عرض الإصدار الكامل : التوبــــــــــــــ من الالف الى الياء ـــــــــــــــــــة


marolin99
04-05-2005, 12:55 PM
كتاب التوبة
وهو الكتاب الأول من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين


الحمد لله الذي بتحميده يستفتح كل كتاب ?
وبذكره يصدر كل خطاب ?
وبحمده يتنعم أهل النعيم في دار الثواب ?
وباسمه يتسلى الأشقياء وإن أرخى دونهم الحجاب ?
وضرب بينهم وبين السعداء بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب
ونتوب إليه توبة من يوقن أنه رب الأرباب ومسبب الأسباب ?
ونرجوه رجاء من يعلم أنه الملك الرحيم الغفور التواب ?
ونمزج الخوف برجائنا مزج من لا يرتاب ?
أنه مع كونه غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب.
ونصلي على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه
صلاة تنقذنا من هول المطلع يوم العرض والحساب.
وتمهد لنا عند الله زلفى وحسن مآب.

أما بعد :
فإن التوبة عن الذنوب بالرجوع إلى ستار العيوب وعلام الغيوب ?
مبدأ طريق السالكين ? ورأس مال الفائزين ?
وأول أقدام المريدين ? ومفتاح استقامة المائلين ?
ومطلع الاصطفاء والاجتباء للمقربين ?
ولأبينا آدم عليه الصلاة والسلام وعلى سائر الأنبياء أجمعين ?

التائب قد أقام البرهان على صحة نسبه إلى آدم بملازمة حد الإنسان ?
والمصر على الطغيان مسجل على نفسه بنسب الشيطان ?
فإما تصحيح النسب إلى الملائكة بالتجرد لمحض الخير فخارج عن حيز الإمكان ?
فإن الشر معجون مع الخير في طينة آدم عجنا محكما لا يخلصه إلا إحدى النارين:
نار الندم أو نار جهنم ?
فالإحراق بالنار ضروري في تخليص جوهر الإنسان من خبائث الشيطان ?
وإليك الآن اختيار أهون النارين ?
والمبادرة إلى أخف الشرين قبل أن يطوي بساط الاختيار ?
ويساق إلى دار الاضطرار ? إما إلى الجنة وإما إلى النار ?

وإذا كانت التوبة موقعها من الدين هذا الموقع
وجب تقديمها في صدر ربع المنجيات بشرح حقيقتها وشروطها وسببها
وعلامتها وثمرتها والآفات المانعة منها والأدوية الميسرة لها ?
ويتضح ذلك بذكر أربعة أركان:

هي الآتيــــــــــــــــــــــة 000

marolin99
04-05-2005, 01:03 PM
[marq=right:9a2c46d1d3]نتابـــــــــــــــــــــــــــــــــــــع[/marq:9a2c46d1d3]



الركن الأول : بيان حقيقة التوبة وحده

اعلم أن التوبة عبارة عن معنى ينتظم ويلتثم من ثلاثة أمور مرتبة:
علم ?
وحال ?
وفعل.
فالعلم الأول ? والحال الثاني ? والفعل الثالث.
والأول موجب للثاني ?
والثاني موجب للثالث إيجابا اقتضاه إطراد سنة الله في الملك والملكوت.
أما العلم؛ فهو معرفة عظم ضرر الذنوب وكونها حجابا بين العبد وبين كل محبوب ?
فإذا عرف ذلك معرفة محققة بيقين غالب على قلبه ثار من هذه المعرفة
تألم للقلب بسبب فوات المحبوب ?
فإن القلب مهما شعر بفوات محبوبه تألم ?
فإن كان فواته بفعله تأسف على الفعل المفوت ?
فيسمى تألمه بسبب فعله المفوت لمحبوبه ندما ?
فإذا غلب هذا الألم على القلب واستولى وانبعث من هذا الألم في القلب حالة أخرى
تسمى إرادة وقصدا إلى فعل له تعلق بالحال والماضي وبالاستقبال ?
أما تعلقه (بالحال) فبالترك للذنب الذي كان ملابسا ?
وأما (بالاستقبال) فبالعزم على ترك الذنب المفوت للمحبوب إلى آخر العمر ?
وأما (بالماضي) فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلا للجبر ?

فالعلم هو الأول ? وهو مطلع هذه الخيرات ? وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين ?
فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة ?
واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق ?
وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب فيثمر نور هذا الإيمان مهما أشرق على القلب
نار الندم فيتألم بها القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان أنه صار محجوبا عن محبوبه ?
كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فيسطع النور عليه بانقشاع سحاب
أو انحسار حجاب فرأى محبوبه ?
وقد أشرف على الهلاك فتشعل نيران الحب في قلبه وتنبعث تلك النيران بإرادته للتدارك ?

فالعلم والندم والقصد المتعلق بالترك في الحال والاستقبال والتلافي للماضي
ثلاثة معان مرتبة في الحصول فيطلق اسم التوبة على مجموعها ?
وكثيرا ما يطلق اسم التوبة على معنى الندم وحده ?
ويجعل العلم كالسابق ، والمقدمة والترك كالثمرة ? والتابع المتأخر ،
وبهذا الاعتبار قال صلى الله عليه وسلم :
((الندم توبة)) إذ لا يخلو الندم عن علم أوجبه وأثمره ، وعن عزم يتبعه ويتلوه ،
فيكون الندم محفوفا بطرفيه فيه أعني ثمرته ومثمره ،

وبهذا الاعتبار قيل في حد التوبة:
إنه ذوبان الحشا لما سبق من الخطأ ،
فإن هذا يعرض لمجرد الألم ، ولذلك قيل:
هو نار في القلب تلتهب ، وصدع في الكبد لا ينشعب ،
وباعتبار معنى الترك قيل في حد التوبة: إنه خلع لباس الجفاء ، ونشر بساط الوفاء.

وقال سهل بن عبد الله التستري:
التوبة تبديل الحركات المذمومة بالحركات المحمودة ،ولا يتم ذلك إلا بالخلوة والصمت
وأكل الحلال.
وكأنه أشار إلى المعنى الثالث من التوبة.

والأقاويل في حدود التوبة لا تنحصر ? وإذا فهمت هذه المعاني الثلاثة وتلازمها وترتيبها عرفت أن جميع ما قيل في حدودها قاصر عن الإحاطة بجميع معانيها ،
وطلب العلم بحقائق الأمور أهم من طلب الألفاظ المجردة.



[marq=right:9a2c46d1d3]يتبــــــــــــــــــــــــــــــــــع[/marq:9a2c46d1d3]

marolin99
12-06-2005, 08:45 PM
بيان وجوب التوبة وفضلها


اعلم أن وجوب التوبة ظاهر بالأخبار والآيات ?
وهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته وشرح الله بنور الإيمان صدره
حتى اقتدرت على أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل
مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة.
فالسالك إما أعمى لا يستغني عن القائد في خطوه ?
وإما بصير يهدي إلى أول الطريق ثم يهتدي بنفسه ،
وكذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام ،
فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوه فيفتقر إلى أن يسمع في كل قدم نصا
من كتاب الله أو سنة رسوله ، وربما يعوزه ذلك فيتحير ،
فسير هذا - وإن طال عمره وعظم جده - مختصر وخطاه قاصرة.
ومن سعيد شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ?
فيتنبه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة وقطع عقبات متعبة ويشرق في قلبه نور القرآن ونور الإيمان ? وهو لشدة نور باطنه يجتزيء بأدنى بيان ?
فكأنه يكاد زيته يضيء ولو لم تمسسه نار ، فإذا مسته نار فهو نور على نور
يهدي الله لنوره من يشاء ،
وهذا لا يحتاج إلى نص منقول في كل واقعة ،
فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أولا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي ?
ثم إلى الوجوب ما معناه ، ثم يجمع بين معنى الوجوب والتوبة فلا يشك في ثبوته لها ،
وذلك بأن يعلم بأن معنى الواجب ما هو واجب في الوصول إلى سعادة الأبد ،
والنجاة من هلاك الأبد فإنه لولا تعلق السعادة والشقاوة بفعل الشيء
وتركه لم يكن لوصفه بكونه واجبا معنى.
وقول القائل: صار واجبا بالإيجاب ، حديث محض ،
فإن مالا غرض لنا آجلا وعاجلا في فعله وتركه فلا معنى لاشتغالنا به ،
أوجبه علينا غيرنا أو لم يوجبه ، فإذا عرف معنى الوجوب ، وأنه الوسيلة إلى سعادة الأبد ، وعلم أن لا سعادة في دار البقاء إلا في لقاء الله تعالى ،
وأن كل محجوب عنه يشقى لا محاله محول بينه وبين ما يشتهي ،
محترق بنار الفراق ونار الجحيم ، وعلم أنه لا مبعد عن لقاء الله إلا اتباع الشهوات ،
والأنس بهذا العالم الفاني ، والإكباب على حب ما لا بد من فراقه قطعا ،
وعلم أنه لا مقرب من لقاء الله إلا قطع علاقة القلب عن زخرف هذا العالم ،
والإقبال بالكلية على الله طلبا للأنس به بدوام ذكره ، وللمحبة له بمعرفة جلاله وجماله
على قدر طاقته ،
وعلم أن الذنوب التي هي إعراض عن الله واتباع لمحاب الشياطين أعداء الله المبعدين
عن حضرته سبب كونه محجوبا مبعدا عن الله تعالى فلا يشك في أن الانصراف عن طريق البعد واجب للوصول إلى القرب ،
وإنما يتم الانصراف بالعلم والندم والعزم ،
فإنه ما لم يعلم أن الذنوب أسباب البعد عن المحبوب لم يندم ولم يتوجع
بسبب سلوكه في طريق البعد ،
وما لم يتوجع فلا يرجع ومعنى الرجوع الترك والعزم


يتبــــــــــــــــــــــــــــع