عرض الإصدار الكامل : العلبـــة الســــوداء للمملـــــــكة


الجهاد147
06-02-2005, 01:50 PM
دخل رقعة سنوات الرصاص متدربا وخرج منها مخططا لسياسات في الظل. من الصحراء وخباياها إلى الحركة الحقوقية ومطالبها ومن الضحايا وآلامهم الى مسلسل الإنصاف ومخاطره، إنه فؤاد عالي الهمة عين الملك محمد السادس على ما يجري في مشهد حقوقي ساخن. الهمة كان يرغب في مساءلة الجلادين والكشف عن أسماءهم، فانتهى في طبعته الحالية عند المصالحة مع المجهول !
إذا استطاع الجينرال حميدو لعنيكري أن يمسك بمفاتيح الخارطة الأمنية والإستخباراتية دفعة واحدة، فإن زميله المفضل فؤاد عالي الهمة تمكن من أن يحول مكتبه الخاص وفي أقل من خمس سنوات إلى علبة سوداء تكتنز أهم ما يجري في المملكة من أسرار مخيفة.
إنه في عوالم السياسة وتقلباتها وفي الاقتصاد وجرائمه وفي الحياة الحزبية ودهاليزها، في الأمن والإعلام والإسلاميين والصحراء وحقوق الإنسان أيضا ! ومن مكتبه الهاديء يصنع برامج المواجهات الاستباقية لملفات تصل إليه عبارة عن معلومات دقيقة وخلاصات فائرة.
رقم 1 في مطبخ الداخلية والعهدة على مصدر يقدم نفسه صديقا للهمة، يضع تحت إبطيه مصطفى الساهل وزير الداخلية الرسمي من جهة وياسين المنصوري في مختبر الشؤون الداخلية من جهة ثانية، وفي محطات كثيرة يصبح فيها ابن بن جرير مستشاراً من طينة خاصة للملك محمد السادس.
وربما لعلاقته التاريخية الطيبة بولي العهد وهما طالبان بالمدرسة المولوية، تدرج فؤاد في أسلاك المهمات الحساسة بسرعة فائقة وهو اليوم عين محمد السادس الملك في قضايا كان إلى حدود ما قبل "التناوب" متتبعا لها لا غير ثم أصبح مخططا فمنفذاً لها إلى جانب بعض الفاعلين الحقوقيين فيما يتعلق بالطي المتتالي لماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
أما الفرق بينه وبين محمد المعتصم، المستشار الملكي المكلف بالتسويات القانونية والدستورية والحقوقية لشؤون المملكة الشريفة، فكون الهمة المنفذ الحذر لما يرسم في سراديب البلاط الملكي من استراتيجيات عامة والمتتبع المحترس لمطالب الحركة الحقوقية والمفاوض في الظل لبعض ممثليها والدرع الواقي للمملكة في جملة من الأحداث التي عاشتها حقوقيا.
وكأي مسؤول شاب يبحث عن الشفرة المناسبة لقراءة تطورات جديدة عليه ولحركة حقوقية لا تفهم مطالبها بعقل الأمني، كان على فؤاد الهمة وهو كاتب دولة بوزارة الداخلية على عهد حكومة عبد الرحمان اليوسفي، أن يلبس عباءة المفاوض الهادئ والمحاور المنصت والحكومي المتقبل لحقائق صريحة ساخنة وإن كانت تجعل السلطة السياسية في العهد القديم أولى الجهات المسؤولة عن التعذيب والاعتقالات التعسفية والاختطافات والاختفاءات القسرية والتصفيات… طيلة العقود الماضية !
لقد أنصت فؤاد الهمة، والكلام دائما لعضو سابق بقيادة منتدى الحقيقة والإنصاف، لما يكفي من هذه التصريحات المزعجة والوقائع المثيرة… في أولى اللقاءات التي جمعته ببعض رموز المنتدى تارة بمقر وزارة الداخلية وتارة خارجه.
وخلال هذه اللقاءات التي كان يطغى عليها طابع الحوار بدل التفاوض وتبادل وجهات النظر يحضرها تارة محمد المعتصم العضو الدائم لدى المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، كانت أعين الهمة مصوّبة نحو الأهم وهو بناء جدار ثقة صلب مع أصحاب مقاربة فريدة لطي صفحة السنوات السوداء، السبيل الوحيد للإمساك بإرهاصات تجربة جديدة لا يُعرف مآل مخاضاتها خصوصا وأنها تحمل في قيادتها وقواعدها وأفكارها… الفئة المغضوب عليها من طرف النظام : المناضلون الصحراويون.
ومع توالي هذه الجلسات التي لم يكن يتسرب منها في المجالس الوطنية للمنتدى إلا ما تيسّر، أصبح الهاتف المحمول لكاتب الدولة في وزارة الداخلية مفتوحا في وجه بعض القياديين السابقين بمنظمة الضحايا، إما من أجل التدخل العاجل لتسوية انتهاك جديد أو لترتيب لقاء يعد بالغ الأهمية، فأصبحت الطريق نحو فؤاد الهمة الشخص والمسؤول الحكومي لا تتطلب تأشيرة مرور أزيلت معها البروتوكولات الرسمية بين الطرفين، وبدل السيد كاتب الدولة في وزارة الداخلية، فؤاد وحدها تكفي !
وقد تكون هذه استراتيجية من أدرك أن طريقة الحوار أهم من مضمونه وأن الأهم من هذا وذاك هو الإمساك بخيوط الملف جيدا والتعرف على ما يكفي من خباياه وآلامه في انتظار الفرصة المناسبة لترتيب "التخريجات" الحقوقية بما تسمح به ظروف المملكة ومصالحها العليا.
فقد حكى لي مصدر حقوقي، فضل عدم الكشف عن إسمه، كيف كان يسجل كاتب الدولة معطيات مثيرة في قضايا ساخنة كانت بعيدة عنه وكيف كان يطرح السؤال تلو الآخر لاستيعاب ملف شائك مليئ بالأخطار المهددة للمملكة وكيف جعلته تلك اللقاءات يتقدم بطلبات دون أن تطلب منه ! وعلى سبيل المثال، يتذكر نفس المصدر حينما اتصل الهمة بأحد الأصدقاء الحميميين لإدريس بن زكري يخبره أن الملك محمد السادس على استعداد لنقل بن زكري، وقد كان طريح الفراش لا يقوى على الحراك مطلقا، إلى أفضل المصحات الخاصة خارج أرض الوطن لإجراء الفحوصات الطبية اللازمة، فكان أن رد رئيس المنتدى سابقا وبطريقة لبقة أن وضعيته الصحية في تحسن وأن عودته لمعارك الضحايا مسألة وقت ليس إلا.
ولم تقف استراتيجية فؤاد الهمة عند هذا الحد بل تطورت إلى أبعد من ذلك، إلى الدرجة التي أصبح فيها قياديون سابقون بمنتدى الحقيقة والإنصاف على علم بما يحكيه بعض رفاقهم في جنوب المملكة، بفرع المنتدى بالعيون، من علاقات مع بعض نشطاء جبهة البوليساريو خارج البلاد !
ويعود بكم نفس المصدر الحقوقي إلى ما بعد قافلة قلعة مگونة الشهيرة وإلى ما جرى بمقر وزارة الداخلية وفي اللقاء الذي أدهش بعض المسؤولين السابقين بالمكتب التنفيذي للمنتدى وهم ينصتون لتسجيلات صوتية لبعض النشطاء الصحراويين وهم يتحدثون لساعات طوال مع نشطاء البوليساريو !
وعلى ذكر قوافل المنتدى الساخنة، كان فؤاد الهمة وراء تأجيل قافلة أكدز المثيرة مرتين ! بدعوى تزامنها مع ذكرى تأسيس جبهة البوليساريو أولا ثم مخافة حدوث ما لا تحمد عقباه من قبيل ترتيب إنزال مرفوض من قبل المختطفين الصحراويين المفرج عنهم من جحيم أكدز، ولعلكم تتذكرون رد هؤلاء الضحايا حينما قرروا المشاركة في القافلة بتمثيلية رمزية خلفت وراءها تقييمات ساخنة بهياكل المنتدى وطنيا.
الأكثر من ذلك، فؤاد الهمة، وزير الداخلية الحقيقي وعين الملك على ما يجري في الأقاليم الجنوبية، كان خلف استراتيجيةإغلاق مكتب فرع منتدى الحقيقة والإنصاف بالعيون بدعوى ارتباطات أعضائه بمقاربات الانفصاليين أعداء الوحدة الترابية، أما حينما وصل هذا الموضوع إلى ردهات المحاكم تبين لقيادة المنتدى في طبعتها الجديدة أن محاضر الضابطة القضائية ليس فيها ما يدين نشطاء المنتدى بالجنوب وكل ما في الأمر خلاف في الرأي وفي القناعة السياسية حول الصحراء والوضع السياسي ومتطلبات المرحلة.
مقابل كل ذلك، ظل ملف الضحايا ومطالبهم جامداً برفوف وزارة الداخلية سنوات، وحتى مع تزايد إحساس قيادات منتدى الحقيقة والإنصاف بتفهم مسؤولي العهد الجديد لمقاربة المنظمة الحديثة العهد ولهويتها ولمطالبها، من الكشف عن المختطفين مجهولي المصير إلى مساءلة الجلادين، كانت تعود في نفس الوقت إلى مقرها الرئيسي بخفي حنين كما العائدون من ميدان معركة خاسرين.
لقد تبين، والكلام هنا لعضو قيادي بالمنتدى، أن تفهم المسؤولين لمقاربة المنتدى لا يعني اقتناعهم بها ولذلك لم توازه بلورة صادقة لمطالب مستعجلة من قبيل التسوية الاجتماعية أو الإدارية لضحايا لم يكن بمقدورهم حتى أداء واجب الإنخراط أو تقديم العلاج اللازم لضحايا في حالة صحية صعبة جدا..
ففي سنة 2001 أضحى الملف الحقوقي بالنسبة لمسؤولي المملكة الشريفة في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية بعد الإنتخابات والإسلاميين، وأصبحت أبواب الداخلية موصدة في وجه ممثلي الضحايا والحركة الحقوقية، وطغى على العلاقة التي كانت تجمع الطرفين توتر مثير وساهم في هذه الأجواء الباردة ما تسلمه فؤاد الهمة من ممثلي المنتدى سابقا في وثيقة تضم مقاربتهم لطي صفحة سنوات الرصاص ظهر فيما بعد أنها لم ترق مسؤولي العهد الجديد وهي تتحدث عن تأسيس لجنة وطنية مستقلة للحقيقة وتسليم الرفات والكشف عن المقابر الجماعية ومساءلة الجلادين فكان مصيرها رفوف النسيان !…
لقد أدخل الهمة هذه الوثيقة لمختبرات الداخلية ولقنوات التشاور والتمحيص بالبلاط الملكي لما يفوق سنتين إلى حين تهييء الأجواء السياسية لطي ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بما تريده سلطات الدولة.
وكانت أولى الفرص السانحة لتصريف استراتيجية الهمة وزملائه بالبلاط الملكي، تعديل ظهير المجلس الإستشاري لحقوق الإنسان، فكان محمد المعتصم الذي وصف قبل سنتين إدريس بنزكري بـ "الطائر النادر" وفؤاد عالي الهمة الذي ارتقى لمنصب الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية من أدارا مفاوضات شاقة دخل على خطها عمر عزيمان لإقناع بنزكري بثورية التعديلات، على الرغم من أن هذا المناضل الحقوقي يدرك أكثر من غيره بأن المجلس مؤسسة تابعة للملك، يتطلب مجرد تحديد جدول أعماله إذنا من أعلى سلطة في البلاد !
إنه الحدث الذي طبع المسار الحقوقي بامتياز ومع التحاق رئيس المنتدى السابق إلى رحاب الأمانة العامة للمجلس الإستشاري لحقوق الإنسان بعد مشاورات أليمة مع أقرب المقربين إليه، أصبحت الطريق معبدة لمؤسسات الدولة نحو حل الملف العالق لعقود بعيداً عن "إثارة الفتنة" أو "الضغينة"… أو "الإنتقام"… وما إلى ذلك !
وليس سرا أن بصمات الوزير الفعلي في الداخلية في اختيار بعض أعضاء هيئة الإنصاف والمصالحة واضحة، مقتنص الرؤوس المتفهمة لحساسية المرحلة ولمقاربة الدولة من خلال رئاسته في الظل للجنة كانت تضم محمد المعتصم وعمر عزيمان وادريس بنزكري.
وليس مبالغا أن الهمة والمعتصم من كانوا وراء استبعاد ما يفوق عشرين عضوا كانوا مرشحين لعضوية هيئة الإنصاف والمصالحة عبر مصفاة ترشيح تميز في معاييرها ما بين أصحاب النوايا الحسنة المتفهمين لأهداف المملكة والغاضبين من توصية لن تكشف عن أسماء الجلادين مطلقا.
هو ذا الهمة، الداخل إلى رقعة سنوات الرصاص متدربا والخارج منها مخططاً لسياسات في الظل، هدفها الأول والأخير استقرار مملكة قذفت بآلاف من أبناءها إلى جحيم التعذيب.