبدأ الأمر بتقطيع جناحيْ كلمة. تتركها تحتضر وأنت تضحك، انه اعتداء لا يحاسبك عليه احد، لكنك بالطبع لا تعلم ان شيئا موازياً يختفي في كتابك وفي خلاياك البنفسجية. لا تعلم انك بكلمات فاقدة للذاكرة تجد نفسك في سفينة المجانين. سيكون هذا تجديفا بالتأكيد. من يبني ابراجا لا يجد الله. من يرمي عينه مقلاعا يتوقع ان يجد حجرا في عينه الثانية.
ينادون <<شكرا>> والحفرة لا تجيب، انك تهزأ بالكلمة الوحيدة التي ربما سقطت من السماء. بالكلمة التي تقال بين بابين مفردة وحرة كوردة. تقال بين اثنين وبين جسدين ولا نتحايل بها على جسد الغريب. يقولها القديس لقروحه. يقولها المسافر لتوديع نفسه. لكنك تخدع قُبلة ولا تخدع كلمة. نقول شكرا ولا نبيعها. نقولها للثعالب فتقع في آذان الحراس. نقولها للأبراج المشيدة فتجبر الايمان في القلب المكسور، وقد تجبر الله نفسه.
شكرا في كل وقت ولكل شيء. للشجر والبشر والحيوان. شكرا كوداعٍ للاّ أحد، كجواز الى لا مكان.
الحقيقة حفرة في السماء لكن القتيل الذي يدير العالم يجيب من داخل صمته <<شكرا>>.
[/align:d3aa97c7b0]

:P :P :P
:P :P :P :P :P
:P :P :P :P :P :P :P

Gandalf the White
15-05-2005, 04:31 AM
<<شكرا>> لك يا أخي بيكاسو :P

والقصة جميلة ، وتهدف لمعاني جميلة ...

وأنا في <<حقيقة>> الأمر :wink: ، سعيد بالإطلاع على مشاركاتك ، ويبدو انني سأطلع عليها جميعا ... ولكن :

سيأخذ هذا منى وقتا ، ولن أستطيع اللحاق بك لو قمت بالإستمرار بالمشاركة اليومية ، ولدي إقتراح :

ما رأيك في أخذ إجازة قصيرة ريثما أنتهي من قراءة جميع مشاركاتك :wink:


أمزح معك بالطبع :P

وأتمنى أن تكون متواجدا هنا في كل لحظه ، حتى نستمتع بمواضيعك المتميزة ..

تقبل خالص تحياتي وبارك الله فيك