عرض الإصدار الكامل : الوفاء


منى يوسف
27-03-2005, 02:37 AM
من أصعب الأمور على النفس أن تجد من ينكرها ويهمشها ولا يعتبرها بعد أن كانت في يومٍ ما هي كل شيء في رصيده ! .

هل أمرُّ من ألم الصدود والجفاء ! وهل أمرُّ في النفس من سيوف التنكر وقتل الوفاء بسكين الجفاء ! إنها لتمر بالمرء أحياناً أوقات لا يجد فيها يداً تلمس رأسه وتتحسسه برفق ! ولا ابتسامة حانية أو كلمة حبيبة ينسى معها هموم الأرض ! تمر به أيامٌ .. يرى سوادها أسود من الليل الأسود البهيم ! ولا عجب فقد قال الشاعر :

وكما قال الشاكي إلى حبيبته سوء حظه:

شكوت إلى الحبيبة سوء حظي *** وما لاقيت من ألم البعاد
فقالت إن حظك مثل عيني *** فقلت نعم : ولكن في السَّواد !

فيبدأ يبحث في قائمة الإخلاء والأصحاب من يرمي برأسه على صدره .. أو يضع همومه بين يديه فإذا به يُصعق عندما يكتشف أنه أكثرهم لا خير فيهم لدينا ولا آخرة ! ، بل يرى الجفاء الواضح .. لأنه الدنيا أدبرت عنه فأدبروا هم عنه بإدبارها ! .

ولربما زادوا النار اشتعالاً .. بأن كانوا عوناً للزمان عليه ! يظهرون ما خفي من عيوبه في وقت هو أحوج ما يكون إلى سترها ! أليس هو ابن أبينا آدم عليه السلام الآكل من الشجرة ! أليس مكتوباً عليه الذنب ! فلماذا يُعاب إذاً ؟! يتطوع بعضهم بإظهار ما يعرفه عنه من أسرار كان يحتفظ بها لديه في أوقات الصفاء فإذا به يفشيها ساعة الجفاء ! ويسوّغ له الشيطان شرعية فعله ! أهذه مروءة ؟! .. ثم يبدأ :

فلانٌ عليه ملاحظات .. فلانٌ يريد فرض نفسه علينا بالقوة ، فلانٌ يحرج مشاعري .. فلانٌ .. فيه .. وفيه..! .

يا حسرةً على الوفاء ! ويا حسرةً على فقاعة " إني أحبك في الله "! ، تنفجر إذا خرجتْ من فمِ أحدهم ولامست الهواء ! فيذهب أثرها ! .

ألم يُعط النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم و اختصر له الكلام اختصاراً ؟! فلماذا إذن عندما أراد أن يقرر مسألة من إعمال القلوب احتاج إلى الاستطراد في الأسلوب قليلاً .. فقال : (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوته الإيمان .. ثم قال .. وأنه يحب المرء لا يحبه إلاَّ لله .. ) ألم يكن كافيا أن يقول صلى الله عليه وسلم ( وأن يحب المرء لله ) لا .. لم يكن كافياً .. لأن كثيراً ممن يظن نفسه يحب الله .. لو صدق مع نفسه وتأمل لوجد أنه إنما يحب فلاناً من أجل منصب أو ماله .. أو فصاحته .. أو قاسمٍ مشتركٍ بينه وبين .. كأن يوافقه على آرائه .. أو أنه يقول : أحبك في الله ثم إذا جاءت ساعة الوفاء أصبح يتقن الجفاء ! ويستدل لفعله بالكتاب والسنة وأقوال السلف !!

أين هذا من وفاء الكلب ؟! أكرمكم الله . ألم يقل الشاعر أمام الخليفة العباسي مادحاً إياه :

أنت كالكلب في حفاظك للود *** وكالتيس في قراع الخطوب !

ألم يقرّه الخليفة على ذلك .. لأن الكلب عند الأعراب كان مثلاً في الوفاء لصاحبه ؟! ألا يخجل بعض رجال زماننا من وفاء ذلك الكلب ؟! .. ألم يتندر شوقي بحافظ إبراهيم في قصتهما المشهورة في مقهى من مقاهي النيل بقوله :

وأودعت إنساناً وكلباً أمانةً *** فضيعها الإنسان والكلب حافظُ ..!!

فاعترف له حافظ بأنه أمير الشعراء . [2]

ألم يذكر الله تعالى وفاء كلبٍ لأصحابه .. حتى استحق أن يذكر في القرآن .." سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22) .. ألم يكن ذلك الكلب وفياً لأصحابه طيلة ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعاً ؟!

أليس الوفاء من أخلاق الكرماء .. التي كانت من سيما الجاهلية عند العرب الأقحاح فجاء الإسلام فأقرها فأضعناها نحن بما ظنناه مسوغات شرعية ! .

ألم يحفظ النبي صلى الله عليه وسلم لكافرٍ يداً .. ألم .. عفواً ! خذوا القصة حتى تفهموا ما أقول :

عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم من رحلة الطائف التي كان فيها ما كان .. من إيذاء ثقيف له وضربه بالحجارة .. وعندما أراد أن يدخل مكة لم يستطع الدخول إلاَّ في جوار المطعم بن عدي وكان كافراً كان هذا في مكة .. ثم مات المطعم بن عدي وبعد ذلك بسنواتٍ طويلة وفي غزوة بدر الكبرى وبعد أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم بجثث الكفار الذي قتلوا في المعركة في قليب [3] بدر.. وقف النبي صلى الله عليه وسلم عملاقاً عظيماً في الوفاء .. وقف عليه الصلاة والسلام على قليب بدر وتذكر المطعم بن عدي .. فقال :_ لو كان المطعم بن عدي حياً فكلمني في هؤلاء النتنى لأطلقتهم له ! .. الله أكبر ! لم يقل إن هذا كافر ولا يستحق الوفاء !
* * *





إني لأعجبُ من أناسٍ يحفوّن بك عن اليمين وعن الشمال في كل مناسبة وفي غير مناسبة .. ثم إذا ألمت بك الملمات وادلهمت عليّ الخطوب .. رأيتهم أيضاً عن اليمين وعن الشمال لكنهم عزين ! ( متفرقين ) ..!

إن رأتني تميل عنيّ كأن لم يكن بيني وبينها أشياء

ما أجمل الوفاء في الشدائد! الشدائد التي تبيّن معادن الرجال ، وتميز الخبيث من الطيب . والله لقد عجبت من موقف قرأته في السيرة عجباً استدر الدمع من عيني :

عندما حضرت الوفاة عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أرسلت إليه عائشة أن يدفن في حجرتها مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر .. فماذا تتوقعون جواب عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ؟ لاشك أنكم ستقولون أنه سيوافق بلا تردد ؟ وهل بعد هذا من شرف؟ . لا .. إنه اعتذر إليها بأمرين ، الأول : أنه لا يريد أن يضيّق عليها بيتها .. والآخر : أنه كان بينه وبين طلحة بن عبيد الله عهدٌ أن يُدفنا بجوار بعضهما إذا ماتا ! . فالله أكبر ما أجمل وفاءك يا بن عوف ..

* * *

إن الأوفياء من الرجال لقليل وإنهم في زماننا هذا أقل من القليل !

ومالي أذهب بعيداً ؟ ألم يبكِ أبو بكر ٍالصديق رضي الله عنه شيخ المسلمين وصاحب نبيهم صلى الله عليه وسلم في الغار والدار ... بكى عندما صعد منبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته .. فأراد أن يتكلم فتذكر حبيبه عليه الصلاة والسلام فغصَّ وبكى ولم يستطع الكلام .. فقال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .. ثم نزل .* *
اتمنى ان يعود إلينا الوفاء ونلمسه فيمن نتعامل معهم
ولنى لست متشائمه كما قد يظن البعض فأنا اعلم انه مازال هناك وفاء وألمسه فى حياتى حتى ولو كان قليلا ولكنى أخشى عليه من الأحتضار

الخالده
27-03-2005, 03:00 AM
غاليتي .........
لقد وطأت المنطقه العذبه المعذبه في حياتنا ..و لكن لا بأس علها تجعل البعض يراجع مفكرته ويحاول ان يتبه لما يفعله بغيره ..
و الله .. انك لم تبالغي في كلمة واحده ، فقد اصبح الوفاء بالعهد سمة الطيبين الذين لا يعرفون من الدنيا شيئ ..
اه ثم اه على الزمن الذي تعبت وانا احاول ان اعيش فيه ..

منى يوسف
27-03-2005, 03:07 AM
[align=center][B]اختى الخالده

[B]معك حق والله
لكن اريدك ان تتفائلى ولو قليلا فالوفاء من صفات المسلمين
والحمد لله هناك كثير من المسلمين الأوفياء ولكن يمكن ان نكون نحن اللذين لانجدهم فى حياتنا
أسأل الله لى ولكى أن نعثر ونصتدم دائما بالأوفياء

الخالده
27-03-2005, 05:17 AM
ماشاءالله عليكم يا أعضاء الحصن دائما متفائلين و الظاهر انا الوحيده الواقعيه
و بالمناسبه .. اتعرفين خطرت لي هذا القصه التي حدثت لي شخصيا مع زميلة عمل اسمها وفاء .. وكانت متفننه في الخيانه ونقض العهود بشكل غريب و بصراحه كانت عندها من الطرق العجيبه ما يعجز الإنسان الطبيعي عن تتبعه ..
هذه الدنيا التي تدعو للتفائل ..اه ذكرتني يا سيدتي ..

marolin99
27-03-2005, 10:29 AM
اتمنى ان يعود إلينا الوفاء ونلمسه فيمن نتعامل معهم
ولنى لست متشائمه كما قد يظن البعض
فأنا اعلم انه مازال هناك وفاء وألمسه فى حياتى
حتى ولو كان قليلا ولكنى أخشى عليه من الأحتضار

[color=indigo]حقيقة لا مهرب منها

ما اصابنا في هذه الايام 0

اتمنى لك كل الخير والتوفيق اختي الغالية0

اختك ***

منى يوسف
28-03-2005, 03:26 AM
معك حق انا اعرف ذلك
ولكن إذا لم نتفائل ونأمل فى غد أحسن فماذا سنفعل؟
وانا شخصيا مررت بصديقات ومعارف كما تصفين تلك الزميله فى العمل
ومع ذلك احاول ان اتقبل الوضع ولا أتغير
ولولا اقتناعى بقلة الوفاء فى زماننا هذا ما كنت كتبت هذا الموضوع
انها مشكله تصادفنى دائما وتقابل الكثير غيرى
لذا أتمنى لكى ولى وللجميع أن يرزقهم الله بالأوفياء أمين
وجزاك الله كل خير

منى يوسف
28-03-2005, 03:29 AM
ردك وتعقيبك على مواضيعى يسعدنى دائما ويشرفنى بل ويشجعنى ايضا
جزاك الله خيرا
وحقا صدقتى
اللهم أرزقنا الأوفياء
أمين